النهضة العمرانية الصحيحة وسياسات الإعمار

بقلم: م.فراس الجعبري
15/5/2009
أبحاثٌ لم تنضب من مخلصين ومجتهدين كان همهم الإرتقاء بالعمارة العربية الإسلامية والإنعتاق من عمارة اللاهوية والتخطيط المستورد بهدف تأسيس صورة (ذاتية الصنع) تناسب بلادنا وإنسانيتنا، جهودٌ أرادت إيجاد الحلول، من خلال النقد وتشخيص الخلل والإرشاد والمقارنات والمقاربات....تكلم الكثيرون عن المدينة البيئية وعن المدائن الصحية، عن هيئة العمارة والعمران ، غياب الهوية الثقافية، عن انعدام التخطيط السليم، غياب التشريعات ومواكبة التحديات وعن التأثيرات الإجتماعية، وعن غياب الإعتناء بالناحية الإجتماعية المتولدة من هياكل المدن والعمائر...
إلا أن ما يفطر القلب أن شيئاً لم يؤخذ من كل تلك الثروة الهائلة من المعلومات والأبحاث والفكر المُقنِع (على الصعيد الرسمي)، على الرغم من وجود حالات ملهمة محلياً لا تعدو كونها فردية من قبل عمالقة نُكن لهم كل التقدير والإحترام، فقد تغاضى المسئولون عن تلك (الثروة الهائلة) دون إعمال للعقل بها، مما أبقى الوضع على هيئته وسوء حاله!
إلا أن ذلك لا يعني القعود والقبول، والتوقف عن البحث والتفكير، فالفكر إن بقي حبيساً في بطون الكتب والأوراق يبقى فكراً، فلا بد من نشره ولا بد من العمل على تطبيقه حتى يكون واقعاً ملموساً، فهذا ما يتطلبه الإخلاص والجدية في العمل، لكي نضع حداً لعمرانٍ أفقد الإنسان هويته، وأكسبه أمراضاً مزمنةً وحالة نفسية مزرية وإحباطاً نال جُلَّ حياته، فأبعد أهم مرتكزات مجتمعه القائم على التضامن والتعاون والتكاتف، عمرانٌ نتج من خلال سياسات ممنهجة، أفقدتنا هويتنا ووضعتنا في مهب الإستهلاك وتجرع إخفاقات التقليد الغبي على الرغم من فظاعة التأثيرات الإجتماعية!.
عمرانٌ جاء ضمن متغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية تحت عنوان الحداثة ومواكبة التطور والإستثمار الداخلي في سياق النهضة العمرانية العالمية، فبتنا ضمن هذا الوضع مرغمين لنعيش رتماً سريعاً في الحياة ونمطاً لا ينسجم مع هويتنا الثقافية ولا بأي حال، فرضت من خلاله معاني غريبة في المجتمعات والتعاملات وسياسات السوق التي قادتنا لآفاقٍ من التقليد الأعمى للغرب بكل سيئاته، فأصبحنا نعيش في بلادنا كالغرباء، ليس لنا علاقة بالمكان وليس للمكان علاقة بنا!.
فغابت سياسات العمران الذي تتمحور حول الإنسان، حول حاجاته وسبل راحته ومستقبله وانسجام ذلك مع ثقافته ومناخه واقتصاده على وجه يخدمه وتطلعاته وطموحاته ويتحكم بسلوكياته وباتت غير موجودة، لأن ذلك يُشكل بيئةً ونسيجاً يحفظ للمجتمعات ثقافتها وتطلعاتها والهدف من وجودها بشكلٍ مستدام، ولأنه يُحقق الإستمتاع بالمكان والشعور الذي يخلق الراحة النفسية الذي يؤسس (بيئة ملهمةً) دافعة للإنسان في حياته فينطلق من خلالها ليعمر الكون فيذلل ويطوع الطبيعة بما فيها لخدمته في سبيل رفعته ونهضته وبحثه عن الكمال، فلربما قاد هذا الحال لتهديد مصالح أعلى!.....

إن المتأمل في مسار واتجاه أعمال العمران وسياساته منذ عقود في بلادنا يفهم بوضوح حالة التخلف المدني وبقاءها (أو إبقاءها) بمشاكلها وانعكاساتها على الفرد والمجتمع والأداء البشري، بما يخلق مشاكل متولدة، عصيةً في حلها، قادتنا في سياق التبعية وسوء الرعاية وغياب النهضة العمرانية الصحيحة، الى حالةٍ من التفكك المجتمعي والترابط، واستبدال نمط الحياة الأصيل بخليط من أنماط الحياة، يُبعدنا عن مسارنا للنهضة الصحيحة، قادتنا الى حالةٍ تشكلت فيها قوى جديدة من الشركات الخاصة والمستثمرين والخبراء الوافدين بما يسمح لهم بالسيطرة على قطاعاتٍ كثيرةٍ تمس المواطنين بدافع(تفعيل دور قطاعات المجتمع المدني) القائمة على المنفعة والمصلحة التي ساقتنا إليها الرأسمالية البشعة، وبما ينفي تُهمة التقصير عن الحكام الذي انحصر دورهم في (تصريف الأعمال) بدل القيام بأعبائها!، بما يُثير تساؤلاتٍ عن سبب كل ذلك؟ ولأجل ماذا؟
لم يكن على الدوام مردُّ تلك المشاكل الناتجة والصورة البشعة قلة المال أو الوعي البيئي والثقافي، أو غياب الهوية الثقافية وتجسيدها على أرض الواقع، أو انعدام الثقة بالذات وبالكفاءات وبالإمكانيات، أو وجود عقدة الأجنبي في بلادنا، بل كانت نتيجة سياسات مقصودة في رعاية البلاد والعباد، تمخضت عن قرارات إدارية قاصرة نتجت عن سياسات لم تهدف الإرتقاء بالمواطنين.
ولو كانت كذلك، لقادت الى دراسة الإحتياجات الوظيفية البشرية المستنبطة من دراسات واقعية ومستقبلية للسكان تحدد مستقبل النمو واتجاهاته تبعا (للصورة المنوي الخروج بها لهذه التجمعات البشرية)، لتعكس المرتبة المنوي وصولها بهم، هل إلى أعالي القمم؟ أم الى حضيض الأمم؟ والواقع أكبر شاهد على تلك السياسات، ليس عُمرانياً فحسب بل على شتى الأصعدة!
إنه لمن الحقيقة أن مدائننا باتت وثيقة الإرتباط بالعديد من الأمراض المزمنة وبؤرةً للمشاكل النفسية المقعدة والمُحبطةِ عن خوض غمار الحياة، والتي باتت ملحوظة والتي تزيد خطورتها عن أعتى الأخطار البيئية المحدقة والتي تحدث بها كثيرون.
وللتأريخ أقول أن مرد المشهد العمراني هذا لم يكن بسبب غياب ثقافة ووعي المواطن وانتشار ثقافة البناء الفوضوي، لأنه من المعروف بداهةً أن الدولة هي من يصنع الوعي والثقافة عند المواطنين، والمفاهيم التي تتحكم بسلوكياتهم، من خلال إمكانيات الدول(حتى الفقيرة منها) فمن منها لا يمتلك جهازاً للإعلام لتثقيف الناس وتعليمهم وبث الوعي بينهم! ألم تكن رسالة الإعلام التعليم والتثقيف؟
لم يكن مرد التلوث البصري الذي تشهده معظم مدننا هو عدم وجود لغة موحدة تشكل المشهد الذي نرى، أو وجود تشريعات وقوانين تُفصّل الهيئة المنوي الخروج بها، بل سبب ذلك عدم وجود نية عند الدول لحل تلك المشكلة، فلربما أخذت المشاريع الخاصة والسياحية منهم جل تفكيرهم واعتنائهم، فلم يكن هناك تفكيرٌ في المواطن بوصفه إنسان، أو بمستوى التمدن المنوي الإرتقاء به ليصله، وتأثير كل ذلك عليه!
لم يكن مرد غياب مفهوم المدينة الصحية الى انعدام الإمكانيات أو غياب التنظيم والقرار في خلق بيئة ومدائن صحية، وإنما مرد ذلك الى عدم وجود النية وانعدام الرغبة في تطبيق تلك التعاليم السماوية المتعلقة بهذا المنحى وعليه قس!
لم يكن مرد عدم اللحاق بالركب العالمي من حيث تطبيق النظريات المتعلقة بتقنين الطاقة والبحث عن طاقة بديلة، واستغلال الطبيعة من حيث التحكم فيها بيئياً الى عدم المقدرة الذاتية على ذلك، وإنما مرده الى انعدام القرار والتقصير وقلة المسؤولية حتى باتت بلادنا بؤرة للتلوث ومكباً للنفايات، فبتنا في واد وسياسات الإعمار في واد آخر!
لذلك لم تنتج تلك الصورة المشرقة التي يسعى لها الإنسان، وبتنا في سياق غريب، بين ما يريده الساسة وبين ما يُناسب الناس، فنتج عندنا على مر السنين أنظمةٌ ومجتمعاتٌ وعمرانٌ متولدةٌ فيهم الإشكاليات، حتى أصبحت المدينة العربية حقيقةً تحوي عناصر لا تساعد على قيام الحياة بل اندثارها، وصار عندنا نمط حياة مفروض لا يسعد فيه الإنسان ولا يرتبط به الإنسان بالمكان.
لقد كان لغياب النهضة الصحيحة الأثر في كل ذلك، ذلك أن الأساس الذي تنبني عليه النهضة الصحيحة هو الفكر السليم، الذي يناسب الإنسان، بقيادة رصينة مخلصة تعيش للناس ومع الناس، تطبق المبدأ، فيحمله الناس، على عكس ما نعيش اليوم، لم تكن مشاكلنا يوماً نضوب الأدمغة وندرة الباحثين، وإنما غياب النية في التفكير في صالح المواطنين وغياب المخلص من المسئولين، الأمر الذي يسير بنا نحو هاوية التفكك الحضاري والديموغرافي والإجتماعي وبشكلٍ ممنهج!
نحن امةٌ حباها الله بالموقع الهام وبالموارد البشرية والطبيعية بما يحسدنا عليه غيرنا من الأمم، نحن بموقع يؤهلنا لقيادة العالم لنعكس حضارة ملأت ربوع الدنيا بالعدل والرحمة والإنسانية، فعندنا المال والإمكانيات البشرية والطاقات الكامنة اللازمة لكل ذلك، والأهم من كل ذلك أن عندنا مبدأ من عند الله، نظامٌ متكاملٌ لشتى شؤون الحياة!.
أعتقد أن مفهوم النهضة العمرانية الصحيحة لا يمكن تجسيده إلا من خلال علاقة وطيدة اجتماعية سياسية أولاً، مبنية على فكر صحيحٍ مُنهِِضٍ ثانياً، دون تضارب وتعارض بين ما يريد الحاكم لرعيته من صورة، وبين ما يريده المحكوم، نهضةٌ يمكن تجسيدها من خلال مبدأٍ رفيعٍ لتعاملاتهم في حياتهم، يُحقق انسجاماً وثيقاً بين الناس والدولة متجسدٌ بسياساتٍ مبنيةٍ على الإنسانية والرحمة والعدل، يتبعها تخطيطٌ سليمٌ لانتشار المدن والتجمعات السكانية ونموها وتطويرها ورعايتها يشكل حضريٍ كامل ومتساوي، بما يضمن الهوية الثقافية ونمط الحياة الأصيل، دون فسادٍ ماليٍ أو إداري، دون هدر للأموال العامة والطاقات.
إن تحقق هذا المعنى، حينذاك، ستنعكس صورة مشرقة لحق الرعاية المنبثق عن نظام مبني على التعامل مع الإنسان بوصفه إنسان، فيتحقق حينئذٍ الإستمتاع بالمكان، وحينها فقط يكون المكان صديقاً للإنسان، فيتولد الشعور الذي يخلق الراحة النفسية، وتُخلق البيئة الدافعة للإنسان في حياته فينطلق من خلالها ليعمر الكون فيذلل ويطوع الطبيعة بما فيها لخدمته في سبيل رفعته وبحثه عن الكمال، حينها فقط تكون نهضتنا العمرانية سائرةً في الطريق الصحيح، والتي أعتقد أن تطبيقها ليس مستحيلاً لولا وجود تلك الموانع الموجودة التي أبعدتنا عن موقعنا الصحيح في طريقنا للنهضة المنشودة ليس في العمران وحده وإنما في شتى أصعدة الحياة!.



م.فراس الجعبري