دورات هندسية

 

 

نهضة خاطفة ... بقلم : باسم الأفندي

النتائج 1 إلى 1 من 1
  1. [1]
    باسم الأفندي
    باسم الأفندي غير متواجد حالياً

    عضو

    تاريخ التسجيل: Sep 2008
    المشاركات: 12
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 0

    نهضة خاطفة ... بقلم : باسم الأفندي

    نهضة خاطفة ... بقلم : باسم الأفندي
    مفاهيم جديدة تتشابك في العقول تتشابه باللفظ و تختلف بنقل المعنى المراد منه و قد يكون تتالي نسيجها الحضاري هو دليل للمتأخرين للحاق بركب المتقدمين ... فمصطلحات مثل التحديث،الحداثة و النهضة هي مصطلحات متلازمة التحقيق و تستوجب التوفيق للوصول للغاية المنشودة من ركوب قطار التقدم بعيداً عن محطة الركود ...إن التحديث صيرورة قد تستمر مئات السنين، وبالتالي لا تقود أبداً إلى حداثةما لم تكتمل حلقات الحداثة، فالحداثة (حسبما أفهم) تقاس على مراحل، عندما تنجزالمرحلة الأولىتنتقل إلى مرحلة ثانية فتنجز، فننتقل لمرحلة ثالثة، و أما النهضة فهي نقلة لمواجهة الذات بإشكالاتها و نقائصها و محاسنها و المضي قدماً بمؤازرة أكتاف تتسارع فيها الخطى باتجاه هدف واحد هو التقدم التقني و الحضاري الأخلاقي بكافة أشكاله .....

    لابد لكل بلدِ أن يقوم بصنع نهضته بنفسه ولكن لا يجب عليه أن ينطلق من الصفر ليبدأ العمل بدون هدف محدد , يجب أن يستفيد ويقتبس من كل الشعوب التي نهضت قبله ويبحث عن أسرار هذا التقدم الحقيقية في اللب ويترك القشور لأصحابه . لا يوجد وصفات وقوالب جاهزة للنهوض , فكل بلد يكّون ويكتب وصفته بنفسه بعد الاستفادة من إيجابيات وسلبيات الآخرين , ويبدأ بالعمل الجاد وتكريس كل ما يمكن من إمكانيات في سبيل هدف واحد وهو النهوض .
    عندما تُذكر كلمة تطور – تقدم - نهضة – معجزة في العصر الحديث . يتبادر للذهن دولة اليابان واليابانيون الذين أدمنوا التفوق وما راقبوا مجالاً من مجالات العلم إلا وأتقنوه وتفوقوا على أصحابه .و اسمحوا لي أيها الأصدقاء أن أقوم باستعراض بعض من النقلات النوعية في نهضة اليابان الواثقة الخطى باتجاه الأمام .
    بدأت نهضة اليابان في النصف الثاني من القرن الثامن عشر في عهد الإمبراطور ميجي ويمكن بداية ً الحديث عن هذه النهضة (إلى ما قبل تسلم الإمبراطور ميجي الحكم) من إنذار بيري Perry المرسل من الولايات المتحدة عن طريق ربع وحدات أسطولها البحري بتاريخ 14 / تموز / 1853 والذي أسماه اليابانيون ((إنذار بيري وسفنه السوداء أو The American Black Ships )) والرامي لفتح الموانئ اليابانية أمام الملاحة الدولية ( سلماً أو بالقوة ) ومن ثم توقيع اتفاقيات مجحفة ومذلة بحق اليابانيين بدأت (بإجبار) اليابان بتوقيع اتفاقية - كانجوا Kanagawa - ( للصداقة ) مع الولايات المتحدة في 31 آذار 1854 والتي أدت إلى توقيع اتفاقيات مماثلة مع بقية الدول أوربية , وكانت أخطر نقاط هذه الاتفاقيات البند الذي ينص رفض الأجانب المثول أمام المحاكم اليابانية وإصرارهم على أن تتم محاكمة هؤلاء الأجانب أما قنصليات بلادهم وبالاستناد فقط إلى قوانين الدولة التي ينتمون إليها , واعتبر اليابانيون هذا البند انتقاصا لسيادتهم لأنه كان يتعامل مع اليابان كما لو أنها خاضعة للاحتلال كالصين والدول الأخرى المحتلة من قبل الدول الأوربية . لكن هنا أدرك اليابانيون أنهم ضعفاء أمام القوة العسكرية الغربية المتفوقة علميا وتكنولوجيا .
    فسعى القادة اليابانيين إلى بناء دولة مركزية يابانية قوية على أساس التقاليد الموروثة , وتمت صياغة الهدف الرئيسي للإصلاح بشعار (( بلد غني وجيش قوي - military Arich country and strong - )) أو (( جيش قوي ليابان غنية )) ووضع هذا الشعار حيز التطبيق الفعلي فقد تم تسخير الموارد الاقتصادية اليابانية لبناء جيش قوي في فترة زمنية قصيرة جدا بهدف حماية اليابانيين من أي اعتداء خارجي . هذه الحاجة التي بدت موضوعية بسبب الخوف من تدخل غربي مباشر في اليابان واحتلال أراضيها كما حدث مع الدول المجاورة لليابان . فسعت اليابان لامتلاك جيش قوي وتقدم علمي متميز لتوازي الغرب في قوته العسكرية والاقتصادية
    في عام 1867 تولى الإمبراطور الفتي موتسوهيتو MUTSUHITO الحكم وسمي ولقب باسم الإمبراطور ميجي MEIJI أي المصلح أو صاحب السلطة العادل . والذي بدأ بحركة تطوير وتحديث اليابان
    قام الإمبراطور بإرسال بعثة إلى الولايات المتحدة وأوروبا (عرفت بـبعثةإيواكورا). مابين سنوات 1871 و 1873 م
    كان الهدف من هذه البعثة التفاوض مع الدول الأوربية وأمريكا بشأن المعاهدات غير العادلة التي عقدتها اليابان معهم وتفقد المؤسسات الغربية والاطلاع على أحدث ما توصلت إليه في عالم التقنية. أدركت هذه البعثة حقيقة واحدة وهي ( إذا أراد اليابانيون أن ينالوا احترام الغرب فعليهم أن ينتزعوه انتزاعاً ), فلم تفلح مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة والدول الأوربية في تعديل المعاهدات المذلة بحق اليابان , فاليابان الآن دولة ضعيفة عسكريا واقتصاديا وعلمياً .
    ولهذا تابع الإمبراطور ميجي بإرسال البعثات إلى كل الدول المتطورة آنذاك حتى أن غالبية قادة الإصلاح وعلى رأسهم الإمبراطور ميجي نفسه قاموا برحلات استطلاعية إلى الدول الأوربية للاطلاع عن كثب على أنظمتها وإدارتها وطرق الإنتاج والتسويق فيها
    ثم تم بعد ذلك إرسال العلماء اليابانيين ليقتبسوا ما استطاعوا من العلوم في الغرب واختير العلماء المرسلين إلى هذه البعثات بعناية فائقة وفقاً لاختصاصاتهم ولتبحرهم في العلوم ولتفوقهم بها , وحرص اليابانيون على أن لا يستعيروا إلا الأفضل من كل بلد فذهبوا إلى إنكلترة لدراسة الملاحة وإلى ألمانيا لتعلم الفنون العسكرية والطب وإلى فرنسا للتدرب على الإدارة المحلية والحقوق وإلى الولايات المتحدة ليكتسبوا الاحترافية بالطرائق التجارية . فما كان العالم بالنسبة لهم إلا مدرسة كبيرة وما عليهم إلا أن يختاروا العلم الذي يريدونه وان يختاروا الأستاذ الأفضل . وفضلوا تعلم التقنية الغربية كي لا يخضعوا للتبعية للغرب في حال أنهم استوردا التكنولوجيا والتقنية بدون تعلمها ..
    يذكر أن الإمبراطور ميجي كان يتوجه بخطاب إلى طلبة البعثات العلمية الذاهبين للخارج ويقول لهم (( أريد كل العلم الغربي, أريدكم أن تفهموا كل شيء, وأن تنقلوه إلى اليابان لكي نستفيد منه, ونبني عليه نهضتنا المقبلة, فينبغي لنا أن نلحق بهؤلاء الأوربيين المغرورين بأنفسهم, والذين يحتقرون الآسيويين ويعتبرونهم همجًا وأنصاف متحضرين ))
    لم يكتف الإمبراطور ميجي بإرسال البعثات فكان يريد نتيجة سريعة ونهضة خاطفة فبدأ بجلب العديد منالخبراء والمهندسين , بلغ عددهم حوالي الـ3000 حتى سنة 1890 م- من مختلف البلدانالغربية للمساعدة في تحديث البلاد ولم يتردد بتقديم أفضل الأجور لهم حتى لو اقتطع هذا من موارد اليابان المالية الضعيفة .
    مع بدء عودة الموفدين من الطلاب والعلماء اليابانيين واستكمال تشييد وتحديث المنشآت والمؤسسات الوطنيةاستوفت اليابان حاجتها للخبرات فتوقف استقدامهم حوالي عام 1890 م.
    كان لابد من القيام بهذه النهضة من تطوير القطاعات الحساسة في اليابان , القطاعات التي تعتبر الركيزة وحجر الأساس لتطور كل دولة : التعليم ،الصناعة ، الاقتصاد ، الجيش .... السياسة والدستور
    تحديث نظام التعليم :
    لم يفت اليابانيون أهمية دور التعليم في بناء دولتهم الحديثة إذ أن رفع مستوى التعليم للجماهير هو شرط استمرار عمل التحديث فالجيش والبحرية يحتاجان إلى رجال متعلمين قادرين على تعلم مبادئ تقنية الغرب... والصناعة بحاجة ليد عاملة مؤهلة لتساعدهم في دعم اقتصاد البلاد
    فأصبح التعليم إجباريا على الجميع، صبياناً وبنات،منذ العام 1868 م. ، فأسس ميجي عام (1871) وزارة التربية لإدارة شؤون التربية والتعليم مركزيا وصدر في عام (1872) القانون الأساسي للتعليم في اليابان واستحدث اليابانيون سنة 1872 م نظاما تعليميا جديدا مستوحى من النظامينالفرنسي والأمريكي , وكان هذا العام من عهد ميجي عاما تاريخيا وبداية حقيقة لتطور التربية والتعليم في اليابان الحديثة. وقد أكد هذا القانون بصورة قوية على الإعداد للعمل المبرمج , وكان يدعو إلى إلزامية تعليم للناس جميعا, وقد أدى القانون الى إنشاء (53760) مدرسة ابتدائية في أرجاء البلاد لتقديم تعليم أولي حديث وإلزامي لجميع الأطفال من عمر السادسة وحتى الرابعة عشرة, وإنشاء (256) مدرسة متوسطة و (8) جامعات من أجل إتاحة فرصة التعليم أمام الشعب الياباني جميعه, وقد استهدفت هذه الخطة أيضاً تقسيم اليابان إلى ثماني مقاطعات جامعية تحوي الجامعات الثماني( جامعة طوكيو Tokyo –جامعة كيوتو kyoto– جامعة توهوكو Tohoku –جلمعة سانداي Sendai– جامعة فوكواوكا Fukuoka– جامعة كيوشو Kyushu – جامعة سابورو Sapporo- جامعة هوكايدو Hokkaido - ), وتقسم كل مقاطعة إلى (32) إقليما تحتوي على المدارس المتوسطة, وتنقسم كل إقليم بدوره إلى (210) مناطق للمدارس الابتدائية.
    وقد أنشئ عام (1886) ((نظام التعليم المركزي)) وصدر تشريعات مختلفة تتعلق بمدارس تتفق مع المرحلة التي كان التعليم الياباني يستعد للانتقال إليها, ففي هذه الفترة كانت هناك محاولات لدمج الخبرة اليابانية مع معطيات الحضارة الغربية في أمريكا. وتم إقرار مرسوم إمبراطوري، يتضمنإدماج عبادة الإمبراطور والآلهات الشنتوية ضمن المناهج الدراسية الوطنية.وادخلت مقرر التربية الأخلاقية بأسم "شوشن Shushin
    تحديث الصناعة
    نظرا لفقر اليابان بالموارد الطبيعية قررت الحكومة الاعتماد على الصناعة وتصدير منتجاتها إلى الدول المجاورة بهدف الربح الاقتصادي ودعم ميزانية الدولة فعرفت اليابان خلال هذه الفترة نجاحا في الصناعات الاقتصادية الخفيفة التي هيأت لليابان مكانة استثنائية و رفيعة في عالم الاقتصاد بسبب الجمع بين التقانة الغربية واليد العاملة الشرقية الرخيصة بيع منتجاتهم بأسعار منافسة , كانت البلاد الآسيوية الأخرى تمتلك اليد العاملة الرخيصة لكن كانت التقنية تنقصها . وبالاتجاه الآخر كانت أميركا وأوربا تمتلك التقنية العالية لكنها كانت تفتقد اليد العاملة الرخيصة , هذا التفاوت بين مستويات المعيشة الشرقية والغربية من جهة والتخلف الصناعي في مجموع البلاد الشرقية من جهة وضعت المشاريع اليابانية في مكانة عالمية ملائمة ..
    كما أدركت الدولة اليابانية أن القوى الاقتصادية المحلية غير قادرة على بناء مصانع كبيرة مجهزة بأحدث التكنولوجيا وحدها لذلك قامت الدولة اليابانية ببناء هذه المصانع من جهة وبسط هيمنتها على المؤسسات الاقتصادية الكبرى والمصانع المرتبطة بالإنتاج العسكري والتي بينت في العقود الأخيرة من مرحلة توكوغاوا .
    ثم عملت على تطوير تلك المصانع وتزويدها بالتكنولوجيا الحديثة , ولعبت الدولة دورا أساسيا في إرساء قواعد تحديث الصناعات الثقيلة وليس الخفيفة , أي التي يعجز القطاع الخاص على بنائها بأمواله الخاصة .
    ففي العام 1870 أنشأت معملاً ضخما للنسيج في فوكوكو Fukoku بإشراف مباشر من مهندسين أجانب .ثم تم تطويره بتقنية فرنسية عالية في عام 1872 .
    في عام 1872 أيضا قامت الدولة بإنشاء مكتب ٍ لتشجيع الزراعة واستوردت آلات فرنسية وإيطالية حديثة جدا لمعالجة الحرير وتطوير الأسلوب الياباني الذي كان سائدا في هذا المجال . واشترت في عام 1873 مصنعا للحرير من فرنسا واستقدمت له الخبراء الفرنسيين وبعد مضي أربع عقود على شراء هذا المصنع أصبحت اليابان أكبر منتج للحرير في العالم .
    في العام 1877 استوردت الحكومة آلات حديثة من الغرب لحلج القطن وأقامت لذلك مصنعين في آيتشي Aichi وهيروشيما .
    في العام 1878 استوردت الدولة 2000 ألفي آلة لحلج القطن وباعتها على الفور وبدون فوائد إلى مؤسسات يابانية خاصة في أوساكا و توتشيجي وياماناشي و شيزووكا واوكاياما و ناغويا بهدف تشجيع القطاع الخاص على زيادة الإنتاج والثروة القومية .
    في عام 1882 جلبت اليابان صناعة النسيج من بريطانيا وفي نهاية القرن التاسع عشر انتعشت صناعة النسيج في اليابان حتى استخدمت هذه الصناعة أكثر من نصف اليد العاملة في اليابان وقدمت أهم الصادرات بدعم مباشر من الحكومة اليابانية حتى صارت تضاهي المنسوجات البريطانية جودة فاتجهت تلك الصادرات فيما بعد إلى أسواق الصين ومناطق أخرى من آسيا .والتي سمحت الحرب العالمية الأولى لليابان بالسيطرة على هذه الأسواق التي عُزلت تماما عن بؤر التموين الأوربية , واستغل رجال الأعمال اليابانيون هذه الفرصة الغير متوقعة لكي يعمقوا جذورهم في أسواق كانت محتكرة للغرب حتى ذلك التاريخ .
    نتيجة لدعم الحكومة نشر التقنية في استخدام الآلات الحديثة ازداد إنتاج الموارد الطبيعية كالذهب والفضة
    فازداد إنتاج الذهب في المناجم اليابانية من 85 كغ عام 1868 إلى 204 عام 1890 إلى 572 كغ عام 1911 . وازداد إنتاج الفضة في المناجم اليابانية تطور من 1680 كغ إلى 3370 كغ إلى 5266 كغ في الفترة ذاتها .
    نتيجة لازدياد المنتجات ولتسهيل حركة نقل البضائع قامت الدولة بتطوير خطوط السكك الحديدية على نطاق واسع منذ تأسيها عام 1870 فتطورت خطوط السكك الحديدية المعدة للنقل من 29 كم عام 1872 إلى 836 كم عام 1883إلى 3380 كم عام 1894 إلى 7564عام 1904 إلى 11426 كم عام 1914
    تطور حجم النقل عبر الشحن البري والبحري من 26 الف طن عام 1872 إلى 66 ألف طن عام 1880 إلى 363 ألف طن عام 1896 إلى 567 ألف طن عام 1903 إلى مليون و 514 ألف طن عام 1913 .
    نتيجة لتطور خطوط السكك الحديدية انتشر استخدام التكنولوجيا المستوردة والمطورة محلياً في كافة أرجاء اليابان وصارت بمتناول أيدي جميع الطبقات .
    في مجال الصناعة البحرية :
    انتعشت صناعة السفن بالبداية عن طريق شركة تأسست منذ العام 1864 بتقنية فرنسية وتم تطويرها لاحقا وكانت تعرف باسم يوكوسوكا زوسنجو والتي بلغ عدد عمالها 1861 في العام 1881 .ثم بنيت مصانع يوكوهاما وناجازاكي وأوراجا وأيشيكاواجيما في عام 1868 .و مصنع هيوغو لبناء السفن عام 1873 .والمشغل البحري عام 1874
    تحديث الاقتصاد :
    شهدت تلك الحقبة ولادة الين كعملة وطنية موحدة لليابان منذ العام 1871 وفي العام 1872 نشأت البنوك اليابانية العصرية لحماية النقد الوطني المعدني والورقي على حد سواء . وفي عام 1882 بلغ عدد البنوك اليابانية المعترف بها 143 بنكا ومؤسسة مالية . وضعت الحكومة اليابانية رقابة شديدة على التجارة الخارجية ومنعت تصدير المعادن كالذهب والفضة والمعادن الأخرى إلى الخارج إلا بإذن خاص من أجهزة الرقابة المختصة .
    قامت اليابان بتقديم النموذج الأول للخصخصة ( في العالم ) . فبعد أن وضعت الحكومة اليابانية يدها على المصانع الكبرى وبعد أن بنت المصانع الحديثة والمعاصرة والمجهزة بأحدث التكنولوجيا باعت تلك المشاريع للقطاع الخاص لاستثمارها وتطويرها . كانت الحكومة اليابانية تبيع أي قطاع صناعي أو مؤسسة لا يقوم بسد نفقاته بنفسه أو يحمل الدولة أعباء إضافية لا طاقة لها بحملها أو غير قادر على منافسة القطاع الخاص وتقديم سلع جيدة يقبل الناس على شرائها . وتم بيع غالبية المصانع التي لا تحتوي على صناعات عسكرية للقطاع الخاص وكان ذلك بين عامي 1879- 1886 وكان على هذه الشركات والمؤسسات أن تتنافس فيما بينها لتقديم السلعة الأفضل والمعدة للتصدير و لتتعاون فيما بينها لتساعد اليابان بالتموضع بين الدول الاقتصادية الكبرى في العالم وكان كل هذا تحت إشراف مباشر من الحكومة اليابانية .
    كتابة الدستور
    لم يعتمد المصلحون اليابانيون نموذجا سياسياً واحداً ومقتبسا من دولة غربية بعينها , بل جمعوا ما بين التقاليد السياسية التي كانت سائدة في اليابان حينها والنظم الغربية الحديثة فقد بدأ الإمبراطور ميجي بالانفتاح العلني على العلوم العصرية في الغرب واقتبس منها بدون حدود شرط ألا تهدد أسس المجتمع الياباني وتقاليده وتراثه العريق . في عام 1881 نشر الإمبراطور بيانا أن اليابان ستحظى بدستور جديد عام 1889 وكلف أحد المصلحين وهو ( إيتو) Ito بإعداد الخطوات اللازمة لذلك فسافر ( إيتو )مع عدد من الخبراء إلى بلجيكا وفيينا وبريطانيا وبرلين للاطلاع على النظم الدستورية فيها واستيضاح سياسيين وحقوقيين حول نقاط محددة . واستمرت رحلته حتى 1883 ليمضي بعدها ست سنوات في كتابة الدستور الياباني يعاونه في ذلك لجنة من الخبراء اليابانيين والأستاذ الحقوقي في جامعة طوكيو الألماني هيرمان روزلر RoeslerHermann
    كان أكثر جوانب الدستور الياباني أهمية هو ما نص عليه من إقامة جمعية وطنية تنتخب انتخابا جزئيا وتتكون من مجلسين : مجلس للشيوخ أو مجلس للوردات على غرار مجلس اللوردات البريطاني وعضويته معظمها إما عضوية متوارثة وإما عضوية في التعيين أما مجلس النواب فقد تم انتخابه بواسطة دافعي الضرائب الذكور الذين بلغت مستحقاتهم الضريبية أكثر من 15 يناً

    ضمن الدستور صلاحيات واسعة للإمبراطور أو الجماعة التي تحكم فعليا وباسمه، وأصبح مقامه مقدسا: يجمع عدة سلطات في آنواحد، رأس السلطة التنفيذية، يقود الجيوش الوطنية، يعلن عن الحرب أو يقرر السلام،يستطيع تعديل القوانين حتى بعد التصويت عليها كما يصدر مراسيم بدون مشورة أحد. كما ضمن لليابانيين حرية التنقل، التفكير والانضمام فيجمعيات، المساواة في الفرص عند التقدم للحصول على أي من الأعمال أو المناصب، وكذاالحق في أحكام عادلة عند المقاضاة.

    وبذلك حظيت اليابان بدستور عصري مستوحى من أفضل النماذج الدستورية الغربية يسمح ببناء أحزاب ومنظمات سياسية على النمط الغربي لكنه يحافظ على التقاليد ويسمح للقوى اليابانية بسلطة اتخاذ القرارات الحاسمة وشعارات تحديثية تضع مصلحة اليابان فوق أي مصلحة أخرى أبرزها ( جيش قوي ليابان غنية ) و ( بلد غني وجيش قوي ) .

    خشي المصلحون اليابانيون من فقدان هويتهم اليابانية التي تميزوا بها من حملات التغريب فانتشرت الدعوة إلى حماية اليابان من مخاطر التغريب على الصعيدين الرسمي والشعبي وتوصل المصلحون اليابانيون إلى صياغة مقولة بالغة في الأهمية بعد أن التف حولها غالبية المصلحين ( تقنية غربية وروح يابانية ) Western Technique, Japanese Spirit)) لتؤكد على ضرورة الفصل ما بين التحديث والتغريب فاليابانيون يحبذون انخراط يلدهم في عملية التحديث المستمر ودون حدود إلا أنهم يصرون على إبقاء مظاهر التغريب في حدودها الدنيا ومنع كل التيارات أو المنظمات التي تدعو إلى تغريب المجتمع الياباني ومحاصرتها بشدة من جانب كل القوى الحريصة على استقلال اليابان والحفاظ على أصالتها وبقيت مقولات الإصلاح المقتبسة من مصادر غربية متنوعة هامشية ولم تدخل عميقا في الأيديولوجية اليابانية وحافظ المجتمع الياباني على تقاليده العريقة وأخلاقياته الشرقية بما فيها من مثاليات البوذية ومذهب الشنتو .
    تورطت اليابان في حروب مع جيرانها ولست بصدد تفسير أو تبرير تلك الحروب وذكرها وذكر تفاصيلها , فربما أغرتهم قوتهم التقنية والعسكرية التي امتلكوها بجهدهم وفي وقت قصير, أو أنهم تعاملوا بمبدأ القوة في عالم لا يسمع إلا قعقعة السلاح وقصف المدافع ودبلوماسية البوارج الحربية . أو لربما السياسة العنصرية التي اتبعتها الولايات المتحدة وبريطانيا ضد اليابانيين فيما بعد والتي منعت اليابانيين من دخول الولايات المتحدة وكل البلاد الخاضعة للتاج البريطاني على أساس التفرقة العرقية الواضحة الأمر الوحيد الذي جعل اليابانيون يرون أن الرد الوحيد على هذه السياسة العنصرية هو التوسع العسكري في القارة الآسيوية القريبة من اليابان فخاضت حروب مع الصين ومع كوريا ومع روسيا وتايوان وباتت اليابان قوة عسكرية كبيرة بما يؤهلها لإعادة النظر في الاتفاقيات المجحفة بعد تعزيز قوتها بشكل واضح وقد نجحت في إستراتيجية طويلة الأمد في التخلص من الاتفاقيات الطويلة المذلة دون حاجة مع حروب أو توتير لعلاقات مع الدوال المستفيدة منها , فتخلت بريطانيا عن اتفاقياتها السابقة وأبرمت مع اليابان اتفاقيات جديدة عام 1884 بعد أربعين عاما من العمل الجدّي لليابانيين .. وبقدر ما نجحت الدول الغربية قي توقيع اتفاقيات لصالحهم خلال السنوات 1854 - 1858 نجحت الدبلوماسية اليابانية المرافقة لقوة عسكرية واقتصاد قوي وتقدم علمي في عهد ميجي بتعديل تلك الاتفاقيات لصالح اليابان بدءا من العام 1894 .
    بعد خمسين عاما فقط من بداية إصلاحات الميجي خرجت اليابان عظيمة من أول نزاع عالمي وتمكنت من فرض نفسها خصما رئيسيا لانكلترا في السيطرة على الصين .. وعندما توجه الوفد الياباني إلى مؤتمر فرساي 1919 اتخذ مكانه بين المنتصرين الخمسة الكبار وتمكن أن يفاخر بأنه يمثل أمة محترمة على نطاق عالمي توغلت في الحداثة إلى أبعد الحدود وحافظت على الإرث والهوية اليابانية المتميزة .

    الأخوة القراء أدرك أنني قد استفضت و ذهبت بين التفاصيل و لكن ما يقض مضاجعنا و تفكيرنا هو أنه في النصف الأول من القرن التاسععشر كانت مصر (و هي بلد عربي كمثال) متقدمة على اليابان، بل وعلى بعض بلدان أوروبا في أكثر من مجال، فقد استخدمتمثلاً السكك الحديدية قبل دول هي اليوم متقدمة كالسويد وبولندا واليابان بوقتٍ طويل، وفي مصر كانالهكتار الزراعي الواحد ينتج من القمح ما ينتجه الهكتار في فرنسا وألمانيامجتمعتين، لكن ما الذي حدث؟ كيف نجحت اليابان في إنجاز نهضتها وفشلت مصر والعربكلهم في إطلاق نهضتهم؟ هذا هو السؤال المرير الذي يرافقنا كالكابوس ونحن نقلِّبفصول ركودنا المعرفي و نعزيه لأسباب ما ورائية عقائدية.....غريب هذا التفكير و غريب هذا النتاج الفكري النخبوي من مثقفينا الذين فشلوا لليوم بادراك كنه التقدم و الحداثة و التحديث و النهضة باستيراد مأفون لأفكار دون تفكير ...لماذا ؟؟؟؟ و أين يصب هذا في طاحونة الطحين ؟؟؟؟؟؟
    المصادر :
    النهضة العربية والنهضة اليابانية د. مسعود ضاهر
    المعجزة اليابانية : إزرا ف . فوجيل
    اليابانيون : أدوينرايشاور
    الثورة الإصلاحية في اليابان : ناجاي ميتشيو – ميجول أورشيا
    دروس من اليابان للشرق الأوسط : نجم الثاقب خان
    تاريخ اليابان من الجذور حتى هيروشيما : أدوين أولدفادز ريشاور

    من مواضيع باسم الأفندي :


    0 Not allowed!


    التعديل الأخير تم بواسطة باسم الأفندي ; 2008-12-04 الساعة 04:09 AM

  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML