دورات هندسية

 

 

الشعر والمكان

النتائج 1 إلى 3 من 3
  1. [1]
    الصورة الرمزية د.سعد الجميلي
    د.سعد الجميلي
    د.سعد الجميلي غير متواجد حالياً

    عضو

    تاريخ التسجيل: Feb 2007
    المشاركات: 48
    Thumbs Up
    Received: 1
    Given: 0

    الشعر والمكان

    الشعر والمكان Poetry and place
    ان القصيدة التي يكتب لها البقاء ليست نتاج سكب للعواطف الذاتية،فالطريقة الوحيدة للتعبيرعن العاطفة انما تكون بالعثور على "معادل موضوعي"، "العثور على مجموعة اشياء،على موقف،على سلسلة من الاحداث تكون هي الصيغة التي توضع فيها تلك العاطفة،حتى اذا اعطيت الوقائع الخارجية التي لابد ان تنتهي خلال التجربة الحسية، فالمعادل الموضوعي الذي صار معيارا معتمدا في النقد، يرى في لغة التعبير الشعري او الادبي علاقة جديدة ترتفع بالكلمة الى عالم الارتباط الكلي القائم على الادراك الحسي والمعنوي للمضمون المستخلص من الحس والفكر والواقع وليس مجرد كلمات شعرية بل هي الاسلوب،فالصورة الفنية وتفصيلاتها جميعا لبنات في كيان معماري كامل .(غزوان، صفحة 33، 2006) وهنالك مماثلة في التعامل مع الخزين الحضاري الذي يتعاطف معه الفنان والاديب ومنهم المعماري وينهل منه ويلهمه في اعماله،فعملية استحضار الموروث وقيمه العليا كما يراها" د.عناد غزوان" يجب ان لا تكون فقط من اجل استثارة العاطفة والحنين الى الماضي وليست هي عملية سرد واستعراض لتلك القيم والمضامين الفكرية التي يحملها،وانما تتمثل في خلق المعادل الموضوعي والعثور عليه من خلال فهم التراث، وهي تمثل المعادل الحضاري الذي يتعامل مع روح ومضامين العصر،فانها عملية فهم واعادة خلق وتكوين لتلك المضامين، "فروح الشاعر وما يعتل في ذاته من انفعالات واحاسيس ورؤية وثقافة ووجدان ومشاعر وافكار ومواقف، كلها امور مهمة في خلق الصورة الشعرية التي تخلق بدورها الاستجابة الجمالية او الاجتماعية او النفسية او الاخلاقية او المتعة الاسطورية حين يصير القديم رمزا معاصرا وتاريخا منظورا بعيدا عن الاوهام والاستغراق في السلفية والتراثية المحضة".(مصدر سابق، صفحة 67) ويرى "الصائغ" بعدم امكانية تخيل الصورة في اطار الشعر خاصة والفن عامة، الا مقترنة بعواطف الانسان واحساسه ومشاعره لان "العاطفة بدون صورة عمياء والصورة بدون عاطفة فارغة"، كما يرى "كولردج" ان نبوغ الصورة يتجلى في كونها ناقلة للعاطفة والخوف والرغبة والكراهية والأسى، وما يقال عن صلة الصورة بالعاطفة ينطبق تماما على الاستعارة التي لايمكنها ان تكون خالية من العواطف وان تبدو الية وشكلية الا اذا كانت استعارة فاشلة وغير مؤثرةويكتسب الشعر قوة تاثيره من خلال قوة تاثير الصورة فيه، فوظيفة الصورة اذن هي احداث تاثير في اعماق المتلقي، بحيث يستحضر اللحظة التي مر بها الشاعر ولا يمكن للاستعارة ان تخرج عن هذا، انها تسعى الى ماتسعى اليه الصورة من تاثير ووظيفة.وبذلك تلتقي الصورة بالاستعارة بالتشكل اللغوي القائم على هدم علاقات قديمة واقامة وبناء علاقات جديدة في اطار اللغة فضلا عن ان كلتيهما ترتبط ارتباطا وثيقا بعنصر الخيال والعاطفة والحواس،وما صلتهما الا صلة الجزء بالكل.(الصايغ، صفحة 30-33) والتجسيم هو قسم التشخيص وشريكه في تحقيق فاعلية الاستعارة في ذلك النقل الفني للافكار والمفاهيم والمعنويات من عالمها المتسم بالتجرد الى عالم المحسوسات، فتتجلى في كائن حسي يقربها الى الاذهان وأضيف اليها ما يوضحها،بل لايمكن الحديث عن المعنويات بدقة مالم تقترن بالمحسوسات،ان مثل هذا الاقتران يغني المعنويات ويبرزها ويوسع مدلولاتها.واذا كان مصطلح التشخص قد لقى عناية اكبر من الباحثين فاوضحوا دلالاته واوردوا نماذج تطبيقية عنه،فان مصطلح التجسم لم يلق العناية ذاتها وربما عبر بعضهم عن هذا المصطلح بمصطلح اخر هو التجسيد.والتجسيم هو اضفاء الطابع الحسي على المعنويات بدرجة اساس.وتركز معظم الدراسات التي تعرضت للتجسيم على قدرته وفاعليته في استيعاب المعنويات والمجردات،فالتجسيم هو تجسم المعنويات وابرازها اجساما او محسوسات على العموم،ان التجسيم من شانه ان يخلق الاستجابة بين المادة والروح فتهب المادة للروح اجساما تظهر بها وتتطور من واقع الخفاء المعنوي الى مثالية الظهور المادي .ان الصورة الاستعارية وينطبق هذا على الصورة الادبية عامة،ماهي الا تجسيم للافكار التجريدية والخواطر النفسية والمشاهد الطبيعية،حسية كانت ام خيالية.(مصدر سابق، صفحة 80) ويشير ايضا الى دور الخيال في الجمع بين ما لا نتوقعه من المحسوسات،ولذلك فقد قيل عن الاستعارة بانها:الوسيلة العظمى التي يجمع الذهن بوساطتها في الشعر اشياء مختلفة لم تجد بينها علاقة من قبل،وذلك لاجل التاثير في المواقف والدوافع وينجم هذا التاثير عن جمع هذه الاشياء وعن العلاقات التي ينشئها الذهن بينها... فالاستعارة وسيلة شبه خفية يدخل بوساطتها في نسيج التجربة عدد كبير من العناصر المتنوعة.وياتي دور الخيال المبدع او تلك القدرة التركيبية السحرية كما يعبر عنها "ريتشارد" التي تجمع او تخترع الصلة بين عناصر لاتوجد بينها رابطة عادة.ويكون التجسيم بشكل ركيزة مهمة من ركائز الصورة.فهي اذن عملية تحويل ونقل بفعل الاستعارة الحية وهدفها اغناء الطرف الانساني بما يرفده بأدق السمات وابعدها عن التوقع في ظل الاستعارة الفعالة.ويبرز دور الشاعر في انتقاء المستعار منه المحسوس بما يعزز سمات اراد ان يبرزها في الانسان ولكنه لم يستطع ان يعبر عنها بمعزل عن عطاء هذا المحسوس الذي يجئ به قسيما استعاريا هدفه مفاجاة القارئ بما لايتوقعه من هذا الاقتران غير المالوف بين الانسان من جانب،وعالم المحسوسات الرحيب بما ينطوي عليه من احياء غير عاقلة وجمادات من جانب اخر، وهنا تبرز فعالية الصورة الاستعارية في ظل هذا النمط من التجسيم.(الصائغ، صفحة 81-81) ان الوظيفة الاساسية للتشخيص انها تعين الشاعر على ان يسقط اماله والامه على ماحوله من مظاهر الطبيعة،فالشاعر ينطلق من ذاته وينتق مما حوله مايعزز هذه الذات واحساساته، ومن هنا يكون التشخص صورة لامال الشاعر ومخاوفه واحزانه منعكسة على الاشياء والاحياء من حوله.( مصدر سابق،صفحة 39) وترى د. "نبيلة " بان القصص الشعبي العربي الاسلامي، انما هو صورة "للتاريخ كما فهمه الشعب او كما اراده زعمائه ان يفهم، فقد كان هذا النوع من الادب حتى وقت قريب من احسن المحاضرات العامة التي ابتدعت لتدريس القوم تاريخهم ،ان كلا من "القصة والحكاية تقتربان من التاريخ اقترابا شديدا،اذ انهما متشابهتان في حالات كثيرة، اذ تقوم على تسجيل الاحداث وتسلسلها لتحقيق غاية، هي امتاع القارئ او السامع وتسليته بالنسبة للقصة والحكاية وتسجيل الماضي والحكم عليه بالنسبة للتاريخ ، ويرى "د. القلماوي" في كتابه "الف ليلة وليلة" صفحة 81، بوجود صلة في مضمون الحوادث ولكن الحوادث الحقيقية او المختلفة للقصة او الحكاية تثير الانفعال، بينما في التاريخ مجرد تسجيل وربما اثارت الانفعال من خلال سرد الحوادث والمعلومات،او كما قيل مقارنة بين حوادث القصة بالنسبة للتاريخ انها تقترب من حوادث التاريخ الا ان المرء فيها يحاول ان يحببها للسامع باوضاع ويدعو للعجب، ولو لم تكن ملفقة مصنعة لعدت تاريخا ، فالصلة القوية بين القصة او الحكاية كادب،والتاريخ لايمكن تناسيها حتى انVilleman يقرر ذلك باعتبار ان التاريخ وسيلة لفهم الادب،وتفسيره وتعليل مزاياه في بنيته اذ كان الادب صورة للحياة الاجتماعية" بل ان التاريخ والادب صنوان لا يفترقان وان الفلاسفة الذين يسلكون الادب مع الفنون الجميلة لا يستطيعون ذلك الا برده الى مفهوم التاريخ".(الشحاذ، صفحة 16-21،1997) ان الصورة الفنية لا تثير في ذهن المتلقي صورا بصرية فحسب، بل تثير صورا لها صلة بكل الاحساسات الممكنة التي يتكون منها نسيج الادراك الانساني ذاته، وهنا تكمن عبقرية اللغة الروائية حيث تتمكن من اعطاء ابعادا حسية لما لا وجود له الا بالوعي وفيه،وفي اضفاء صفة الواقعية على ما هو تصوري محض،ان وظيفة الكلمات في المحيط الخارجي لا تعدو ان تكون مجرد اشارات لاشياء بعينها، بيد ان وجودها داخل سياق النص الروائي يعطيها بعدا دلاليا اعمق،اذ تخرج هذه الكلمات من مجرد كونها اشارات والى كونها رموزا ذات كثافة دلالية، وهي تنتقل من معناها الدلالي المباشر الى مستوى اعلى في الدلالة.(اسية، صفحة 3)

  2. [2]
    فيصل الفديع الشريف
    فيصل الفديع الشريف غير متواجد حالياً
    المشرف العام
    الصورة الرمزية فيصل الفديع الشريف


    تاريخ التسجيل: Oct 2001
    المشاركات: 1,010
    Thumbs Up
    Received: 46
    Given: 1
    عندما أقرأ عن الشعر والعمارة ، أتذكر المعمارية الشاعرة فاطمة ناعوت التي تقول في احد مقابلاتها ان العمارة علمتها مالم يكن ممكنا أن تتعلمه ولو قرأت أضعاف ما قرأت من كتب ، علمتها كيف تفكك العالم تم تُعيد تركيبه على نحو مخالف ، وهذا هو الجوهر العميق للشعر.

    المقابلة نُشرت في جريدة القاهرة الاسبوعية التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية ، العدد 472 الذي صدر في 12 مايو 2009 ، وهذا نص المقابلة:

    صدر لها ديوان جديد بعنوان "اسمي ليس صعبا"
    فاطمة ناعوت: الغربي مشغول ببناء مجتمعه أما العربي
    فمهموم بمراقبة الآخر

    هي كاتبةٌ وشاعرة ومترجمة. تخرجت في كلية الهندسة قسم العمارة جامعة عين شمس، لها حتى الآن، اثنا عشر كتابا ما بين الشعر والترجمات والنقد. تناولت تجربتََها بعضُ الأطروحات العلمية والأكاديمية. مثلّت اسم مصر في العديد من المهرجانات والمؤتمرات الثقافية الدولية. تُُُرجمت قصائدها إلى العديد من اللغات الأجنبية. فاز مخطوط ديوانها الخامس "قارورة صمغ" بالجائزة الأولى في مسابقة "الشعر العربي" في هونج كونج لعام 2006 وصدر بالإنجليزية والصينية مطلع 2007، صدر لها هذا العام 2009 ديوان (اسمي ليس صعبا).

    (فاطمة ناعوت) اسم تربع على عرش الأدب والثقافة في مصر خلال السنوات الأخيرة، ببساطة تأسرك بمجرد قرأة سطر واحد من شعرها فتدخل إلى عالمها اللامحدود، وتنقلك مقالاتها وترجماتها إلى عالم الفنون الراقية والثقافة الرفيعة، ولا نملك أمامها سوى رفع القبعة احتراما، ومن ثم اهتمت القاهرة ليكون معها هذا الحوار:

    - أنتِ مهندسة معمارية، هذا المجال في حد ذاته بحاجة إلى جهد إبداعي هائل... كيف تستطيعين التوفيق بين كل
    مجهوداتك الإبداعية، من شعر وترجمة ونقد، وكيف تحققين النجاح فيهم جميعا؟

    أشكركِ، بدايةً، إن كنتِ ترين أنني حققتُ بعض النجاحِ في تلك المجالات؛ المتنافرةِ المختلفة، ظاهريًّا، المتناغمة المؤتلفة، جوهريًّا ومضمونيًّا. العمارةُ أمُّ الفنون. هكذا قالتِ مقسِّمو أجناس المنجز البشريّ من فنون وعلوم. سموها "أمَّ" الفنون لأنها أوّلُ ما أنجزه الإنسانُ فوق الأرض؛ إذ ابتنى لنفسه، ليحميها من الضواري والطبيعة، مأوًى من جذوع الشجر، تطوّر كهفًا في قلب جبل، ثم كوخًا، فبيتًا، ثم ناطحة سحاب. لكنني أسميها "أمَّ الفنون"، لأن كلَّ ألوان الفنون، بل والعلوم، تنطلق من نبعها وتصبُّ في حقلِها. علّمنا أساتذتُنا في كلية الهندسة، أنْ من أجل أن تكون معماريًّا ناجحًا، لابد أن تمتلكَ عينَ فنان، وأُذنَ موسيقيٍّ، وأصابعَ نحّاتٍ، وقلبَ شاعر. ثم اكتشفتُ، خلال سنواتِ دراستي العمارةَ بهندسة عين شمس، أننا "نستعير"، خلال يومنا الدراسيّ، معاجمَ الفنون الأخرى. كتلة وفراغ/ من النحت، هارموني وتنافر/ من الموسيقى، دائرة الألوان/ من الرسم، تماثل وتضاد واستعارة ومحاكاة وكناية ورمز...، من الشعر والمسرح والرواية. والأخطر أن المعماريّ عليه أن يدرس الرياضيات والفراغية وحساب المثلثات والتكامل والتفاضل والفيزياء والفضاء والجغرافيا والتاريخ والأنثروبولوجيا والديموجرافيا والإثنيات والحضارات وعادات الشعوب والاقتصاد والجيولوجيا والأركيلوجيا بل وعلم النفس وطبائع الإنسان وهلمّ جرا مما ابتكر الإنسان من علوم متخصصة. أفلا تتفقين معي إذًا أن العمارة عالمٌ كامل غنيٌّ وثريٌّ؟ من هنا يأتي الشعرُ والنقدُ، الانطباعيّ طبعًا، مثل أنهارٍ تنطلق من جبل العمارة، ثم تصبُّ في وديانها. حزنتْ أمي لأنني استبدلتُ الشعرَ بالعمارة، بعدما عملتُ بها عشر سنوات ونجحتُ، وسخر ابني مني أن أهدرتُ عمري في دراسةٍ معقدة ثم أنفلتُّ منها لعالمٍ مختلف. كلاهما مخطئٌ. فالعمارة علمتني ما لم يكن ممكنًا أن أتعلمه ولو قرأتُ أضعافَ ما قرأتُ من كتبٍ. علمتني كيف أفكك العالم ثم أعيدُ تركيبه على نحو مخالف. وهذا هو الجوهرُ العميق للشعر.

    - متى علمت أو شعرت أنك كاتبة او شاعرة ؟ وعلىشعر من تتلمذتي أو تعتقدين أنك تأثرت به؟

    أبي، رحمه الله، كان يحكي لي، وأنا ربما في الخامسة من عمري، كلَّ يوم قصّةً من قصص الأنبياء. ولما وصلنا إلى قصةَ مريم العذراء والسيد المسيح، وكيف أنه كلّم اليهود وهو في المهد رضيعٌ، ركضتُ إلى عروستي وضغطت على زرٍّ خفي في ظهرها فتكلمت. قلتُ له بخيلاء: عروستي أيضا تتكلم وهي بعدُ صغيرة! فضحك أبي وقال إنها إنما تتكلم كلماتٍ محددةً مُبرمجة على أسطوانة داخل جسمها الصغير. بينما المسيح كان يساجل أحبار اليهود ويحاججهم في أمور معقّدة مُلغِزة تفوق حتى أعمارهم، هم الكبار، وليس وحسب عمره الصغير كطفلٍ! تلك معجزةُ الله. الكلمة. وقتها تفتّح وعيي على عالم فانتازيّ ميتافيزيقي، غير هذا الذي نراه ونلمسه. وربما من يومها بدأت رحلتي في البحث عن هذا العالم غير الأرضي، غير المحكوم بقوانين الفيزياء والمنطق. هذا العالم هو الشعر.
    وربما لهذا السبب كانت دواويني الأولى تنهل بجنون من العوالم المسيحية الكنسية، ليس وحسب بسبب نشأتي في مدرسة قبطية، بل لأن عالم المسيحية ضاخٌّ بالشعر والعذوبة وإعمال الخيال المُحلِّق. ومن ثم كان طبيعيًّا جدًّا، أن أبدأ الشعرَ، قراءةً، بجبران، ومطران، وإيليا، والأخطل الصغير. ثم فتنني إبراهيم ناجي، حتى كنتُ أحاكيه تمام المحاكاة.

    - في ظل وضع سياسي عالمي غير مستقر واقرب إلى التدهور، كيف يكون الموقف السياسي للشاعر؟

    السياسة بمعناها الضيق، من تنظير وممارسة وكتابة قصائد تضجُّ بالتثوير والتعبئة، أم السياسة بمعناها الواقعيّ الأشمل؟ إن كان هذا ما تعنين، فكلُّ شيء في الحياة خاضعٌ للسياسة متأثرٌ بها. ومن ثم فلا تخلو قصيدةٌ في الكون من معنًى سياسيٍّ ما، مباشرٍ أو خفيّ. وإن كانت قصيدةَ غزل.
    أما الشاعرُ، الشاعر الحقيقي، فلابد أن يكون سياسيًّا من طراز ممتاز. الشاعرُ مستشرفٌ دومًا، قارئٌ رفيع لواقعه، ومستقبله من ثم. قال الجميل صلاح عبد الصبور مرّةً: "الفئرانُ والشعراءُ أولُ من يشعرُ بالخطر." فمثلما يعرفُ القبطان أن سفينته على وشك الغرق حينما تبدأ الفئران بالهروب من جحورها، يستشرفُ الشاعرُ أن خطرًا ما يحيق بأمّته. يحذِّرُ الساسةَ، لكن الساسةَ كعادتهم أصمّاء متكبرون تأخذهم العزّةُ بالنفسِ ولا يسمعون سوى أصواتهم. وهذا ما كان، حينما صرخ أمل دنقل: لا تُصالح. وكأنه يقرأُ كل سطر في مدونة الراهن.

    - من خلال متابعة كثير مما تكتبين وخاصة الشعر يمكن ملاحظة ابتعادك عن السياسة فهل باعتبارك امرأة هل تبتعدين
    عن السياسة، أم هو موقف ما تتخذينه حيالها؟ فكتاباتك أكثرها تعبر عن الوضع الثقافي وأحيانا الاجتماعي.

    إجابتي سؤالكِ السابق طرحت فكرةَ أن السياسة تدخل في أدق تفاصيل يومنا. وأن كل قصيدة مستحيلٌ أن تخلو من رؤية سياسية ما. فمثلا: إن قال شاعرٌ في قصيدة: وددتُ أن أشتري لحبيبتي وردةً، لكن دكان الورد كان مغلقًا." هنا رؤية سياسية؛ لأن القارئ لابد يسأل: لماذا محلُّ الورد مغلق؟ هل لأن هذا البلد مُحتَّلٌ مثلا، فهو فلسطين أو العراق؟ أم لأن البلدَ حزينٌ؟ وربما الوردُ حزينٌ، فكفَّ فلاحو الورد عن زراعته... كل ما سبق هي معانٍ سياسيةٌ بامتياز.
    وإن خلتِ القصيدةُ من كلمة واحدة مباشرة تدلّ على إعمال البُعد السياسيّ. أما عن كون المرأة بعيدة عن السياسة، فدعيني أقول لك إن للمرأة مراكزَ استشرافٍ أكثر دقّةً وحدسًا من أعتى السياسيين. المرأةُ كائنٌ سياسيٌّ بامتياز. ولو حكمتِ العالمَ لانصلحَ حاله. فأنا من الذاهبين إلى فكرة تأنيث العالم. وأحيلكِ إلى التاريخ لنقرأ كيف نجحت المجتمعاتُ الأمومية، في حين لم تورث البطريركيةُ العالمَ سوى الدمار.


    - كيف ترين الوضع العام للشعر والمثقفين في مصر والعالم؟

    في مصر والعالم العربيّ الشعرُ بخير، والثقافة في أحطّ عصورها. في العالم الأول كلاهما بخير.

    - وماذا ينقصنا في مصر ثقافيا وأدبيا بإعتبارك سافرت كثيرا وتعاملت مع شعراء من مختلف أنحاء العالم؟.

    ينقصنا أن نحبَّ أنفسنا قليلا. نحن نكيد للآخر بأكثر مما نحبُّ أنفسَنا. نحاربُ الناجحين، عِوضَ أن نفكّر كيف ننجح نحن. ينسحبُ هذا داخليًّا وخارجيًّا. فمثلما نكيد للغرب وأمريكا بوصفها سبب دمارنا، وننسى كيف نفكر أن ننجح نحن مثلما نجحوا، نفعلُ الشيءَ ذاتَه داخليًّا فنحاول هدم جارنا الناجح بدلَ أن نحاول أن ننجح مثله. هذا منهجٌ في التفكير وليس مجرد سلوكٍ عابر. هو داءٌ عربيٌّ راهن أنتجه الانفتاحُ وحكم العسكر والمدُّ السلفيّ والانتشار الوهابيّ وعُلوّ قيمة النموذج البترو-دولاري الخاوي من كل شيء عدا المال. الفردُ الغربي مشغول طوال الوقت ببناء دماغه وروحه وحياته، بينما العربيُّ مهمومٌ بمراقبة الآخر، سلبًا، من أجل النَّيل منه لكي يتساوي بنا ونتساوى به. ينقصنا شيء من "البرجماتية"، وأنا أعني الكلمة حَرفيًّا.

    - بعد مرور كل سنوات من الإبداع ومن مخالطة الوسط الثقافي .. كيف تقيمين تجربتك الشخصية؟

    تجربتي، مثل معظم تجربة جيلي، لم تُقرأ بعد. وربما لن تُقرأ إلا بعد موتي. مثلما حدث مع الكثير من المبدعين.

    - وماذا في خطتك وأحلامك للغد؟

    لا أتمنى إلا أن أرى مصرَ جميلةً مثلما كانت حتى الخمسينيات الماضية. أتمنى أن أتركها بهيّةً فاتنةً، لكي أطمئن على أولادي بحبِّها لهم وحبهم لها. لا شيء أكثر ......

    0 Not allowed!


    الملفات المرفقة
    .. نحو ملتقى هندسي عربي هادف ..


  3. [3]
    mohamed2009
    mohamed2009 غير متواجد حالياً
    عضو متميز جداً
    الصورة الرمزية mohamed2009


    تاريخ التسجيل: May 2009
    المشاركات: 1,547
    Thumbs Up
    Received: 12
    Given: 0
    السلام عليكم بارك الله في حسناتك وزادك في العلم بسطه

    0 Not allowed!



  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML