اللم بحق محمد وال محمد ارزقنا معرفتك

قال أمير المؤمنين علي (ع): أول الدين معرفته.
لكل شيء بداية وأساس فإذا نهض واشتد وأثمر فإنما يعود الفضل إلى نقطة البداية وإلى ذلك الأساس.
فالدين ذلك النظام الشامل بعقيدته وفكره وأخلاقه إنما يبدأ من نقطة واحدة ويرتكز على ركن واحد، فإذا انطلق من تلك النقطة ونهض على ذلك الأساس فإنه ينهض قوياً متيناً ومفيداً، وتلك هي معرفة الذات الإلهية المقدسة والإيمان بالأحدية المطلقة.
فالإيمان بالنبوة أو الاعتقاد بالمعاد مثلاً، على أنهما أصلان ضروريان في الدين إلا أنهما بمثابة غصنين متفرعين من ذلك الجذع، لأن التوحيد أصل ثابت ولأن "للعلم مالك وهو الله" وهو الذي يدبر الوجود ويسوقه نحو الكمال، كما أن البشرية أفراداً كانوا أم مجتمعات بحاجة إلى من يهديها ويدلها عن طريق "الوحي والإلهام" وبواسطة بعض النفوس البشرية الطاهرة التي هي بمثابة علامات هداية وإرشاد حيث تتجلى بالأنبياء والرسل.
بما أن أصل التوحيد ثابت وأن الموجودات تتحرك نحو الكمال المنشود، ولأن الوجود الإنساني يحمل في أعماقه إرشادات النشأة الأخرى وهي عالم الآخرة، فإنه بمثابة الجذع الذي تتفرع عنه الأغصان والأوراق والثمار.
قد يوجد بعض الناس ممن يغالون في إيمانهم بالأنبياء، ينظرون إليهم على أنهم آلهة صغار يعبدونهم من دون الله؛ إن مثل هذه العقائد السخيفة إنما تنشأ عن خلل في الأساس الأول من البناء وهو التوحيد وعن قصور في معرفة الله سبحانه، وإلا فكيف يمكن للإنسان الذي له أدنى معرفة بالله مالك الملك أن ينصرف إلى عبادة إنسان لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً على حدّ تعبير القرآن الكريم أو يشرك بعبادة الله أحداً ليس بيده موت ولا حياة ولا نشور.
وكذلك فإن سائر أغصان وأوراق وثمار الدين إذا ما نبتت في أصل التوحيد استقامت وآتت أكلها، أما إذا لم تتصل بذلك الجذع فإنها لن تؤتي ثمارها المرجوة.
على سبيل المثال فإن واحدة من هذه التفرعات وفي مرحلة التطبيق التي يوجبها الدين هي مسألة احترام حقوق الآخرين. إن أصل التوحيد يقضي بأن الله عادل وحكيم وبصير، وأن الله العادل الحكيم لا يصدر عنه أمر ظالم وأن الله سبحانه ـ وكما نص القرآن على ذلك ـ يأمر بالعدل والإحسان والإيثار والتضحية ورعاية الآخرين، كما أن الله العادل الحكيم ينهى عن الأعمال القبيحة والسيئة والأعمال التي يستقبحها العقل وأن الله العادل الحكيم ينهى عن الظلم والعدوان، ولكننا نجد في الماضي والحاضر وفي المستقبل أيضاً أناساً يرتكبون الفحشاء والمنكر والعدوان ومع ذلك يدعون بأن الله قد أمر بذلك وأن ما يقومون به يوافق الموازين الشرعية والأحكام الدينية؛ يقول سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون)[الأعراف: 28]
إن هذه الآية الكريمة تشير إلى أن هؤلاء الناس لو كانوا يدركون التوحيد أو عرفوا الله بأسمائه الحسنى وأدركوا أن الله عادل وحكيم لما تفوهوا ببدعهم أبداً، ولما قالوا بأن أعمالهم تلك على موازين الدين، ذلك لو أنهم عرفوا أن الله لا يأمر بالظلم، وأن الله لا يقول ليطأ بعضكم بعضاً وأن يلتهم البعض كدّ البعض الآخر باسم الدين، لما حصل ذلك أبداً.
إن الله سبحانه لا يرضى أن يعيش البعض كلاًّ على الآخرين وأن يكون عبئاً على المجتمع دون أن يفكر بتخفيف أعباء الآخرين. إن رضا الله يكمن في تنفيذ أوامره وإن أوامر الله هي كما ذكرنا آنفاً.
أجل إن ألف باء الدين هي معرفة الله، فكما أن التلميذ في المدرسة إذا لم يدرك المعلومات الأساسية التي تؤهله لقراءة الكتب فإنه سيكون عاجزاً تماماً عن إدراك مسائل الطبيعة والرياضيات والأدب، فالتلميذ إنما يتعلم أولاً الحروف التي تتألف منها اللغة، فإذا لم يتعلم ذلك فإنه سيكون عاجزاً عن القراءة وبالتالي فإنه سوف لن يفهم أياً من الدروس.
إن معرفة الله هي بمنزلة الحروف الأولى في الدين، فمن عرف الله تمكن من قراءة خط الدين وأدرك المرامي التي ينشدها الدين، أما إذا لم يدرك تلك الحروف فإنه سيخطئ في قراءة كلمات الدين وأوامره ومن ثم يخطئ في ترجمتها في سلوكه وسيصل به الأمر إلى ما عبر عنه القرآن في قوله سبحانه وتعالى: (الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً). [الكهف: 104]
ولذا قال الإمام علي (ع): "أول الدين معرفته". إن معرفة الله ليست أول الدين فحسب بل وسطه وآخره أيضاً، ذلك أن الذات الإلهية المقدسة هي أول الوجود وآخره، مع جميع الموجودات، محيط بها. وإذا أصبح الإنسان موحداً حقاً لهوت نحوه جميع الفضائل وانجذبت إليه.