قال ابن الجوزي في (المنتظم): "جاء رجلٌ من الصوفية إلى "بجكم" – وهو أحد حكام الأتراك - فوعظه، وتكلَّم بالفارسية والعربية حتى أبكاه بكاء شديداً، فلما ولَّى قال "بجكم" لبعض من حضره: احْمِلْ معه ألف درهم، فحُمِلَتْ، وأقبل من بين يديه، فقال: ما أظنُّه يقبلها، وهذا متخرق بالعبادة؛ "أيش يعمل بالدراهم؟!"، فما كان بأسرع من أن جاء الغلام فارغَ اليد، فقال له "بجكم": أعطيتَه إياها؟ قال: نعم، فقال "بجكم": كلنا صيادون، ولكن الشباك تختلف".

ذكَّرَتْني تلك الحكاية العجيبة بحال الكثير من دعاة الفضائيات الإسلامية ودعوتها للمسلمين، فمَن تأمَّل ما يُبثُّ فيها، فلرُبَّما يشعرُ أن دعاتِها واقعون بين المِطْرَقة والسندان، وقد يتكشَّف له بعضُ أسباب قلَّةِ الانتفاع من أولئك الدعاة، وانحراف فريق منهم عن الجادة، وانصرافهم للاصطياد!!، فهل - يا تُرَى - السبب في ذلك: ضعف المستوى؟، أم عدم الانسجام والتناغم بين القول والفعل من الدعاة؟، أم شيوع الإغرابات والإغراءات؟، أم الخطأ المحض في العلم والفتوى؟ أم التكلف الملحوظ؟، أم التلاطف والظُّرْف الممجوج؟!

وثالثة الأثافي، وأخطر الدواهي: إتيانُ بعضِهم أبوابَ أصحابِ المصائب العظيمة، والقبائح الوخيمة، والبلايا الجسيمة، كمَن حَكَمَ بالطاغوت، وحارب الموحِّدين؛ بل لم تُقِلَّ الأرضُ، ولم تظلَّ السماء مَن هو أفسدُ لدين الله، وأجرأ على حدوده منهم، ولا مشى على رِجْلَيْن أخسرُ صفقةً، وأخبثُ سعيًا منهم؛ حتى إنه استبدل كتاب ربنا الجليل بما خضّر وصفّر!!، وهذا أمر معلوم لكل أحد من الناس، ويعرفه كل مُجِدٍّ وخامل، ولا يقدر أحدٌ على إنكاره ودفعه، بل هو أشهر من نار على علم.

وقد حذَّر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من مواطن الفتن تحذيرًا عامًّا، وبيَّن عظيمَ خطرها، وحثَّ على اجتنابها، والهرب منها واعتزالها، وبيَّن أن شرَّها وفِتْنَتَها يكون على حسب التعلق بها، وبيّن أن من تعاطاها أو تَشَوَّف لها، صرعتْه وأهلكته، وفتنته وأَرْدتْه؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ستكون فتنٌ، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يَشرف لها، تَسْتَشْرِفْه، ومن وجد ملجأً أو معاذًا، فلَيَعذْ به» [متفق عليه، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه].

فكل من فتح باب شرٍّ وَلجَه ودخله، ولا يقدر أن يملك نفسه أو يمسكها عن الدخول بعد فتحِه؛ كما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «ضرب الله مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعلى جَنَبتي الصراط سورانِ فيهما أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعًا ولا تتفرجوا، وداعٍ يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك! لا تفتحْه؛ فإنك إن تفتحه تَلِجْه» الحديثَ؛ [رواه أحمد وغيره، من حديث النواس بن سمعان، وصححه الألباني].

قال ابن القيم في (أعلام الموقعين): "فليتأمَّلِ العارف قدر هذا المثل، ولْيَتَدَبَّرْه حقَّ تَدَبُّره، ويَزِنْ به نفسه، وينظر: أين هو منه؟".

وأُنَبِّه القارئ الكريم: أن ثمَّةَ فارقًا بين نقد مشاهير الفضائيات؛ لتصحيح المسار، وتقويم المفتون، وإيقاظ الوسنان الغفلان - كما هو مقصودنا، إن شاء الله تعالى في تلك المقالة - وبين من يقصد إسقاطهم، بل إسقاط الدعوة؛ كما يفعلُه العَلْمانيون، وأصحاب الأغراض والأهواء، وتجار الأديان.

كما أُنَبِّه على أن: مُحِّبي أولئك الدعاة قد أخطؤوا في عدم قبولهم لأي نقدٍ بَنَّاء، يُسْهم في مراجعة النفس، والوقوف معها؛ ليستمر النفع بالدعاة، وكأنّ أولئك المحبِّين الفضلاء قد اعتقدوا عصمة شيخهم، أو أنه فوق الفتن، وفوق أن يؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر، فلا هم فعّلوا أحاديثَ الفتن وحققوها، ولا هم قاموا بواجب النصح؛ بل على العكس تمامًا، حاروا وماروا، ووقفوا في وجه كل ناصح محبٍّ أمين، ولم يسمحوا له بالنصح، طاعنين في نيَّته وقصده؛ وقد قال جرير بن عبد الله البجلي: "بايعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم – على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم" [متفق عليه]، وروى مسلم عن تميم الداري: أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم – قال: «الدين النصيحة»، قلنا: "لمن؟"، قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم» [رواه مسلم].

فالفتنة غير مأمونة على أحد، مهما بلغت درجة إيمانه وعلمه، والمعصومُ مَن عصمه الله تعالى؛ وكان سيدُ البشر أجمعين - صلى الله عليه وسلم - أكثرُ ما يحلف به: «لا، ومقلبِ القلوب» كما في البخاري، عن ابن مسعود، وكان من دعائه في السفر: «اللهم إني أعوذ بك.... ومن الحَوْر بعد الكَوْر» [رواه الترمذي وصححه الألباني].

وقال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ (97) أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 97-99]، وقال – سبحانه -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]، وقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110].

أما طريق أهل السنة والجماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - ومن تبعهم بإحسان، وما كان عليه أئمة المسلمين: كالأوزاعي وسفيان الثوري، ومالك بن أنس والشافعي، وأحمد بن حنبل والقاسم بن سلام، وإسحاق ومحمد بن ناصر المروزي، ومن سار على طريقهم واتبع سبيلهم – فهو مجانبة أهل الباطل والدنيا والسلطان.

فقد روى أحمد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ومن أتى أبواب السلاطين، افْتُتِن» الحديثَ.

وروى الدارمي في (مسنده) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "من أراد أن يُكْرم دِينه، فلا يَدْخل على السلطان، ولا يَخْلُوَنَّ بالنسْوانِ، ولا يخاصِمَنَّ أصحاب الأهواء".

وروى ابن سعد في (الطبقات) عن سلمة بن نبيط قال: "قلت لأَبي - وكان قد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم – ورآه، وسمع منه -: يا أَبَتِ، لو أتيتَ هذا السلطان، فأصبتَ منهم، وأصاب قومك في جناحك، قال: أي بُنَيَّ، إني أخاف أن أجلس منهم مجلساً يُدْخلني النار".

وعن حذيفة - رضي الله تعالى عنه - قال: "إياكم ومواقفَ الفتن"، قيل: "وما مواقف الفتن؟"، قال: "أبواب الأمير؛ يدخل الرجل على الأمير، فيُصَدِّقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه".

بل إن الله تعالى قد حذر نبيه المجتبى – صلى الله عليه وسلم - من الركون إلى الظلمة؛ فقال عزّ مِن قائل: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113]، وقال: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9]، وقال: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء: 74-75]، وقال الحافظ ابن كثير في (تفسيره): "ذَكَر غيرُ واحد من المفسرين: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يومًا يخاطبُ بعض عظماء قريش، وقد طَمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابنُ أم مكتوم - وكان ممن أسلم قديمًا - فجعل يسأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيء ويُلِحُّ عليه، وودَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن لو كَفَّ ساعتَه تلك؛ ليتمكَّن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعًا ورغبةً في هدايته، وعَبَس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله - عز وجل -: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى} [سورة عبس: 1-3]؛ أي: يحصل له زكاة وطهارة في نفسه، {أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى} [سورة عبس: 4]؛ أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم، {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى} [سورة عبس: 5-6]؛ أي: أما الغنيُّ، فأنت تتعرض له لعلَّه يهتدي، {وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى} [سورة عبس: 7]؛ أي: ما أنت بمطالَب به إذا لم يحصل له زكاة، ومن هاهنا أمر الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - ألا يخص بالإنذار أحدًا؛ بل يساوى فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار، ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة".

وقال الأستاذ سيد قطب في (الظلال): "... لتضع معالم الطريق كله، ولتقرِّر الميزان الذي توزن فيه القيم، بِغَض النظر عن جميع الملابسات والاعتبارات، بما في ذلك اعتبار مصلحة الدعوة كما يراها البشر؛ بل كما يراها سيدُ البشر - صلى الله عليه وسلم - وهنا يجيء العتاب من الله العليِّ الأعلى لنبيّه الكريم، صاحب الخلق العظيم، في أسلوب عنيف شديد، وللمرة الوحيدة في القرآن كلِّه يُقَال للرسول الحبيب القريب: {كلاّ!}، وهي كلمة ردع وزجر في الخطاب؛ ذلك أنه الأمر العظيم الذي يقوم عليه هذا الدين!!

والأسلوب الذي تولَّى به القرآن هذا العتاب الإلهي أسلوبٌ فريد، لا تمكن ترجمته في لغة الكتابة البشرية؛ وبهذا رد الله للدعوة موازينها الدقيقة، وقِيَمَها الصحيحة، وصحَّح تَصَرُّف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي دفعتْه إليه رغبتُه في هداية صناديد قريش؛ طمعًا في إسلام مَن وراءهم؛ وهم كثيرون.

فبين الله له: أن استقامة الدعوة على أصولها الدقيقة أهمُّ من إسلام أولئك الصناديد، وأبطل كيدَ الشيطان من الدخول إلى العقيدة من هذه الثغرة، وأحكم الله آياتِه، واطمأنت إلى هذا البيان قلوبُ المؤمنين".

وقال العلاّمة السعدي في (تفسيره)، عند قوله تعالى: {أَوْ يَذَّكَّر فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى}: "وهذه فائدة كبيرة، هي المقصودة من بعثة الرسل، ووعظ الوعاظ، وتذكير المذكِّرين، فإقبالك على من جاء بنفسه، مفتقِرًا لذلك مِنْكَ - هو الأليق الواجب، وأما تصدِّيك وتعرُّضك للغني المستغني، الذي لا يسأل ولا يَسْتفتي؛ لعدم رغبته في الخير، مع تركك مَن هو أهم منه - فإنه لا ينبغي لك، فإنه ليس عليك أن لا يزكى، فلو لم يتزكَّ، فلستَ بمحاسَب على ما عمله من الشر؛ فدلَّ هذا على القاعدة المشهورة، أنه: "لا يُتْرَك أمرٌ معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحةٌ متحققة لمصلحة متوهَّمة، وأنه ينبغي الإقبال على طالب العلم، المفتقر إليه، الحريص عليه، أزيدَ من غيره".

فالهداية لله تعالى، وليس لبشرٍ منها شيءٌ، حتى لو كان رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقد تَمَنَّى ودعا لأقوام بالإسلام، ثم كَبّهم الله على مناخرهم في النار؛ كأبي طالب، ولعن أقوامًا آخرين، ثم كتب الله لهم الهداية؛ كأبي سفيان؛ فالعبدُ عبدٌ - وإن كان سيدَ البشر - والربُّ ربٌّ، وهو شأن الألوهية المتفردة بلا شريك؛ قال تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] .

هذا؛ وسأذكر بعض المواقف الحاسمة القاسمة لسلفنا الصالح، في التحذير من مخالطة أهل الدنيا عمومًا، وأهل الحكم خصوصًا، ورحم الله القائل: "إذا رأيتم العالم يَزُورُ السلطان، فاتَّهموه على دينكم"، وقال وهب: "هؤلاء الذين يدخلون على الملوك لَهُمْ أضرُّ على الأمة من المقامرين"، وقال محمد بن مسلمة: "الذباب على العَذرةِ أحسنُ من قارئٍ على باب هؤلاء"، وكان سعيدُ بن المسيب يَتَّجِرُ في الزيت ويقول: "إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين".

وأخرج أبو نعيم، وابن عساكر: أن بعض الأمراء أرسل إلى أبي حازم فأتاه - وعنده الإفريقي والزهْري وغيرهما - فقال له: تكلَّم - يا أبا حازم - فقال أبو حازم: "إن خيرَ الأمراء من أحب العلماء، وإن شرَّ العلماء من أحب الأمراء، وكانوا فيما مضى إذا بعث الأمراء إلى العلماء، لم يأتوهم، وإذا سألوهم، لم يُرَخصوا لهم، وكان الأمراء يأتون العلماء في بيوتهم فيسألونهم، وكان في ذلك صلاح للأمراء وصلاح للعلماء، فلما رأى ذلك ناس من الناس، قالوا: ما لنا لا نطلب العلم حتى نكون مثلَ هؤلاء؟! وطلبوا العلم، فأتوا الأمراء، فحدَّثوهم، فرخصوا لهم، فخرَّبت العلماء على الأمراء، وخربت الأمراء على العلماء".

أخرج ابن النجار في (تاريخه): "أن المأمون ناظَرَ إبراهيم بن إسحاق الحربي في الفقه، فجعل يخالفه، ويقول: القول في هذه المسألة خلاف هذا، فغضب المأمون، فلما كثر خلافه قال: عهدي بك، كأنك تذهب إلى أصحابك فتقول: خطَّأْتُ أمير المؤمنين، فقال: والله - يا أمير المؤمنين - إني لأستحي من أصحابي أن يعلموا أني جئتُك!! فقال المأمون: الحمد لله الذي جعل في رعيَّتي من يستحي أن يجيئني، ثم سجد لله شكرًا".

وأخرج البيهقي في (شعب الإيمان): قال بشر الحافي: "ما أقبحَ أن يُطْلَب العالم، فيقال: هو بباب الأمير".

وعن الفضيل بن عياض قال: "احذروا أبواب الملوك؛ فإنها تزيل النِّعَم".

وأخرج البيهقي عن وهب بن منبه: أنه قال لعطاء: "إياك وأبوابَ السلطان؛ فإن على أبواب السلطان فِتَنًا كمبارك الإبل، لا تصيب من دنياهم شيئًا، إلا أصابوا من دينك مثلَه".

وتأمَّل - يا رعاك الله - إنكارَ أخٍ للزهري لمَّا رآه خالط السلطانَ، فكتب له: "عافانا الله وإياك - يا أبا بكر - من الفتن، فقد أصبحتَ بحال، ينبغي لمن يعرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحتَ شيخًا كبيرًا، وقد أثقلتْك نعم الله؛ لِما فهّمك من كتابه، وعلّمك من سنَّة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، واعلم أن أيسر ما ارتكبتَ، وأخف ما احتملتَ: أنك أَنِسْتَ وحشة الظالم، وسهَّلْتَ سبيل الغيِّ، بدُنُوِّك ممن لم يؤدِّ حقًّا، ولم يترك باطلاً حين أدناك، اتَّخَذَك قطبًا تدور عليك رحايا ظلمهم، وجسرًا يعبرون عليك إلى بلائهم، وسُلَّمًا يصعدون فيه إلى ضلالتهم، يُدْخلون بك الشك على العلماء، ويغتالون بك قلوب الجهَّال، فما أَيْسَرَ ما عمَّروا لك في جنب ما أخربوا عليك، وما أكثرَ ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك، فما يُؤَمِّنُك أن تكون ممن قال الله فيهم: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59]؟! وإنك تُعَامِل مَن لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فدَاوِ دينك؛ فقد دخله سقم، وهيِّئْ زادك؛ فقد حضره سفر بعيد، وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء، والسلام".

فإن قال قائل: ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الدخول عليهم؛ لأَمْرِهم بالمعروف ونَهْيهم عن المنكر، ولعل أصحابنا فعلوا ذلك، وهذا هو الظنُّ بهم - قيل هذا النقل معارَضٌ بما روي عن كثيرين: ألاَّ يَأْتِيَهم؛ كما قال سفيان الثوري: "إن دَعَوْكَ لتقرأَ عليهم: {قل هو الله أحد}، فلا تأتِهم"؛ رواه البيهقي.

وفي (تاريخ بغداد): "أن سلطان بخارى بعث إلى محمد بن إسماعيل البخاري يقول: احمل إليَّ كتاب: "الجامع"، و"التاريخ"؛ لأسمع منك، فقال البخاري لرسوله: قل له: أنا لا أُذِلُّ العلمَ، ولا آتي أبواب السلاطين، فإن كانت لك حاجة إلى شيء منه، فلتحضرني في مسجدي أو في داري".

وقال الزجاجي في (أماليه): "مَرَّ الحسن البصري بباب عمرَ بنِ هبيرة وعليه القرَّاء، فسَلَّم، ثم قال: ما لكم جُلوسًا؟! قد أحفيتُم شوارِبَكم، وحلقتم رؤوسكم، وقصَّرتم أكمامكم، وفلطحتم نعالكم! أما والله، لو زهدتُم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتُم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم، فَضَحْتُم القرَّاء، فَضَحَكم الله".

قال الحسن أيضًا: "إنْ سَرَّكم أن تَسْلَموا ويَسْلم لكم دينكم، فكفُّوا أيديَكم عن دماء المسلمين، وكفُّوا بطونكم عن أموالهم، وكفُّوا ألسنتكم عن أعراضهم، ولا تجالسوا أهل البدع، ولا تأتوا الملوك، فيلْبِسوا عليكم دينَكم".

ودخل سفيان الثوري على أبي جعفر بمنى، فقال له: "ارفع حاجتك، فقلت له:اتَّقِ الله؛ فإنك قد ملأتَ الأرض جورًا وظلمًا، قال: فطَأْطأ رأسه، ثم رفع وقال: ارفع لنا حاجتك، فقلت: إنما أُنْزلتَ هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعًا، فاتَّقِ الله، وأوصلْ إليهم حقوقهم، قال: فطأطأ رأسه، ثم رفع وقال: ارفع إلينا حاجتك، قلت: حجَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال لخازنه: كم أنفقتَ؟ قال: بضعةَ عشرَ درهمًا، وأرى ها هنا أمورًا لا تُطيق الجمالُ حَمْلَها"

وروى الخطيب البغدادي عن مالك بن أنس - رحمه الله - قال: "أدركتُ بضعة عشر رجلاً من التابعين يقولون: لا تأتوهم، ولا تأمروهم؛ يعني السلطان".

فانظر - رعاك الله -: كيف فرَّ أهل العلم من سلاطين فتحوا البلاد، ومَصَّروا الأمصار، وأقاموا الحقَّ، وحكموا بالقسط، وحمُوا بيضةَ الإسلام؟! فكيف الحال بالدخول والمدح والتملق لمن استبدل أحكام الله بزبالة الأذهان، وحُكْمِ الطَّغَام، وضرب على المسلمين قوانين الرومان، فدمَّر الأخلاق والآداب والأديان، قوانينَ إفرنجية وَثَنِيَّة، أفسدت عقول الراعي والرعية؟!

فإن قيل: إذا امتنع عن الدخول أو الثناء، أُوذِيَ وعُودِي - قيل: فتلك رخصة، ولكن ليحذر من تَقِيَّة الشيعة الرَّدِيَّة؛ ففي التعريض مندوحة عن الكذب، وليكن في دخوله آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر؛ كما فعل السلف الصالح، وليحرصْ على ما يُقَوِّي الإيمان، ويَتَجَنَّب الذنوبَ التي بها يُسَلَّطون عليه؛ فإن قول الحق في هذا المقام من أعظم الجهاد في سبيل الله، وليحذر أن يَنصر العدوَّ عليه بذنوبه، ولكن إن كان الأمر فوق قدرته وطاقته، فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وسعها، فلا يتعرض من البلاء لما لا يُطِيق، فيَسَعه السكوت، وليجلس في بيته؛ فهو أولى من التلبيس والتدليس، وإضلال العوام، وإغراء الجهَّال، وإيقاع الناس في القيل والقال.

قال ابن الحاج في (المدخل): "ينبغي للعالم، بل يتعيَّن عليه: أن لا يتردد لأحد من أبناء الدنيا؛ لأن العالم ينبغي أن يكون الناس على بابه، لا عكس الحال، أن يكون هو على بابهم، ولا حجة له في كونه يخاف من عدوٍّ أو حاسد، وما أشبهَهما بمن يخشى أن يُشَوّش عليه، أو يرجو أحدٌ منهم دفعَ شيء مما يخشاه، أو يرجو أن يكون ذلك شيئًا لقضاء حوائج المسلمين، من جلب مصلحة لهم أو دفع مضرة"

وتأمل ما أخرجه أبو نعيم في "الحلية": "قيل لعبد الله بن المبارك: أن إسماعيل بن علية قد وَلِي الصدقات، فكتب إليه ابن المبارك:
يَا جَاعِلَ الْعِلْمِ لَهُ بَازِيًا يَصْطَادُ أَمْوَالَ المَسَاكِينْ
احْتَلْتَ لِلدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا بِحِيلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّينْ
فَصِرْتَ مَجْنُونًا بِهَا بَعْدَمَا كُنْتَ دَوَاءً لِلْمَجَانِينْ
أَيْنَ رِوَايَاتُكَ فِي سَرْدِهَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَابْنِ سِيرِينْ
أَيْنَ رِوَايَاتُكَ فِيمَا مَضَى فِي تَرْكِ أَبْوَابِ السَّلاطِينْ
إِنْ قُلْتَ: أُكْرِهْتُ، فَمَاذَا كَذَا زَلَّ حَمَّارُ الْعِلْمِ فِي الطِّينْ
قال: فلما قرأ الكتاب بكى واستعفى
.

هذا؛ ولا أُشَكِّك في حسن قصد أولئك الدعاة، ولكن ما يوجب النصح هو ظهور بعض الأخلاقيات والسلوكيات التي أشرنا إليها، فضلاً عن تَوَهُّم بعضهم: أن تلك الضلالات والترهات تُفْعَل مراعاةًََ لمصلحة الدعوة؛ ومن أجل فتح آفاق جديدة لها، والرغبة في انتشارها؛ كل هذا وغيره يَدْفَعُهم إلى خوض البحر الخضم.

وليعلم: أن مصلحة الدعوة الحقيقية في الاستقامة على شرع الله، دون انحراف أو اختراع؛ قال الله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين} [يوسف: 108]، "وطواعيةُ الله ورسوله أنفعُ لنا"؛ كما قال رافع بن خديج.

قال الأستاذ سيد قطب في (ظلال القرآن): "ولقد تدفع الحماسةُ والحرارة أصحابَ الدعوات بعدَ الرسل، والرغبةُ الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها - تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص، أو بعض العناصر، بالإغضاء في أول الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة، يحسبونه هم ليس أصيلاً فيها، ومجاراتِهم في بعض أمرهم؛ كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصموها!

ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب، لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة، ولا مع منهج الدعوة المستقيم؛ وذلك حرصاً على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها، واجتهاداً في تحقيق مصلحة الدعوة، ومصلحةُ الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج، دون انحراف قليل أو كثير". اهـ.

فالإسلام أرسى قواعد الدعوة إلى الله، ووضع لها الأطر العامة، من كون الداعية قدوةً صالحة لمن يدعوهم، مع تمسكه بأصول الإسلام وثوابته، فلا يُغَيِّرها بحجة مصلحة الدعوة، أو مسايرة الواقع؛ متأسيًا بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في رفضه لعروض الكفار، وعدم الميل والمداهنة لهم، وغير ذلك، مع الصبر على تكاليف الدعوة، وما يصيبه من أذًى من جرائها؛ قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان:17]، كما يجب عليه التسلح بالعلم النافع والثقافة الواسعة؛ ليتمكن من إيصال الحق، مع الحرص الشديد على التلطف بالناس.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا، وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبدُ ربَّه كأنه يراه؛ فإن هذه الدرجات الثلاث، التي هي: "الإسلام"، و"الإيمان"، و"الإحسان" - داخلةٌ في الدين؛ كما قال في الحديث الصحيح: «هذا جبريلُ، جاءكم يُعَلِّمكم دينكم»".

وقال: "فالدعوة إلى الله: تكون بدعوة العبد إلى دينه، وأصلُ ذلك: عبادتُه وحدَه لا شريك له؛ كما بعث الله بذلك رسله، وأنزل به كتبه؛ قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13]، وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل: 36]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قام بهذه الدعوة؛ فإنه أمر الخلق بكل ما أمر الله به، ونهاهم عن كل ما نهى الله عنه؛ أمر بكل معروف، ونهى عن كل منكر". اهـ.