الجزاء الأول : مقدمة
الحمد لله، نحمده، ونستعينه ، ونستغفره ، ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، فبلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق جهاده ، فصلوات الله وسلامه عليه ، وعلى آله ، وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد :
فإن الله تعالى يقول : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء:1).
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب ، الآيتان : 70- 71) .

المراد بأهل السنة والجماعة وبيان طريقهم
أهل السنة والجماعة هم الذين هداهم الله تعالى لما اختلف فيه من الحق بإذنه ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، وكلنا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث بالهدى ودين الحق ، الهدى : الذي ليس فيه ضلالة ، ودين الحق : الذي ليس فيه غواية ، وبقي الناس في عهده على هذا المنهاج السليم القويم ، وكذلك عامة زمن خلفائه الراشدين ، ولكن الأمة بعد ذلك تفرقت تفرقاً عظيماً متبايناً ، حتى كانوا على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، وهي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه ، بهذا نقول : إن هذه الفرقة هي فرقة أهل السنة والجماعة وهذا الوصف لا يحتاج إلى شرح في بيان أنهم هم الذين على الحق ؛ لأنهم أهل السنة المتمسكون بها ، وأهل الجماعة المجتمعين عليها ولا تكاد ترى طائفة سواهم إلا وهم بعيدون عن السنة بقدر ما ابتدعوا في دين الله سبحانه وتعالى ، ولا تجد فرقة غيرهم إلا وجدتهم فرقة متفرقين فيما هم عليه من النحلة .
وقد قال سبحانه وتعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام : 159).
إذن لا حاجة لنا إلى التطويل بتعريف أهل السنة والجماعة . لأن هذا اللقب يبرهن على معناه برهاناً كاملاً وأنهم المتمسكون بالسنة المجتمعون عليها ونحن نلخص الكلام في نقاط رئيسية هي :
أولاً : بيان طريق أهل السنة والجماعة في أسماء الله تعالى وصفاته مع أمثلة توضح تلك الطريقة :
أهل السنة والجماعة طريقتهم في أسماء الله وصفاته أنهم يعتبرون أن ما ثبت من أسماء الله وصفاته في كتاب الله ، أو فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو حق على حقيقته يراد به ظاهره ولا يحتاج إلى تحريف المحرفين وذلك لأن تحريف المحرفين مبني على سوء فهم ، أو سوء قصد حيث ظنوا أنهم إذا أثبتوا تلك النصوص ، أو تلك الأسماء والصفات على مظاهرها ظنوا أن ذلك إثبات للتمثيل ، ولهذا صاروا يحرفون الكلم عن مواضعه ، وقد يكونون ممن لم يفهموا هذا الفهم ولكن لهم سوء قصد في تفريق هذه الأمة الإسلامية شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون .
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ما سمى الله به نفسه وما وصف الله به نفسه في كتابه ، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، فهو حق على حقيقته وعلى ظاهره ، ولا يحتاج إلى تحريف المحرفين بل هو أبعد ما يكون عن ذلك ، وهو أيضاً لا يمكن أن يفهم منه ما لا يليق بالله عز وجل من صفات النقص أو المماثلة بالمخلوقين ، بهذه الطريقة المثلى يسلمون من الزيغ والإلحاد في أسماء الله وصفاته ، فلا يثبتون لله إلا ما أثبته لنفسه ،أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ، غير زائدين في ذلك ولا ناقصين عنه ، ولهذا كانت طريقتهم أن أسماء الله وصفاته توقيفية لا يمكن لأحد أن يسمي الله بما لم يسم به نفسه ، أو أن يصف الله بما لم يصف به نفسه .
فإن أي إنسان يقول : إن من أسماء الله كذا ، أو ليس من أسماء الله ، أو أن من صفات الله كذا ، أو ليس من صفات الله بلا دليل لأنه لاشك قول على الله بلا علم وقد قال الله سبحانه وتعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (لأعراف : 33) .
وقال تعالى : (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء : 36) .
ثم إن طريقتهم في أسماء الله تعالى أن ما سمى الله به نفسه فإن كان من الأسماء المتعدية فإنهم يرون من شرط تحقيق الإيمان به ما يلي :
1- أن يؤمن المرء بذلك الاسم اسماً له عز وجل .
2- أن يؤمن بما دل عليه من الصفة سواء كانت الدلالة تضمناً أو التزاماً .
3- أن يؤمن بأثر ذلك الاسم الذي كان مما دل عليه الاسم من الصفة ونحن هنا نضرب مثلاً:
من أسماء الله تعالى : "السميع" يجب على طريق أهل السنة والجماعة أن يثبت هذا الاسم من أسماء الله فيدعى الله به ويعبد به فيقال مثلاً عبد السميع ويقال يا سميع يا عليم وما أشبه ذلك لأن الله تعالى يقول : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (لأعراف : الآية180) .
وكذلك أيضاً يثبت ما دل عليه هذا الاسم من الصفة وهي السمع فنثبت لله سمعاً عاماً شاملاً لا يخفى عليه أي صوت وإن ضعف .
كما نثبت أيضاً أثر هذه الصفة وهي أن الله تبارك وتعالى يسمع كل شيء وبهذا ننتفع انتفاعاً كبيراً من أسماء الله لأنه يلزم من هذه الأمور الثلاثة التي أثبتناها في الاسم إذا كان متعدياً أن نتعبد الله بها فنحقق قول الله عز وجل : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف : الآية180) .
فأنت إذا آمنت بأن الله يسمع فإنك لن تسمع ربك ما يغضبه عليك لن تسمعه إلا ما يكون به راضياً عنك ، لأنك تؤمن أنك مهما قلت من قول سواء كان سراً أم علناً فإن الله تبارك وتعالى يسمعه ، وسوف ينبئك بما كنت تقول في يوم القيامة ، وسوف يحاسبك على ذلك على حسب ما تقتضيه حكمته في كيفية من يحاسبهم تبارك وتعالى ، إذاً القاعدة عند أهل السنة والجماعة أن الاسم من أسماء الله إذا كان متعدياً فإنه لا يمكن تحقيق الإيمان به إلا بالإيمان بهذه الأمور الثلاثة :
1- أن نؤمن به اسماً من أسماء الله فنثبته من أسمائه .
2- أن نؤمن بما دل عليه من صفة .
3- أن نؤمن بما يترتب على تلك الصفة من الأثر .
وبهذا يتحقق الإيمان بأسماء الله تبارك وتعالى المتعدية .
أما إذا كان الاسم لازماً فإنهم يثبتون هذا الاسم من أسماء الله ، ويسمون الله به ويدعون الله به ، ويثبتون ما دل عليه الاسم من صفة على الوجه الأكمل اللائق بالله تعالى ، ولكن هنا لا يكون أثر، لأن هذا الاسم مشتق من شيء لا يتعدى موصوفه فلذلك لا يكون أثر، ونضرب مثلاً بـ "الحي" فإن الحي من أسماء الله عز وجل ، نثبته اسماً لله فنقول من أسماء الله تعالى : "الحي" وندعو الله به فنقول : "يا حي ، يا قيوم" .
ونؤمن بما دل عليه من صفة ، سواء كان ذلك تضمناً ، أو التزاماً وهي الحياة الكاملة التي تتضمن كل ما يكون من صفات الكمال في الحي من علم ، وقدرة ، وسمع ، وبصر ، وكلام وغير ذلك ، فعلى هذا نقول إذا كان الاسم من أسماء الله غير متعد فإن تحقيق الإيمان به يكون بأمرين .
أحدهما : إثباته اسماً من أسماء الله .
والثاني : إثبات ما دل عليه من الصفة على وجه الكمال اللائق بالله تبارك وتعالى .
أما الصفات فإننا لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه سواء ذكر الصفة وحدها بدون أن يتسمى بما دلت عليه ، أو كانت هذه الصفة مما دلت عليها أسماؤه ، فإنه يجب علينا أن نؤمن بهذه الصفة على حقيقتها مثال ذلك : أثبت الله تبارك وتعالى لنفسه أنه استوى على عرشه . وهو يخاطبنا بالقرآن النازل باللسان العربي المبين وكل الناس الذين لهم ذوق في اللغة العربية يعلمون معنى استوى في اللغة العربية ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله تعالى وقد سئل عن قوله تعالى : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) (طـه :5 ) . كيف استوى ؟ فقال: "الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة" . هذا هو اللفظ المشهور عنه واللفظ الذي نقل عنه بالسند قال : "الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة". وهذا اللفظ أدق من اللفظ الذي سقناه قبل ، لأن كلمة "الكيف غير معقول" تدل على أنه إذا انتفى عنه الدليلان النقلي والعقلي فإنه لا يمكن التكلم به.
هذه الصفة من صفات الله لم يرد اسم من أسماء الله مشتق منه فلم يرد من أسمائه المستوى ، ولكننا نقول : إنه استوى على العرش ونؤمن بهذه الصفة على الوجه اللائق به ونعلم أن معنى الاستواء هو العلو ، فهو علو خاص بالعرش ، ليس العلو المطلق على جميع المخلوقات ، بل هو علو خاص ولهذا نقول في قوله تعالى : (اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) (الأعراف : من الآية54) . أي علا واستقر على وجه يليق بجلاله وعظمته ، وليس كاستواء الإنسان على البعير والكرسي مثلاً ؛ لأن استواء الإنسان على البعير والكرسي استواء مفتقر إلى مكانه الذي يستوي عليه ، أما استواء الله جل ذكره فإنه ليس استواء مفتقر، بل إن الله تبارك وتعالى غني عن كل شيء ، كل شيء مفتقر إلى الله ، والله تبارك وتعالى غني عنه .
ومن زعم أنه بحاجة إلى عرش يقله فقد أساء بربه عز وجل فهو سبحانه وتعالى غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته ، بل جميع مخلوقاته مفتقرة إليه ، كذلك النزول إلى السماء الدنيا حينما يبقى ثلث الليل الآخر نؤمن به على أنه نزول حقيقي ، لكنه يليق بالله عز وجل لا يشبه نزول المخلوقين ، ومن هنا نقول أنه يجب على المؤمن أن يتحاشى أمراً يلقيه الشيطان في باله أمراً خطيراً للغاية – وهو أمر حمل أهل البدع على تحريف النصوص من أجل هذا الأمر الذي يجعله الشيطان في قلوب الناس – ألا وهو تخيل كيفية صفة من صفات الله ، أو تخيل كيفية ذات الله عز وجل .
فاعلم أنه لا يجوز أبداً أن يتخيل كيفية ذات ال له، أو كيفية صفة من صفاته ، واعلم أنك إن تخيلت أو حاولت التخيل فإنك لابد أن تقع في أحد محذورين :
أما التحريف والتعطيل ، وإما التمثيل والتشبيه ولهذا يجب عليكم أيها الإخوة أن لا تتخيلوا أي شيء من كيفية صفات الله عز وجل ، لا أقول لا تثبتوا المعنى يجب أن يثبت لكن تخيل كيفية تلك الصفة لا يمكن أن تتخيلها وعلى أي مقياس تقيس هذا التخيل .
لا يمكن أبداً أن تتخيل كيفية صفات الله عز وجل لا بالتقدير ولا بالقول يجب عليك أن تتجنب هذا لأنك تحاول ما لا يمكن الوصول إليه بل تحاول ما يخشى أن يوقعك في أمر عظيم لا تستطيع الخلاص منه إلا بسلوك التمثيل والتعطيل وذلك لأن الرب جلت عظمته لا يمكن لأحد أن يتخيله على كيفية معينة لأنه إن فعل ذلك فقد قفا ما ليس له به علم وقد قال الله تعالى : (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) (الإسراء : من الآية36) .
وإن تخيله على وصف مقارب بمثيل فقد مثل الله والله سبحانه وتعالى يقول : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى : من الآية11) .
وبهذا نعلم أن من أنكر صفات الله أنكرها لأنه تخيل أولاً ، ثم قالوا هذا التخيل يلزم منه التمثيل ثم حرفوا ، ولهذا نقول إن كل معطل ومنكر للصفات فإنه ممثل سبق تمثيله تعطيله . مثل أولاً وعطل ثانياً ولو أنه قدر الله حق قدره ولم يتعرض لتخيل صفاته سبحانه ما احتاج إلى هذا الإنكار وإلى هذا التعطيل .

الجزاء اللاحق في طريقة أهل السنة والجماعة في العبادة الله