يتألف المجتمع من عدّة شرائح تتضمّن الغني والفقير والمعدم والمتوسط الحال وقلّة من ذوي رؤوس الأموال، وتنتظم هذه الطبقات وفق ترتيب هرمي يحتل فيه عدد قليل من الأغنياء القمّة ويشغل الفقراء ذوي الأكثريّة الساحقة قاعدة الهرم، وإذا استعرضنا تفاصيل حياة الطبقة الغنية نجد أن مصروف الشاب أو الفتاة الشهري يتجاوز 200 دولار, ولربّ ما أنفق في شهر واحد مبلغا من المال يكفي ثلاث أسر فقيرة لتعيش حياة كريمة، ولا أريد أن أتحدث عن الإسراف, ولكن عندما تعتاد الفتاة على حياة باذخة كهذه، فإنها عندما تبلغ سن الزواج فلن توافق على أي خاطب يتقدم لها ما لم يكن قادرا على الحفاظ على المستوى المعيشي الذي اعتادت عليه، وشباب بهذه المواصفات أعدادهم محدودة في مجتمعاتنا، خصوصا أنّ آخر الإحصائيات تؤكد أنّ حوالي 50 % من الشباب ليس لديهم عمل ثابت، و75 % منهم ليس لديهم سكن خاص، وإذا تقدم لهذه الفتاة شاب من طبقة متوسطة الحال ووافقت عليه فإنّ عادات وتقاليد هذه العائلات من حيث المهر والفرش والبيت والحفلات وغير ذلك، كفيلة بأن تغلق الباب في وجه هذا الخاطب المسكين !!


وحتى إن استطاع أن يتجاوز هذه العقبات فإنّ طلبات هذه الفتاة بعد الزواج وعدم تأقلمها مع الوضع الجديد كفيلة بأن تحوّل حياتهم إلى جحيم لا يطاق وقد يصبح الحل باللجوء إلى أبغض الحلال إلى الله وبالنتيجة سيقرر هذا الشاب أن يدق باب فتاة من طبقة مستورة الحال تستطيع أن تشاركه حلاوة الحياة ومرارتها، وهذا الكلام ينسجم مع الإحصائيات الأخيرة التي تؤكد أن عدد حالات العنوسة والطلاق بين الفتيات في الطبقات المخملية مرتفعة إلى حد كبير بالنسبة لمثيلاتها في الطبقات العادية، كما تؤكد إحصائية أخرى أنّ حوالي 200 ألف فتاة سنويا يفوتهنّ قطار الزواج في البلدان العربية.

ومن جهة أخرى فإن كل شخص في هذه الدنيا مهما كان غنيا لا يعرف ماذا تخفي له الأيام ولربّما استيقظ ذات يوم على وقع وضع جديد يتبدّل فيه الغنى إلى عوز وحاجة وحرمان، وإذا لم يستطع هذا الشخص تقبّل هذا الوضع الجديد والتأقلم معه – لبعده عن الله - فسيخسر كلّ شيء ولربّ ما لجأ إلى الهروب من الواقع بالانتحار أو المخدرات والإدمان على شرب الكحول، هذا إن لم يصب بانفصام الشخصية، ونسمع قصصا كثيرة حدثت في بلاد الغرب تدور أحداثها حول أشخاص أغنياء فلّسوا ولم يستطيعوا تقبل الوضع الجديد فماتوا بتأثير الجلطة أو وضعوا حدّا لحياتهم بالانتحار.

والحل برأيي يكمن في قوله تعالى (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) وفي قول سيدنا عمر رضي الله عنه عندما قال ( اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ) وبذلك على كل أم واعية ومتفهمة أن تعوّد أسرتها خصوصا الفتيات كل فترة من الفترات على نمط من الحياة البسيطة في المأكل والمشرب والملبس.


وإذا استعرضنا الفرائض التي أمر بها الإسلام نجد في ذلك تطبيق عملي للحديث الذي ذكرته آنفا، فالصيام : تعويد للمسلم على الجوع والعطش والتعب، إضافة إلى أنه يشعر الأغنياء بحال الفقراء، فيدفعهم ذلك إلى تقديم الزكاة والصدقات إلى الفقراء، وبرغم المشاق التي تعترض المسلم خلال شهر رمضان، نجد أنّ السعادة تملأ قلوب المسلمين عندما يقترب هذا الشهر الكريم
فلولا العطش ما شعرنا بلذّة الماء ولولا الجوع ما شعرنا بلذة الطعام ولولا التعب ما شعرنا بلذة النوم وقد قيل ( ما لذة العيش إلا بالحرمان ).