منقول من "صيد الفوائد"
حماس.. وأسرار التكالب عليها
محاولة للفهم
طارق حسن السقا

إذا أردت أن تفهم سر هذه الحرب الشعواء على حركة حماس , وسر هذا الحصار الخانق على شعب غزة , فلا بد وأن تضع يدك على مجموعة من الحقائق لعلك بها تدرك سر كل هذا التكالب الدولي والمحلي على هذه الحركة , وتعي أبعاد هذا التقارب بين الدولة الصهيونية من ناحية وبين كل القوى الإقليمية المحيطة بحركة حماس من ناحية أخرى . لعلك بهذه الحقائق تعرف سر هذه الحرب اللاأخلاقية , لتحدد موقفك منها وهذا هو أضعف الإيمان .

أولاً :
لابد أن نتفق مقدماً على أن الصراع الدائر بين حركة حماس وبين دولة إسرائيل ليس صراعاً محلياً أو صراعاً محدوداً , لكنه صراع كبير بين مشروعين كبيرين :
أ‌- المشروع الأول : مشروع الحركة الصهيونية والذي يهدف إلى حشد اليهود في جميع أنحاء العالم بشتى السبل , وذلك من أجل توطينهم على أرض فلسطين , بعد تهجير أبناء البلد الأصليين من ديارهم , ليسهل عليهم تمزيق وحدة العالم العربي و تحجيم انطلاقة الإسلام والمسلمين .
ب‌- المشروع الثاني : مشروع حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) والتي يهدف إلي الوقوف ضد هذا المد الصهيوني , والعمل على منازلة هذا الباطل وقهره ودحره ، ليسود الحق ، وتعود الأوطان المسلوبة إلى أصحابها الأصليين ، وينطلق من فوق مساجدها الأذان معلنًا قيام دولة الإسلام ، ليعود الناس والأشياء كلٌ إلى مكانه الصحيح.

ثانياً : كل الدلائل تشير إلى أن المشروع الصهيوني يحظى بدعم كل القوى العظمى في العالم , بدءا من الدول الكبرى , مروراً بالعديد المنظمات الدولية الفاعلة , وصولاً إلى كثير من الشركات المتعددة الجنسيات في العالم , وذلك ليس إلا بسبب التقاء مصالح هذه الجهات المتنافرة مع أهداف الحركة الصهيونية , ولا غرابة في هذا فهذا شيء يتفهمه المراقب , ففي عالم المصالح كل شيء مباح .

ثالثاً : نفس هذه الدلائل تشير إلى أن مشروع حركة المقاومة الإسلامية محروم كل الحرمان من التمتع بمثل هذا الدعم الرسمي حتى من أقرب المقربين من الحركة . فكثير من أشقاء الحركة أو جيرانها من العرب والمسلمين يعملون على إضعاف مشروع حركة حماس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة , بعمدٍ أو بغير عمد , بعلمٍ أو بغير علم , المهم أن العديد من مواقف "حكومات " هذه الدول تعمل على إضعاف مشروع المقاومة الإسلامية وتقوية المشروع الصهيوني وهذا ما لا يتفهمه أي عقل على الإطلاق .

رابعاً :
كل المعطيات على الأرض تقول إن حماس العارية من كل دعم , والمكبلة بكمٍ هائلٍ من أغلال العديد من الدول الصديقة هي رقم صعب في معادلة هذا الصراع بين الطرفين , ولا يمكن تجاهله ولا تخطيه , وذلك باعتراف قادة المشروع الصهيوني أنفسهم . أولئك القادة الذين عجزوا جيلاً بعد جيل عن ترويض , أو هزيمة , أو اقتلاع حركةٍ لها من الثوابت والأدبيات ما جعلها نموذجا مختلفا من وجهة نظرهم عن تلك الجيوش العربية الضخمة والمهترئة والتي كانوا يواجهونها وهم يحتسون أكواب الشاي .

خامساً :
أدركت إسرائيل - كرأس حربة للمشروع الصهيوني العالمي - قدرة وقوة وصلابة حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) , فلجأت إلى حصار وخنق وتجويع شعب غزة بالكامل ( مليون ونصف المليون ) عقاباً له وتأديباً على احتضانه وتأييده وتقديمه الدعم اللوجستي المؤيد والمشجع للحركة .

سادساً : أدرك قادة المشروع الصهيوني عدداً من الحقائق جعلتهم لا يتورعون عن فعل أي شيء ( حتى لو وصل الأمر إلى إبادة شعب بأكمله ) من أجل تجفيف منابع المقاومة ليس على أرض فلسطين فحسب , إنما في أي مكان آخر فيه بؤر صراع ملتهبة من هذه الحقائق :
أ‌- أن ثقافة المقاومة أصبحت روحاً تسري في بدن الأمة رغماً عن أنف النظم الرسمية , والقوى الاستعمارية الكبرى في العالم .
ب‌- ارتفاع تكاليف المواجهات مع " فكر المقاومة " في أي مكان في العالم . فمن المعروف أن مواجهة فكر المقاومة يختلف تماماً عن مواجهة الجيوش النظامية . فعلى الرغم من أن الجيش الأمريكي العملاق - مثلاً - كان يواجه فرق مقاومة بدائية في العراق وأفغانستان إلا أن تكاليف الحرب فاقت الـ 15 مليار دولار شهرياً على الجبهتين العراقية والأفغانية , وهذه أرقامٌ ضخمةٌ إذا ما قورنت بتكاليف الحروب النظامية التقليدية .
ت‌- أن المقاومة ليس لها ميدان محدد تعمل فيه , ولا أرضٌ معينة تتحرك فيها , ولكن باستطاعتها الوصول إلى أي مكان حتى إلى داخل الغرفات الآمنة .
ث‌- نجاح حركات المقاومة الإسلامية في كل مكان في تحقيق العديد من الأهداف الكبرى والتي لا تتناسب مع إمكاناتها بأي حال من الأحوال .
كل هذه الحقائق - وغيرها - جعلت القادة الصهيونيين لا يكلون ولا يملون في العمل الدؤوب ليس فقط من أجل تجفيف منابع المقاومة الإسلامية ومحاربتها , بل والعمل على حذف مصطلح المقاومة من قاموس شعوبنا العربية والإسلامية في كل مكان , وبكل الوسائل .

سابعاً : أدرك قادة المشروع الصهيوني أن استمرار تنامي ثقافة المقاومة الإسلامية هو أخطر ما يهدد بقاء هذا المشروع الصهيوني الغاصب خاصة بعد نجاح المقاومة الإسلامية في هزيمة المشروع الأمريكي . فلا أحد ينكر أن المقاومة الإسلامية على أرض العراق وأفغانستان نجحتا في هزيمة المشروع الأمريكي ، من خلال حرب استنزاف طاحنة أدت إلى خسائر مادية فاقت الثلاثة تريليونات دولار أدت إلى إفلاس العالم الغربي بالكامل . ومما يؤكد هذا اقتناع الشعب الأمريكي بهذه الحقيقة , والتي ظهر مردودها بجلاء في نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة ( نوفمبر 2008م ) . فلا احد ينكر أن هزيمة الجمهوريين المشينة في هذه الانتخابات بدأت من شوارع بغداد , وحواري الموصل وأربيل , وأسطح منازل الفلوجة , وجبال وزيراستان و تورا بورا .

لعل هذه الشواهد - وغيرها - تفسر لنا حقيقة هذه الحرب المفتوحة مع حركة حماس , و سر هذا التقارب بين الدولة الصهيونية وكل القوى الإقليمية المحيطة بحماس , ولعله يفسر سر هذا التكالب الدولي على هذه الحركة , ولعله يبين جهل الكثيرين منا بحقيقة وطبيعة الصراع الدائر على أرض فلسطين , ولعل هذا الطرح يعيدنا إلى جادة الصواب , يجعلنا نعمل على إعادة تحديد مواقفنا من هذا الصراع دولاً وأفراداً , أمماً وجماعات .