كنت في بلد أوربي يكثر فيه اللاجئون المسلمون الذين سكنوا في هذه البلاد طلبا لحياة أفضل وبعدما انتهيت من صلاة التراويح وإلقاء المحاضرة بعدها جاء إليّ أحد الأخوة الكرام وقال :يا شيخ أحد الأخوة العرب سمع عن مجيئك إلى هنا للدعوة فأحب أن تقابل ابنه !! فتعجبت وقلت :أقابل ابنه؟!! لماذا لا أقابله هو؟! ولماذا لا يأتي ويطلب ذلك بنفسه ؟ فقال: هو لا يصلي معنا ولكن ولده يشكو من مشكلة ويريدك أن تشارك في حلها ..

فركبت مع هذا الأخ في سيارته وذهبنا إلى هناك..

فلما دخلنا فإذا بشيخ قد ناهز الستين سنة من عمره طرد فيها وشرد وعذب وسجن ثم استقر به المقام مع فلذات كبده في بلاد الكافرين فعاش فيها أمنا مطمئنا يأتيه رزقه رغدا من كل مكان سلم علينا أدخلني إلى غرفة الجلوس...

وبعدها حدثني بطرف من قصة حياته المؤلمة وكيف أنه أتى إلى البلاد طلبا لراحة البال في زمن الشيخوخة بعد شقاء الشباب وعذابه!! قلت له:وهل وجدت راحة البال؟

قال: فيما يظهر للناس : نعم بيت واسع ..وسيارة فارهة .. وراتب مجزي .. لا عمل ولا نصب.. ولا كدح ولا تعب ..ولا تشريد ولا خوف ..

كل من رآني ظن أنني مرتاح البال وتمنى لو أنه في مكاني ولكن الحقيقة هي أنني أتعس الناس!!

لا أحكم أولادي ولا بناتي!! ..ولا أحكم زوجتي بل لا أشعر أنني رجل له شخصيته ومسؤوليته..حياتي رتيبة جدا ..أشعر كأنني آلة أو جهاز ينظر صانعه أن تنتهي صلاحيته ليستبدله بغيره!!

ثم تدارك هذا الشيخ الكبير نفسه وقال :

عفوا يا شيخ !!أنا لم أطلب مقابلتك لأجل أبث إليك هذه الهموم فهي أكبر من أن يحويها مجلس واحد وإنما أردت مقابلتك لأجل مشكلة لأصغر أولادي

أصغر أولادي _ يا شيخ _ عمره تسع عشرة سنة وقد جاء إلى هذه البلاد وعمره خمس سنوات درس في مدارس هذه البلاد وخالط أهلها في مدارسهم وأسواقهم وبيوتهم وملاعبهم و... ولم أكن أمنعه من شيء بل لم أكن أتدخل في حياته !!لأن التربية الحديثة تقرر ذلك وإن شئت فقل إنني لم أكن أستطيع أن أمنعه من شيء !! سواء كان محرما .. أو فاحشة .. أو غير ذلك !!لأنه يستطيع أن يتسبب في سجني أو معاقبتي لو أخبر الشرطة بذلك لن أطيل عليك :ولدي منذ فترة طويلة لا يصلي لا يصوم بل هو غير مقتنع بالدين أصلا كل الأديان يعتبرها ظلما للعباد!!

وفي الفترة الأخيرة بدأ يتضايق كثيرا ويعتزل في غرفته ولا يخالطنا بل صار في كل صباح يحلق رأسه بالموس وله تقليعات غريبة!

هل يمكن أن أدعوه لك لتقابله؟ فلعل الله أن يصلح حاله على يدك قلت:لا مانع من ذلك فصاح الأب الشفيق: محمد يا محمد وبعد لحظات .. دخل علينا محمد .. شاب قد امتلأ حيوية ونشاطا لعبت به الشهوات كما لعب بها مد يده إلي وقال السلام عليكم!

وعليكم السلام كيف حالك يا محمد؟ تدخل الأب وقال :يا محمد هذا الشيخ أتى ليناقشك في الأفكار التي تثيرها دائما عندي يا ولدي أنت مسلم..يا ولدي حرام عليك يا ولدي ثم بكى الشيخ واشتد بكاؤه وصمت …

فقلت لمحمد ذكر أبوك أن عندك بعض الأسئلة الدينية هل يمكن أن أسمعها؟ ولكن-عفوا –قبل أن أتذكرها

هل تفهم اللغة العربية جيدا

فقال أفهم كثيرا منها ولكن لا تتكلم معي بالفصحى

فقلت له في البداية يا محمد هل أنت مقتنع بأن الله موجود؟!

فقال: شو يعني مقتنع؟!!

فقلت له: يعني: هل أنت مؤمن أن الله موجود؟!

فقال:شو يعني مؤمن ؟!!

فقلت له: do you believe in Allah ?

فقال : أوه !! نعم نعم

فقلت: إن الله خلقنا ورزقنا وأمرنا بعبادته وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين ..و..

وطال النقاش ولم يقتنع بأن الله تعالى رب حكم عدل يستحق الطاعة والعبادة..

فلما رأيت ذلك ..قلت له:

أريد أن أسمع منك سورة الفاتحة { الحمد لله رب العالمين } فلما أراد أن يقرأها التبست عليه !! وإذا هو لا يحفظ قصار السور

فقلت له اقترب واجلس بجانبي فلما جلس بجانبي وضعت يدي على صدره وقرأت عليه سورة الفاتحة ثلاث مرات فبدأت الدموع تسيل من عينيه فأوقفت القراءة وسألته: لماذا تبكي؟ فقال بصوت يقطعه البكاء:لا أدري لا أدري فوضعت يدي على صدره وتلوت ...

{ لو أنزلنا هذا القران على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم } [الحشر:21-24]

وقوله: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون } [البقرة:164]

وقوله: { قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين, وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين, ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين, فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى فى كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم } [فصلت:9-12]

وغيرها من الآيات التي فيها تعظيم وإجلال لله تعالى ..

وكان الشاب يبكي بحرارة مع سماعه لهذه الآيات بل كان يتقطع بكاءً,حتى أنني بعدما انتهيت من التلاوة حاولت إكمال النقاش معه فلم يستطع أن يتكلم بكلمة..

فأمسكت يده وحاولت إيقافه على قدميه وقلت :قم صل ركعتين وابدأ حياة جديدة

فقام ذليلا بين يدي خالقه ومولاه الذي سواه فعدله الذي خلقه فهو يهديه والذي يطعمه ويسقيه وإذا مرض فهو يشفيه والذي يميته ثم يحييه ..

فقام بين يدي الملك جل جلاله وبكى ..وبكى ..فالقطيعة بينه وبين ربه قد طالت سنوات وبعد الصلاة وعدني أن لا يغيب عن صلاة التراويح مع الجماعة وحضور المحاضرات وكان ذلك ولله الحمد