دورات هندسية

 

 

لذة العقل

النتائج 1 إلى 6 من 6
  1. [1]
    منير قنيش
    منير قنيش غير متواجد حالياً

    عضو

    تاريخ التسجيل: Jan 2009
    المشاركات: 12
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0

    لذة العقل

    رسالة إنسان إلى كل إنسان


    لـذة العـقـل


    أخي الإنسان،



    لا يخفى على أحد حال واقعنا الاجتماعي المؤسف الذي نعيشه الآن نحن هنا وكذلك أنتم هناك والآخرون في كل مكان، واقع يجتمع فيه الأخلاقي مع اللاأخلاقي و تتناقض فيه القوانين مع الظواهر، كما تحدث فيه أشياء أخرى غريبة نستشعرها فقط دون أن نراها مثلما نستشعر ألم المرض دون أن نراه. وبالرغم من أننا نجد أنفسنا لا نطيقه فنحن نتقبله ونتأقلم معه بكل الوسائل الممكنة. لقد أصبحنا نعيش حالة اجتماعية زائفة. ومهما وصل الأمر فالواحد منا لا يستطيع أن يعيش بدون الآخر وبدون الاحتكاك معه وإلا فلا حاجة له للمبادئ والمنهجيات، ومن ثمة لا أحد يقدر على العيش داخل المجتمع حرية مطلقة إلا في حالة ما إذا أخذ بالمفهوم الصحيح للحرية الذي هو التخلص من قيود الغريزة لا من قيود المجتمع.


    ومما لا شك فيه أن الوضع الحالي لعالمنا هو مرآة تعكس صورة الوضع الحالي لفكرنا الذي أصبح مشوبا بفوضى يعود سببها إلى أفكار فاسدة سائدة اعتمد في بنائها على مناهج أحادية مختلفة كالعلمي المتعصب أو الديني المتطرف أو الفلسفي الجاف بالرغم من وجود ميدان عمل واحد مشترك بين الأصناف الثلاثة هو الذهن، أداة عمل واحدة هي العقل ووجود غاية واحدة يسعى كل صنف إلى تحقيقها بطريقته الخاصة وهي خدمة الإنسان. إن هذه الأفكار الفاسدة السائدة التي قسمت العالم وأساءت له مآلها الاندحار والتلاشي وبناءها سيسقط لا محالة عاجلا أم آجلا ، هذا بالإضافة إلى أن البناء المغشوش تسبق انهياره لحظات يتعرض خلالها هذا الأخير إلى هزات وانكسارات تكون شديدة كلما اشتد الظرف المسبب لها، ولعل أن الهزات التي تعرضت إليها الإنسانية سابقا والتي تتعرض إليها الآن أهون بكثير مما ستتعرض إليه لاحقا إذا استمرت في إتباع نفس الأساليب في عملية استكمال تشييد البيت الفكري.


    حول ماهية الفكر


    يمكن حصر تعامل الإنسان مع كل الموجودات إضافة إلى التأثير الحاصل بينهما داخل مجموعة واحدة نطلق عليها اسم الفكر، تستلزم وجود مجموعة تعريف كما في الرياضيات يؤول حسبها في حل كل المسائل إلى معادلات فكرية متوازنة، ومثلما يوجد بين المسائل ما هو موضوعي يعتمد على الحقيقة في حله، يوجد كذلك ما هو اعتقادي يعتمد على المسلمات من أجل إقرار توازنه، مما يترتب على ذلك أن يصبح التوازن الذي تعرفه المعادلات الفكرية تختلف درجات استقراره حسب اختلاف مناهج التفكير. فهناك من ينظر إلى فكرة معينة على أنها صحيحة وغير قابلة لتأويلات أخرى مكتفيا لاقتناعه بأسباب ربما قد تكون تافهة بينما ينظر آخر لنفس الفكرة نظرة مغايرة مستخدما أساليب تفوق حدتها المنطقية حدة الأولى، ولهذا السبب تأخذ المعرفة، التي هي مجموع المعادلات الفكرية المتوازنة، ألوانا عديدة فنجد مثلا المعرفة العامية، المعرفة الدينية، المعرفة العلمية، المعرفة الفلسفية...، و من الواجب علينا أن نميز بين أنواعها ولا نضع ثقتنا إلا في أفضلها، إذ أن أرقى أنواع المعرفة هو ما يأتي عن طريق الاستدلال السريع والإدراك المباشر كما ندرك أن الكل أكبر من الجزء. وهذه الطريقة البديهية يعرفها الكثير عن إقليدس الذي يعترف بحسرة أن الأشياء التي تمكن من معرفتها عن طريق هذا النوع من المعرفة قليلة جدا.

    وإذا كانت الفكرة مهما بلغ صوابها لا بد وأن يتم التحقق منها ومن الأسباب التي أدت إلى تصديقها فإن بعض الأفكار توجد ضمن مجموعة الفكر تتطلب منا أن نثور عليها، فكم من نظرية آمن الناس بها ووضعوها فوق كل جدل ثم تلاشت بعد ذلك وأصبحت لا شيء. ولو وجد ثمة اتفاق بين فكرة وموضوع فلا يعني ذلك أنه حقيقة إلا في حالة ما إذا تخلص الموضوع من أهواء المفكر وميوله لأن في صميم كل فرد تصور ذاتي عميق له سلطة بالغة في تحديد موقفه من مجرى الأحداث، وقيمة الموقف أو الرأي تتعلق بكفاءة صاحبه وحريته في التفكير وللتربية والتعليم في ذلك أثر كبير.


    وكيفما كان الحال، فالتعامل مع الموجودات هو تفاعل معها تخضع فيه الأفكار إلى التحلل مثلما تتحلل الجزيئات في التفاعل الكيميائي من صيغة إلى أخرى، هذا وأن حدوث التفاعل لا يتم إلا بوجود أجساما متفاعلة وحافزا يساعد على التفاعل، ففي غياب الأوكسجين مثلا يتوقف الاحتراق كما تتوقف عدة تفاعلات كيمائية لهذا يصبح من الضروري توفير الحقيقة التي من شأنها أن تلعب دور الحافز في التفاعل الفكري لأنها ستساعد على تفكيك الأفكار من أجل إعادة صياغتها. وتفيد التجارب أن كمية هذا الحافز كلما كانت كبيرة كلما كان ناتج التفاعل الفكري جيد ومفيد. ولما كان لكل تفاعل أجساما جديدة تنتج عنه فإن ناتج التفاعل الفكري هو فكرنا العملي الذي هو سلوكنا، أعمالنا وإنجازاتنا، ولهذا السبب ينبغي علينا أن نفكر في كيفية تخليص الفكر من الفوضى وفي تقوية أسس بناء البيت الفكري الذي تسكنه عقولنا جميعا؛ الأمر الذي يتطلب البحث عن الهفوات والأخطاء التي ارتكبت أثناء عملية بناء الفكر العملي القائم أساسا على تصميم الفكر النظري الذي يحتاج هو الآخر إلى الإحاطة بكل جوانبه لعل الهفوات تكون قائمة فيه ثم ملاحظة الأجزاء المهملة التي تخلى الإنسان عنها ولم يتناولها بالتهذيب كما يتطلب كذلك فحص عيوب المعرفة وحاجاتها وإمكانياتها ووسائلها والإشارة إلى المشاكل الجديدة التي تنتظر إلقاء الضوء عليها، ولعل ما يتطلبه تطوير المعرفة الإنسانية هو تطهير العقل وتنقيته من بعض التصورات والمفاهيم القديمة وذلك بتصحيح الأخطاء المرسخة فيه والأوهام المتجلية في الصور التي ترتسم في الأذهان عن حقيقة الأشياء. هذه هي المهمة التي على العقل أن ينشغل بها متحديا كل الخلافات القائمة بين التيارات الفكرية لأنه هو المسؤول الوحيد عن حل مشاكل الإنسان، فهو مؤسس الفكر وصانع الرموز وبفضله اتخذت الأشياء صورا لها عند الإنسان، ومن أجل تجنب أي سوء قد ينتج عن ذلك عليه أن يجد حلا للأزمة التي يعيشها البيت الفكري الذي يعتبر ملجأ عقولنا جميعا كما سبق الذكر.
    وأول خطوة في هذه العملية استحضار خصائص كل تفكير على حدا قبل أي محاولة توفيقية يكون من شأنها حماية فكر الإنسانية من شر الاصطدام الذي قد يحدث بين أصناف التفكير بسبب التعصب والتطرف واللامبالاة.

    أ- الدين

    هو مؤسس الأسرة الفكرية وأب العلوم التي تعد الفلسفة أمها، ويعتبر كذلك قوة يرجع إليها الفضل في ظهور المعرفة البشرية وتقدمها باعتباره أول ما حرك مخيلة الإنسان ووجهها لصالح خدمة صاحبها، وهو لا يدعو إلى شيء يتنافى مع مصلحة الإنسان لأنه يهدف إلى تحقيق الخير للإنسانية، لذلك تطلع منذ البداية إلى أن يكون الإنسان خليفة الله على الأرض.
    ولقد لعب دورا هاما في تحرير الإنسان من جزء هام من الخرافات والأساطير وفي حمله على العمل من أجل التحرر من السيطرة والاستعباد ومن أجل تحقيق إنسانيته كما أن الطقوس التي جاء بها ودعا إلى ممارستها كالصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها كلها أساليب بقدر ما تقرب الإنسان من الله بقدر ما تدربه وتمرنه على كثير من الآداب والممارسات التي هو بحاجة إليها في حياته اليومية لكي يكون ناجحا. ولم يكن الدين في يوم من الأيام عائقا أمام تقدم الإنسانية وإنما تناقض مصالح الإنسان هو السبب في ذلك لأنه عندما ينصرف الدين عن مهمته عند رجال الدين سيصبح وسيلة للاستغلال لا تخدم سوى مصلحة الأقلية، وكان قد ترتب على مثل هذا التوظيف السيئ للدين أن أطلق عليه أفيون الشعوب.

    إن الدين سلاح ذو حدين، يؤدي حسن استعماله إلى التحرر والتقدم كما يؤدي سوء استعماله إلى التدمير والتقيد، وهو لا يقتصر على مصير النفس البشرية في العالم الآخر فقط كما أنه لا يعتمد على اعتقادات في غاية البساطة أو بدون معنى، لأنه بالنظر إلى البداية نجد شيئا لا يمكن معرفته على الإطلاق وهو منطلق يستحيل استبعاده كما يستحيل بلوغه وهذا ما يجمع عليه كل من رجال الدين والفلاسفة. وأهمية الدين بالنسبة إلى العقل لبلوغه الغاية المنشودة كأهمية علامات المرور على الطريق بالنسبة إلى السائق لوصوله إلى المحطة المقصودة.

    ب- الفلسفة

    تعتبر الفلسفة ثاني تيار فكري عرفه الإنسان. ويعد دورها رئيسيا في تطور المعرفة الإنسانية. وقصة ظهورها إلى جانب الدين الذي نشأت منه تشبه إلى حد كبير قصة ظهور أمنا حواء إلى جانب أبونا آدم الذي خلقت منه، وإذا كان تعايش و تكامل آدم وحواء نتج عنه ظهور كل المجتمعات فإن تكامل الفلسفة والدين تولدت عنه كل العلوم.

    إن التعايش الذي تحقق بين الدين والفلسفة منذ زمن بعيد والذي نتج عنه ميلاد العلوم، لم يدم طويلا بسبب خلاف نشأ بينهما أدى إلى الافتراق، فاستقلت الفلسفة عنه وتحملت أعباء صغارها ثم صارت ترفع من شأن العقل وتبحث عن الحقيقة التي تدفع بالإنسان دوما إلى الحركة والنشاط وتنهي أمره بالحيرة والتساؤل. ويعمل العقل في الفلسفة على اكتشاف الوحدة الكامنة في التعارض حتى لو استلزمه الأمر استخدام طرق غير مألوفة، فهو في ملاحظته للوقائع يرى أن الطبيعة تتألف من ظواهر مرتبطة فيما بينها وليس من أشياء منعزلة ومنفردة. وكما يحس العقل في الفلسفة ويؤمن بوجود الطبيعة فهو يشعر كذلك بوجود ما وراء الطبيعة ويسلم به. ورغم التعارض الذي يبدو جليا بين التصور الأول والثاني فإن العقل بإمكانه في الفلسفة تصور صورة واضحة لكل ما باستطاعة الإنسان معرفته في الطبيعة أو فيما وراءها.

    والعقل هنا لا يتقيد بالمحسوسات المباشرة أثناء انشغاله بالبحث عن نظام الظواهر، لكن بإمكانه اعتمادا على المعطيات الحسية الواردة إليه أن يتوصل إلى معارف تمتد فيما وراء المحسوس، ويتمثل نشاطه الخاص هذا في عملية تكوين المفاهيم الكلية بناءا على المفاهيم الجزئية بعد تجريدها والتأمل فيها. إن تعقب علة ظاهرة واحدة يجر إلى البحث في الكون كله لهذا عندما تصادفه ظاهرة معينة ويتعذر عليه الجواب عن سببها يعيد طرح السؤال عن مدى ارتباطها بالظواهر الأخرى، لأنه يدرك مدى ارتباط ظواهر الكون بعضها ببعض وكذلك مدى تماسك الفروع المختلفة للمعرفة البشرية.

    إن الخير الأعظم الذي تود الفلسفة تحقيقه للإنسان هو معرفة الاتحاد الذي يربط العقل بالطبيعة كلها دون أن ننسى السرور الذي تدخله حتى إلى النفس الحزينة فعن طريق الفلسفة لا يتعلم الإنسان دروس التملك التي لا حد لها وإنما يتوجه إلى البحث عن حاجيات العقل أولا أما الحاجيات الأخرى إما أن تتوفر له أو لا حاجة له بها. كما أن السعادة لا تعبر عنده عن اطمئنانه على متطلباته الغريزية. صحيح أن مفهوم السعادة مرتبط بشعور الإنسان باللذة لكن للملذات الغريزية ألوانا عديدة و مختلفة يصعب تحقيقها جملة واحدة، وحتى إن تحققت فهي لحظية ولا تحقق السعادة الدائمة. و عليه، فاللذة الغريزية التي يتمتع بها الحيوان أيضا وحدها ليست كافية لجعل الإنسان مطمئنا وسعيدا.
    إن ما يبطل مفعول السعادة هو القلق أو الخوف الذي ينتج عن عدم معرفة الأسباب التي تحرك الأشياء التي تخيفنا، إننا لا نخاف من عدو يكون بوسعنا التغلب عليه، لكن وجودنا في خضم الأسباب الخارجية التي تتقاذفنا من كل ناحية يجعلنا نضطرب ونتساءل دون أن نعرف شيئا عن مصيرنا. فهذا القلق إذا هو اعتراف منا بخوفنا بسبب نقصنا، ولهذا كلما ازداد العقل معرفة ازداد فهما لنظام الطبيعة وكلما ازداد فهما لنظام الطبيعة ازداد مقدرة على تحرير نفسه من الأوهام التي تخيفه، لأن فهم الشيء وإدراك معناه ومعرفة كنهه وغايته كل ذلك يبعث الاطمئنان في النفس ويبعد الشعور بالخوف منه. وحينما يترعرع العقل في أحضان الفكر ويتغذى بحليب المعرفة تزول قيود الجهل قيدا بعد قيد وتنقص شدة الخوف درجة بعد درجة حتى إن صار ناضجا مطلعا على الحقائق وجد صاحبه نفسه سيدا حرا لا يخاف الأشياء والظواهر كيفما كانت بل يدركها ويقدر أسباب حدوثها.

    هذه هي الحرية الحقيقية التي على الإنسان أن يسعى وراءها لكي يكون سعيدا ما دام يتسلح بأداة تدعى عقلا تمكنه من التخلص من كل المآزق وتجعله يشعر بالسعادة الدائمة التي تحققها لذة العقل.

    ومن شأن هذا العقل أن يسخر من صاحبه إن أساء استخدامه وتعصب للأفكار الفاسدة، كما يستحيل عليه أن يغفر له الحالة التي يوصله إليها عقلية دنيئة بسبب أهوائه العمياء، ففي الوقت الذي تخمد فيه جذوته يسلم العقل أمر صاحبه لقاضي التحقيق المسمى الضمير لينظر في قضيته. والويل من عذاب الضمير.
    وإذا كان العقل يعاقب صاحبه إن أساء التصرف به، فإنه يمنحه السيادة ويحقق له المجد إن أحسن توظيفه ورفع من قدره. ويكفي الإنسان أن يكون موضوعيا في كل ما يفكر به ليرضى عنه عقله ويهديه أحسن السبل.

    ت- العلم

    ينحصر موضوع العلم في الكشف عن القوانين معتمدا على الوصف والملاحظة كما يعتمد أيضا على الافتراضات التي هي من وحي الواقع الذي يشاهده العالم والتي لا تكون ذات قيمة إلا إذا أكدتها التجربة وحققتها الملاحظة والاختبار. ولكن عن طريق العلم وحده لا ندري شيئا عن نظام الوقائع لأن العالم لا يهتم بالظواهر الكونية والإنسانية في منظورها الشمولي كما يفعل الفيلسوف وإنما يتخذ من مجموعة محددة من الظواهر المتشابهة والمترابطة ميدانا لأبحاثه فيقوم بدراستها وتتبع أحداثها وتطورها، وكل همه هو الكشف عن العلاقات القائمة بينها دون الاهتمام بالكشف عن ماهيتها أو غايتها، وبعد استكمال تجاربه يصوغ النتائج المحصل عليها في صيغة قانون لا يتعدى نطاق المجموعة المحددة من الظواهر التي تشكل ميدانه في حين أن التعميم عند الفيلسوف غير ذلك تماما لأنه يشمل مختلف الظواهر العامة ويعبر عنها في نسق عقلي شمولي.

    إن نظرة العلم وحدها ليست كفيلة بتحقيق تقدم المعرفة الإنسانية. ومن الطبيعي ألا ننتظر منه تعليلا أو إيضاحا لعلة الأشياء ما دام يقتصر على الملاحظة والوصف، لذلك تشده روابط متينة بالفلسفة بالرغم من عدم اعترافه بفضلها عليه، إنها كانت ولا تزال تستخرج المادة الخام وتقوم بتقديمها للعلم ليشاهدها ويصفها ويحللها ويستنبط منها وقائع متعددة ثم يكشف عن قوانينها، وبما أنه لا يهتم بالكشف عن الماهية والغاية فإن الفلسفة تستخدم نتائجه وتقوم بتنسيقها بالنظر إلى تحسين الحياة الإنسانية.
    ويشهد التاريخ بأن العلوم المختلفة سواء كانت طبيعية أو إنسانية إنما نشأت وترعرعت في أحضان أمها الفلسفة وبقيت مرتبطة بها وبغايتها إلى أن وصلت إلى المرحلة التي تشبه إلى حد كبير مرحلة إبراز الذات عند الإنسان (المراهقة) وتتطلب مرحلة كهذه العناية المركزة والمراقبة المستمرة والتوجيه الصحيح من طرف الوالدين معا حتى يتمكن الأولاد من اجتيازها بنجاح، وبعد هذه المرحلة مباشرة يصبح الإنسان ناضجا قادرا على بناء نفسه اعتمادا على نفسه حتى بعيدا عن والديه أي بعد استقلاله عنهما، وبالنظر إلى استقلال العلوم عن بيت أسرتها فهو لم يكن سليما لأنه تم قبل اكتمال مقوماته بسبب الخلاف الذي حصل وقتئذ بين الفلسفة أمها والدين أبوها والذي دفع بكل واحد منهما إلى العيش بعيدا عن الآخر.

    وحسب تاريخ العلوم كان علم الفلك قد استقل على إثر اكتشافات العالم نيقولا كوبرنيك الذي برهن في كتابه " المطول في ثورات العوالم السماوية " على حركة الكواكب حول نفسها وحول الشمس، مما أحدث آنذاك ثورة في ميدان العلم تعرف بالثورة الكوبرنيكية التي قلبت المفهوم القديم لتصور الكون رأسا على عقب الذي كان يقوم على أساس أن الأرض هي مركز الكون كما أنه بين حركة الكواكب حول نفسها وحول الشمس. ويشهد تاريخ العلوم أيضا أن الفيزياء قد استقلت هي الأخرى عن الفلسفة ابتداء من القرن السابع عشر على إثر أبحاث كثير من العلماء منهم غالي ليه ونيوتن وديكارت وغيرهم. وفي القرن الثامن عشر قامت الكيمياء الحديثة بفضل مجهود عدد من العلماء وعلى رأسهم العالم الفرنسي لافوا زييه. وفي نفس الحقبة الزمنية نشأت علوم الأحياء على يد بيشا... وهكذا استمر استقلال العلوم وتفرعها إلى أن سيطرت على العلماء نزعة التخصص مما أدى إلى تفرع مهول للعلوم فنتج عن ذلك اختلاف بين هذه الفروع العلمية حول النظر إلى الظواهر المتشابكة والمتشعبة ثم بقي المشكل قائما بعد ذلك.



    البيت الفكري:


    من خلال ما استعرضناه لخصائص التيارات الفكرية الثلاثة يتبين لنا أن التفكير العلمي يؤمن بفكرة رئيسية يقوم عليها كيانه وهي مبدأ الحتمية كما أنه يتقيد بالتجربة ويلتزم بما هو كائن دون النظر إلى ما ينبغي أن يكون، وهو يختلف بذلك عن التفكير الفلسفي الذي يتقيد بالمنطق وينظر إلى ما ينبغي أن يكون بناءا على ما هو كائن. وهما معا يختلفان عن التفكير الديني الصادر أساسا عن الاعتقاد. لكن، ليس بمقدور لا الدين ولا الفلسفة ولا العلم أن يسحب أحدهم الستار لوحده عن الحقيقة المراد معرفتها من قبل إنسان الألفية الثالثة الذي يفضل أن يرى الأشياء في صورتها الكاملة بدقة متناهية.
    وحتى لا ننسى الإجابة على السؤال الذي طرحته من قبل والذي يتعلق بكيفية تخليص الفكر من الفوضى سنعود إلى العقل بصفته المسؤول الوحيد عن حل مشاكل الإنسان والذي بإمكانه أن يجد وسيلة يخلص بها البيت الفكري من الفوضى التي تعمه. وما من طريق أمامه عدا أن يجعل الفلسفة تدرك خطورة ما آل إليه الوضع من جراء العداوة والكره اللذان تشعر بهما اتجاه أب أبنائها الدين على الرغم من طول مدة الانفصال بينهما، وبعد أن تدرك الفلسفة خطورة الوضع سيلزمها العقل على العودة إلى البيت الذي أسسه وشيده الدين وتم فيه إنجاب العلوم. لكن وقبل عودتها على الفلسفة أولا تصحيح الصورة التي رسمتها في مخيلة أبنائها العلوم عن أبيهم الدين ثم إقناعهم بأي شكل حتى لو بإغرائهم بمادة خام جديدة تكون مستخرجة من تربته من أجل انضمامهم إليها ثانية ومرافقتهم لها خلال عودتها إلى بيت الأسرة الفكرية.
    إن الأسرة الفكرية أو النظمة الثلاثية الفكرية لا تعد مركبة بهذا الاعتبار من أجزاء تختلف طبيعة بعضها عن بعض، بل هي وحدة تهدف في نشاطها إلى تحقيق التواصل الكلي. فوحدها هذه النظمة تملك القدرة على إرشاد الإنسان إلى المعرفة الصحيحة وإلى شعوره بأنه جزء مهم من الكل، لذلك هي ملزمة بمقاومتها للتجزئة للحفاظ على نفسها خاصة أن اعتماد الإنسان عليها في طلبه للمعرفة سيجعله يستطعم ذوقها ويشعر بلذة العقل الممتعة.

     المعرفة الصحيحة سر الحياة السعيدة 

    تحت هذا الشعار، قامت دراستي وبحثي في المعرفة الإنسانية التي من خلالها وجدت ثغرات كبيرة ومتعددة يتفرق مجموعها على أرضية الفكر تحول بين الحقيقة الكلية وكل من حاول السعي وراءها، ومن أجل هذا الغرض فكرت في أن أجمع في كتاب "لذة العقل" النتائج والمعلومات التي توصلت إليها بعد سنين من البحث والدراسة الحرة بعيدا عن جدران الجامعة، موفقا في ذلك بكل الوسائل المتاحة بين حياتي الفكرية هذه وحياتي العملية والأسرية، ثم أعرضه عليك أخي الإنسان.

    لقد حاولت في كتابي هذا أن أطلعك على مسألة في غاية الأهمية وعلى مفهوم جديد يمكنك من استيعاب معنى النظام الذي لا غنى عنه بالنسبة إليك من أجل فهم عميق للتواصل الذي يربطك بالآخر، بالطبيعة وبالله في آن واحد، وإنني لأرجو أن تجد فيه ما يجعلك تستطعم ذوق هذا النظام.


    مسألة البدايات


    تعتمد كل المعارف في بناء أنساقها على مسألة البدايات التي أرى فيها أن المناقشات حول نشأة الكون وقصة تمدده وسيناريو "البيغ بانغ" كل ذلك يوحي بعدم التحقق منه بشكل قطعي لا علميا ولا فلسفيا، فلا يعقل أن نرى العلماء يقدمون لنا سيناريوهات وكأنها لحظات تاريخية، تمدد الكون وكأنه قصة.... لكن من الواجب علينا ابستمولوجيا أن نفرق بين سيناريو وقصة وبين فرضية ونظرية كما أظن أن طالبوا العلم يحتاجون إلى نموذج كي يفهموا الحدث الذي تحط عليه نظرية ما.
    إن فكرة الانفجار العظيم هذه يغلب عليها الطابع الأسطوري أكثر مما يغلب عليها الطابع العقلاني، والحديث عن أصل الأشياء لا يجوز أن يبدأ من شيء مركب كالغاز أو الغبار الكوني أو...، ففي الرياضيات مثلا لا يجوز للعدد 09 أن يكون أصلا للحساب مع العلم أن أعدادا أصغر منه لها وجود، مما يستلزم أن يبدأ الترتيب التسلسلي للتطور الذي عرفته المادة من شيء لا يقبل التقسيم. ومن ثمة لا يصح اعتبار الموجود المتغير موجودا جوهريا بل يجب البحث عن الشيء الذي يوجد في كل الأشياء الذي يحتفظ بخصائصه رغم اختلاف وتنوع ظروف الأنواع التي تتكون منه حتى يؤهله ذلك بأن يعتبر قضية البداية.


    إنه تصور خاطئ وضعه العلماء يصعب على العقل بالمنطق أن يستوعب مفاهيمه، ولا غرابة في ذلك ما دامت الحواس هي الوسيلة المستخدمة. فالإنسان منذ القدم بدأ بحواسه لإدراك ما حوله، لكن سرعان ما ثبت له أن الحواس لا تستطيع أن تعطيه أي صورة حقيقية عن العالم خصوصا لما أدرك أن المعلومات التي جمعها عنه بواسطتها، وظن لفترة من الزمن أنها حقيقية، لم تكن سوى أوهام ورغم ذلك استمر البحث وركز العقل على التجريد لاستخدامه كإمكانية أو وسيلة في بناء المعرفة الإنسانية تحت شعار: من الخطأ نتعلم الصواب.


    معرفة أصل الكون

    يعنيك كثيرا أخي الإنسان أن تقرأ أو تسمع شيئا عن الكون، أصله وتركيبه...فإليك كيف أراه أنا من وجهة نظري.
    يعتبر الكون بالنسبة للعقل البشري كل متماسك من الأجزاء، ليس أزلي وإنما محدث يتواجد ضمن مجال مفتوح لا حد له ولا نهاية، ميزته الوحيدة الممكن معرفتها هي الأبدية التي يفتقر لها الكون وما فيه، وهذا المجال المفتوح هو الوجود، نقيض العدم، ممتد في كل الفضاء اللانهائي وبدونه لا يمكن وجود أي موجود وأن كل الموجودات التي هي فيه إنما هي منه وإليه.
    إن ذات الوجود الأزلي(الله) غير قابلة للوصف لأن الوصف لا يتم إلا بإسقاط أو تشبيه الشيء المراد وصفه بشيء آخر معروف ومألوف لدى الشخص السائل، وحسب ما هو معروف أن الأشياء التي لم يسبق لنا رؤيتها أو لمسها يصعب علينا تخيلها أو بالأحرى التحدث عنها إضافة إلى أننا نعيش في عالم كله من الذرات لأن بين كل ما هو موجود في الكون يوجد قاسم مشترك وحيد هو الذرة ممـا يعني أن عــالمـنا هو عــالم النواة و الإليكترون، والأشياء تتميز لنا فيه عن بعضها البعض باختلاف تركيباتها. أما عالم الوجود الأبدي فليس فيه ذرات لأنه ببساطة لو كانت فيه مثل هذه الأشياء لكان فانيا (لأن الذرات تفنى) وما لا يقبل الفناء يملك القوة على الوجود دائما ما دامت قوته لا تنحصر في مكان محدد أو زمان محدود الأمد، ولما كان في الكون كل شيء يموت ويفنى فلقد ترتب على ذلك أن يكون لوجوده ابتداء وظهوره لم يكن مستقلا عن ذات الوجود الدائم الذي هو الله بل جاء منه وسيبقى فيه. وبمشيئته انطلقت نشأته ومن ذاته الممثلة للوجود جاء كل شيء. ومما لا شك فيه أن جوهر الأشياء له ارتباط شديد بهذه الذات وبالتالي يكون هذا الجوهر هو مادة الكون، مثلما نقول عن الخشب مادة السبورة، فهو صلة الوصل بين الصانع والمصنوع بمعنى أنه الوسيلة التي سخرها الله من ذاته لصنع الكون ما دام هو منه، ولا يصح أن نقول أن الجوهر مادة الله لأن ليست لله مادة يمكن للعقل البشري تصورها، وإنما أعني بالجوهر هنا أصل السلسلة السببية الكامن وراء كل الأشياء الموجودة ومدعوم بقوة الله.
    إن الكون مجبر على أن يسير على نظام لا بد منه ولا شيء فيه يحدث قبل أوانه وتبعا لذلك، فإن كل ما يحدث فيه إنما هو إلا نتيجة آلية لقوانين مختلفة وجد منسقة تعمل كلها تحت نظام القانون العام الذي وضعه الخالق منذ أول وهلة. ولصنع كون مثل كوننا لا يكلف ذلك من الله شيء فيكفيه أن يشاء ما دام هو منبع القوانين كلها. ولو حصل أن توصل العقل البشري إلى معرفة كل القوانين التي تحكم الكون فذلك لا يعني أن المعرفة البشرية قد بلغت الكمال فمهما وصلت من مستويات عالية ومهما توسعت فلن تتجاوز مجال الكون الصغير المهمل حجمه بالمقارنة مع أبدية مجال الله.

    وتحتاج معرفة الكون ككل إلى معرفة الجزء منه معرفة دقيقة وكما سبق ذكره فبين كل ما فيه من سماوات، شمس، أقمار، كواكب، غابات، محيطات،غازات، جبال وحيوانات، يوجد قاسم مشترك وحيد هو الذرة التي لا زال لغزها يحير عقول علماء الفيزياء النووية. وإن لم نتوصل إلى معرفة العلاقة الأساسية لتركيب أصغر نظام في الكون فلن نتوصل أبدا إلى معرفة قانون أكبر نظام فيه.

    حل لغز الكون في حل لغز الذرة.

    معرفة الذرة

    من المعروف أن الأشياء تنتج على أساس تجمع عدد معين من الجزيئات التي تكونها الذرات وتختلف وتتنوع هذه الأخيرة لاختلاف صيغ تركيباتها. وتتكون الذرة من مكونات تعمل على إبقاء وحفظ الطاقة التي تحتوي عليها وهذا العمل يجعلها تتميز بنظام فريد من نوعه. وإذا كانت الذرة تتجزأ فإن نظامها لا يتجزأ لأنه لا يحتوي على أنظمة جزئية فهو أصغر جزء في النظام كله مما يتحتم على تسلسل التطور الذي عرفته المادة أن ينطلق من شيء لا يقبل التجزئة، وما يجب فعله هو دراسة الذرة دراسة دقيقة من أجل معرفة ما إذا كان بها شيئا يمكن فعلا تسميته الجوهر.

    إنه ليس من المغالاة في شيء قول أن العلاقة الأساسية التي تربط مكونات ذرة ما تربط كل الذرات المختلفة. فليس من الغريب إذا قول أن الصيغة التركيبية للذرات موروثة مثلما ترث النباتات والحيوانات صيغ تركيبها و الحديث عن هذه الصيغة يجر إلى البحث عن مصدر انبثاقها، ولهذا المصدر اليد الأولى في نشأتها وتطورها ومن ثم فإن أصل الذرة مرتبط كل الارتباط بأصل الكون الذي يبقى مجهولا رغم المحاولة التي قام بها العلماء في تأسيس نظرية الانفجار العظيم التي اتخذت منطلق لكثير من التيارات الفكرية والمدارس.

    والنموذج المعروف للذرة هو عبارة عن نواة تحيط بها مناطق تسبح فيها الإلكترونات التي تدور حولها في مدارات ثابتة لا تتعداها إلا لطارئ. والذرة في مجموعها متعادلة الشحنة، نظرا لكون النواة لها شحنة موجبة وللإلكترونات شحنة سالبة. وتسمى القوى التي تربط بينهما بالقوى النووية. لجأ العلماء إلى وصفها أنها قوى من نوع غريب عن الأنواع التي يعرفونها، فبالرغم من معرفتهم النسبية لحقيقة قوى التنافر، يجدون أنه ليس من السهل فصل البروتونات من النواة.
    إن ما جاء به العلماء لا يشرح لنا طبيعة العلاقة التي تجمع النواة بالإليكترونات، وما دام تعريف الإليكترون لا يزال مقتصرا فقط على كونه جسما له شحنة سالبة و يدور حول النواة فالفيزياء النووية لا تزال هي الأخرى مبنية على فرضيات، مثلما تزال الفيزياء الكونية مبنية على الأساطير. وبغض النظر عن طبيعة القوى النووية، ماذا تكون الإليكترونات؟- ما ماهيتها؟
    إن الإجابة على هذه الأسئلة وأخرى محيرة ستندرج ضمن النموذج الذي وضعته لتفسير مركبات الذرة بعدما درست النماذج التي وضعها العلماء وعرفت مواطن الضعف بها.

    يتبع




  2. [2]
    منير قنيش
    منير قنيش غير متواجد حالياً
    عضو


    تاريخ التسجيل: Jan 2009
    المشاركات: 12
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0





    أخي الإنسان

    لا يمكن لأحد أن ينكر بأن كل ما في هذا الكون يخضع لنظام نشعر به ونلمسه كذلك.

    هذا النظام هو نظام شمولي يضم أنظمة جزئية عديدة ومختلفة لكنها رغم اختلاف وظائفها تبقى دائما محتفظة بنفس الخصائص.


    وتعد النظمة الثلاثية أصغر جزء في هذا النظام فهي الجزء الذي لا يتجزأ فيه، وإذا تجزأت فلن يبقى هناك نظام.


    في الفكر


    النظمة الثلاثية الفكرية هي وحدة نظام الفكر تهدف في نشاطها إلى تنظيم الفكر وتحقيق التوافق بين الدين والفلسفة والعلم، وهذه الوحدة هي الأسرة الفكرية وهي لا تعد مركبة بهذا الاعتبار من أجزاء تختلف طبيعة بعضها عن بعض. وكما سبق أن قلت فقصة ظهور الفلسفة إلى جانب الدين الذي نشأت منه تشبه إلى حد كبير قصة ظهور أمنا حواء إلى جانب أبونا آدم الذي خلقت منه، وإذا كان تعايش و تكامل آدم وحواء نتج عنه ظهور كل المجتمعات فإن تكامل الفلسفة والدين تولدت عنه كل العلوم.

    في الاجتماع


    النظمة الثلاثية الاجتماعية وهي وحدة نظام البشرية تهدف إلى تطور الجنس البشري واستمراريته. وهذه الوحدة هي الأسرة المتألفة من الرجل والمرأة والأولاد والتي تعد أصغر جزء في نظام البشرية. سأعود لطرحها مفصلة.


    في المادة


    النظمة الثلاثية المادية هي وحدة نظام المادة تهدف إلى حفظ الطاقة التي تمتلكها هذه الأخيرة. والوحدة هذه التي هي الذرة تتألف من البروتونات والنيوترونات ثم الإليكترونات، هناك ثلاثة أشياء مرتبطة فيما بينها تماما كما وجدنا في الفكر والاجتماع. الأول ينتج عنه الثاني وبفضلهما معا ينتج الثالث والغاية واحدة هي الاستقرار والتوازن. وسأعود لتوضيح ذلك بالتفصيل لاحقا إن شاء الله.


    يتبع






    0 Not allowed!



  3. [3]
    منير قنيش
    منير قنيش غير متواجد حالياً
    عضو


    تاريخ التسجيل: Jan 2009
    المشاركات: 12
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0




    النظمة الثلاثية الاجتماعية






    الحياة الاجتماعية دوافعها وشروطها:



    إن التطور الذي عرفته الجماعة منذ القدم والتكاثر إضافة إلى الاتحاد الذي حصل بين البعض منها ضد البعض الآخر، كل ذلك جعل طبيعة العلاقات التي تربط بين الأفراد تتطور من البسيط إلى المعقد. وتعود هذه العلاقات بالدرجة الأولى إلى وحدة الدم أو اشتراك المصالح أو تقارب الأفكار. وكلما تطورت هذه العلاقات تطورت معها علاقات المجتمع ككل وأثرت بشكل عام على الحياة الاجتماعية فيه. ويعود سبب الاتحاد الذي حصل بين الأفراد رغم المنافسة والصراع إلى أن الحياة مع الآخرين مسألة طبيعية لا خيار فيها للإنسان ويتطلب تحقيقها بشكل جيد ومفيد التزام الفرد بالواجبات واحترامه للعادات والتقاليد مع طاعته للقوانين التي تعد الركيزة الأساسية لقيام الجماعة وتماسكها كما تعتبر مصدر قوتها الوحيد.


    وإذا كان الإنسان يشق طريق مجده وسط الآخرين وليس بعيدا عنهم، فإن الشخصية الإنسانية لا تتحقق إلا عن طريق التأثير المتبادل بين الأفراد. والإنسان بطبيعته يخضع في حياته اليومية تحت تأثير الآخر إلى ظاهرتي التجاذب والتنافر. كما أن الاحتكاك مع الآخر هو احتكاك منهجين، وحسب ما هو معروف أن احتكاك شيئين تنتج عنه حرارة قد تؤدي إلى إتلاف خصائصهما معا. ولولا تفادي هذه الظاهرة في الميكانيك لما سخرت الطاقة، لهذا يجب على الانسان أن يستفيد من تجاربه ومن تجارب الآخرين كذلك حتى يتمكن من صنع مقاومة خاصة به تحفظ له خصائصه من الإتلاف الذي قد ينتج عن حرارة احتكاكه بالآخر. وكلما كان الانسان موضوعيا في تعامله مع الآخر كلما كان التأثير عليه بسيطا ونافعا. لأن القرارات اليومية المتخذة بين الناس فيها ما هو خاضع للمصداقية وفيها كذلك ما هو مبني على الغش والخداع. وهذه الصفات إضافة إلى الكذب والنفاق والطمع والحسد بقدر ما تفقد صاحبها الكرامة تجيز عقابه إن ترتب عنها ضرر بالآخرين.


    وتلعب المنافسة في تطور علاقات الأفراد فيما بينهم الدور الرئيسي. وهي غالبا ما تتحول إلى حرب معلنة بين الأطراف المتنافسة، لكنها تحمل معها إمكانية توقفها في أية لحظة. لأن بعض المواقف تتطلب من المتنافسين الاتفاق من أجل مصلحة الجميع خصوصا عندما تتعادل موازين القوى حيث يتنازل كل واحد عن بعض الأمور للطرف الآخر. ومثلما تخلق المنافسة الصراع والحرب تخلق معه التقدم والرقي كما لها دور جد مهم في التطور الذي عرفته العلاقات انطلاقا من بين الإخوة في الأسرة إلى ما بين المجتمعات في العالم. وبفضلها قطعت الحياة الاجتماعية أشواطا عديدة من التطور وحققت بعض المكتسبات تخص شروط الحياة الكريمة التي تستحيل دون توفير قسط من الحرية الشخصية التي هي ضرورة لا بد منها لوجود الانسان، كما تستحيل دون توفير شرط آخر الذي هو العدالة الاجتماعية القائمة على أساس وضع قوانين تساوي بين الناس في الحقوق وتعاقب كل من تجاوز الإطار المتفق عليه.


    وتقوم العدالة الاجتماعية على أساس كبت بعض الحريات من أجل تحقيق البعض منها. وعلى عاتق المجتمع يقع عبئ تلقين الأفراد مفهوم الحرية وتدريبهم على ممارستها، والحرية الهادفة هي التي تدفع بالإنسان إلى التخلص من قيود الغريزة التي قد تضعه موضع الجبن والضعف والتبعية عوض موضع القوة والسيادة. ولم تكن الحرية في يوم من الأيام هي التخلص من قيود المجتمع التي تشبه في صميمها القيود التي تكبل بها أفراد القبيلة من قبل والمتمثلة في الأعراف والتقاليد كما تشبه كذلك القيود التي كبلت الإخوة داخل الأسرة منذ البداية من أجل التخلص من التشريعات التي لا تقيد رغبات الفرد. ولولا هذا الكبت المعقلن لبعض الحريات لما وجدت الطاقة الإبداعية في الأفراد. ولهذا بقدر ما يتحكم الإنسان في سلوكه ويسيطر على غرائزه بقدر ما تتضاعف طاقته الإبداعية.


    إن علاقة المجتمع بأفراده كعلاقة الكائن الحي بخلاياه. وإن كانت حياته مرتبطة كل الارتباط بحياة الأسر فإن أسباب ارتقائه تنبعث عن أقليات صغيرة من أفراد مبدعين مع العلم أن دور هذه الأقلية المبدعة في تطور المجتمع كدور الغدد في تطور الكائن الحي ونموه. ولما تخفق الطاقة الإبداعية في مثل هؤلاء الأفراد ينهار المجتمع ويتوقف نموه مثلما يتوقف نمو الانسان بعدما تتعطل غدته الدرقية عن العمل ويعد جسم المجتمع كباقي الأجسام الحية، يجوع ويتغذى، يمرض ويشفى كما يكبر وينمو.



    دواعي تنظيم العالم



    لقد قطعت البشرية بفضل اجتماع الإنسان مع الآخرين أشواطا مهمة من التقدم، كما حقق الأفراد فيها تعايشا لا يستهان به نظرا لإحساسهم بحاجتهم لبعضهم البعض إذ كان لا بد لهم من الاتحاد من أجل التغلب على الأخطار. و لم تكن البشرية قبل قرون مضت بهذا الشكل وبهذا الحجم الديموغرافي الهائل ولا شك أبدا في أن جسمها نما وكبر خلال مئات القرون الماضية مثلما ينمو جسم الإنسان ويكبر مع مرور السنين. فقبل عشرة قرون مضت كان النمو الديموغرافي للبشرية أقل نسمة مما هو عليه الآن، ونفس الملاحظة يمكن استنتاجها لو رجعنا بعشرة قرون أخرى إلى الخلف حيث نجد العدد بالنسمة يصغر تناسبا مع عودة التاريخ إلى الوراء.


    وكان قد نتج عن اجتماع الأبناء تحت رعاية الأب والأم ظهور الأسرة التي تعتبر أول نظام ظهر يحمي حق الفرد. كما أن اجتماع الأسر فيما بينها سبب ظهور القبائل التي أدت حاجتها هي الأخرى في الاجتماع إلى ظهور الدول بمختلف أنظمتها. إلا أنه مع مرور الوقت وجدت هذه الدول هي الأخرى في نفسها الحاجة في الاجتماع فظهرت عصبة الأمم ثم الأمم المتحدة وما تزال حاجة الدول في الاتحاد ملحة بسبب المشاكل التي تواجهها وتهدد أمنها وسلامتها، نظرا لاقتصار هيأة التحالف على مجموعة محددة من الدول في اتخاذ القرارات المتعلقة بالعالم كله.


    ونظرا إلى كل الأسباب التي قد تدفع بالبشرية إلى الهلاك تتحتم علينا ضرورة تنظيم العالم على أساس دولي ينتفي منه التعصب القومي والمصلحة الخاصة. ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بإقامة نظام عالمي الطبع يوجه شؤون العالم لمنفعة جميع الأفراد دون تمييز بين الأجناس، كما تحصل فيه كل دولة على ضمانات تحميها وعلى نصيبها من الفرص السانحة للتقدم.


    فتقدم دولة ما يقاس بقوتها وغناها بحيث أننا نقصد بالدولة المتقدمة تلك التي تملك المال الوافر لتحقيق الاكتفاء الذاتي لكل مواطنيها وكذلك القوة اللازمة لحمايتهم والدفاع عنهم إذا ما تعرضوا للخطر وبما أن المال والقوة ينتجان عن المعرفة فإنه ينبغي على الدولة السائرة في طريق النمو أن يتوقف تقدمها هذا على مدى تطور معارفها وحسن توظيفها لها مع أن التحول الفكري غالبا ما يصطحب معه التحول الاجتماعي. ومثلما تتغذى كل الأجساد وتنمو، يتغذى جسد الدولة ويكبر ولعل ما يشرح ظهور الإمبراطوريات في الماضي وتوسعها الإقليمي هو مصدر قوتها الغني والمتنوع الذي للمعرفة فيه نصيب كبير. ولو نظرنا إلى جسم الإمبراطورية فإننا سنرى في مراحل توسعه نفس مراحل تخمر العجين. فمثلما ينتفخ العجين ويفيض على جوانب القصعة بسبب التفاعل الكيميائي وبسبب إغفال العجان، يكبر جسم الإمبراطورية ويفيض على دول مجاورة بسبب التفاعل الفكري وبسبب إغفال الحاكم للأعراف الدولية. غير أن مثل هذا السلوك أصبح مرفوضا، لأن العالم تغير شيئا ما ولم يعد سهلا على أية دولة كيفما كانت أن تتجاوز إقليمها سوى بالاتفاق. وحتى لو تجرأت دولة معينة على اقتراف مثل هذا الخطأ فإنها تسعى جاهدة لمنح تصرفها الصبغة الشرعية.


    ومثل هذه الأخطاء التي ترتكبها بعض الدول حاليا لا سبيل إلى تجنبها غير فهم الأسباب التي تدفع إلى ارتكابها، ولو استمر الوضع العالمي على هذا الحال ، فمن المحتمل أن تقع فيه أخطاء قد لا نتصور مدى تأثيرها على البشرية، خصوصا ونحن نعيش في عصر شمت فيه أغلب الدول رائحة طاقة جديدة قد تمكنها من تحقيق أغراضا عديدة وهي الطاقة النووية. والمؤسف هنا هو أن الفهم السائد لتركيب الذرة التي تمتلك هذه الطاقة هو فهم خاطئ. ولهذا السبب نتج التوتر الحاصل بين الدول المتنافسة في هذا الميدان فكل دولة تحسب نفسها متقدمة تخشى في غياب حقيقة الذرة عنها أن تكون دولة أخرى منافسة سباقة إلى معرفتها.


    إن عدم القدرة على حل لغز الكون والعجز عن سبر أغوار الذرة التي تعد أصغر نظام فيه يعتبران معا المحطة التي سببت تناقص سرعة التقدم المعرفي عند كل الدول المتقدمة رغم اقتصادها الزاهر وصناعاتها المتطورة وأقمارها الاصطناعية وغيرها من الأشياء التي لا تريح بالها بقدر ما تهمها قضية إمكانية الوصول إلى الحقائق المجهولة التي ذكرناها. ومن بين بعض هذه الدول من صنعت لهذا الغرض بالذات أنواعا مختلفة من الأساليب المدمرة ومن الأسلحة الفتاكة ثم زرعت الفتنة والحروب في مناطق عديدة من العالم حتى لا يبقى هناك مجال خصب يتيح التقدم لأي دولة ترغب في منافستها. لأن البلد الذي يعيش الحرب لا يفكر ناسه في الإبداع والابتكار وإنما ينشغلون فقط بالمقاومة.


    ومن هذا المنطلق يصبح من واجب ممثلي الإنسانية التفكير في خلق سلطة مشتركة، تساهم في قيامها كل الأمم، تحمي حقوق الدول الضعيفة من سلوك الدول الطاغية وتنهج التبادل التجاري في كل أنحاء العالم. لأن اشتراك المصالح بين كل الدول وتوسيع مجال الحريات لدى الأفراد هو ما يجسد العولمة بمفهومها الصحيح.


    والعولمة ظاهرة اجتماعية نشأت في نفوس الأفراد من أجل تحقيق غاية واحدة وهي إحساس الفرد بأنه جزء من العالم وأنه على اتصال مباشر معه، لهذا أصبح تقنينها أمرا حتميا ما دامت للقانون مهمة التنسيق بين القوى المتنازعة كما للسياسة مهمة التوفيق بين متطلبات الشعب وانجازات الحكومة. وليست العولمة تخص الاقتصاد وحده، بل تتجاوزه حدودها إلى أبعد من ذلك ليصبح من الممكن قول عولمة الحقوق، عولمة الأفكار والمفاهيم، عولمة الأخلاق...وعند الحديث عن العولمة فالقصد بذلك يكون العالم المتحد أو المتحالف. وإذا كانت الدولة تمثل تحالف مجموعة من القبائل والقبيلة تمثل تحالف مجموعة من الأسر، فإن العولمة تمثل تحالف مجموع الدول. وليست الأسرة أو القبيلة أو الدولة أو العولمة مجرد أسماء نطلقها على تجمعات الأفراد بل هي مراحل تحتم على جسم البشرية المرور بها مثلما يمر جسم الإنسان بالمراحل الأربعة: الطفولة والشباب ثم الكهولة فالشيخوخة.


    مراحل نمو البشرية


    1)الأسرة

    تعد المرحلة الأولى التي مرت بها البشرية لبنة رئيسية في عملية تأسيس نظام الثلاثية الاجتماعية ولقد تطلبت إقرار النظام الأسري في أول محطة لها خلال سيرها على طريق الحياة الاجتماعية. فأثناء هذه المرحلة كان الإنسان الأولي(آدم) قد أمعن النظر جيدا فيما مضى من حياته ووجد أنه من الضروري أن يضع القوانين ويقوي الأسس التي تثبت وجوده وتحقق له سيادته على الأرض. وبناءا على ذلك قام نظام الأسرة على أساس تعايش الإخوة تحت ظل الأبوين إلا أن هذا التعايش لم يتحقق إلا بعدما تعلم الأبناء التزام حدودهم بمعرفة ما لهم وما عليهم وبعد تدريبهم كذلك على عدم استجابتهم للدوافع الغريزية بشكل فوري غير معقلن. إن فهمهم هذا وإدراكهم لعدم تجاوز الخطوط الحمراء التي يحددها الأب، بالشكل الذي يدركون فيه أن مصلحتهم تكمن في ذلك، يجعلهم يتشبثون بالنظام أكثر ما دامت مصلحة كل واحد منهم تبقى محفوظة وسط إخوته. وهذا ما ارتآه الأب حينما فكر في أن يصيرون سنده ثم يستمرون بعده.


    وعلى ما يبدو أن دراسة خصائص الأسرة ستساعد أكثر على فهم التطورات التي ترتبت عنها في تكوين المجتمعات.


    تتألف الأسرة من اتحاد الرجل والمرأة وناتج هذا الاتحاد هم الأولاد، ومما لاشك فيه أن للرجل خصائص ومميزات مغايرة لما عند المرأة، كما أنه من المعروف منذ القدم أن الأنثى تكرس معظم وقتها لرعاية صغارها أما الذكر فعليه يقع حمل توفير الغذاء والدفاع ضد العدو؛ وعليه فنشاط الرجل يتطلب منه استخدام العقل الذي يستدعي منه أن يكون حذرا وقادرا على مواجهة الظروف المفاجئة طالما أنه الأقوى والأكثر استعدادا للصراع، كل هذا جعل الرجل منذ القدم يقرر بحسم ما يجب عمله أمام أي مشكلة، حتى أن تفكيره مال إلى محاولة فهم الظواهر الطبيعية خوفا على نفسه وعلى رعاياه من الأخطار التي تنتج عنها. وهذا الاستخدام العقلي المتواصل طور عند الرجل ملكة التفكير وزاد من حدة ذكائه.


    أما نشاط المرأة فكان يتميز منذ القدم باللون العاطفي، وتتحرك إرادتها بدافع الغريزة كما أن طريقة تفكيرها تعتمد على الحدس ونهاية انفعالها البكاء الذي يخفف من توترها وهو ما يعطل تطور ملكة التفكير عندها، لأن التوتر أو الانفعال يعد رئيسيا في عملية إنتاج العقل للأفكار. ولهذا السبب نادرا ما نسمع عن امرأة مفكرة كما أننا لم نسمع قط عن امرأة فيلسوفة. فمهما تطورت المرأة وتفوقت على الرجال العاديين فهي دائما دون مستوى الرجال العظماء. وحتى لو تمكنت المرأة من ربط الأفكار القصوى بعضها ببعض وفقا لقواعد المنطق فإنها ستتخذ لعملها الفكري ميدانا ضيقا شتان بينه وبين الشمولية.


    إنني أقول هذا وليس في نيتي مهاجمة المرأة أو احتقارها حاشى ولا يرضاها الله وأستغفر الله العظيم وإنما هذا ما يشهد به التاريخ لها. وبالنظر إليها كامرأة، فالطبيعة أوهبتها طابعا أنثويا خاصا عليها معرفة تقنينه لتحصل على السعادة. ومما لا شك فيه أن مطلب مساواتها مع الرجل الذي تقدمت به يعود بالدرجة الأولى إلى استخفافها بضعف الرجل في تدبير شؤونه وفي تلبية حوائجها وحمايتها كذلك، لكن في حالة ما إذا وجدت المرأة نفسها جنب الرجل بمعنى الرجل فهي تبرز خضوعها له كما تكون في غاية سعادتها التي تكمن في الأمومة.


    إن الزواج هو الخطوة الأولى في تأسيس الأسرة ففيه تكون المرأة قد استسلمت للرجل وتأتي بعد ذلك الذرية ليتحول الرجل إلى أب والمرأة إلى أم. فمن واجب الأب أن يكون مسيرا مقتدرا على أساس أنه المؤسس وأن تكون أوامره دستورا تمشي عليه الأسرة وعليه أيضا أن يكون لينا كل اللين في المواقف التي تتطلب الرقة وقاسيا كل القسوة في المواقف التي تتطلب ذلك، وبحبه الكبير الذي عليه أن يكنه إلى بيته وبإخلاصه ووفائه له، سيضمن لها السعادة وذلك بالتوفيق بين مستواها ومستويات باقي الأسر الأخرى. كما على الأب أيضا الاقتراب أكثر ما يمكن من أبنائه بغية معرفة طموحاتهم التي يرغبون في تحقيقها والعمل على مساعدتهم لوصولهم إليها، ولما كان من طبيعة كل أب لما يتجاوز عمره مرحلة الكهولة يرغب في أن يجد نفسه في أحد أبنائه على الأقل فإن ذلك يتطلب منه أن يجعل من أعماله وأفكاره قاعدة تنطلق منها حياة أبنائه. ومثل هؤلاء الآباء هم الذين يشعرون بالسعادة الحقيقية عندما يدركون استمرارية وجودهم عن طريق أبنائهم.


    قد يكون دور الأب في الأسرة يعتبر محركا لها، إلا أن دور الأم يعتبر الطاقة التي تشغل هذا المحرك. وهي كل شيء في البيت إن غابت عنه غاب معها استقراره وعليها ألا تنسى أنوثتها والأمومة التي أعدت من أجلها محتفظة بحقها في الخروج لقضاء مصالحها ولوازم البيت، للدراسة، لحضور الندوات وللعمل إن تطلب منها الأمر ذلك. وليست كل الأعمال صالحة لها، لأن طبيعة العمل كيفما كان نوعه يكون لها تأثير بالغ على فيزيولوجية الشخص وعلى نفسيته كذلك وعليه، فالمرأة مهددة بفقدانها الطابع الأنثوي مع مرور الوقت لو استمرت في تطاولها على ميدان الرجل.


    وتعد ثقافة المرأة شرط رئيسي لكي تعلم أبناءها تعليما سليما وترفع من مستوى أخلاقهم وتنمي شعورهم بالمسؤولية وتأدية الواجب. فالأم كما نعلم هي المدرسة التي يتلقى فيها الطفل دروسه الأولى فهي التي تعد الأجيال الناشئة وترسل بها إلى المجتمع إما قوية الجسد، نيرة العقل وكريمة الخلق وإما هزيلة، جاهلة وفاسدة.


    2)القبيلة


    إن ظهور نظام الأسرة كان له تأثير بالغ على كل الأفراد أحفاد آدم عليه السلام وعلى طبيعة العلاقات التي ربطت فيما بينهم نظرا لقرابة الدم واشتراك المصالح والأهداف. وجدير بالذكر هنا أن نشير إلى الدور الذي لعبته المصاهرة في تكاثر الأسر وفي توطيد العلاقات بين الأفراد وترسيخ وتثبيت المبادئ التي وضعها الجد الأول.

    واستجابة لهذا التعايش الذي حصل بين الأفراد ظهرت القبيلة التي لم تكن نشأتها غريبة عن أفرادها من حيث طبيعة النظام الذي تمشي عليه، فمثلما كان الفرد طرفا من الثلاثية داخل الأسرة فهو طرف كذلك من الثلاثية داخل القبيلة حيث يوجد شخص محنك يرعى شؤونها وهيأة تتوسط بينه وبين الأفراد تعمل على تنفيذ القرارات والأحكام. إلا أنه في الوقت الذي نشأت فيه هذه القبيلة وحددت مسارها نشأت بجوارها قبائل أخرى وكذلك بعيدا عنها مع العلم أن كل قبيلة ظهرت إلا وكانت لها مصالح ومخططات تود تحقيقها. ومع مرور الوقت كثر عدد الأسر في القبائل كما كثر عدد القبائل على الأرض واشتدت المنافسة والصراع حول كل الأشياء ذات القيمة فترتب على ذلك تحالف القبائل المتقاربة من أجل التغلب على الخطر الذي قد يواجهها من القبائل البعيدة. فصارت القبائل تتحالف وتتخذ شكل مجموعات متفرقة هنا وهناك وفي كل الأرجاء.


    3)الدولة


    إن تحالف القبائل على شكل مجموعات متفرقة كان وراء ظهور كل الدول المعترف بها حاليا بمختلف أنظمتها. وبهذا تكون الدولة جسما أعضاءه قبائل قررت وفق اتفاق أن تتنازل بمقتضاه عن مهمة حفظ السلام والأمن لأحد ما تجتمع فيه الصفات المطلوبة لتكون بيده السلطة ويكون له الحق في قيادتها وتوجيهها نحو الغاية التي أنشأ من أجلها وبذلك تقرر أن تتنازل كل قبيلة عن قسط من قوتها وسيادتها بشرط أن تتنازل القبائل الأخرى بالمثل، ومنذ تلك اللحظة يصبح الحاكم ذا سيادة كاملة على تلك القبائل وأفرادها شريطة أن يلتزم هو بما تم الاتفاق عليه.


    ولتوطيد العلاقة بين الحاكم والرعايا في هذا النموذج المجتمعي ولكي لا يشعر الفرد أنه يخضع إلى نظام غريب، وعن غير قصد تم تطوير نظام الثلاثية الذي ألف به الفرد داخل الأسرة وداخل القبيلة كذلك وجعله يستمر تماشيا مع نمو جسم البشرية. ومن أجل تحقيق ذلك قام الحاكم بتعيين هيأة من الوزراء تتولى تنفيذ القوانين وصيانة الحريات التي تسنها الدولة كما أنشأ هيأة أخرى منتخبة من لدن رعاياه تستعرض المشاكل وتقترح الحلول. ومهما كبر جسد الدولة وتوسع فإنه يبقى دائما صورة مكبرة لجسد الأسرة محتفظا بخصائصها وبالعلاقة الأساسية التي تحكمها، فمثلما نجد الأب والأم والأبناء داخل الأسرة نجد الحاكم والحكومة والشعب داخل الدولة. وإن كانت الأولى تهدف إلى حماية أفرادها وتخليصهم من قيود الغريزة فإن الثانية تسعى من وراء قيامها إلى تعايش الأسر وخلق الانسجام بين القبائل والحفاظ على سلامتهم.


    على هذا النهج صارت الدول تتشكل هنا وهناك وفي كل بقاع الأرض وأصبح لكل واحدة منها خصائص وأعمال وأهداف تدافع عنها عند تعرضها للخطر وتغزو بها دول أخرى إن كانت أقل منها قوة. وقد استمر هذا الوضع على حاله زمنا طويلا حتى وصلت البشرية القرن العشرين بعد الميلاد حيث وجدت الدول في نفسها الحاجة في التحالف نظرا إلى العديد من الاعتبارات سبق ذكرها.


    4)العولمة


    لقد وصلت البشرية على ضوء النظام إلى مرحلة التحالف الأخيرة، وهي مرحلة كسابقاتها لا تخلو من الانعكاسات السلبية والمعاناة التي نعيش حاليا بدايتها. وإذا كان قد أمكنها الصمود أمام كل الظروف في الماضي فإن الإنسانية تواجه الآن ظروفا أصعب وأسوأ، وهي تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى نظام جديد تسير عليه ما تبقى لها من الأيام. ولإقرار مثل هذا النظام، على العالم أن يتقيد بالنظمة الثلاثية الاجتماعية التي سبق للدولة أن تقيدت بها كما حدث للقبيلة وللأسرة كذلك من قبل، والتي ألف بها الأفراد في كل الأحوال.


    ولكي تكتمل شروط النظمة الثلاثية، يجب خلق مجلس عالمي جديد مستقل بذاته ويكون فيه الحق في تدبير أموره لأشخاص همهم الرئيسي هو مصير الإنسانية بحيث يكون عددهم خمسة يمثلون بذلك القارات الخمس. ومن مهام هذا المجلس العالمي الحاكم حماية الشعوب وتحقيق الاكتفاء الذاتي لهم بالإضافة إلى حماية كوكب الأرض من الأخطار بحظر التجارب النووية التي لها تأثير خطير على استقرار الطبقات الأرضية...إضافة إلى مهام أخرى يحددها القانون الأساسي لقيامه.


    إن تطبيق النظمة الثلاثية الاجتماعية على مجموع دول العالم يعتبر حلا سيجعل الإنسانية في مأمن. ومن أجل تحقيق هذا النظام يجب على كافة الدول أن تتفق على القانون الأساسي لقيامه وأن تساهم في نفقات إنشائه واستمراريته حتى لا يبقى هناك مجال لدولة تسعى وراء منفعة تتضارب مع مصالح غيرها. وهذا ما لم تستطع الأمم المتحدة تحقيقه.


    إن هذه الأخيرة وحدها عاجزة عن إقرار التوازن بين الدول كما أنها غير قادرة على إيقاف حماقات بعض الزعماء التي قد تدفع بالإنسانية إلى الدمار. فهي إذا كالزوجة المطلقة أو الأرملة التي تتحمل كل أعباء البيت والأولاد لوحدها، لذلك فهي تحتاج إلى من يشد بيدها ويساعدها في تدبير شؤون الشعوب وحمايتهم.


    إن تأسيس هذا المجلس الجديد سيجعل من العالم أسرة واحدة وسيحد من الفوضى التي تجر العالم صوب حرب قد لا يسلم من تأثيرها بلد. وسيكون الهدف النهائي من هذا النظام الجديد هو توحيد العالم وتوجيهه لما فيه الخير بما في ذلك تحقيق التقدم والرخاء لكل الدول النامية بعيدا عن مفهوم المساعدات التي يعد تلقيها دليل على التبعية. فالمجلس العالمي الحاكم يقرر والحكومة العالمية التي هي الأمم المتحدة تنفد والشعوب تستفيد وتستقر وتعيش مرحلة العولمة بمعناها الصحيح، وعليه سيتأسس تشييد حضارة عالمية تعكس الصورة الحقيقية التي ينبغي على الإنسانية أن تظهر عليها.


    لكم مني أجمل تحية


    يتبع

    0 Not allowed!



  4. [4]
    منير قنيش
    منير قنيش غير متواجد حالياً
    عضو


    تاريخ التسجيل: Jan 2009
    المشاركات: 12
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0
    السلام عليكم


    هذا ما أراه











    0 Not allowed!



  5. [5]
    محسن 9
    محسن 9 غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية محسن 9


    تاريخ التسجيل: Apr 2006
    المشاركات: 3,101
    Thumbs Up
    Received: 25
    Given: 0
    من مواضيعي حول العقل وما يجب علينا عمله كمفكرون ومثقفون :

    http://www.arab-eng.org/vb/t116232.html

    مفهوم العقل

    أ.د. جعفر شيخ إدريس
    مجلة البيان العدد 158 شوال 1421 هـ

    العقل جزء من الشرع ؛ فكما أنه لا عقل كاملاً بلا شرع ، فكذلك لا شرع كاملاً بلا عقل ، والشرع هو كل ما ورد في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    فما العقل ؟
    كان السلف يقولون : إن العقل عقلان : غريزي ، ومكتسب . فالغريزي هو ما نسميه بالمقدرات العقلية مِن فَهمْ ، وإدراك ، وفقه ، واتساق في الكلام ، وحسن تصرف إلى آخر ما سنبينه بعد إن شاء الله . هذا العقل الغريزي هو موضوع مقالنا .
    العقل الغريزي هذا هو مناط التكليف ؛ فمن لا عقل له لا يكلف ، ومن فقد بعض مقدراته العقلية ؛ فإنما يُكلف بحسب ما بقي له منها .
    والذي أعطي عقلاً ثم ألغاه فلم يستعمله الاستعمال الصحيح ، ولم يلتزم بمبادئه لا يفقه الدين ، فلا يؤمن به ، لكنه يحاسب على عدم فقهه ؛ لأنه كان نتيجة لتعطيله الاختياري لعقله ] وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ [ ( يونس : 100 ) . فلا غرو أن جعل الله عقاب الذين لا يعقلون هذا هو نفسه عقاب الذين لا يؤمنون : ] فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاًّ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [ ( الأنعام : 125 ) ، الرجس في أصله اللغوي هو النتن ، فكأن الآيتين الكريمتين تدلان على أن نقاء القلب لا يتأتى إلا بنور العقل ونور الشرع . وللعقل في القرآن معان بحسب نوع المعقول أعني نوع الشيء المراد عقله وفهمه من هذه المعاني :
    1 - فهم الكلام : ] أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ ( البقرة : 75 ) . ] إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ ( يوسف : 2 ) . فبين أن السبب في جعله عربياً هو أن يفهمه ويعقله أولئك المتحدثون بهذه اللغة .
    2 - عدم التناقض في القول : ] يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ ( آل عمران : 65 ) ، فالذي يقول : إن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً كأنه يقول : إن إبراهيم كان سابقاً في وجوده لليهودية والنصرانية لكنه كان أيضاً لاحقاً لهما . وهذا كقوله - تعالى - : ] وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ
    الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ ( الأنعام : 91 ) هذا الكلام موجه لليهود الذين يزعمون أنهم يؤمنون بنبوة موسى ؛ فكأن الآية الكريمة تقول لهم : إن من التناقض أن تقولوا : إن الله أنزل التوراة على موسى ، ثم تقولوا : ما أنزل الله على بشر من شيء .
    3 - فهم الحجج والبراهين : ] ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ ( الروم : 28 ) ، ] قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ ( يونس : 16 ) .
    4 - موافقة القول للعمل : ] أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ ( البقرة : 44 ) ، ولذلك قال النبي الصالح : ] قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [ ( هود : 88 ) . لكن تصحيح هذا التناقض إنما يكون بجعل
    العمل موافقاً للقول الصحيح لا العكس ؛ فالذم في هذه الآية منصب على نسيانهم لأنفسهم لا لأمرهم بالبر ؛ لأن الأمر بالبر شيء حسن ، ولا يغير من حسنه كون الداعي إليه لا يلتزم به . وقد يأمر الإنسان به بإخلاص وإن لم يعمل به . فالذي يأمر أولاده بعدم التدخين أو عدم شرب الخمر مثلاً ، مع فعله لذلك ، خير من الذي يأمرهم بالتأسي به في فعله ، بل خير من الذي لا يأمرهم ولا ينهاهم .
    5 - اختيار النافع وترك الضار سواء كان مادياً أو معنوياً : ] وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ ( الأنعام : 32 ) ، ] لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ ( الأنبياء : 10 ) .
    6 - التضحية بالمصلحة القليلة العاجلة من أجل مصلحة كبيرة آجلة : ] وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ ( القصص : 60 ) ، ويؤيد هذا آيات أخرى لم يرد فيها ذكر العقل ، منها قوله - تعالى - : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ [ ( التوبة : 38 ) .
    7 - استخلاص العبر الصحيحة من الحوادث : ] وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ ( العنكبوت : 35 ) ، يشير سبحانه وتعالى هنا إلى قرى قوم لوط التي قال عنها في آية أخرى مبيناً عدم إدراك الكفار لمغزاها بسبب إنكارهم للبعث : ] وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القَرْيَةِ الَتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً [ ( الفرقان : 40 ) .
    8 - استخلاص العبر مما جرى في التاريخ : ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ القُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [ ( يوسف : 109 ) .
    9 - فَهْم دلالات الآيات الكونية : ] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ
    وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ ( البقرة : 164 ) ، ] وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ ( النحل : 12 ) .
    10 - حسن معاملة الناس ولا سيما الأنبياء : ] إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ [ ( الحجرات : 4 ) . هذه كلها مقدرات عقلية زود الله - تعالى - بها الناس أجمعين ؛ فهم جميعاً يقرون بها ، ويرون من عدم العقل ترك الالتزام بها ؛ لكن ما كلهم يلتزم في الواقع بها . ولذلك يكفي أن ينبه من خرقها إلى أنه أتى بفعل غير عقلي كما رأينا ذلك في آيات القرآن السابقة . لكن ينبغي أن ننبه إلى أن بيان القرآن للمسائل العقلية وإقراره لها ليس محصوراً في الآيات التي ذكرت فيها كلمة العقل ، فهنالك آيات تذكر فيها كلمات أخرى تشير إلى المقدرات العقلية بذلك المعنى العام الذي ذكرناه ، بل إنه يبدو أن كل سؤال استنكاري في القرآن يدل على أن المسؤول عنه أمر بدهي ما ينبغي لذي عقل أن يماري فيه .
    بل إن القرآن الكريم مليء بالآيات التي يمكن أن يتخذها المسلم موازين عقلية . ولعل هذه هي المرادة بالمعنى الثاني لمفهوم العقل ، أعني كونه علوماً يهتدي بها الإنسان

    0 Not allowed!



  6. [6]
    منير قنيش
    منير قنيش غير متواجد حالياً
    عضو


    تاريخ التسجيل: Jan 2009
    المشاركات: 12
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0





    السلام عليكم


    أخي محسن


    إن آيات كتاب الله العزيز كالمبرهنات الرياضية التي لا يمكن تكذيبها وعلينا أن نأخذ بها كما نأخذ في الهندسة بأنه في مستوى معين إذا مر مستقيم من منتصفي ضلعي مثلث فإنه يوازي الضلع الثالث. إن هذه المبرهنة الرياضية تتطلب عقلا واسعا وجهدا كبيرا وصبرا قويا من أجل التوصل إليها. وهذا ما قام به صاحبها.


    فهكذا ينبغي النظر إلى ما أنزله الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إذ يجب تتبع خطوات الآيات لننجح في أعمالنا ومن شاء منا أن يبحث عن البرهان فله ذلك حسب قوله عز وجل:
    بسم الله الرحمان الرحيم..." يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفدوا من أقطار السماوات والأرض فانفدوا لا تنفدون إلا بسلطان" صدق الله العظيم.


    الحقيقة هي أن حل كل لغز في الطبيعة أو فيما وراءها له مؤشر في الكتاب المقدس. لكن لا شغل أو مشغلة عند علماء ديننا سوى انتظار نتائج بحوث العلماء الغربيين ليصرحوا لنا بأن ذلك الشيء الذي توصل إليه الغرب مذكور في القرآن الكريم تحت عنوان الإعجاز.




    لماذا لا نقوم بما يقوم به هذا الغرب؟ مع العلم أن علماءه أقاموا كل أعمالهم بناءا على أفكار العلماء والفلاسفة المسلمين أمثال ابن سينا، الفارابي، الحسن بن الهيثم، ابن رشد، البيروني، ابن خلدون..واللائحة طويلة لأسماء شخصيات خدمت ليس الأمة الإسلامية فحسب بل البشرية ككل.

    تحياتي لك

    وإلى اللقاء

    0 Not allowed!



  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML