بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

مما لا أعرفُ فيه مخالف أن المسيحَ عليه السلام أُرْسِلَ إلى بني إسرائيل، وبقي بينهم إلى أن رفعه الله إليه، ولم يدعُ غيرَهم إلى الله. وأمرَ المسيحُ عليه السلام الحواريينَ بالبقاء بين بني إسرائيل وأن لا يخرجوا من بينهم؛ وهذا صريحٌ في كتابهم "إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. 6 بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ"(1)، وكان يقول: "لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ"(2) .

وهو ما نجدهُ في كتابِ ربنا القرآن العظيم الذي حَفِظَهُ عباس العقَّادُ صغيراً {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [ الصف:6].

وهو ما نجده في سيرة المسيح عليه السلام وفي سيرة الحواريينَ من بعده، في كتابهم هم الذي بين أيديهم، فلم يخرج المسيحُ عليه السلام ولا تلاميذه إلى غير خراف بني إسرائيل الضالة.

وبعد رفع المسيح عليه السلام مباشرةً، جاء أحد نشطاء اليهود ودارسي الفلسفة على يد أكبر معلميها وأشهر من عرف بعداواته للحواريين، وهو (بولس ـ شاؤول)(3) بدينٍ جديد، يختلف تماماً عن ما عاش عليه المسيح عليه السلام ودعى التلاميذ إليه، وتركهم عليه. بدَّل كلَّ شيء.

هو الذي افترى ألوهية المسيح عليه السلام وقد عاش المسيح عليه السلام عبداً رسولاً لم يقل مرةً أنه هو الله أو ابن الله متجسداً، ولا دعى أحداً لعبادته، ولا عبده أحدٌ من تلاميذه، بل كان يصلي كثيراً، ويبتهل إلى الله كثيراً، وكلما أراد فعل معجزةٍ رفع عيناه إلى السماء يستغيث بالله مولانا ومولاه.

وهو الذين جعلها دعوةً عامةً، وكانت خاصة ببني إسرائيل.

وهو الذين نقض الناموس (شريعة موسى عليه السلام) وجعل النجاة بالإيمان (التصديق أو المعرفة) ولم تكن بغير اعتقادِ الجنان وقولِ اللسان وعملِ الأركان.

وهو الذي حرم الختان، وكان المسيح مختتناً وكان التلاميذ مُخْتَتَنُون، ويخْتِنُون.

وهو وأتباعه الذين أهملوا الحديثَ عن اليوم الآخر وجعلوه كلماتٍ مجملة لا ترسم صورةً تفصيلية، بل صورةً مجملةً لا تؤثر في العمل (السلوك)، وكان المسيح عليه السلام، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يتكلمون عن اليوم الآخر بكثيرٍ من التفاصيل، ويجعلون النجاة فيه بالأعمال، وهذا صريحٌ في كتابهم الذي بين أيديهم، فمما ينسبونه للمسيح عليه السلام؛ في الرؤيا الإصحاح العشرين: "12.... وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ"، وفي رؤيا يوحنا اللاهوتي الإصحاح الثاني والعشرين: 12 "وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ"، وفي يوحنا [ 5 : 28، 29 ] "28 لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هذَا، فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، 29 فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ.

لاحظ كالذي عندنا: قبورٌ ونشورٌ، وصحفٌ للأعمال ينظر ما فيها ثم يكون الجزاء على حسبه، وفي أماكن أخرى يتكلم المسيح عن لذَّات ينالها عند الله.. خمرٍ في الجنان يشربه عند الرحمن.

وجاء هؤلاء القوم (بولس ومَن تبعه) وحاولوا طمس كلِّ حديثٍ عن اليوم الآخر، وجعلوه كلاماً مجملاً لا يردع ولا يدفع(4).

إن كل ما تراه عينك الآن في النصرانية جاء بعد المسيح عليه السلام على يد بولس والمتبعين له.

فهؤلاء الذين تراهم أمام عينك الآن أتباع بولس وعبَّاد المسيح، وليسوا بعبيد اللهِ أتباعِ المسيح!!
وكل ما تراه عينك الآن لا يتفق مع تعاليم المسيح عليه السلام التي في كتابهم هم!!
وكل ما تراه عينك الآن وقف له تلاميذ المسيح عليه السلام ورفضوه رفضاً تاماً!!

ويعلم الذين يجادلون عن (بولس) أن تلاميذ المسيح كانوا على عداءٍ تام.. وعلى رفضٍ تام.. وعلى النقيضِ تماماً مما يفعلهُ بولسُ، ولم يتبعه إلا واحد منهم.. خرج معه واعظاً ثم نَفَضَ منه يديه وتبرأ منه على الملأ، وكتب كتاباً (إنجيل برنابا) يُثبت فيه تلك البراءة. وقد تنكروا له وحاولوا أن يخفوه!!

ويعلم الذين يقرءون كتاب النصارى أن بولس زارَ تلاميذَ المسيحِ عليه السلام في بيت المقدس مرتين وعرض عليهم ما افتراه في دين الله، وفي المرتين خالفوه، وذكر هو بنفسه مخالفتهم له في. ( غلاطية 2 : 1 ـ 9 )، وحين يأس منهم سبَّهم وشتمهم بألفاظ قبيحة لا تخرج من تقي، يقول عنهم "كذبة" و "كلاب" و "فعلة الشر" و "لا يفهمون شيئاً" (5)!!

ما شأن عبّاس العقَّاد بهذا الكلام؟

كل هذا الاختلاف.. كل هذا التضاد، وعباسُ العقَّاد يجعلهم سواء. يقول كلهم تلاميذ المسيح عليه السلام، وكلهم انتشروا في الأرض بأمر المسيح عليه السلام (6)!!

فّبَعْدَ استعراضٍ طويلٍ لعضلاتهِ الفكريةِ وجولاتهِ الاستطلاعيةِ في الكتب النصرانية، وبعد تهويلِ الأمرِ للقارئ حتى يكتفي بما يُقدمه له، يقولُ عباسُ العقَّادِ ملخصاً للنصرانية: "الدعوة المسيحية بعد السيد المسيح كانت ترجع إلى مركزين: أحدهما برئاسة جيمس أي [يعقوب] المسمى بأخي الرب ومقره بيت القدس، والثانية برئاسة بولس الرسول ومريديه ومقرها خارج فلسطين بعيداً عن سلطان هيكل اليهود. وقد كانت شعبة بيت المقدس أقرب إلى المحافظة والحرص على شعائر العهد القديم"!!

ثم يقول: "وظلت الرئاسة على العالم المسيحي معقودة لهذه الشعبة المقيمة في بيت المقدس حتى تهدَّم الهيكل وتقوضت مدينة بيت المقدس وتبددت الجماعة في أطراف البلاد، وآلت قيادة الدعوة إلى الشعبة التي كانت تعمل في خارج فلسطين) (7)!!

ويَعْلَمَ العقادُ، ويعلم الذين قرءوا شيئاً عن النصرانية، أن المسيح عليه السلام لم يترك دولة بل أفراداً يعدُّون عدّاً، تركهم محسورين مكبوتين خائفين والعقَّاد يقول فريقان يتنابون رياسة!!

وهو متردد، وتردده أمارة على فساد رأيه؛ مرة يقول التلاميذ كانوا اثنا عشر، ومرة يقول كانوا ثمانين، ومرة يقول ترك المسيح شعباً كثيراً (8)، ومرة يقول بل ترك شعبتين متوازيتين إحداهما بالداخل والأخرى بالخارج، وفي ذات الكتاب يغير عباس العقاد كلامه فيذكر أن التحريف الحاصل في النصرانية على يد (بولس) ومن معه كان تطوراً طبعياً (9)، والتطور يعني أنه حدث بعد فترة من الزمن.

والقول بأن التغير الحاصل على يد (بولس) كان تطوراً وطبعياً ينقض قوله الأول بأن بولس من التلاميذ، وأن المسيح عليه السلام ترك شعبتين متوازيتين إحداهما بالخارج يترأسها (بولس) والأخرى بالداخل يترأسها يعقوب أخوه(10)!!

والقول بأن التغير الحاصل على يد (بولس) كان تطوراً وطبعياً غير صحيح من ناحيتين:
الأولى: أنه لم يكن تعديلاً بسيطاً في الفروع اقتضته المستجدات بعد أن طال عليهم الأمد وتغير الزمان واقتضى الحال تغير الفتوى، وإنما كان تبديلاً مباشراً وشاملاً ومناقضاً تماماً كما قدّمتُ.

الثاني: أن هذا التغير كاد أن يلحقَ المسيحَ عليه السلام، فبولس (مؤسس شعبة الخارج كما يدعي العقَّاد) من معاصري المسيح عليه السلام في نفس عمره تقريباً، وبدأ دعوته بعد رفع المسيح عليه السلام بأيام.

فأين التطور الذي يتكلم عنه العقاد؟!!

وحين تُراجِع كلام عباس العقاد الذي يدلل به على صحة أقوال بولس، أو حين تراجع أدلة العقاد التي يتكئ عليها في موقفه الإيجابي من بولس لا تجد سوى حِفْنة من البيان يلقي في وجه من يقرأ له.

يقول: عُذِّبَ وأوذي هو ومن معه وتبعته ألوف من الناس(11)، وأهلُ الباطلِ لا يتحملون العذابَ (12)!!

وهذا الكلام غير صحيح، فلم يعذب بولس ويؤذى؛ وجهده الذي بذله لا يساوي جهدَ ناشطٍ يترأس أسرة دعوية بين طلاب المدن الجامعية، فلم يقاتل عدواً ولم ينفق مالاً، بل كان كذَّاباً متلوناً يلبس لكل قومٍ لبوسهم (13)، ولم يجلد ظهره أو يؤخذ ماله، وضربت عنقه في نهاية حياته بعد أن شاخ دونما تعذيب وتشريد، ومثل هذا النوع من الناس يقدمون على القتل كنوع من الدعاية لأفكارهم.

وإن سلمنا جدلاً أن بولس لاقى عذاباً شديداً وهو ما لا نعرفه فلا يصلح أن يتكئ العقاد عليه كدليل على موقفه الإيجابي من (بولس)، فلو أن كلَّ من صبر على بلاءٍ وتبعه ألوف من الناس صحّحنا مذهبه، لصار الكل تقيّاً مؤمناً.. بوذا.. وكرشنا.. وجنكيز خان.. والحلاج وكان جّلِداً صبوراً.. والجهم بن صفوان.. ومحمد بن كرام.. والجعد بن درهم.. بل ليس ثّمَّ تمكينٌ لحقٍ أو باطلٍ بلا جَلَدٍ ومجالدة، وكل هؤلاء تتبعهم الملايين {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ }يوسف103 {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الأنعام116].

فَتَّشْتُ كثيراً وطويلاً في ما كتب العقاد.. فوجدت الرجل يصر على تصويب بولس ومن كانوا معه من المبدلين لدين الله. حتى أنه يدفع عن بولس تهمة الكذب التي أقر بها على نفسه، وشهد بها عليه أصدقائه وأعدائه يقول العقاد مدافعاً عنه: "بولس كان يتألف القلوب ببعض المجاملة"(14).

وشيءٌ آخر: المسيحُ عليه السلام وبولس عليه لعنة الله مروا بالتاريخ مرور الكرام في زمانهم، حتى أنك لا تستطيع أن تدلل على وجود المسيح عليه السلام من غيرِ كتب المسلمين، وكلُ كتابٍ يتكلم عن المسيح عليه السلام وبولس عليه لعنة الله بما في ذلك كتاب النصارى لا يثبت أمام النقد العلمي!!

الوثنيون حين دخلوا للنصرانية بعد قرنين أو يزيد من رفع المسيح عليه السلام، جعلوا ينتقون منها بأهوائهم، وجيء ببولس وتلك الكتابات التي بين أيديهم من تحت ركام الأيام، فعقيدة النصارى الآن ظهرت واستقرت بعد قرون من هلاك بولس ورفع المسيح عليه السلام ولا علاقة لأي منهما في ظهورها، بل الذي أظهر ذلك وفعَّلَهُ هم الرومان الوثنيون! حتى الكتابات المنسوبة لبولس منها ما لا يعرف كاتبه، على سبيل المثال (سفر أعمال الرسل) وهو أهم الأسفار المنسوبة لبولس!
هذه هي الحقيقة التي لا يجهلها أحد
.

احترتُ كثيراً وأنا أفكر في العقَّاد من أين جاء العقاد بهذا الكلام؟! وكيف طوعت له نفسه أن يُصور بولس لعنه الله وكأنه جاهد واجتهد، وشدَّ واشتد حتى مكن للنصرانية. وكأنه على خطى المسيح عليه السلام بالحق يصيح!! كيف طوعت له نفسه أن يتكلم بهذا الكذب المكشوف؟!

والتفسير الذي ترتاح له نفسي بعد تمعن في حال الرجل وبعد ساعات قضيتها بين كتبه هو أن العقَّاد كتب هذا الكتاب متأخراً بعد أن انتشر اسمه وعرف الناس سعة إطلاعه، وكان في زمن لا يقرأ فيه أحد ولا يكتب، وحَسِبَ أن الناس لن يقرءوا ولن يكتبوا، وإن تعلموا الكتاب والقراءة فلن يفتش أحد وراءه، وبالتالي لن يعرفوا أن الرجل يتكلم من رأسه!!

لن تجد مبرراً غير هذا لهذا الهراء الذي يتكلم به العقَّاد!!

ودليل ذلك أن العقاد في طبعته الثانية للكتاب ردَّ على من اعترضوا عليه بأنه فتح الإنجيل أكثر من ألف مرة، وأنه يعرف مالا يعرفون، وألقى في وجههم تراب البيان دون أن يناقش حججهم أو يعتني بقولهم!!

ودليل ذلك أيضاً أنني سأجد المعترضين على هذه المقالات فقط يصرخون بصوت عالٍ: تعترض على العقاد؟!!

مع أني أنقل كلامه برقم الصفحة وأناقش بالدليل من كتاب النصارى ومن كتاب الله. وارتقبوا معي لن تجدوا إلا ما تركه لهم العقاد.. صراخ وعويل، وستارٌ من الكبر يحتمون خلفه.. هذا ما عندهم.

والمقصود بيانه هو:
ـ أن العقاد يدافع عن باطلٍ صريحٍ بلا دليلٍ صحيح أو غيرِ صحيح، فقط بمهارة البيان، و تصويب بولس ومن كانوا معه من المبدلين لدين الله ثابت لا شك فيه عند العقّاد.