نظرة مستقبلية للهيدروجين كمصدر للطاقة


في خلال الـ 100 عام الماضية ظل الوقود التقليدي مثل البنزين والديزل هو الخيار المفضل في قطاع النقل, ولكن ذلك قد لا يستمر طويلاً مع الخطوات المتسارعة في التوجه نحو استخدام الهيدروجين كوقود للسيارات. بحلول عام 2050م يتوقع بعض الباحثين أن يصبح الهيدروجين هو المصدر الرئيس للوقود في هذا المجال. من المخطط أن يتم ذلك عن طريق خلايا الوقود التي يمكن أن يتم فيها تفاعل الهيدروجين مع الأكسجين لإنتاج الكهرباء اللازمة لتسيير المحرك إضافة لبخار الماء كناتج جانبي. في البدء يجب توضيح حقيقة مهمة وهي أن الهيدروجين في حد ذاته لا يعد مصدراً للطاقة ولكنه حاملا لها مثله في ذلك مثل الكهرباء والبنزين, فجميعها مشتقات من مصدر أساسي للطاقة.

تعتمد تقنيه خلايا الوقود بصورة مبسطة على تفاعل الهيدروجين مع الأكسجين (من الهواء الخارجي) داخل ما يسمى بخلية الوقود التي بدورها تنتج طاقة كهربائية دائمة وبخار الماء مع استمرار تغذية واستهلاك الهيدروجين, وهى في ذلك تشبه إلى حد ما طريقة عمل البطاريات التقليدية مع الفارق أن الأخيرة لا تستهلك المواد المتفاعلة. الكهرباء المنتجة من هذه الخلايا يمكن استخدامها بفعالية عالية في إدارة محرك السيارة.

من المعروف أن الهيدروجين لا يتواجد في الطبيعة منفرداً لذلك يجب استخلاصه من مصادر أخرى. يأتي 50 في المائة من الإنتاج العالمي للهيدروجين اليوم من الغاز الطبيعي, أما المتبقي فيأتي من مصادر متعددة مثل الفحم والنفط وبعض مصادر الطاقة المتجددة كالكتل الحيوية والماء. في الولايات المتحدة يأتي 95 في المائة من الهيدروجين من الغاز الطبيعي وذلك نظراً للتقدم الواضح في تقنية الإنتاج وقلة التكلفة. يستخدم معظم هذا الإنتاج في عدد من التطبيقات المختلفة تشمل الصناعات الكيماوية وتكرير النفط.

أكثر الطرق انتشارا اليوم في إنتاج الهيدروجين تتمثل فيما يعرف بتكسير الغاز الطبيعي, أو بصورة أكثر دقة, تكسير الميثان عن طريق البخار والذي يتم عملياً في خطوتين, في الأولى يتم تكسير الغاز الطبيعي إلى هيدروجين زائداً أول أكسيد الكربون, وفي الثانية يتم تحويل أول أكسيد الكربون إلى ثاني أكسيد الكربون إضافة لمزيد من الهيدروجين. هناك طرق أخرى أقل استخداما في إنتاج الهيدروجين مثل عملية الانشطار المائي وعملية تكسير الغاز الناتج من حرق الفحم أو الكتل الحيوية.

اليوم تتركز الآمال المستقبلية للهيدروجين على تحقيق عدد من الأهداف الأساسية أهمها: (1) تطوير تقنية إنتاج الهيدروجين من مصادر خام محلية وبتكلفة بسيطة تنافس مصادر الطاقة الأخرى. (2) تطوير سبل إنتاج الطاقة من الهيدروجين, كخلايا الوقود مثلاً, واستخدامها في السيارات مع طرحها في الأسواق بأسعار مناسبة. (3) تصنيع خزانات وقود بمواصفات سلامة عالية وذات أحجام مناسبة بالنسبة لسيارات التنقل تسمح بالسير لأكثر من 500 كيلومتر دون الحوجة للتزود بالوقود. تحقيق هذه الأهداف يتطلب العمل لحل عدد من المعضلات التقنية.

الانتقال نحو الهيدروجين يتطلب أولاً حل مشكلة أساسية تتعلق بالسلامة عند نقله وتخزينه. عملياً المطلوب تصميم خزانات وقود محكمة السلامة ورخيصة وخفيفة الوزن تصلح للاستخدام خصوصاً في السيارات. ولكن الأمر ليس بهذه السهولة لأن جزيئات الهيدروجين في حالته الغازية تنفذ من خلال المواد الصلبة, ولذلك يجب العمل على تطوير مواد مناسبة لتصميم خزانات ذات مواصفات خاصة. أيضاً هناك مشكلة تقنية كبيرة تتعلق بحجم خزان الوقود المطلوب, فالهيدروجين يحتوى على نحو ربع الطاقة الموجودة في الحجم نفسه من البنزين مثلاً , لذلك السيارة الهيدروجينية عملياً تحتاج إلى أربعة أضعاف حجم الخزان في السيارة التقليدية. بينما يمكن تفادي مثل هذه المشاكل بواسطة تسييل الهيدروجين إلا أن ذلك يتطلب ضغطاً عالياً جداً أو درجة حرارة منخفضة, وهذا خيار من الصعب تحقيقه عملياً في كثير من الأحيان. الهيدروجين في حالته الغازية أيضاً يمتاز بشدة الاشتعال ولذلك يجب التعامل معه بحذر. في الحقيقة يبدو أن الجهود في حل مشكلة التخزين قد بدأت فعلاً حيث نشرت مجلة "علوم الطاقة والبيئة" في مطلع العام الماضي دراسة تشير إلى نجاح الاختبارات المعملية التي أجراها فريق من الباحثين بالولايات المتحدة في إنتاج واستخدام مادة أمونيا بوران لهذا الغرض. هناك أيضاً نتائج مشجعة في إنتاج خزانات مناسبة من مادة الألياف الكربونية المقوية التي تسمح بتخزين كميات كبيرة من الهيدروجين تحت ضغط عال.

من التحديات المصاحبة لعملية إنتاج الهيدروجين هي خطورة انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون الضار بالبيئة الذي ينتج من عملية تكسير الميثان كما ذكرنا سابقاً. لحل هذه المشكلة في المستقبل يمكن اللجوء لتقنية استخلاص وتخزين ثاني أكسيد الكربون في باطن الأرض أو في أعماق المحيطات. أيضاً يمكن استخدام مصادر متجددة ونظيفة في إنتاج الهيدروجين لتفادى مشكلة الانبعاث الحراري. أما من ناحية التكلفة يأمل الباحثون في خفض تكلفة إنتاج الهيدروجين إلى ما دون الدولارين للجالون أي نحو 50 في المائة أقل من سعر التكلفة اليوم. أما المعضلة الكبرى فتكمن في تطوير خلايا وقود عالية الكفاءة بسعر معقول, فحتى الآن تكلفة إنتاج هذه الخلايا تعد عالية جداً وعمرها العملي قصير.

في الختام يجب الإشارة إلى أن مستقبل الهيدروجين لا ينحصر فقط في التطبيقات في مجال النقل بل قد يمتد إلى إنتاج الكهرباء على مستوى واسع. فالهيدروجين يمكن حرقه بكفاءة عالية لإنتاج الكهرباء بواسطة التوربينات البخارية. فبريطانيا مثلاً لديها مشروع مقترح لإنشاء أول محطة لإنتاج الكهرباء من الهيدروجين عن طريق التوربينات البخارية. المحطة ستنتج ما يكفي من الكهرباء الأزمة لتغطيه حوجة ما يعادل ربع مليون منزل. من المتوقع أن تبلغ القيمة الكلية للمشروع نحو 600 مليون دولار ويشمل ذلك تكلفة تخزين ثاني أكسيد الكربون في أعماق بحر الشمال. في منطقه الخليج العربي سيكون للإمارات العربية المتحدة دور السبق في هذا المجال حيث من المتوقع انتهاء مرحلة الدراسة والتصاميم الأولية (بتكلفة 45 مليون دولار) لأول محطة كهربائية عاملة على الهيدروجين بطاقة 420 ميجاوات بنهاية عام 2008م, أما ثاني أكسيد الكربون فسوف يتم ضخه في الآبار المجاورة للاستفادة منه في عملية الاستخلاص المعزز للنفط.