بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام دين الإخاء والمحبة والتعاون والتكافل، لذلك حرص أن يكون مجتمعه قوياً مادياً ومعنوياً مترابطاً يشدُّ بعضه بعضا. ومن أجل الحفاظ على هذا الإخاء وتلك المحبة شرع الأمور التي تحفظ لهذا المجتمع كرامته وإنسانيته بفرض ما يمكن به سدُّ حاجة المحتاج من دون أن يحدث ذلك حزازة أو يثير مشكلة أو يزرع أحقاداً. وإذا كنَّا نشاهد في الواقع الملموس ما قد يخالف عنوان هذا البحث فسيتبن من عرض الموضوع أن العيب كامن في التطبيق لا في ما شرعه الإسلام.
وذلك التطبيق يرجع إلى جهتين:
الأولى: مَن وجب عليه ذلك الحق المفروض هل أدَّاه كاملاً كما فرضه الله عليه.
الجهة الثانية: الآخذة هل لها الحق في أخذ ما تناولته على الوجه المشروع؟

أهم المشاكل العالمية مشكلة الفقر، وهو عكاز الشيوعية العالمية الذي تتكئ عليه لتضرب به المجتمعات الإسلامية للقضاء على الإسلام والمسلمين والمشكلة قديمة، والصراع الذي يدور في العالم اليوم هو لحل هذه المشكلة، والطريقة التي يمكن أن تسلك لمعالجتها:
فالنُّظم الاشتراكية وأعني بالاشتراكية المرحلة الأولى من برنامج - ماركس - لأن الشيوعية الدولية حتى الآن لم تتجاوز هذه المرحلة تذهب إلى وجوب مصادرة أموال الأغنياء لحساب الدولة، لتقوم هي في زعمها بحل المشكلة والقضاء عليها، ولم يشاهد العالم من أثر المساواة التي يزعمون اللّهم إلا في الفقر، وما هذا الذي يريده الفقراء ويبحثون عنه، وإنما يطالبون برفع مستواهم المعيشي لترتفع معنوياتهم وكرامتهم ويشعروا بوجودهم في المجتمع كلبنة منه لا أنهم يطالبون بزيادة فقراء ينضمون إلى صفوفهم، فألئك الذين ينادون بالاشتراكية، على أنها نظام اجتماعي يمكن أن يحقق للمجتمع عزته وكرامته.. هم إما أنهم مخدوعون أرادوا أن يبينوا للشباب المثقف أن الإسلام هو دين العدالة والمساواة ولكن أصبح عملهم هذا سُلّماً للضالين المضلين فاستغلوه لصالح مذهبهم الهدام.
أو أنهم لا يؤمنون بأن الاشتراكية تحقق لأحد هدفه في الحياة، ولكنهم مأجورون باعوا ضمائرهم بثمن بخس فأوقعوا المجتمع في أساليبهم الماكرة.
أو أنهم ملحدون كائدين أسسوا هذا النظام الإلحادي الهدام يقصدون من ورائه تحطيم الإسلام والمسلمين بل والإنسانية جمعاء ما عدا الشعب المختار.. إذ أن مؤسس المذهب –ماركس - يهودي يمشي على مخططات صهيونية المعدة لتدمير العالم.
وقد حدثني شخص من إحدى البلدان التي أعلنت الاشتراكية من عهد قريب وليس لديها من الموارد ما تؤممه اللهم إلا شركة الكهرباء، ويكفي كونها شركة بمعنى أنه يملكها عدد كبير من أفراد الشعب، وليست في ملك إقطاعي واحد حسب تعبيراتهم المألوفة، ولكن الطريقة المتبعة في برنامج الشيوعية أن طغمة من الذين يتربعون على كراسي الحكم يصادرون أملاك الشعب بل وحريته وإنسانيته لحسابهم:
قال في صبيحة إعلان الاشتراكية في الحفل الذي أقيم لتلك المناسبة: "إن بعض السذج لا يعرفون من الاشتراكية إلا أخذ أموال الناس – وذلك لجهلهم بأحكام الإسلام - يقول بعضهم أنا أريد ذاك البيت وآخر سوف آخذ الحانوت الفلاني"
وكادت أن تحدث فوضى، فطلب من المسئول أن يرجع مرة أخرى ليفسر لهم معنى الاشتراكية بما يضمن الاستقرار وعدم الفوضى.
وأشد ما كانت خيبتهم عندما فسّر لهم الاشتراكية بأنها اشتراك عدد من الناس في إقامة مزرعة مثلاً وحاصلها يكونون فيه شركاء.
من هذا يتبين لنا أن الاشتراكية ليست نظرية اقتصادية، إذ لو كانت كذلك لتُركت من زمن بعيد، وذلك لفشلها المحقَّق في مجال الاقتصاد، وإنما هي مذهب عقائدي إلحادي يراد نشره في البلدان الإسلامية لتحطيمها وربطها بجهة معيَّنة، ولو لم يكن هناك ما يدعو للتأميم، وذلك لأن اعتمادها على فكرة الصراع الطبقي والقتال الدموي بين أفراد الشعب الواحد، وقد ساعد في نشر مبادئها جهل الشعوب الإسلامية بمبادئ دينهم ونظمه الاجتماعية والاقتصادية.
ولذلك فقد اتهم مُؤلّفُ داعية إسلامي كبير ألّف كتابه قبل إعلان الاشتراكية في ذلك البلد، وتكلم فيه على الاستعمار بأنواعه الشرقي والغربي، وقد هاجم ماركس ولينين اللذين أسسا مذهبهما على إنكار الخالق.
فماذا قال أولئك المسلمون عن الكتاب هذا؟ قالوا لا تجوز قراءته لأنه يسيء إلى أصدقائهم!.
أما النظم الرأسمالية وهي تجمع الأموال بشتى الوسائل المشروعة والمحرَّمة وأن الحلال هو ما حل باليد، فتذهب لمعالجة هذه المشكلة إلى طريقة الإحسان الفردي وهو ما يدفعه الغني عن اختياره مساعدة منه للفقراء، وقليل من الناس الذين يعملون ذلك لأن طبيعة النفس جبلت على حب المال والشُّح به.
ولم تكن الدولة لتستطيع التدخل في مثل هذا لأنه قائم على اختيار الشخص وهو محسن وما على المحسنين من سبيل، ولم يكن في هذه الفكرة حل للمشكلة.
أما الإسلام فقد جاء بحل المشكلة حلاًّ عمليّاً يقوم على العدل والمحبة والإخاء. فقد فرض الإسلام على الغنيِّ حصة في ماله يؤديها لأخيه المحتاج طيبة بها نفسه لا منة ولا تفضلا، بل ركن من أركان إسلامه يؤديه كما يؤدي الصلاة والحج (تلك هي الزكاة) الركن الثالث من أركان الإسلام.
فما الزكاة، وهل من الممكن أن تسد حاجة الفقراء؟
الزكاة جزء معلوم يؤدِّيه صاحب المال ليطهِّر نفسه من شُّح البخل، ويزكي ماله وينميه بما يُخلف الله عليه من بركة في ماله وطيب في كسبه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
وفي الحديث: «ما نقص مال من صدقة».
ويختلف مقدارها باختلاف المال فقد تكون عشر المال، أو نصف العشر كما في الحبوب والثمار تبعاًً للمؤنة.
وقد تكون ربعه كما في زكاة النقد؛ النقدين وعروض التجارة، كما أنها تكون بخلاف ذلك كما في زكوات المواشي. وكل هذا مفصَّل في مظانِّه.
وإنما الغرض إيراد بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب الدالة على تأكيده وأحاديث الوعيد الشديد لمن تحايل في أداء زكاة ماله. بل والحكم بالكفر على من أنكر وجوبها كما حدث لأصحاب الردة وإجماع الصحابة على قتالهم.
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» الحديث . متفق عليه.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن في هذا الحديث العظيم الذي هو أصل من أصول الإسلام أن الله قد افترض على المسلم فرضاً واجباً في عين ماله لا يتم إسلامه إلا بأدائه لا منَّة منه ولا إحساناً، وأين هذا من فكرة الإحسان التي لو امتنع الشخص عن أدائها لا يخاف شيئاً.
وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم الوعيد الشديد لأصحاب الأموال الذين لم يؤدوا زكاته. فقال: «إنه ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلاّ أُحْمِيَ عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إمَّا إلى الجنَّة وإما إلى النار». ثم عدَّد أصناف الأموال والعذاب الذي يستحقه كل مال، كما في حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد ومسلم ج4 ص125 نيل الأوطار ولعل ذلك الوعيد فيمن يبخل بأدائها لمستحقيها كما فرضها الله عليه.
أما من أنكر وجوبها فقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على رِدَّتِه ووجوب قتاله كما حدث لأصحاب الردة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وقبل أن نذكر من له الحق في أخذ ما فرض الله له من هذا المال يحسن أن نذكر ما شرعه الإسلام في ناحية التكافل الاجتماعي- المادي فقط - إذ هو مدار البحث وإلا فالتكافل الاجتماعي في الإسلام يشمل نواحٍ عدة.
ينظر الإسلام إلى المجتمع كوحدة متماسكة يشد بعضها بعضاً قال تعالى: ﴿تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾. وهذا التعبير القرآني يذكر لنا خاصيَّة بشرية هي عطف الإنسان على شقيقه، وإذا وجد في المجتمع من يخالف تلك العاطفة الأخوية فيظلم أخاه فهي حالة شاذة لا حكم لها، إذا كان الأخ لا يظلم أخاه بل يعطف عليه ويرحمه فكذلك من اتصف بصفة الإيمان عليك أن تعامله بتلك المعاملة التي هي العطف والرحمة، وقد تجلى ذلك في أسمى صورة عرفها التاريخ بين المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم.
فالتشريع الإسلامي يَعُدُ التكافل الاجتماعي واجب من أهم الواجبات التي يتحتم على المسلم القيام بها، ولذا فهو يعتبر الإنفاق أصلاً من أصول البر قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ..﴾ الآية.
فالإسلام يقدِّر حريَّة الفرد تقديراً لإنسانيته إلا أنه لا يجعل هذه الحرية مطلقة من كل القيود بحيث تؤدي إلى تعارض المصالح وضياع الحقوق، بل يقيَّدها بما يكفل سعادة المجتمع الذي هو جزء منه، فمثلاً نظام النفقات في الشريعة الإسلامية جعل كل فرد من أفراد المجتمع راعياً مسئولا عن رعيته، ابتداءاً بأعلى طبقة في المجتمع وهو الحاكم العام إلى أدنى طبقة كلٌ على حسب ما نيط به من مصالح للبلاد والعباد، فالمسئولية في هذا الحديث عامة.
فالمجتمع يتكوَّن من الأفراد إذ إن الفرد هو الخليَّة الأولى لهذا المجتمع، ومن الأفراد تتكوَّن الأسرة وكل فرد مسئول عن أسرته، فالزوج مكلَّف شرعاً بنفقة زوجته وأولاده القُصَّر والعاجزين عن العمل. كما أن الولد بدوره يتحتم عليه الإنفاق على والديه وأقربائه، وقد قال الأئمة بوجوب النفقة للأصول والفروع مهما علوا أو نزلوا والوارثين والأقرباء لأن سبب النفقة هو القرابة التي توجب للموسر حقاً في الإرث من قريبه المعسر إذا ما ترك مالاً.
فأين هذا التشريع السماوي الذي هو من عند الحكيم الخبير مما هو معروف الآن في الدول المتقدمة - كما تزعم - ويزعم لها أولئك المخدوعون أو المأجورون من طرد الرجل ابنته اليافعة إذا بلغت الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة لأنه السن القانوني الذي يعفى الأب من الإنفاق على أولاده!.
كما أن الابن غير مكلَّف بالإنفاق على والده وقد يستعمله أجيراً ليدفع له أجراً يعيش به!..
وإذا كان الإسلام بمبادئه العادلة والشريفة قد أوجب التكافل بين الأسر فلم يبقى في المجتمع إلا أُسَر قليلة ممن ليس لها عائل يقوم بما أوجبه الله عليه نحوهم، كالأرامل والأيتام والعجزة عن الكسب، إما لكبر سن أو عاهات أقعدتهم عن العمل.
لأن الأحاديث الواردة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في باب الصدقة نصَّت على أن الصدقة لا تحل لغني ولا لقوي مكتسب.
ولو أن المسلمون أدَّوا هذا الفرض كما أوجبه الله عليهم بحيث يدفع كل غني زكاة ماله كاملة دون أن يعتبرها مغرماً كالحال عند أكثر الناس في هذا الزمان. وكذلك الآخذون لها لو أنهم راقبوا الله فلم يمد أحد يده للأخذ من هذه الصدقات إلا من أوجب الله له ذلك بأن كان فقيراً عاجزاً عن الكسب، أقول لو طُبِّق ذلك لما وجد في المجتمع محتاج لأن الثروات في هذا العصر ليست أقل منها في زمن عمر ابن الخطاب.
فقد روى أبو عبيد من حديث عمرو بن شعيب أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند، إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر. ثم قدم على عمر فردَّه على ما كان عليه. فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس فأنكر ذلك عمر، وقال: ((لم أبعثك جابياً ولا آخذَ جزيةٍ ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم)). فقال معاذ: ((ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني)). فلما كان العام الثاني بعث إليه بشطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك. فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه قبل ذلك. فقال معاذ: ((ما وجدت أحداً يأخذ مني شيئا))([1]).

فهذا المقدار المعلوم في أموال الأغنياء للفقراء فرضه الحكيم الخبير العالم بمصالح عباده، فلو أنه غير كاف لفرض أكثر منه، وهذا الحديث وغيره من الأحاديث والوقائع إنما تدل على حكمة هذه الشريعة الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان، والحمد لله رب العالمين.
العدد 51-50، المقال رقم 5
صفحة:93-87، شوال 1415-1416هـ
من مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة



[1