دورات هندسية

 

 

الشيخ حافظ سلامه..و يا حامى السويس ياحبيب

النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. [1]
    الصورة الرمزية adel aly
    adel aly
    adel aly غير متواجد حالياً

    عضو فعال جداً

    تاريخ التسجيل: Jan 2009
    المشاركات: 206
    Thumbs Up
    Received: 34
    Given: 19

    الشيخ حافظ سلامه..و يا حامى السويس ياحبيب

    بطربوشه الأحمر الذي صار علامة مميزة له، وبلحيته التي زادتها شيخوخته وقارا، لا يزال الشيخ الجليل حافظ سلامة حريصا على الذهاب إلى مسجد الشهداء في قلب مدينة السويس لأداء صلاته، والجلوس قليلا إلى أصدقائه ومحبيه ومن تبقى من رفاق السلاح القدامى، فخورا بما قدمه لبلده في سنوات الصمود والنار.
    يمضي الشيخ الجليل مشواره الذي بدأه قبل ما يزيد على خمسين عاما، بروح شاب صغير وبنفس راضية وإرادة لا تلين، وكأن لسان حاله يقول: “يد تبني ويد أخرى تحمل السلاح”.

    لا يزال حارس السويس العجوز يتذكر التفاصيل والمواقع والأحداث بذاكرة حديدية لا تلين، مثلما لا يزال يفاجئ أصدقاءه ومحبيه بالمشاركة بين الحين والآخر، وهو الثمانيني العجوز في تظاهرة هنا أو هناك، تندد بالإرهاب الصهيوني في فلسطين المحتلة، أو تنتصر لحق العراق في مقاومة المحتل، غير عابئ بسنوات العمر الثقيلة، ولا بالجسد النحيل الذي أتعبته السنون والأحداث.
    يستحق الشيخ حافظ سلامة عن جدارة واستحقاق لقب “الأب الروحي” للسويس، فعلى هدير صوته قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاما، جرت وقائع ملحمة من أعظم الملاحم العربية في العصر الحديث، عندما صمدت السويس أمام قوات الغزو “الإسرائيلية” بعد الثغرة، متفوقة في صمودها الأسطوري على “ستالنجراد” الروسية التي صمدت أمام الغزو الألماني في العام 1942
    ولد الشيخ حافظ علي أحمد سلامة في مدينة السويس، في ديسمبر من العام ،1925 لأسرة ميسورة الحال، فقد كان أبوه الذي اشتهر بين أهالي المدينة باسم “الحاج علي سلامة” يعمل تاجرا للأقمشة، وقد مكنت الحالة الاقتصادية المنتعشة للأسرة الابن الصغير الذي كان يحتل الترتيب الرابع بين أشقائه، أن يلتحق بكتّاب الحي الذي يعيش فيه، وأن يكمل تعليمه لاحقا في مدارس المدينة، جنبا إلى جنب مع عمله في التجارة مع أبيه.
    أنضجته الحروب التي شهدتها المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية، وحتى حرب أكتوبر من العام 1973 كثيرا، خاصة بعدما دفع القصف المتواصل للطيران أهالي مدينة السويس إلى مغادرتها، والهجرة إلى المدن القريبة، ومن بينها أسرة حافظ سلامة التي هاجرت إلى القاهرة، فيما قرر هو ولم يكن عمره يزيد على التاسعة عشرة وقتها أن يبقى مع أبيه في السويس، يباشر معه العمل في محل الأقمشة المملوك له، لتوفير نفقات المعيشة للأسرة التي تقيم في القاهرة.


    بعد إعلان الصهيونية العالمية قيام دولة “إسرائيل” سعى الشاب حافظ سلامة مثل آلاف غيره من الشباب الوطني المصري للتطوع في صفوف الفدائيين والسفر إلى فلسطين لقتال العصابات الصهيونية، لكن قيادة جماعته طلبت منه حينذاك عدم السفر، باعتبار أن العدو الحقيقي لا يزال مرابضا في مصر، وعلى بعد خطوات منه.


    شكل حافظ خلال أيام معدودة أول فرقة فدائية في السويس، كانت مهمتها الرئيسية تنحصر في مهاجمة قواعد القوات الإنجليزية المرابضة على حدود المدينة، والاستيلاء على كل ما تطاله أيديهم من أسلحة وذخائر، كان يجري تسليمها للمركز العام للجماعة في القاهرة، لتقوم هي بعد ذلك بتقديمها كدعم للفدائيين في فلسطين.


    انتهت الحرب سريعا، وعاد الفدائيون بخفي حنين بعد أن ضاعت فلسطين، لكن حلم الشاب الصغير ظل قائما في وطن حر، وقد عبر عن ذلك في العديد من المقالات التي كان يدبجها في صحف جماعته التي كانت تصدر في القاهرة، قبل أن يتم إغلاقها، ويتفرغ بعدها للعمل الدعوي والخيري في مدينته السويس، من دون أن يدري أن الأقدار تخبئه لفترة عصيبة.


    في العام 1967 تلقى حافظ سلامة صدمته الثانية عندما دفعت النكسة التي مني بها الجيش المصري في حرب يونيو/حزيران، أهالي السويس إلى الهجرة مرة أخرى، لكنه كعادته بقي ليلعب دورا آخر رسمته له الأقدار، ويقول كثير من الذين عايشوا تلك الفترة العصيبة في السويس إن الشيخ حافظ سلامة لعب دورا كبيرا في رفع معنويات الجنود والمدنيين على حد سواء، طوال فترة حرب الاستنزاف التي استبقت حرب أكتوبر من العام ،1973 وهو الدور الذي قال عنه اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث الميداني في تلك الفترة في غير مناسبة: “الشيخ حافظ سلامة كان صاحب الفضل الأول في رفع الروح المعنوية للجنود على الجبهة، بل إن الجميع كانوا يعدونه أبا روحيا لهم في تلك الأيام العصيبة”.


    لكن الأيام الصعبة لم تكن قد جاءت بعد، لم تكن مرت سوى أيام على عبور القوات المصرية قناة السويس في السادس من أكتوبر عام ،1973 حتى بدأت حلقات الأزمة تكتمل، فقد نجحت القوات “الإسرائيلية” يوم 22 أكتوبر في التسلل إلى غرب قناة السويس، عند منطقة الدفرسوار القريبة من الإسماعيلية، وفرضت سيطرتها على مساحة كبيرة من الأرض باتجاه السويس، واستعدت لاقتحام المدينة بهدف حصار الجيش الثالث الميداني بالضفة الشرقية للقناة وتهديد القاهرة.


    لم تمض سوى ساعات قليلة على التسلل “الإسرائيلي” إلى الضفة الغربية للقناة، حتى صدرت الأوامر لأجهزة الحكم المحلي بمدينة السويس بسرعة العمل على تهجير ما تبقى بها من سكان فقد كانت الأوضاع الدفاعية والتموينية للمدينة لا تسمح بأي شكل من الأشكال بالصمود، قبل أن يفاجئ الجميع الشيخ حافظ سلامة بالرفض الشديد لمثل هذا القرار.


    في كتابه الذي صدر قبل سنوات تحت عنوان “ملحمة السويس” يروي الشيخ حافظ سلامة وقائع تلك الأيام المجيدة التي عبر فيها الجيش المصري إلى سيناء قائلا: كنت بالقاهرة لقضاء بعض الأعمال الخاصة، وأثناء سيري في الشارع سمعت بعض المارة يقول إن معركة ساخنة بالطيران والمدفعية والصواريخ تجري على الجبهة، فظننت في بادئ الأمر أنها غارة صهيونية جديدة، فتوجهت لسماع المذياع عند كشك يبيع المرطبات، وانتهى إلى سمعي صوت المذيع وهو يقوم بإلقاء البيان الثاني للقيادة العامة للقوات المسلحة.
    لم أستطع أن أعبر تمامًا عما اعتراني جسداً وروحاً، فجريت مهرولاً باتجاه محطة القطار، فوجدت قرارًا بوقف جميع المواصلات المتجهة إلى مدن القناة، فاستقللت سيارة خاصة باتجاه السويس، واستطعت من خلال بعض الاتصالات من أخذ الإذن بالسماح لي بالتوجه إلى هناك، حيث كانوا يمنعون كل السيارات غير العسكرية من الذهاب إلى الجبهة.
    سار الموكب وكم كنت أتمنى أن يكون معنا كل مؤمن حتى يشاهد الأنوار الإلهية التي غمرت تلك المنطقة؛ فأنت ترى السماء وكأنها قد أضيئت وترى النور على وجوه جنودنا الأبطال وهم يهتفون “الله أكبر” وهم فرحون مستبشرون كأنهم يزفون إلى عُرس، ولم أملك نفسي وأنا أهتف بأعلى صوتي “الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر” فأسمع صداها يقترب ويقترب حتى رأيت قواتنا كأنهم جند السماء يكبرون ويهللون وهم يقتحمون أمنع الحصون وأعتاها.
    أقبلت نسمات الفجر من صبيحة اليوم الثاني للمعركة، وأذن المؤذن للصلاة فازدحم مسجد الشهداء برجالنا وشبابنا، فقضيت الصلاة وألقيت كلمة جامعة عن الجهاد في سبيل الله، وما أعده الله للمؤمنين الصادقين في البلاء من إحدى الحسنيين، إما النصر أو الشهادة في سبيل الله، والفوز بجنة عرضها السماوات والأرض.
    ولم يكن أمام المقاومة في بدء عملها إلا أعمال الخدمات الطبية والمعنوية، وهذه المهمة لا تقل في خطورتها وأثرها عن خدمة الميدان وهي من أقوى أسلحة المعركة حينما تدار لتجعل من أبطالنا الجرحى والشهداء، معين قوة لغيرهم ليستعذبوا البلاء والابتلاء في سبيل الله والوطن.


    لم تستمر فرحة الشيخ حافظ سلامة كثيرا، إذ لم تمض سوى أيام حتى بدأ فصل جديد من فصول المعركة، عندما حدثت الثغرة.


    ويروي الشيخ حافظ سلامة وقائع تلك الأيام قائلا: علمنا أن ثغرة فتحت بين الجيشين الثاني والثالث عند منطقة الدفرسوار، وكان من الطبيعي أن يواجه جيشنا هذه المشكلة وأن يعمل على وأدها في مهدها، ولكننا كرجال للمقاومة كان لا بد أن نقدر أسوأ الاحتمالات الممكنة، بحيث نتعرف إلى الهدف الذي يريد أن يحققه العدو من هذه الخطوة، ثم نعمل على عدم تمكينه من تنفيذ رغبته.
    كانت غاية العدو واضحة، فالهدف هو السيطرة على مدن القناة، بأي ثمن وفي مقدمة هذه المدن مدينة السويس، وقد كان احتلالها يعني في نظر الإعلام “الإسرائيلي” أن الحرب قد انتهت لمصلحة الصهيونية.
    عاشت مدينة السويس ليلة عصيبة في الرابع والعشرين من أكتوبر، ففي الصباح تعرضت المدينة لغارة مركزة من الطيران “الإسرائيلي”، تمهيدا لدخول قواته المدرعة إلى المدينة، التي كانت في ذلك الوقت خالية تماما من أي وسائل للدفاع عنها، إلا من صوت الشيخ حافظ سلامة يحشد رجال المقاومة في مسجد الشهداء استعدادًا لمواجهة شرسة مع العدو.


    ويحسب شهادات لرفاق سلاح تضمنها كتابه “ملحمة السويس” فقد اقتحمت قوة من أفراد العدو مبنى قسم شرطة الأربعين، وحاصرته بدباباتها ومدرعاتها إلا أن رجال المقاومة تصدوا لها مع عدد من رجال القوات المسلحة في معركة دامية، كانت نتيجتها تدمير جميع دبابات العدو ومدرعاته التي اقتحمت المدينة، كما سقط عدد من رجال المقاومة شهداء.


    ازداد عدد الجرحى على نحو مخيف وأعلنت “إسرائيل” في وسائل الإعلام أنها احتلت السويس، وعلى الرغم من موافقة “إسرائيل” على قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار إلا أنها لم تلتزم بقرار ثان لنفس المجلس وواصلت هجومها على المدينة.


    بعد المغرب وصل الشيخ عبد الله رضا احد قادة المقاومة الشعبية إلى السويس مضطربا، ليعلن أنه ترك الإفطار في مقر قيادة الدفاع الشعبي بالزيتية ومعه عدد من العسكريين، بعد أن سمعوا صوت مجنزرات العدو تقترب.


    في مسجد الشهداء دق جرس الهاتف ليرد الشيخ حافظ سلامة، بينما كان على الطرف الآخر صوت محمد عبد القادر الموظف بشركة السويس لتصنيع البترول يقول إن سبع دبابات “إسرائيلية” مرت أمامه متجهة نحو ميناء الأدبية، قبل أن يتوقف قليلا ويضيف: مر من أمامي “قول” ثان من الدبابات يصل عدده إلى 13 دبابة، وفطن الشيخ الحكيم للعبة، فما دامت هذه القوات تأتي مجموعات، وتطلق نيرانها فلاشك أنها جاءت لاحتلال المدينة ومن ثم يجب مقاومتها.


    أجرى الشيخ حافظ اتصالا بالمحافظ وقائد الدفاع الشعبي، وكانت إجابتهما واضحة: “لا جدوى للمقاومة بالأسلحة الصغيرة التي يحملها الأفراد”، وكانت التعليمات واضحة، لا اشتباك فبدأ عدد من أفراد المقاومة في خلع ملابسهم الخاصة بالدفاع الشعبي، وإخفاء أسلحتهم، وتسليمها لقيادة الدفاع الشعبي أو مديرية الأمن، وبدا وكأن السويس قد سقطت بالفعل.


    في اليوم التالي بدأ العدو في استخدام سلاح الحرب النفسية، فأوحى للسكان أنه مازال متمكنًا من تطويق المدينة، بل إنه أرسل تهديدا إلى محافظ السويس، بتدمير المدينة بالطائرات إن لم تستسلم خلال فترة زمنية محددة، وأن عليه الحضور ومن معه من المواطنين رافعين الرايات البيضاء.


    أصابت هذه التهديدات المواطنين بحالة من الفزع، بل إن عددا من المسؤولين وعلى رأسهم المحافظ، بدأوا يفكرون في طريقة لإنقاذ المدينة من دمار محقق، إذا ما أقدم العدو على تنفيذ تهديده، لكن الشيخ حافظ سلامة كان له رأي آخر.


    ويقول رفاق سلاح في شهادتهم التي تضمنها كتابه: ذهب قائد القوات المسلحة بالمدينة العميد “عادل إسلام” لاستطلاع رأي الشيخ حافظ سلامة ومن معه من رجال المقاومة، فرد عليه الشيخ حافظ بثبات: إن معنى التسليم يا سيادة العميد هو أن أسلم لليهود أكثر من 10 آلاف جندي وضابط من قواتنا المسلحة، بل إنني بذلك سوف أكشف الجيش الثالث بالضفة الشرقية من القناة وأسلم كل أرواح هؤلاء لأعدائنا، وتصير نكسة أشد من نكسة 67 لمصر والعرب والمسلمين، لقد مضت ست سنوات والطيران “الإسرائيلي” يقصف المدينة، فلتكن ست سنوات وأياما.
    في صباح اليوم التالي وقف الشيخ حافظ سلامة على منبر مسجد الشهداء، ليذيع بيانا عاجلا ردا على الإنذار “الإسرائيلي”، انطلقت بعده بدقائق عمليات المقاومة واستمرت حتى تدخلت قوات الطوارئ الدولية لفض الاشتباك، بعد أن أجبر ثبات رجال المقاومة العدو على مغادرة المدينة.

  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML