إن أساتذة الجامعة هم القاطرة العقلية ، والعلمية ، والثقافية ، والتقدمية ، والإبداعية ، المهمة والقوية في المجتمع ، وكلما كان إعداد الأستاذ الجامعي متميزًا خلال مراحل تواجده في الجامعة ، وكلما وجد الطالب أستاذًا جامعيًا قائدًا علميًا خلقيًا فاعلاً وواعيًا وإيجابيًا وحياديًا في معاملة طلبته وفي قضايا أبناء وطنه وأمته , تعلم الطالب القيادة العقلية العلمية الفاعلة في الحياة والإيجابية السلوك ، والصدق في القول والعمل وشارك في بناء وطنه بتعايش وطني مستندًا إلى حلول أستاذه .


أما إذا عاش الطالب في الجامعة بين أساتذة سلبيين ، ورأى منهم نماذج غير قيادية ومنعزلة اجتماعيًا ، ومتعصبة طائفيًا ودينيًا , ومتحيزة مذهبيًا وقوميًا ، تعلم الطالب السلبية ، والخوف ، والخنوع والانعزالية ، والتعصب للطائفة والمذهب والجنس والقوم .



وعندما تغير إعداد أستاذ الجامعة والبيئة التي تربى فيها ، تغير دور الأستاذ ، وتحول من قيادي فذ إلى موظف ومحاضر دوره قاصر على تلقين المادة العلمية فقط ، وتحيز بعض الأساتذة لبعض طلابهم ، وفقد الأستاذ من هذا الصنف حياديته ودوره القيادي الفاعل ، واضطرت معظم الجامعات إلى ضبط سلوك الأستاذ وتقييد حريته ، ولكن المصيبة أن هذا التقيد والضبط السلوكي لبعض الأساتذة تم تعميمه على جميع الأستاذة ، وتحولت جامعاتنا الجديدة ومعظم الجامعات العريقة إلى بيئة الحسنة فيها تخص المحسنين والسيئة تعم الجميع ، وقيدت اللوائح والقوانين الجامعية الإشعاع الثقافي والقيادي والإعلامي الحقيقي لأستاذ الجامعة وتحولت معظم جامعاتنا إلى ثقوب سوداء بالنسبة للمجتمع ، فلا اتصال بوسائل الإعلام إلا من خلال الموظفين والإداريين والأمنيين في الجامعة ، وحتى في الموضوعات العلمية في مجال التخصص لابد من الموافقة والرقابة والمراجعة والتدقيق ، ولا إبداء لرأي علمي من دون المرور بنفس الخطوات .


كل ذلك بدأ تقييدًا لسلوك بعض المتخطين للخطوط الحمراء في التعامل مع الطلاب والقضايا الاجتماعية والوطنية ، ثم تم تعميمه على الجميع ، وبذلك خسرت مجتمعاتنا القيادة العقلية ، والعلمية ، والثقافية ، والاجتماعية ، والنفسية لأستاذ الجامعة ، وعندما حدث فراغ لمكان الأستاذ في المجتمع جاء من يملأ الفراغ من غير الأكفاء والعلماء ، وفقدنا الأنموذج العقلي العلمي المتميز والمعهود ، وفقدنا القيادة العلمية والريادة الوطنية لأستاذ الجامعة ، وغاب الدور الحقيقي والأصيل لأستاذ الجامعة داخل الحرم الجامعي وخارجه ، وجاءت الجامعات الخاصة لتزيد الطين بلة ، وحلت الصراعات الوظيفية والمادية محل القيادة العلمية ، وقدم أهل الثقة والمعرفة وأبعد أهل الخبرة والعلم ، فلم نعد نسمع عن القادة الجامعيين والمتميزين من أساتذة الجامعة .



ونحن لا ننكر أن هناك من أساتذة الجامعة من تخطوا هذه القيود بذكائهم ، وحافظوا على دورهم الريادي والاجتماعي في المجتمع وحازوا على ثقة الإدارة الجامعية وثقة المجتمع ، والتحموا مع إدارة الجامعة والقيادة السياسية في ذكاء عجيب ، واتزان متميز ، وهناك من رضي بالدور الوظيفي واللقب الجامعي ، وآثر السلامة ، وتحاشى الاحتكاك ودخل الجامعة وخارجها ، وقضى باقي حياته متأثرًا بحياة الأسر الطويلة في الوظيفة وفارق الحياة ولم يدع خطًا واحدًا متميزًا على سبورة الحياة .


هناك من نزل إلى درك الصراعات الطائفية والمذهبية , وشوه صورة أستاذ الجامعة تمامًا ، وهكذا حال معظم جامعاتنا العربية ، حتى في القضايا العلمية البحثية المجتمعية والاستثمارية غاب دور الأستاذ الجامعي والجامعة .


نأمل أن يعاد الدور القيادي العلمي والعقلي والاجتماعي والوطني والإعلامي لأساتذة الجامعة ، ليقودوا طلابهم ومجتمعهم في تعايش وطني علمي بعيد عن الفتن الطائفية ، والمذهبية والحزبية والقومية والدينية , لتكون جامعتنا محضن علمي للعلاقة المتميزة والعلمية والوطنية والحيادية ، والأخلاق العظيمة والتكافل الجامعي .


متى يعود لأستاذ الجامعة دوره المفقود ؟!


ومتى يعود دروه المأمول داخل الحرم الجامعي وفي المجتمع ؟!