الإختراق الرافضي للقيادات السنية
أحمد شاه نموذجًا


في ظل عالم متغير مليء بالأحداث المتلاحقة التي تجعل المراقب والمشاهد يلهب ورائها من أجل فهمها أو تحليلها، تبقى الحقيقة لغزًا يستعصي على الكثيرين فهمه أو حتى إدراكه، وفي ظل آلة إعلامية جبارة تتلاعب بعقول الناس وتطلق قنابل متتالية من الأكاذيب والشائعات التي تخلف ورائها سحبًا كثيفة ينقلب معها الحق باطلاً والباطل حقًا، وهي حقًا كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: ((فتنًا كقطع الليل المظلم تدع الحليم حيران)) وفي ظل هذه الحيرة وفي هذا الجو القاتم المليء بالعبث الفكري والاستقطاب العقلي وقع كثير من قيادات العالم السني العلمية والفكرية والدعوية في شبكة الاختراق الرافضي، وراحوا يؤيدون وبكل قوة خيارات إيران النووية وقوة حزب الله العسكرية، يعلنون عن كامل استعداهم للاتحاد والاتفاق مع القوة الرافضية الأخطبوطية في المنطقة، بل راح بعض من ينتسب للعلم من أهل السنة يندد ويفند آراء المعارضين لمثل هذه التحالفات الخاسرة بل ويتمادى بعضهم فيسب ويطعن على العلماء المنكرين على الرافضة عقيدة وسلوكًا وتقام الاجتماعات وتعقد الندوات وتنشأ مراكز التقريب وفي ظل هذا الجو الخانق بالحملات المحمومة واللاهثة وراء التحالف الرافضي الشيعي، تبقى الحقائق التاريخية بكل مفرداتها ووقائعها خير شاهد على عاقبة هذه التحالفات وحقيقة الدوافع الرافضية من وراء ذلك، وفي هذه الدراسة التاريخية نعرض لقضية الاستقطاب والاختراق الرافضي لقيادات العالم السني والهدف الحقيقي من وراء ذلك، وضربنا لذلك مثلاً بوالي مصر أحمد شاه أيام السلطان سليمان الأول العثماني، ليتعرف المهرولون على عمق جذور الاختراق والاستقطاب الرافضي في المنطقة ودوافعه وأهدافه.



العالم الإسلامي في مطلع القرن العاشر الهجري:
في مطلع القرن العاشر الهجري كان العالم الإسلامي وقتها يشهد تغيرات حاسمة على ساحة الأحداث في المنطقة والعالم بأسره، فلقد كانت الدولة العثمانية وقتها في أوج قوتها وتشهد تناميًا مطردًا في القوة العسكرية في ظل سلطنة سليم الأول المشهور بشدة البأس والخبرة العسكرية الكبيرة، وأصبحت الدولة العثمانية هي القوة الفاعلة في المنطقة ورأس العالم الإسلامي، وفي نفس الوقت كانت دولة المماليك تشهد تدهورًا ملحوظًا وفسادًا إداريًا وهزائم متتالية أمام القوة البحرية البرتغالية التي سيطرت على الخليج العربي والسواحل الشرقية والجنوبية للجزيرة العربية وأخذت تهدد باختراق قلب الجزيرة والوصول للأماكن المقدسة.
وفي ظل طلوع نجم العثمانيين وأفول نجم المماليك ظهرت الدولة الصفوية للوجود سنة 907هـ بمنطقة الهضبة الإيرانية تحت زعامة الشاه إسماعيل بن حيدر الصفوي الإمامي الرافضي الذي أخذ في إجبار المسلمين على التشيع وبالغ في ذلك وسفك دماء قرابة المليون سني في البلاد رفضوا التشيع، وأخلى البلاد من علماء السنة وفعل ما لا يفعله أشد شياطين الإنس والجن عداوة للمسلمين، لذلك كان من الطبيعي أن تصطدم الدولة العثمانية زعيمة العالم السني مع الدولة الصفوية الرافضية بسبب تلك الممارسات البشعة والاضطهادات الجنونية للمسلمين هناك.
وصلت التوترات بين العثمانيين والصفويين لمرحلة أصبح الاحتكام للسيف ضروريًا وذلك بعد المحاولات الصفوية المتكررة لنشر التشيع في منطقة شرق الأناضول وتحالف الصفويين الروافض مع البرتغاليين الصليبيين ضد المسلمين عامة والعثمانيين خاصة وفي شهر رجب سنة 910هـ حقق العثمانيون بقيادة سليم الأول انتصارًا كبيرًا على الصفويين في معركة صحراء جالديران وكادت الدولة الصفوية أن تتلف بالكلية لولا دخول الشتاء وتذمر قادة الإنكشارية من مواصلة القتال، بعدها الفت سليم الأول لدولة المماليك الضعيفة وحاربها وضم أملاكها في الشام ومصر والحجاز للدولة العثمانية والتي أصبحت من وقتها خلافة إسلامية عامة ينضوي تحت لوائها العالم الإسلامي باستثناء الصفويين الروافض الذين انزووا في إيران يلعقون جراحهم ويتربصون بالدولة العثمانية الدوائر ويخططون من أجل النيل منها ليل نهار.



أحمد شاه والدولة العثمانية:
كان السلطان سليم الأول رجلاً عسكريًا من الطراز الأول، يحظى عنده ذوو الشجاعة والخبرة العسكرية، ويستعمل في أموره دهاة الرجال وعتاتهم، ومن هؤلاء الرجال كان أحمد شاه باشا، وكان رجلاً شديدًا عنيفًا واهية بصيرًا بالحروب والمكائد، لذلك حظي عند السلطان سليم وصار من خواصه، وكان أحمد باشا رجلاً طموحًا لحد الهوس وكان سليم الأول يعلم منه ذلك ولكنه آثر الاستفادة من خبراته وقدراته العسكرية والقيادية، فلما حظي منصب الصدارة العظمى باستقالة بيري باشا تطلع أحمد باشا للمنصف واستشرف له فأعمل السلطان سليمان القانوني الذي خلف أباه سليم الأول فكره في كيفية صرفه عن المنصب الخطير، فأنعم عليه بولاية مصر ليستل طموحاته ويستجلب خاطره، ويصرفه عن الصدارة العظمى.
سار أحمد باشا إلى مصر وهو يتلمظ غيظًا ويحترق كمدًا من فوات منصب الصدارة العظمى منه، ومما زاد في غيظه وضيقه أن السلطان سليمان القانوني قد أرسل معه بعض الأمراء مثل الأمير جانم الحمزاوي والأمير فارس وغيرهما ليكونوا بمثابة المستشارين والمساعدين له، فاعتبر أحمد باشا أنهم عيون عليه للسلطان سليمان، وشكك في نواياهم والحق أن السلطان سليمان كان يتخوف من طموحاته وطغيانه فجعل معه هؤلاء الأمراء لكبح تلك الطموحات الجانحة، وقد دخل أحمد باشا مصر في شوال سنة 929هـ.
كان في ركاب أحمد باشا شخصية مريبة خرجت معه من القسطنطينية لهدف بعينه ألا وهو استقطاب واستمالة أحمد باشا، وهذه الشخصية هي القاضي ظهير الدين الأردبيلي الشهير بقاضي زاده، وهذا القاضي كان من جملة قضاة الدولة الصفوية الرافضية، ولما دخل السلطان سليم الأول إلى عاصمة الصفويين بعد انتصاره الرائع عليهم في جالديران سنة 920هـ، أخذه معه إلى القسطنطينية، وقد أعجب بعلمه، وكان من دأب سليم الأول أن يجمع المهرة من كل العلوم والفنون والصناعات ويأخذهم معه إلى القسطنطينية لتكون أهم عواصم العالم وأذخرها بالعلوم والفنون.

خرج قاضي زاده الأردبيلي في موكب أحمد باشا برسم العمل في سلك القضاة وفي الحقيقة كان يخطط لما هو أعظم وأجرم، إذ ظل طوال رحلة السفر من القسطنطينية إلى القاهرة يدعو أحمد باشا إلى التشيع والرفض وذلك بتحريض من الشاه إسماعيل الذي كان على اتصال لم ينقطع مع قاضي زاده الأردبيلي، وقد لعب هذا القاضي الرافضي على أوتار طموحات أحمد باشا كلها، وأجاد في ذلك حتى استماله إلى التشيع ومناصرة الشاه إسماعيل الصفوي الذي وعده على لسان قاضي زاده بالسلطنة وليس بالصدارة العظمى، وقد طاش صواب أحمد باشا أمام هذا الإغراء الضخم، وقرر العمل سريعًا على تحقيق أغراضه وأغراض الشاه إسماعيل الصفوي.




خيانة وطغيان:
لم يكد يستقر أحمد باشا بالقاهرة التي دخلها سنة 929هـ حتى أخذ في إظهار الطغيان والجبروت، فأخذ في مصادرة أموال الناس وقتل جماعة من كبار الأمراء واعتقل مساعديه الأمير جانم الحمزاوي والأمير فارس، ثم أحضر نواب الأمير فارس وعذبهم عذابًا شديدًا بحيث قطع من لحومهم وأطعمهم منها، ولما عاتبه الأمير فارس ووبخه على ذلك وهدده بإخبار السلطان سليمان بهذه الجرائم أمر بقطع عنقه في الحال، وبعد أيام من الطغيان والجبروت كشف أحمد باشا عن غرضه الحقيقي وهدفه من هذه الإجراءات القمعية كلها.
أعلن أحمد باشا نفسه سلطانًا على مصر وقال للناس أن السلطان سليمان القانوني قد سمح له بذلك مكافأة له على جهوده في فتح جزيرة ردوس سنة 928هـ، وأمر أن يخطب باسمه على المنابر وأن تصدر العملة باسمه، واتخذ جيشًا خاصًا به من المماليك الجراكسة والعربان والعامة، فعصت عليه الحامية العثمانية أو الانكشارية واحتموا في قلعة القاهرة ورفضوا إخلائها، فحاصرهم من يوم الاثنين 19 ربيع الأول سنة 930هـ وأعمل في حصارهم لهم الحيل والمكائد المشهور بها حتى أخذها بعد أقل من أسبوعين وقتل من بها من الانكشارية واستباح حريمهم وأموالهم، ثم استدار على أئمة الجوامع والمؤذنين الذين رفضوا طغيانه وأصروا على مخالفته، فقتلهم ومزقهم شر ممزق حتى إنه قتل قرابة الألف إمام وخطيب ومؤذن في هذه الوقعة المشئومة، وذلك كله بتحريض وإغراء من قاضي المحنة والفتنة ظهير الدين الأردبيلي الذي أباح له دماء وأموال أهل السنة.
وبعد فتكه بالانكشارية والأئمة والخطباء وفي ويم الخميس 6 ربيع الثاني من نفس السنة 930هـ، أمر بإحضار الأمراء والأعيان والقضاة وشيوخ الصناعات وأرباب الحرف وزعماء العشائر وحتى أعيان اليهود والنصارى، ودعاهم لمبايعته بالسلطنة وأجبرهم على ذلك بحد السيف، ثم أخذ بعد ذلك في مصادرة الأموال من الناس ليتقوى بها في حربه المحتملة بل المؤكدة مع الدولة العثمانية، وكان يحضر الأعيان والأغنياء عنده فيعذبهم بأنواع العذابات التي ربما مات بعضهم منها، ويأخذ منهم الأموال الطائلة، ثم استعان برؤوس الفساد واشر من اللصوص وقطاع الطرق ليضمنوا له جمع الأموال من الناس، وزاد طغيانه عن كل وصف وحد، وما يزيده إنكار الناس ونهيهم له عن جرائمه إلا طغيانًا وعتوًا.
أخذ الأمراء ورجال الحل والعقد من القادة والشيوخ في التفكير في كيفية الخلاص من هذا الطاغية وكانوا وقتها لم يكتشفوا أنه يعمل بوحي وتحريض من الروافض الصفويين وداعيتهم قاضي زاده، ثم سنحت لهم الفرصة يوم الاثنين 17 ربيع الثاني عندما نما لعلم الأمراء أن الطاغية أحمد باشا سيدخل حمام السلطان خشقدم للاستحمام والاسترخاء، فحاولوا الهجوم على الحمام وقتله فمانعهم الحراس الخاصين به ووقع القتال بين الفريقين، وفي زحمة القتال انسل أحمد باشا هاربًا من الحمام بعد أن تخفى في زي أحد الخدم، ثم انطلق في مجموعة صغيرة من أعوانه إلى منطقة دمياط ولجأ إلى أحد كبار قطاع الطرق هناك واسمه عبد الدائم بن بقر وكان من أعوانه في الشر والطغيان، وقد جمع له هذا الشرير المفسد اللصوص وقطاع الطرق والعربان، وقد وعدهم الطاغية بأن يبيح لهم القاهرة وضواحيها وأن يضع الخراج عن العربان ثلاث سنين، فاستفحل جمعه من جديد بعد أن كاد ينهدم بنيانه.
في هذه الأثناء انكشف للناس حقيقة الطاغية أحمد باشا وأنه مواليًا للشاه إسماعيل الصفوي في السر وانكشف الدور الخبيث الذي لعبه قاضي زاده الأردبيلي، إذ وجدوا في بيت الطاغية أحمد باشا مكاتبات من الشاه إسماعيل يعلن فيها أحمد باشا عن تشيعه وعزمه الفتك بأهل السنة وإظهار شعائر الرفض وتقديم الأئمة الثاني عشر على اعتقاد الرافضة كما عثروا في بيته على فتاوى بذلك من القاضي الأردبيلي ورسائل تأييد فيه للطاغية بأفعاله، فقبضوا على هامان أحمد باشا قاضي زاده الأردبيلي يوم الجمعة 20 ربيع الثاني وقطعوا رأسه الخبيث وعلقوها بباب زويلة، ونادوا في أهل القاهرة وسائر الأقاليم بالجهاد ضد الطاغية الذي تشيع وترفض والذي أفتى شيوخ المذاهب كلها وسائر القضاة بكفره ووجوب قتاله.
قاد الأمراء أهل القاهرة ومن انضم إليهم من الانكشارية وأهل الشام والمغاربة لقتال أحمد باشا ومن معه من الأعراب والمفسدين، وكان لهذا الحشد الشعبي والغضب العارم ضد طغيان أحمد باشا ثم أضف إلى ذلك تشيعه ورفضه أثر كبير في انحلال عزم الأعراب واللصوص عن معاونة الطاغية، حيث رأوا أن المعركة خاسرة في ظل الرفض الشعبي الكبير والعارم للطاغية وإصرار الجميع على التخلص منه ومن طغيانه وتشيعه، وبالفعل بعد عدة مناوشات متقطعة بين الفريقين انسحب الأعراب وعادوا إلى الصحراء، وتخلى عبد الدائم بن بقر عن نصرته وأصبح الطاغية وحيدًا بعد تخلي الجميع عنه وبعد مقتل شيخه ومرشده للتشيع والطغيان قاضي زاده، وفي يوم 29 ربيع الثاني سنة 930هـ تم القبض عليه وقطع رأسه وتعليقها على باب زويلة جزاءً وفاقًا على جرائمه وطغيانه، لم تستمر محنته للناس وأهل السنة سوى أقل من شهرين، وباءت محاولة الرافضة الاستيلاء على مصر وشق الدولة العثمانية السنية بالفشل، وأصبح الناس في كل مكان على بصيرة من أمر الروافض وحقيقة أهدافهم ومخططاتهم، وخسر الشيعة كثيرًا من هذه التجربة، وأصبح لقب أحمد باشا بعدها في التاريخ الخائن الطاغية.



المراجع:
الكواكب السائرة (1/156ـ 159).
المختار المصون (2/697ـ 701).
التاريخ الإسلامي (8/465).

مفكرة الإسلام : شريف عبد العزيز


منقول