هل تعرف الحيوانات الحب؟ وهل تمارسه؟ وكيف تفعل ذلك؟!

- هل هناك أصول وتقاليد للخطبة والزواج في عالم الحيوان؟! وكيف تتم الخطبة ومراسم الزواج؟


- هل يعرف الحيوان الفن.. الموسيقى.. الفنون التشكيلية البصرية؟ .. هل ينتجها؟.. هل يتذوقها ويستمتع بها؟

أسئلة كثيرة يجيب عنها الدكتور كمال شرقاوي غزالي في كتابه الممتع "الحب والفن عند الحيوان".. ويقدم د. كمال خلال إجابته عن هذه الأسئلة وغيرها رحلة طريفة في عالم الإحساسات الحيوانية الراقية، وهو يقدم عشرات الأمثلة.. فليس أي ذكر يعشق أي أنثى، كما أنه ليست كل أنثى تعشق أي ذكر؛ فحينما يعجب ذكر بأنثى معينة ويحبها يبدأ في استمالتها واستعطافها بالغزل العفيف وغير العفيف، فيرقص لها رقصات خلابة أو يعزف لها موسيقى فاتنة، أو يبعث لها عبر الهواء بالعطور الفواحة والروائح الجذابة، أو يبهرها بأضواء براقة، أو يتزين لها ويتجمل، أو يستعرض قوته وعضلاته أمامها، وفي النهاية قد تستجيب الأنثى أو لا تستجيب.. وقد يحدث العكس فتعجب الأنثى بذكر ما.. وتبدأ هي في إغوائه.

وفي عالم الحيوان قد يحدث الحب من أول نظرة.. فذكر الذبابة المنزلية يستجيب للأنثى التي من نفس نوعه بمجرد رؤيتها؛ فيطير إليها على بعد مسافة طويلة؛ ليقف فوق ظهرها.

وإذا قدر لأنثى سرطان البحر أن تمر في موسم التكاثر أمام ذكر من نفس نوعها فإنه يلقي بنفسه أمامها، ويقف على أطراف أقدامه ويرفع مخلبيه الضخمين ذوي الألوان الزاهية إلى أعلى بصلابة واستعراض، فإذا لم تعره الأنثى أي اهتمام فإنه يجري إلى حيث يمكن أن تراه، ويقف مرة أخرى الوقفة نفسها التي وقفها من قبل، فإذا ابتعدت عنه مسافة كبيرة فإنه يعود إلى جحره يائسًا، وقد شعر أنها لا تقبل غزله.

ويرتدي ذكر سمكة الشمس Lepomis Humilis حلة زاهية الألوان من أجل أنثاه في موسم التزاوج، وتبدو على جسمه نقط برتقالية فاتحة ومرتبة معًا بصورة رائعة.

والآن هل تحلم بأن تطير – تطير بالفعل وليس مجازًا – أنت وعروسك مع أزواج أخرى من العرائس؟!!

هذا الحفل الرائع نجح في تحقيقه نوع من الحشرات يسمى الذباب الراقص Dance-Fly .. فهو يطير في جماعات راقصة فوق الأشجار والمياه.. ويسمي علماء الحيوان هذا الزفاف Nuptial flight لأنه بعد انتهاء هذا الحفل ينزل الذكور والإناث إلى الأرض للتزاوج، وعند النمل طيران آخر يسمى طيران الزواج Maiage flight فيطير النمل في الليل، وعندما يصل إلى الأرض يفقد أجنحته، ويتجول على الأرض؛ حتى يتقابل مع الملكة التي تكون هي أيضًا قد فقدت أجنحتها، وقد تكون هذه المقابلة داخل العش أو خارجه.

واللقاء الزوجي في عش الزوجية لا يحدث فجأة كما يظن البعض.. فهناك تمهيد غرامي لهذا اللقاء كما يحدث بين ذكور وإناث ذباب الدروسوفيلا.. فيهز الذكر أجنحته ويقفلها ويفتحها بسرعة، أو يجعلها على شكل مقص ثم يقترب من مؤخرة الأنثى، ويأخذ في الدوران حولها، وتلعب هي دورًا سلبيًّا للغاية، فإذا كانت تقبل هذا الذكر زوجًا لها؛ فإنها تقف مستكينة له في نفس مكانها، وتفرد له أجنحتها كأنها ترحب به، أما إذا لم تكن تقبله؛ فإنها تشيح بوجهها عنه، وتنصرف إلى مكان بعيد، وعلى الذكر هنا أن يعرف، ويتأكد أنها لا تريده، وأن كل ما فات كان أوهامًا وأضغاث أحلام.

ويغازل ذكر الفيل أنثاه أيضًا غزلا بهيجًا، ويتعانقان بالخرطومين كما لو كانا عاشقين متيمين.

أما متاعب الحياة الزوجية فيعرفها عالم الحيوان أيضًا.. خصوصًا في "زوغان عين" بعض الأزواج.. مثل الخنافس، مثلًا قد يعاكس أحد الذكور زوجة غيره، ويبغي اختطافها، ويحدث أن تكون هذه الزوجة عفيفة؛ فترفض معاكسته وتقاومه بكل جهدها؛ حتى يأتي زوجها فيدفع عنها معاكسة هذا الذكر المجرم، ولا تكتفي هي بترك زوجها يقاتل بل تساعده في ذلك، وقد تكون الزوجة الخنفساء لعوبًا؛ فتستجيب لإغراءاته ومعاكسات الذكور الغرباء، وتذهب مع العشيق المعاكس، وتتخلى عن زوجها؛ فتدب نار الغيرة في الزوج المخدوع، ويشتعل غضبًا لتلك الخيانة الزوجية الدنيئة، فيصر على الانتقام والفتك بغريمه، وتدور بذلك معارك عنيفة بين الذكور.. وإذا اتخذ الزوج الخنفس عشيقة له، وخان زوجته الأصلية، تنتحر هذه الزوجة وتموت كمدًا.

وقد استفاد الإنسان من مغازلة تلك الحشرات لبعضها البعض.. فذكر حشرة بقة الماء العملاقة Giant – water – bug يفرز مادة عطرية سائلة وذات رائحة مثيرة مثل القرفة تمامًا لتقبل الأنثى عليه أكثر؛ حيث يفرزها الذكر من غدد على شكل أنبوبتين بيضويتين يبلغ طول الواحدة منهما أربعة سنتيمترات، كما يصل سمكها إلى حوالي ثلاثة ملِّيمترات. ويعجب أهالي جنوب شرق آسيا بتلك القرفة التي تتغازل بها الحشرات فيجمعونها ويستعملونها كنوع من التوابل أو البهارات للأطعمة الدهنية.

الفنون عند الحيوانات

ويقول علماء الحيوان: إن الرقص عند الحيوان سلوك جنسي مميز.. فذكر أحد آباء الدقيق ينجذب إلى أنثاه أكثر ويزداد افتتانا بها إذا سارت أمامه وهي تهتز راقصة رقصة "الجيرك"، أما إذا مشت أمامه بهدوء وبطريقة عادية فإنه لا يبالي بها.

وفي اليابان نوع من الفئران يعرف باسم "الفأر راقص الفالس"، وهو دائما يجري في دوائر متبخترًا بطريقة خاصة غاية في الدقة والرقة والفتنة.

وفي قلب البحر الأحمر غانية من الحيوانات ترقص وجسدها عار تمامًا، ويبدو جسدها في الماء أحمر قرمزيا، ويتميز رقصها في الماء بخفة ونشاط بالغين، ويسميها الصيادون في البحر الأحمر (بديعة) أما اسمها العلمي فهو هكسابرانكس Hexabranchus.

وفي حلبة الرقص يحدث صراع بين الحشرات الراقصة في أية حفلة راقصة يتواجد بها إناث وذكور، ففي رقصة الدخان Smoke-dance عند بعض أنواع الذباب تتجمع الذكور في حشد كبير إذا أتى المساء، وعند دخول أية أنثى في حلبة الرقص يفتن بها الذكور يدب الصراع بينهم حتى يفوز أحدهم بها.

وللموسيقي مكانة هامة في عالم الحيوان.. والأعضاء المتخصصة لإصدار الأصوات الموسيقية في الحشرات تسمى عموما بأعضاء الصريف Stridulating وفي الحشرات الموسيقية ما يغني غناء فرديًّا أو يغني في كورس، وما يقرع الآذان قرعا وما يطرب النفس طربا تقول الشاعرة إليزابيث داس أو السيكادا: "إن صوت السيكادا الخجولة يرن في الآذان. ويكون في ساعة الظهيرة حادا لدرجة أنه غالبا ما يهلب مشاعرنا وأحاسيسنا ويشدنا إلى سماعها شدًّا ".

وفي إحدى التجارب العلمية لهثت أنثى الصرارت الموسيقية جريًا نحو سماعة التليفون التي ينبعث منها صوت موسيقي صادر عن ذكر معزول في مكان بعيد وهو يغني لنداء الأنثى.

وللأضواء علاقة قوية بالحب في عالم الحيوان.. فعندما يتقابل ذكر وأنثى حشرة الفانونس "فولجور النترناريا Fulgora Lanjesnasia فإن رأسيهما تضاءان وتظل الأضواء متوهجة حتى يجتمعا مع بعضهما ويسلكا سلوك الجماع.

وفي موسم الغزل والجماع تسبح إناث دودة برميودا النارية في حلقات فوق سطح البحر، وهي متلألئة بالأنوار وتراها الذكور فتتجه إليها قادمة من عمق البحر.. وفي حيوان الإيوفوزيا يستطيع كل جنس أن يحدد الجنس الآخر من على مسافة 30 مترا؛ وذلك بعمل إشارات ضوئية متبادلة ومتفق عليها بين الذكر والأنثى، والإضاءة قد يكون لها أغراض أخرى غير الغزل مثل استدراج الفريسة لاصطيادها والتغذي عليها أو للدفاع عن النفس.

عالم عجيب عالم الحيوان.. قطرة في بحر مائج ما قدمناه في هذه العجالة.. لكنها تستطيع أن تؤكد لنا أننا لسنا أفضل جدًّا من الحيوانات كما نظن.. وتؤكد لنا أن للحيوان جوانب "أكثر إنسانية" مما نعتقد.. وسبحان الذي جعلها أممًا أمثالنا، وهو على كل شيء قدير.
ـــــــــــــــــــــــــ

أعجبني الحب .. فنقلته لتشاركوني الاعجاب