قال الله جل جلاله ]حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُوَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُوَلاَيُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ (110)[[يوسف: 110]
وقال سبحانه تعالى: ]أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَوَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُوَالضَّرَّاءُوَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُوَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَإِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)[[البقرة: 214]



هاتان الآيتان تبين لنا سنة الله في الدعوات؛ هذه السنة التى تشمل على الشدائد والكروب والابتلاءات، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة حتى تبذل أخذًا بالأسباب. فالآية الأولى تصور لنا صورة رهيبة؛ هذه الصورة ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود، وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل، وتكر الأعوام والباطل في قوته، وكثرة أهله والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة. إنها ساعات حرجة، والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر. والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض. فتهجس في خواطرهم الهواجس... تراهم كذبوا؟ نرى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا؟
وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر.. في هذه اللحظة التى يستحكم فيها الكرب، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة، في هذه اللحظة يجئ النصر كاملا حاسما فاصلا ]...جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُوَلاَيُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ (110)[[يوسف:110]([1]).
جاء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التى يتعلق بها الناس، جاء النصر من عند الله سبحانه؛ حتى يكون هذا النصر غاليًا، ولا تكون الدعوات هزلاً؛ لأن "دعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثًا ولا لعبًا؛ فإنما هى قواعد للحياة البشرية، ومناهج ينبغى صيانتها وحراستها من الأدعياء. والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة. لذلك يشفقون أن يدعوها، فإذا ادّعوها عجزوا عن حملها وطرحوها، وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التى لا يصد لها إلا الواثقون الصادقون الذين لا يتخلون عن دعوة الله، ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة"([2]).
والآية الثانية يخاطب الله فهيا الجماعة المسلمة الأولى ويوجهها إلى "تجارب الجماعات المؤمنة قبلها، وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين، الذين يكل إليهم رايته وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته وهو خطاب مطرد بكل من يختار هذا الدور العظيم"([3]).
وسؤال الرسول r والذين آمنوا معه: ]مَتَى نَصْرُ اللَّهِ؟[ يصور مدى المحنة التى تزلزل هذه القلوب الموصولة بالله عز وجل، ولن تكون إلا محنة فوق الطاقة وفوق الوصف؛ فإذا ما ثبتت هذه القلوب على مثل هذه المحنة فوق الطاقة وفوق الوصف؛ فإذا ما ثبتت هذه القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة تمت كلمة الله وجاء النصر مدخر لمن يستحقونه، ولن يتسحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء، الذين يصمدون للزلزلة . الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة، الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله، وعندما يشاء الله، وحتى حين تبلغ المحنة ذروتها فهم يتطلعون فحسب إلى نصر الله، لا إلى أى حل آخر، ولا إلى أى نصر لا يجيئ من عند الله، ولا نصر إلا من عند الله.
بهذا يدخل المؤمن الجنة مستحقين لها، جديرين بها، بعد الجهاد والامتحان، والصبر والثبات والتجرد لله وحده، وللشعور به وحده، وإغفال كل ما سواه، وكل من سواه"([4]).
ويرفعها على ذواتها، ويطهرها في بوتقة الألم، فيصفو عنصرها ويضئ، ويهب العقيدة عمقًا وقوة وحيوية، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها، وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجًا". هذا هو الطريق إيمان وجهاد، ومحنة وابتلاء، وصبر وثبات، وتوجه إلى الله وحده، ثم يجئ النصر ثم يجيئ النعيم"([5]).
من هذا نعلم أن اليسر لا يكون إلا بعد العسر، والتمكين لا يكون إلا بعد الابتلاء والاختبار. ]أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّاوَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2)[[العنكبوت:2].
هذه سنة الله سبحانه وتعالى مع الدعوات الصادقة فأبشر أخى المسلم فإن نصر الله آت، ]ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا[.
والله الهادى إلى سبيل الرشاد.