القيم الاسطورية والمكان : Myth Values and Place
جاء في لسان العرب مادة(سطر)،" والاساطر:الاباطل، والاساطير:احاديث لانظام لها، ومفردتها اسطار واسطارة، واسطير واسطيرة واسطور واسطورة بالضم...وسطرها:الفها،وسطر علينا:اتانا بالاساطير.ويقال: سطر فلان علينا يسطر اذا جاء باحاديث تشبه الباطل." والاسطورة عند العرب:سرد قصصي لايمكن اسناده الى مؤلف معين يتضمن بعض المواد التاريخية الى جانب مواد خرافية شعبية ألفها الناس منذ القدم مثال ذلك قصص الزير سالم وعنترة.والاسطورة تصدر عن العاطفة والشعور لا عن العقل الواعي.لذا تقع الاسطورة في حيز الشعر والخيال الشارد، وعلى مر الزمن يتناولها الكاهن والفيلسوف بالحذف احيانا وبالصقل اخرى، فلا تلبث طويلا حتى تجد طريقها الى مجموعة الادب الديني والشعبي..( بادنجكي،,1996 11-5 PP) ان الواقع في الاسطورة قد يبدو خارقا، وقد يرفضه العقلانيون بمقاييسهم ومنطقهم الا انه شيئا قام حقيقة ويظل في الوقت نفسه يحكى تاريخا مقدسا ويصور مواقع تضرب في العصور الخرافية معانقة الاها ما او كائنا خارقا او مفكرا حاول ان يفسر ظواهر الطبيعة ويضع اوليات المعرفة، وحتى تلك الملاحم التي استمدت الاساطير ولم تكن تجتهد عادة في تقديم التعليل والتبرير،حتى هذه تظل تحتفظ بكثير من القيم تكتشف عنها في الوقت الذي تغوص فيه بعض جوانبها الى اللاشعور تحت وطاة التقدم الفكري المطرد.(زكي، 1975,P123 ) والاسطورة هي لغة الكلمات الاولى والرموز الاصلية التي كان لكل عصر ان يكتشفها بنفسه،وهي العالم باسره وقد اصبح صورة لا يتجزا كما انها تحمل تعبيرا جماعيا.وهذا التعبير الجماعي يبدو في ان الاساطير انما تعكس معتقدات الجماعة وفلسفة الجماعة وراي الجماعة،والبطل الاسطوري هو بطل جماعي،بمعنى انه يعبر عن الجماعة مباشرة.وليست الاسطورة بالظاهرة البسيطة وانما هي عملية معقدة تستدعيها وظيفة او حاجة اجتماعية،وتضاف اليها او تخرج منها حالة ادبية او فنية.(سركيس،صفحة 97 1988,)وعادة مانجد في الاساطير مشاعر انسانية جياشة وتصورات ومواقف تطلعنا على فلسفة الانسان في الوجود وعلى محاولاته الفكرية الاولى تتضمن خلاصة تجاربه وماضيه ومفاهيمه وتعامله مع واقعه، وفق منطق خاص ومضامين اخلاقية صيغت في قوالب ادبية توارثتها الاجيال،وعدلت فيها واضافت اليها،مما جعل الاسطورة مجال عمل دائم لايتوقف، فهي حفرية حية بالرغم من انها تاكل بعضها وتتناسخ وتتكرر،ولها تاريخ حي يمكن قرائته في تفاصيلها التكوينية.فنحن نتعامل مع كائن حي يعيش منذ الاف السنين،بما دخل عليه من تبدلات على ان نملك الادوات اللازمة لقراءة حركات هذا الحي القديم.فالاسطورة تسجيل للوعي واللاوعي الانساني وقد اخذت مسارا تطوريا بطيئا.(ديفين،صفحة 11، 2005) والاسطورة هي سذاجة البداية وهي لغة الكلمات الاولى والرموزالبدائية، وعلى كل عصر ان يكتشفها بنفسه من جديد، انها نظرة لاتقوم على العقل، بل هي نظرة مباشرة الى العالم، وهي اللمحة الاصلية للنظرة الاولى، انها العالم باسره في صورة واحدة لا تتجزا.( فيشر،صفحة 153،1973) ان الديانة التي عرفتها المجتمعات البائدة السابقة لعصر الكتابة يمكن الحدس بشانها من خلال فنها المنظور:الصور الموجودة على جدران كهوف العصر الحجري القديم المتاخر والاشكال ذات الابعاد الثلاثة التي وجدت، ونجد انه بعد ولادة المدنية السومرية كانت الهتها لا تزال تمثل قوى الطبيعة تمثيلا جزئيا، ونرى ان هذه كانت وظيفة الالهة الوحيدة اصلا، الا ان بعض هذه الالهة اصبح لها الان دور مزدوج، فكل واحد منها اصبح يمثل ايضا القوة البشرية الجماعية لمدينة- دولة سومرية معينة،وهذه الازدواجية في دور الاله السومري تعكس ثورة في العلاقة بين الانسان والطبيعة، ففي الوقت الذي كانت فيه الالهة السومرية تتخذ شكلها لاول مرة،كان الانسان لايزال تحت رحمة الطبيعة.وقد استمرت الالهة السومرية بوصفها ممثلة لقوى الطبيعة على القيام بدورها كجزء من التراث الحضاري المشترك للمجتمع السومري ككل.(توينبي،صفحة 81، 1985) والاساطير في الواقع علم قديم، وهي اقدم مصدر لجميع المعارف الانسانية، ومن هنا ترتبط كلمة اسطورة Myth دائما ببداية الناس او ببدائية البشر قبل ان يمارسوا السحر كضرب من ضروب العلم او المعرفة ومن الواضح انها في هذه الحال تمس الماثورات الدارجة بابعادها المادية والروحية وتعرض لكثير مما يعكف عليه الاثاريينن، وخاصة عندما يستنطقون النقوش المتبقية فوق الاواني والالواح والادوات حيث تقص اطرافا عن حياة الانسان في الماضي البعيد او القريب.ولما كانت الاساطير قد امدت الدراسات الانسانية على اختلاف انواعها بالكثير من الظواهر والعناصر والمواد فان الفلكلور يتشعب عند بعض الدارسين ويعد من هنا مكملا لها، مع اننا رايناه عند اخرين متصلا بالاثنولوجيا، والاساطير تبدو في الحالين فرعا هاما من الانسانيات، يرتبط اساسا بعلم اللغة العام وبالدراسات الادبية والنفسية، كما يرصد السعي الفكري الذي تحقق على مدى التاريخ من اجل تفسير الكون وتعليل مشكلات الحياة وقضايا الانسان.والاسطورة على هذا النحو ضرب من الفلسفة، هي عملية تامل من اجل اجابة عن اسئلة مبعثها الاهتمام الروحي بموضوع ما، فتكون بطريقة او باخرى اشبه بالنبوءة التي ظهرت في تراث الاغريق.(زكي،صفحة 45،1957) والاسطورة وان اشتملت على احلام وانفعالات وتصورات واخيلة،فهي تشتمل ايضا على حقائق يمكن ان تتكشف بوضوح اذا استطعنا ان نفسرها بعد ربطها بشرطها التاريخي ومكانها في النسق المعرفي كما فعل المصريون عندما عبروا عن تحولهم التاريخي باسطورة،وغيروا واقعهم الاجتماعي والسياسي بايديولوجيا تمت صياغتها لتحقيق اهداف هذا التغيير باسلوب اسطوري بحيث كانت الاسطورة هي الجانب النظري او النظرية الثورية لتثوير المجتمع انذاك.(ديفين ،صفحة 5،2005) وتعددت المدارس التي تبحث في الاسطورة، وادلت مدارس علم النفس بدلوها فاعتبرت بطل الاسطورة عندما يخضع لتحولات سحرية خارقة ليس سوى انعكاس لرغبات وامان مكبوتة تنطلق بعيدا عن رقابة الوعي، لذلك تمتلئ بالرموز التي لو فهمناها لزودتنا معانيها بفهم عميق للنفس البشرية، ويقول عالم النفس "فرويد" "ان الاسطورة نتاج اللاشعور ولكن تلميذه "يونغ" قرر انها نتاج لاشعور جمعي عاش في لاشعور الجماعة وانتعش من خلال الفرد، واتفقت مدارس الاسطورة على ثلاثة مبادئ:
· انها تصف حقائق تاريخية.
· انها رموز لحقائق فلسفية دائمة.
· انها انعكاسات لاعمال طبيعية تدرجت مرة بعد اخرى،ولفك رموز الاسطورة يجب دراسة العصور نفسها.(مصدر سابق،صفحة 7)واشار "لوسيف" في كتابه "فلسفة الاسطورة" الى مجموعة اطروحات التي توصف جوهر الاسطورة عن طريق فصل حدودها عن اشكال الادراك والابداع المتماثلة معها جزئيا يمكن اجمالها بالنقاط التالية:
· الاسطورة ليست بدعة او وهما او فنتازيا من صنع الخيال،ولكنها مقولة منطقية أي انها قبل كل شئ مقولة جدلية عن الادراك والوجود عامة.
· الاسطورة ليست بنية علمية، انما هي علاقة حية متبادلة ذاتيموضوعية، متضمنة كل الحقيقة اللاعلمية،الاسطورية الخالصة،ومتضمنة كذلك المصداقية والانتظام المبدئي والبنية.
· الاسطورة ليست بنية ميتافيزيقية، انما هي واقع حياتي حقيقي مادي وحسي، ويعد في الوقت نفسه منفصلا عن سير الظواهر العادي وبالتالي فهو يتضمن درجات تراتبية مختلفة ودرجات انفصال متفاوتة.
· الاسطورة ليست اخطوطة ولامجازا ولكنها رمز، وهي بكينونتها رمزا يمكن ان تتضمن طبقات اخطوطية ومجازية ورمزي-حياتية.
· الاسطورة ليست نتاجا شعريا.
ثم اشار "لوسيف" الى ستة خلاصات تحدد مفهوم الاسطورة بالتدريج من حيث انها:
1. هي ضرورة جدلية للادراك والوجود.
2. هي عبارة عن اشياء واقعية،عن واقع حقيقي معاش.
3. تمثل العلاقة الحياتية المتبادلة بين الذات والموضوع.
4. في جانب الاسطورة ياخذ جانب الاشياء المدرك الباعث على الحياة،الجانب الذي يجعلها منفصلة بدرجة ما عن كل ما هو عادي مالوف ويومي مبتذل.
5. توصف الاسطورة ليس بكونها علاقة تضاد ثنوية ميتافيزيقية- طبيعية، وليس كعلاقة اخطوطية مجازية، انما كعلاقة رمزية، أي ان طبقات الوجود المتمايزة تراتبيا في الاسطورة، يجب ان تتطابق ماديا، بما يتيح لها ان تصبح شيئا واحدا غير قابل للانقسام.
6. واخيرا الاسطورة واقع ثقافي معبر عنه رمزيا،منفصل ذاتيموضوعيا، يبرز امامنا كعلاقة متبادلة بين الذات والموضوع، علاقة ماقبل انعكاسية فطريعفوية.
7. الاسطورة ليست تكوينا دينيا خاصا او شكلا دينيا.اي ليست توكيدا ماهويا لذات الشخصية في الأبد، انما هي توكيد طاقي للذات خارج مسالة العلاقة المتبادلة بين الأبد والزمان.
ثم اختزل النقاط اعلاه الى ان الاسطورة تمثل باختصار،مقولة ادراك ووجود ضرورية جدليا، وهي معطاة كواقع حياتي مادي، وكعلاقة بنائية ذاتيموضوعية منجزة في صورة تعالق محددة، حيث الحياة منفصلة عن المادية التجريدية المنعزلة رمزيا، ومخلوقة في هيئة طاقية ماقبل انعكاسية-غريزية، بدهية مفهومة.فهي اذا تمثل رمزا وحياة ومعطى ثقافي وضرورته الجدلية واضحة للعيان،او ان الاسطورة ثقافية الحياة معطاة رمزيا.(لوسيف، صفحة 129- 1682005,) وتدل الابحاث الحديثة التي عرضت للفكر المبكر للانسان ان مدى التشابه في عمليات العقل البشري، يظهر في الاساطير الرمزية.(زكي،صفحة 50،1975) في الاساطير الاصلية العظيمة، يمتزج الفن والدين والتاريخ والحياة، فلا يعود بالميسور ان يقول قائل:هنا يبدا الفن او الدين وهنا يبدا التاريخ او الحياة.( سركيس، صفحة 97 ،1988) وفي دراسة الاداب القديمة، يغدو اهمية ابراز الافعال اولا، فلكل من انواع الادب القديم، خرافيا كان ام اسطوريا ام ملحميا ام واقعيا، دافعه النفسي، والدافع هو الاصل اما الشكل فياتي في المرحلة الثانية.والدافع وراء كل ذلك هو الواقع الذي يعيش فيه الانسان ويعاني مؤثراته، فاما ان يعبر الانسان عن ارتباطه بالحياة العليا والغيبيات الكونية، وحينئذ يخرج ذلك على شكل اسطورة، واما ان يعيش مشكلة يقتضي حلها قوى عليا او قدرات فوق بشرية فتكون الملحمة واما ان يعيش في الواقع التراجيدي ويحس بقسوته وحينئذ يخرج ذلك في صورة من الادب الواقعي. لقد ارتبط ادب مصر الديني في عصوره القديمة كافة ارتباطا وثيقا بالله اوزيرس، اله الموتى وحاكم عالمهم ومثال الخلود، وبمجرى حوادث حياته منذ ولادته حتى وفاته، ثم خلوده بعد الموت.وحاك القدماء حوله مئات الاساطير لاظهار عظمته وقوته، وكانت اساطيره تتلى كصلوات في الهياكل وتنتقل بين الناس من جيل الى اخر.(سركيس1988,،98 P) وكان الباحثون ينظرون الى قصص "هوميروس" كما لو انها ابتداعات شعرية ويحملون محمل البربرية كل ماسبق الالف الاول، ولكن الحفريات الاثرية جاءت لتؤكد الملحمة الهوميروسية باكتشافها حضارات رفيعة الشان، والتي اصبح بالامكان تحديد تواريخها المختلفة، فقد اثبت علم الاثار، بما يبعث على دهشة العلماء، وجود مدن تسمى "طروادة" و"مسيني تيزنر" و"كنوسس" وغيرهما من المدن التي وصفتها "الالياذة" مما يبعث على الاعتقاد ايضا بان بعض الاشخاص المهمين الذين ورد ذكرهم في هذه القصص الخلابة اشخاص حقيقيون.(سركيس، صفحة 232 ،1988) واهتم "يونك" بدراسة علم الاساطير، الدين، الرموز القديمة، الطقوس، عادات الشعوب البدائية، الاحلام، امراض العصابين، وهلوسة الذهانيين، وخلص الى نتيجة اعتبر فيها شخصية الفرد نتاجا ووعاءا يحتوي تاريخ اسلافه، فالاساطير والتقاليد القديمة تنتقل من جيل الى اخر.وكما يرث شعره ولون عينيه، فانه يرث الافكار المجردة والرموز.وهذا مايطلق عليه"يونك" مصطلح اللاشعور الجمعي الذي يعتبره مخزن اثار الذكريات الكامنة التي ورثها الانسان عن ماضي اسلافه، والمخلفات النفسية لنمو الانسان التطوري.ويعتبر"يونك" اللاشعور الجمعي هو منبع الابداع الفني، فهو الاساس الموروث للبناء الكلي للشخصية، والذي يحوي كل الخبرات الانسانية، اوهام، اساطير، ذكريات، انماط سلوكية، عبادات، احداث طبيعية، والمتراكمة من الماضي السحيق الذي قد يمتد الى مرحلة ماقبل نشوء الانسان ، ويميز"يونك" بين نوعين من الاعمال الفنية هما:
· الاعمال السايكولوجية:وهي توضيح مضامين شعورية كالحب والشعر التعليمي والشعر الغنائي والدراما والتراجيديا والكوميديا.
· الاعمال الكشفية:وهي التي تنبع من اللاشعور الجمعي حيث تكمن بقايا التجربة الاولى وخبرات الاسلاف.(صالح،صفحة 19-29، (1981
وتمثل الاسطورة، الصياغة الاولى للتاريخ والجغرافيا والاجتماع، ويجب التفريق بين الكلام الذي يتداول شفاها الذي يتضمن اسطورة تستوعب قصة وجود بدائي مقدس وبين الكلام الذي ينشا امام أثر سكت عنه التاريخ فاثارت خيالات فئة فاحيتها بحكايات، فهنا يختلف العطاء، في الحالة الاولى طقوس غنائية ووقائع تستوعب بداية الخليقة، وفي الثانية مشاهد فقط بلا احداث فتخترع الاحداث. ومن النوع الثاني مايروى عن القلاع والمعابد والمقابر وسائر الاطلال التي يقع عليها البصر فننشط لها بالتفسير والحكاية وتكون هي الرابطة بيننا وبين الماضي، وترقى الى ان تكون وسيلة من وسائل المعرفة يستخدمها علماء الاثار.(زكي، صفحة 122، (1975 كما ان الاسطورة كانت المادة الاولى لتغذية الفكر الفلسفي، ذلك ان الافكار ماوراء الواقعية التي تناولتها الفلسفة، كان لابد لها ان تتجسد في روايات، لمزيج من الخيال والواقع، من الغيبي الى العياني، ولان الدين كان يتجه نحو اله لا يستطيع البشر تحديد كنهه ومدى قدرته، بل هو القوة السرمدية الهائلة، او هو المثل الاعلى الوجودي والاخلاقي، لذلك كان لابد ان يكون هناك وسيط بين البشر والله ، وسيط يقرب المبادئ الكلية والتعاليم الالهية المثالية من الواقع ، وكان هذا الوسيط هو الاسطورة ، او القصة الخارقة التي تفسر خلق الكون، او توضح علاقة الانسان بالله او تخبر عن عالم مابعد الموت. والاسطورة لا تعني كذبة بقدر ماتعني مفهوما فوق المعقول والمعروف، والحاجة اليها لتفسير المراحل الغابرة والمفضلة من تاريخ البشرية، ولكن الاسطورة تختلف عن الدين في ان الاخير يعتمد المثل الاعلى وعلى الاعتقاد به.اما الاسطورة فانها تعتمد على تفسير خيالي، ولكن هذا التفسير لا يخلو ابدا من ابداع.(بهنسي، صفحة 66-67، 1973)