إبراهيم عيسي - جريدة الدستور

فقهاؤنا المسلمون الأوائل علمونا منهجا للتعامل مع أي قضية بمبدأ تحرير المسألة، بمعني أن أي مشكلة أو قضية هي مسألة ولابد من تحريرها بمعني تحويلها إلي خطوات ونقاط وجزئيات وعندما نناقشها بتفصيلاتها ننتهي إلي حلها من جذورها، ولاشيء ينطبق عليه هذا المنهج سوي خلية حزب الله التي أعلن الأمن المصري عن كشفها والقبض عليها في مصر، ولا يمكن الحديث عن هذه الخلية بأي نحو وعلي أي شكل إلا بالتأكيد علي حقيقة واضحة لا شك فيها وهي أن حزب الله أخطأ خطأ كبيرا وهائلا، وأن ما أقدم عليه بهذه الخطوة انحراف في منهجه يستدعي النقد والرفض والتقويم، أقول هذا وأنا واحد من الذين ينظرون باحترام وحب عميق لحزب الله وسماحة السيد حسن نصرالله، وتاريخه وحاضره المقاوم لإسرائيل بكل عزة وفخر، وأشهد كما يشهد بذلك أعتي أعدائه من الصهاينة أنه هو لا أحد آخر الذي حرر جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي، لكن الثابت أنه هذه المرة كان مخطئا وفاشلا في الوقت نفسه، ليه؟

لقد خرج حزب الله عن منهجه في تحديد أرض المعركة وهي الجنوب اللبناني في مواجهة عدو عنصري واستعماري هو إسرائيل، وما كان من حزب الله أن يحول وجهته الجغرافية إلي مصر ولا إلي غيرها وإلا يصبح السؤال وجيها فعلا بصرف النظر عن صدوره من كارهي حزب الله وخصومه وهو: لماذا لم يذهب للأرض السورية وللجولان كي ينطلق منها مواصلا حربه الطاهرة والرائعة ضد إسرائيل أو دعمه النبيل للمقاومة الفلسطينية؟، أما أن يختار سيناء للقيام بأعمال هي في نظري شريفة في مقاصدها، وجوهرها مساندة ودعم المقاومة الفلسطينية لكنها هنا تتم علي الأرض الخطأ وفي المكان الحرام، لا يمكن أن نعتبر مساندة ودعم المقاومة جريمة، بل هي شرف يتقرب به صاحبه إلي الله ويصعد به رقيا في التاريخ، لكنها تبدو غير مفهومة بل غير شرعية عندما تتم علي أرض غير لبنانية وتنتهك سيادة أرض دولة أخري بدون التعاون أو التنسيق أو الموافقة أو التوافق مع النظام الحاكم، ففي هذا تجاوز يضر بالعمل النبيل، وفي هذا خطأ يضرب شرف الفعل، وفي هذا جريمة سياسية قبل أن تكون أمنية.

نعم أنا أعارض بقوة وبشدة وبوضوح تام منهج نظامنا المصري في التعاطي مع المقاومة الفلسطينية، بل أكثر من ذلك أدين بلا أي لبس أو التباس تورط (لا أقول تواطؤ) نظامنا في التطبيع الكامل الذي يصل إلي حد التعاون السياسي مع إسرائيل، ولا أكاد أصدق هذا الود والتساهل والتوافق الذي يبدو بين حكم مصر وحكام تل أبيب ولكن رغم كل ذلك فهذا النظام المصري مهما عارضناه فهو نظام وطني لا يمكن أن نتهمه في وطنيته ولا نملك ذلك وليس من حقنا أصلا، ومن ثم فالاختلاف البين الذي لا مداراة فيه بين معسكري الممانعة والاعتدال لا يسوغ لحزب الله التصرف من وراء النظام المصري متجاوزا دوره وسيادته علي أرضه، كانت هذه خطيئة سياسية (قبل أن تكون أمنية) وقد خلت من ذكاء وفطنة الحزب المقاوم الذي اختلط عليه الأمر وتاهت معالم الجرأة إلي التجرؤ، وضلت ملامح الحماسة إلي الشطط، ثم نأتي إلي الذي فهمه البعض من سماحة السيد حسن نصرالله علي أنه تناقض حين قال في خطابه الاعترافي الأخير أنه لا يريد أن يخاصم أي نظام عربي ولا يريد أن يعاديه، أتصوره يحمل فعلا شيئا من التناقض بين عزم علي عدم المخاصمة بينما يهاجم موقف نظام مصر بعنف، لكنني أفهمه كذلك علي نحو آخر، أنه يبدي تراجعا ومراجعة تستحق الالتفات والتنبه، وهذا يفتح بابا آخر في تحرير المسألة نفسها:

أ - لعل التحقيقات حين يهدأ الصخب وتبرد مشاعر الغضب سوف تثبت أن نشاط هذه الخلية كان مركزا علي دعم المقاومة الفلسطينية وتهريب السلاح إلي غزة، ولعلنا نذكِّر الجميع بأن هذا السلاح المهرب سواء من حزب الله أو من غيره هو الذي أعان جنود المقاومة وشعبها في غزة علي مواجهة الغزو الإسرائيلي الهمجي والنازي، والذي لولاه لدخلت إسرائيل شوارع غزة وحاراتها وبيوتها وكان إنزال هزيمة ساحقة بالمقاومة في غزة سيحول إسرائيل إلي وحش في المنطقة أول ما تأكله هو لحمنا في مصر، ودعنا نقول إن خبراء العسكرية الإسرائيلية وعشرات التحليلات قالت بمنتهي الوضوح (الذي لا يريد أن يراه بعضنا التطبيعي والتسليمي في القاهرة) إن إسرائيل لم تنتصر في معركة اجتياح غزة، وإنها لم تنجح في أي من أهدافها وأولها سحق المقاومة وفرض شروط استسلام وإذعان علي الشعب الفلسطيني، ومن ثم فلابد أن نفرق هنا بين حق المقاومة في امتلاك السلاح وحق الأرض المصرية في السيادة ورفضنا القاطع لانتهاك حزب الله لها وهو رفض ينسحب كذلك علي انتهاك إسرائيل لهذه السيادة الذي يبدو وكأنه يومي ويصل إلي قصف بيوت رفح المصرية وقتل جنود مصريين علي الحدود، فانتهاك السيادة ليس تهمة توجه فقط للعرب والفلسطينيين بل يجب أن تطول وتصل أولا لإسرائيل، لكن أن نكون علي هذا النحو من النعومة مع اختراقات وانتهاكات إسرائيل بينما نحن علي هذا القدر من التنمر والاستنفار الإعلامي والسياسي مع انتهاك حزب الله فهذا كيل بمكيالين يصب للأسف في مصلحة تل أبيب!

ب - قلنا إن نبل الغاية لا يسمح بالتجاوز في الوسيلة، وإن دعم المقاومة لا يشمل اختراق السيادة المصرية، لكن الأكثر أهمية أن خطيئة خلية حزب الله أنها في مصر وليست في لبنان، ولكن لا ينسحب هذا علي دعم المقاومة ولكن علي طريقة دعم المقاومة، كما لا يجوز هذا التجاوز في تحويل حزب الله إلي عدو كأنه شن حربا علي مصر أو قرر تخريب مصر أو إسقاط نظامها، أظن أن العدالة تقتضي أن نعاقب علي الخطأ لا أن نقتل المخطئ، وأن نحرص علي سيادتنا لكن لا نقطع صلة رحمنا العربية والإسلامية، فحزب الله جزء أساسي وأصيل من الشعب اللبناني وهو فصيل عزيز علي الأمة العربية وهو تنظيم مقاوم منتصر علي عدونا المشترك، فلا حاجة لنا للتعامل معه علي أنه إسرائيل، ده حتي إسرائيل لما نمسك لها جاسوسا نسجنه ولما تنتهك أرضنا وسيادتنا بنطلع بيانا مستحيا ولكن لا نقطع علاقاتنا معها، ولا نهدد بشن حرب عليها ولا حتي نوجه لها إنذارا. سيقول البعض إن هذا بسبب أنها إسرائيل وليست دولة أو تنظيماً عربياً، فالانتهاك عندما يأتي من عربي شقيق أفدح وأفظع، صحيح هذا كلام شكله من بره وجيه، لكن عكسه أصح فلأنه عربي ولأنه مسلم ولأنه ليس عملا عدائيا موجها ضد البلد بل موجهاً من البلد إلي عدو (أو علي الأقل الذي يعتبره كثيرون منا عدوا) فيجب أن نتوقف في معاملته ومعالجته عند حدود رفض الخطأ وصد الخطيئة ومعاقبة أصحابها في محاكمة عادلة إن انتهت بالعقاب، لكن أن نجعل من حزب الله عدوا فهو أمر خائب شأن خيابة مغافلة النظام المصري وإدارة عمليات من وراء ظهره في سيناء، من هنا يبدو فاصلا في واقعنا المصري الآن أن نحدد من هو عدونا؟.. يبدو أن النظام المصري قرر تحويل إيران وحزب الله إلي عدو بينما يتعامل مع إسرائيل كأنها دولة جارة مسالمة! فالنظام لا يعتبر إسرائيل دولة ذات نوايا عدائية كحد أدني أو كمنافس إقليمي ولا كيان صاحب أهداف توسعية، بل هو يتودد ويتوسط ويدعو قادتها مجرمي الحرب للقاهرة كأننا في حلف سياسي (أحيانا ينسي سياسيونا أننا لا نعقد معاهدة سلام مع دول صديقة بل دول معادية) بينما يقرر أن حزب الله هو العدو ويرفع من عقيرة الهجوم حتي كأن نظامنا في لحظة اختلط عليه الأمر وظن أن حزب الله أو إيران هي التي احتلت سيناء وهي التي تحتل فلسطين، وكأنما المقصود من هذا الحسم الأمني والحزم السياسي كله ليس وضعا لحدود وضوابط أمام حزب الله أو حتي إيران في التعامل مع سيادة مصر علي حدودها وأرضها، بل يبدو المستهدف بصخبه الإعلامي الهوسي هو طمأنة إسرائيل أن عدونا واحد! وليس غريبا أن تهلل الدوائر الإسرائيلية فرحا وتكاد تقرع الطبول في الشوارع والميادين طربا وهي تعلن أن أعداء مصر ثلاثة هم إيران وحزب الله وحماس، ثم مع رقصة فرح صهيونية يصرخون: ياللهول إنهم أعداء إسرائيل أيضا، حمدا للرب شكرا للسماء التي صالحت فرعون مصر مع اليهود بعد آلاف السنين! ليس غريبا بل هو منطقي جدا أن يصرح شيمون بيريز بسعادته أن مصر وقعت مع حزب الله وإيران وأن ذلك كله يصب في مصلحة تل أبيب (هؤلاء ناس لطيفة للغاية لا تكتم ولا تتجمل بل تبوح بمنتهي الصفاقة بالحقيقة!!)، علي نظام مصر أن يسأل شعبه إذن: هل تؤمن أن إسرائيل أم إيران هي عدوك؟ هل شيعة لبنان أم يهود إسرائيل هم أعداؤك؟ هل حزب الله أم حزب الليكود هو عدوك؟ هل تخشي نووي إيران أم مفاعل ديمونة الإسرائيلي؟

كنت في سنة رابعة ابتدائي حين قرر الأستاذ محمد عكاشة في مدرسة أحمد عرابي الابتدائية بقويسنا أن يختارني للتمثيل في مسرحية المدرسة والتي اختارها من كتاب المطالعة وقد بذل الرجل، ربنا يمسيه بالخير، جهدا رائعا كي نجيد تمثيل المسرحية التي مازلت أذكر أن عنوانها «تحت راية الإسلام» وتحكي عن محاولة يهودي الإيقاع بين الأوس والخزرج في يثرب بعد أن أنارها النبي محمد صلي الله عليه وآله وسلم، وقد تمكن أن يشعل نار الفتنة بين القبيلتين حتي كاد الأمر أن يتحول إلي حرب، أدركوا لعبة اليهودي الخبيثة ففاقوا وتصالحوا والتفوا حول نبيهم المصطفي، هل يا تري قرأ أحد من نظامنا الحالي هذه المسرحية؟ (هل أمده بتسجيل لها وبالمناسبة كنت قايم بدور يهودي في المسرحية).

ج- كما أننا نعرف أن مصر كبيرة وعريقة بصرف النظر عن تقييمنا السلبي لأداء نظامنا السياسي علي الصعيد العربي والإسلامي فنحن كذلك مطالبون بأن نظل دولة كبيرة وعريقة، ولا أتصور أنه من المنطقي أن يكون خصومنا دولة صغيرة مثل قطر، أوتنظيماً لبنانياً أو طائفة إسلامية!.. مصر (المفروض يا جماعة) أنها أكبر من كده بكتير ما تصغروهاش في عرضكم.

ابراهيم عيسى - رئيس تحرير جريدة الدستور - القاهره