غزة التي قصمت ظهر النظام العربي



د.حسن بن صالح الحميد


بسم الله الرحمن الرحيم

سقط النظام العالمي وشركاؤه على أعتاب غزة الصامدة بوتيرة أسرع من تساقط صواريخ وقذائف الغزاة البرابرة، بل وأسرع من ارتقاء الشهداء الأبرار، والجرحى المغدورين. وتفاقمت أزمات هذه الأنظمة أخلاقياً بصورة أوضح من تفاقم محنة الغذاء والدواء وضرورات الحياة على أهل غزة الصامدين. بل لقد تجهّم وجه النظام العالمي وشركاؤه واربَدّ بأشد من ظلمة ليل غزة بلا كهرباء.
في هذه الملحمة التاريخية خسر النظام العالمي وشركاؤه من رصيده الأخلاقي والقانوني أضعاف ما خسره هذا العالم جراء الأزمة المالية الجاثمة على صدره، وفازت غزة العزة يقينا بالرهان، ولسان حالها يقول:

تعيّرنا أنا قليل عديدنــا *** فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرّنا أنا قليل وجارنا *** عزيز وجار الأكثرين ذليـل

وبصورة مبسطة وفرز يسهل فهمه أقول:
- لقد طوّحت مجزرة غزة بأنظمة كثيرة في المزبلة، وأظهرت عُوارها.
- وتغَوّل محور إيران، وركب الموجة، وقفز إلى الواجهة بذكاء.
- وجرى ماء الحياة في شرايين الشعوب من جديد.
- وأنطقت غزة الجميع بلغة فصيحة، وأعربت عما كان معجما.
- وسهلت قراءة الخارطة على كل أمي وقارئ. (ليهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة)
لا أكتب عن يوميات مجازر اليهود وفاجعة الكارثة في غزة الصابرة، فقد تكفل الإعلام ، وقناة الجزيرة مشكورة بصفة خاصة بنقل الصورة كاملة، وهي أبلغ من كل تعبير. الغرض هو قراءة سريعة للمشهد العربي الرسمي والشعبي أولا، والإسلامي تبعا لذلك.. ما هي الإفرازات المتوقعة؟ مَن ربح ومَن خسر؟ ومن كان الأكثر خسارة؟ في التعاطي مع ملحمة غزة.
أما المشهد العالمي فهو مؤخر إلى حين، إلا ما يأتي ذكره عرضاً.
وسوف أتحدث عن المعلوم وعن المسكوت عنه بشفافية غير مبتعد عن بطل المسرح غزة.
أولا: غزة هي جزء من فلسطين الأرض والقضية وعليه، فليس الموقف منها، والوقوف معها أو ضدها بالذي يمكن قياسه على أي موقف آخر من أية قضية أخرى، فهي حالة خاصة، بموقعها وقدسيتها،وطبيعة الصراع حولها.نحن المسلمون نفهم ذلك جيدا. والنظام العالمي والعربي يفهمان ذلك جيداً أيضاً. ويتاجر كل منهما بالقضية الفلسطينية على طريقته.
وملحمة غزة هي اللبنة التي سَدّت الخَوخة ( الكوّة ) التي يتسلل منها سماسرة النظام العربي للمزايدة والتأكّل باسم القدس وفلسطين منذ ستين عاما. وآن أوان عودة القضية إلى أهلها ومحبيها. ولسان حالها يقول:

جزى الله الشدائد كل خير ***عرفت بها عدوي من صديقي

ويردد :

إذا اشتبكت دموع في خدود*** تبين من بكى ممن تباكى

ولقد قال النظام العربي كلمته بصراحة، وفعل فعلته ببجاحة في القضية الفلسطينية ، وكان إغلاق معبر رفح كتاباً مفتوحاً ، قرأه العالم وفهموه، وكان النظام العربي مستميتاً في اهتبال فرصة الوقيعة بصمود غزة، وتركيع المقاومة المنتمية إلى الإسلام السياسي ولهذا لم يتألم للفاجعة في غزة، ولم يكترث بضجيج أحرار العالم، ومسيرات الاستنكار!! لأن انتصار النظام العربي المعتدل هو هزيمة غزة. قولاً واحداً.
حقا لقد كان معبر رفح مُعَبِّراً عن المواقف ، مميزاً للصفوف. وهو معبر رفح و إن كان مصرياً جغرافياً ، فهو عربي سياسياً. نعم ، مصر أولى بالذّم ، لأن المُنبعِث هو أشقاها. ولكنه يعبر عن رأي النظام العربي، الذي أيّد مصر النظام في مواقفه. ومصر النظام لا ترغب أن تنفرد بكل هذا الإجرام - ولا أزكيها - دون غطاء عربي.
لقد أصبح حظ غزة من النظام العربي هو الموت فوق الأرض، أو تسريب الحياة من أنفاق تحت الأرض
لقد أعلن النظام العربي بالفصيح اصطفافه في الخندق الآخر، المواجه للقضية الفلسطينية، ونبض الشارع، وللحقوق المشروعة. وقطع وزراء العرب الشك باليقين ، بعد أن كانت مجرد شبه وظنون.
لم تقف الأنظمة العربية المعتدلة على الحياد، فيعذرها بالجبن والخَوَر من يحسن الظن بها..
ولم تُخلِّ بين الشعوب وبين إرادتها في التعبير والدعم الإنساني – وليس العسكري – بحيث تبدو بمظهر الديمقراطي الذي يفصل بين القرار الرسمي، والحراك الشعبي.
لقد اختار النظام الرسمي العربي على مدى عقود ، وفي مرات عديدة خيارات خاطئة، وراهن رهانات خاسرة عن عمد وسبق إصرار فخلق واقعاً سياسياً ، واقتصادياً ، ومدنياً مُرّاً...
- فهو الذي أذل إنسان أمتنا، وكان عزيزاً.
- وجرّأ اليهود والصليبيين، وقد تطهرت الأرض منهم قروناً.
- وهذا النظام العربي المعتدل هو صانع العنف ومؤسس البُنى التحتية للإرهاب الذي يزعم أنه يحاربه!.
- وهو الذي فرّغ الساحة العربية من قوة الممانعة السُنّية، فمهّد بجهله السبيل أمام تغوّل المحور الإيراني الانتهازي.
ثم إن النظام العربي في كل مرة,وأمام كل مشكلة يخلقها عندما تستوطن وتأخذ مواقعها في نسيج المجتمعات، وتبدأ آثارها بالظهور.. عندها تبدأ قرون استشعار النظام العربي بإرسال ذبذبات ، تُتَرجم فوراً إلى سياط إعلامية وإجراءات على الأرض لمعاقبة المجتمع ومحاسبة الشعب المُبتَلى! كيف يتأثر بالفيروس المحقون في جسده ؟! لماذا سمح المجتمع لفيروس النظام القاتل، أن يترك أثرا غير طيّبفي جسده وأطرافه.

ألقاه في اليمّ مكتوفاً وقال له *** إياك إياك أن تبتلّ بالماء !

وهذه الأخطاء القاتلة، التي يرتكبها النظام العربي لا يمكن له ولا للشعوب ( الغلبانة ) التفلّتُ من آثارها؛ لأن قانون الأسباب لا يسمح بتخلف النتائج عن مُسبِّباتها، وإن أعطى مرونة نسبية هي هذه المساحة الزمنية التي يلعببها النظام العربي ، ويصطبر عليها الشعب العربي، فإنما هي لاستظهار المخبوء شيئاً فشيئاًكما رأينا من قبلُ، وكهذا الذي نراه اليوم.
إن على النظام العربي أن يتحمل وِزرَ خياراته ومواقفه ومن أوزار المجتمع الذي غَيّبه وغَلّه. وهي نتائج خطيرة.. خطيرة ؛ كما سنرى عند الحديث عن أمهات هذه الأخطاء .. واحداً .. واحداً.
إنها أضخم مما يتخيله مُسطحو التفكير والتحليل، ممن يكتب محتسِبا أو بالمعلوم لحساب النظام الرسمي العربي.
لستُ ممن يُبرّئ الشعوب، فهي شريك حياة للنظام، ولي مع المجتمع ووظائفه حديث وأمقتُ الفوضى والاستخفاف من أي طرف على حد سواء.
إذاً نحن مع النظام العربي أمام أخطاء بل خطايا كبيرة بل قاتلة ولها نتائج حتمية خطيرة بل مُدمِّرة.. ولا تعجل - أخي القارئ - بحكم أو استنتاج ، فإن الصبر لا يكون في شيء إلا زانه... وقد يكون مع المستعجل الزلل.
سوف نأخذها بعون الله تباعاً .. بدءً من الحلقة القادمة ..


mankooooooooooooooooooooooooooooool