من القصص التربوي المفيد قصة "جلفر في أرض الأقزام" حيث يجد جلفر نفسه فجأة في وادي الأقزام، والكل ينظر إليه بانبهار وإعجاب.

ومن المشاهد المؤكدة على التعملق الكاذب تلك النباتات العشبية ذات السيقان العشبية الضعيفة والملتفة والمتسلقة التي تنبت في أرض الغابة، فتتسلق على سيقان الأشجار الخشبية وتتعلق بها لتظهر لنفسها السيادة الكاذبة في الحياة النباتية.


تذكرني قصة جلفر والنباتات العشبية بالمتنفذين والمديرين والرؤساء الكاذبين الذين يجمعون حولهم الصعاليك والأقزام، فالمتنفذ الذي يبغض المتفوقين والفائقين والأذكياء والمبدعين والأحرار , ويحب الوصوليين والنمامين والبصّاصين , يجلس في مكتبه العملاق وهم من حوله على تلك المكاتب الصغيرة، وإذا صادف وتعين في واديهم أحد الأكفاء حاولوا تقزيمه في المكان والوظيفة.


يحضر العملاق الكاذب فيقف الأقزام "تعظيم سلام" ويهرع الكل لإدخال القهوة والشاي لفخامة المدير، ويطلقون البخور احتفاء بوصول سيادة المدير، ويحمل كل أوراقه لينال رضا العملاق الزائف والمثول بين يديه، وتسمع كلمات المدح الغريبة: أنا خادمك المطيع، ومحبك المخلص، وموظفك الأمين، وحامل الأسرار، والموصل للأخبار. هكذا وصل الحال ببعضنا والعياذ بالله، وتفاقمت الظاهرة حتى كادت تسود، ويحلم كل قزم بأن يأتي اليوم الذي يتعملق فيه، وتراه يخرج معاليقه التي ترقص في الهواء استشعارا وبحثا عن دعامة تلتصق بها لتصل إلى وظيفة المدير المتعملق، ولذلك يكره الموظفون في ديارنا العربية الوظائف العملية، ويعشقون الوظائف الإدارية والإشرافية، ويكره المعلمون في مدارسنا الوظائف التدريسية ويسعون إلى الوظائف الإشرافية، ويصور المصورون ووسائل الإعلام المديرين والرؤساء في صور كبيرة عملاقة ويضعون صور العاملين صغيرة مهملة باهتة كئيبة.


يحرص المتعملق الكاذب على حضور حفلات الافتتاح وقص الشريط وتوزيع الجوائز والأوسمة والدروع، ويغيب عن ورش العمل والأنشطة الميدانية الشاقة والمتعبة.


وبعض المتعملقين الكاذبين يقومون بالتخلص الفوري من العاملين والمتنفذين السابقين عند وصولهم إلى الوادي الجديد، عملا بمنهاج أهل جهنم: " كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا" الأعراف (38) ، ومن مبادئهم الشريرة: "عند وصولك وتمكنك تخلص من كل من ساعدك على التعملق الكاذب حتى لا يتبقى في العمل سوى الأقزام الذين يقفون "تعظيم سلام" عند وصولك وعند خروجك ويبلغونك بكل كلمة وهمسة ولمسة تتم في المكاتب والصفوف وأماكن جلوس وتجمع الموظفين" ويغيب عن العمل من يعرفون أصله القزمي القديم .


يظل العملاق الكاذب يصول ويجول وتأتيه الهدايا وبطاقات الدعوات من كل حدب وصوب، وعندما يفجأ بالتقاعد والإحالة للمعاش ينفض الأقزام والصعاليك من حوله، فهم مشغولون بالعملاق الكاذب الجديد، وإن رأوا المدير الجديد يريد التخلص من سياسة الأقزام والتعملق الكاذب ظلوا حوله بالنصح والإرشاد والترغيب والترهيب إلى أن يدخلوه إلى قفص العملاق السابق والأسبق.


هذا حال الكثير منا إلا من رحم ربك ، لذلك انشغل هذا الصنف من الناس بالمظاهر الكاذبة، والمكاتب الفخمة، والأنشطة الزائفة، والمسميات الوظيفية العملاقة، وانصرفوا عن الإنتاج والعمل والإتقان والإبداع، لذلك ترانا لا نحقق سوى التخلف والانهيار في شتى مناحي الحياة الوظيفية والإنتاجية. اهتممنا بالمكاتب الفاخرة والمباني المبهرة وأهدرنا المال العام في تلك المظاهر الكاذبة، وأهملنا التعليم والتعلم الإبداعي الحقيقي والمؤثر والمفيد، وهرع الجميع - إلا من رحم ربك -للجامعات الخاصة ومراكز بيع الشهادات الورقية، وانتشرت تخصصات الإدارة والوجاهة وتراجعت تخصصات العلوم الكونية والزراعة والصناعة والعمل الشاق المؤثر والمنتج.
علينا تقوى الله، والعمل الصالح، والبعد عن المظاهر الكاذبة، وتربية أبنائنا على الجد والاجتهاد والعيش في وادي المبدعين والمنتجين والمخلصين و العماليق الحقيقيين, والبعد عن وادي الأقزام والمتعملقين الكاذبين الهالكين، وعلينا التوكل على الله، والعمل الجاد، والإسراع في الدخول إلى وادي الصادقين المبدعين الناجين بفضل الله ثم بفضل نياتهم المخلصة وأعمالهم الصائبة، وهم كثر في هذه الحياة والحمد لله، فالخير في أمة الإسلام إلى يوم الدين.


منقول