بسم الله الرحمن الرحيم

كثير من الناس لا يعرفون كيف يكون التصرف الأمثل تجاه طموحاتهم ومرغوباتهم ؛ فهي مصدر إرباك حقيقي لوعيهم ، بل مصدر لشعورهم بالشقاء والحرمان . ومصدر هذه الوضعية هو أن كل أحوالنا وأوضاعنا وكل ما نتطلع إليه ، ونرجوه يحتمل الرؤية المتعددة والاعتبارات المتباينة ؛ حيث إن في إمكان كثير ممن نغبطهم على ما هم فيه من نعمة أن يشعروا بالحاجة إلى أشياء كثيرة ، كما أن كثيراً منهم يضبط غيره ، ويحسده على ما يظن أنه محروم من مثله . ومن هنا جاء التوجيه لنا أن نمارس نوعاً من إدارة الإدراك والسعي إلى القيام بمقارنة تجلب لنا الرضا والطمأنينة على نحو ما نجده في قوله - صلى الله عليه وسلم - : « إذا نظر أحدكم إلى مَنْ فُضِّل عليه في المال والخَلْق ؛ فلينظر إلى من هو أسفل منه » أخرجه البخاري .

إذا نظرنا إلى من هم فوقنا في أمور الدنيا ، فلن نحصد سوى الحسرة ، وسنزدري نعمة الله علينا من خلال الشعور بالنقص ، ويا حبذا أن ننظر إلى من هم فوقنا في التقوى وشدة الإقبال على الله - تعالى - وعمل الخير ونفع الخلق ؛ إذن لشكَّل ذلك حافزاً لنا على الصلاح والتقدم على الصعيد الشخصي .

إن القرآن الكريم يعدِّد الكثير من آلاء الله ونعمه على الخلق حتى يتمتعوا بها ، ويحمدوه عليها ، وهو يعلمنا في غير موضع أننا سنظل عاجزين عن إحصاء نعمه ؛ وذلك حتى نستمتع في حمده وشكره والثناء عليه ؛ نحن عاجزون عن إحصاء نعم الله - تعالى - علينا . لأننا لم نكتشف حتى اليوم تفاصيل لطفه بنا وتدبيره لنا ، كما أننا غير مؤهَّلين لمعرفة أنواع النقم والرزايا التي يدفعها عنا دون أن نشعر ، أو نجهد .
وفي هذا تحفيز للوعي الإسلامي على اكتشاف الخيرات الناجزة التي ننعم بها عوضاً عن قطع العمر في التشوق إلى ما لا نملك . شيء مؤسف أن تنقضي أعمار كثيرين منا في الأمنيات والحسرات ؛ وقد صدق من قال : بعضنا يقضي الشطر الأول من عمره في اشتهاء النصف الثاني والتطلع إليه وانتظاره بفارغ الصبر ؛ فإذا بلغه قضاه في الحسرة على النصف الأول ؛ وهذا واضح فيما نحفظه من أدبيات رثاء الشباب والبكاء على سالف الأيام . إن خداعنا سهل ميسور ، وأشعر أننا كثيراً ما نكون ضحايا الأوهام البراقة ، وكثيراً ما تكون الإفاقة في وقت متأخر ، وهذا بسبب ضعف فهمنا لطبائع الأشياء وسنن الله - تعالى - في الخلق .

إن الأشياء التي نتطلع إليها تتمتع بقدرة فائقة على جذبنا إليها ، وكلما كانت تلك الأشياء بعيدة المنال كان إغراؤها أعظم ، وكلما اقتربنا منها تراجع لمعانها ، وحين نظفر بها فإن قدرتها على إمتاعنا تصبح ضئيلة ، وسرعان ما يقفز بنا الخيال إلى ما يمكن أن يأتي بعدها ، لنبدأ رحلة جديدة من التشهِّي وخداع النفس ؛ وأعتقد أنه لو كان لدينا مئة شخص يعرفون بعضهم على نحو جيد ، وطلبنا منهم أن يتحدثوا عما يضمرونه في أنفسهم من مشاعر تجاه بعضهم بعضاً أعتقد أننا سنرى العجب العجاب ، وسنكتشف أن كثيراً منهم يغبط غيره على ما هو زاهد فيه ، ويغبطه غيره على ما يشعر نحوه بالسأم والملل !! وهكذا تبدو الحياة وكأنها فارغة من أي معنى ، وخالية من أي معيار محايد لمعرفة ما يجلب لنا الهناء ، وما يجلب لنا الشقاء !

تعالوا كي نتعلم من الأطفال كيف يصنعون الأفراح والمسرات أياماً طوالاً من خلال اللعب بالقليل جداً من الألعاب . وتعالوا لنقنع أنفسنا بأننا سعداء ومحفوفون بآلاء الله ونعمائه وبركاته ، ولنحاول ألا نجعل السعادة هدفاً نطارده كي نمسك به ، كما يفعل الذي يحاول القبض على ظله ! دخل أحدهم السجن من غير جرم اقترفه ، وكان مثقفاً ، فوجد من انضم إليهم من المساجين غارقين في الأحزان : أحزان على فراق الأهل والأولاد ، وأحزان على الأعمال التي توقفت بعدهم ، وأحزان على الحرية والمتع المسلوبة ...
وكان ذلك الرجل حكيماً وخبيراً في تحويل الوعي وتوجيه الخيال ؛ فما كان منه إلا أن اقترح عليهم فكرة لتخفيف الضغوط التي يواجهونها ، وتلك الفكرة هي الاجتماع في آخر النهار من أجل الاحتفال بانتهائه وشطبه من مدة الحكم الصادر في أولئك السجناء . وكان ذلك ، واستطاعوا من خلال الحفل اليومي الضئيل جداً في إمكاناته أن يضحكوا من قلوبهم وملء أفواههم ، وحين أُخرِجوا من السجن أضفى ذلك الحفل المتكرر على ذكريات الأيام الصعبة مسحة من الشوق والحنين .

إن كثيراً من الناس يشعرون بالسخط والضيق بسبب ما يعتقدون أنهم فاقدون له من متاع الدنيا وزينتها ، وكان عليهم أن يستعيضوا عن ذلك بفتح أبواب جديدة للهناء ، لا يتطلب الدخول منها المال والجاه والمنصب ، وإنما يتطلب القناعة والرضا بما قسم الله إلى جانب الإكثار من التعبد والثناء على الرحمن الرحيم ، بالإضافة إلى إثراء حياتنا بالتواصل الأخوي ومعاني النبل والوفاء وبذل المعروف ...

إن جعل سعادتنا مرتبطة على نحو جوهري بالحصول على المزيد من المال ، يشكِّل تركة في الاتجاه الخاطئ ؛ لأن المطلوب من المال سيظل باستمرار أكثر من المعروض ؛ ومن ثَم فإن مشاعر الحرمان ستظل مسيطرة على أعداد هائلة منا على نحو ما نلمسه اليوم حيث اتجهنا .
إن الرسالة التي أحببت اليوم إيصالها ، تهدف إلى الدفع في اتجاه البحث عن ضروب من السعادة المجانية الناجزة عوضاً عن عن السعي المرهق خلف السراب والوهم ؛ فهل وصلت تلك الرسالة ؟

د . عبد الكريم بكار