الطاقة المتجددة في دول الخليج .. ثروة تستحق الاكتشاف

تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة قرابة 42% من إجمالي النفط المثبت في العالم، إضافة إلى 24% من الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي. ونظراً إلى توفر هذا المخزون الهائل من النفط والغاز في منطقة الخليج العربي، فهما يمثلان المصدر الأساسي لوقود محطات توليد الطاقة وإنتاج المياه بها، إلا أن استمرار استهلاك هذا الوقود الأحفوري سيعرضنا - بلا شك - للعديد من المخاطر والتحديات في المستقبل القريب؛ فهناك مثلاً المعضلات البيئية المصاحبة لاستخدام مثل هذه المصادر التقليدية للطاقة التي تشمل تلوث الهواء، وتغيرات المناخ.



ومن ناحية أخرى، وفي ظل ازدياد الطلب العالمي للطاقة، يجب ألا ننسى أن النفط والغاز مصادر غير متجددة، بمعنى أنها ستنضب عاجلاً أم آجلاً؛ فيجب علينا الترشيد والاتزان في استخدام هذه الهبة الإلهية التي قد تكون الأجيال القادمة في أمسّ الحاجة إليها، كما أن استمرارية اعتماد دول الخليج العربي الأساسي على إيرادات مصادر غير متجددة ستعرض مجتمعها وكيانها الاقتصادي والسياسي إلى التعثر والتدهور. وهنا تبرز السياسة الحكيمة للاستفادة من ثرواتنا النفطية التي اتخذتها حكومتنا الرشيدة لتشجيع صناعة البتروكيميائيات في المملكة، فهذه التوجهات من شأنها جلب فوائد استراتيجية ذات أبعاد عديدة تتعدى حدود الاقتصار على تصدير النفط الخام للشعوب الأخرى.



أما إذا تناولنا على وجه الخصوص قطاع الكهرباء والمياه في الخليج العربي، فإننا نجد أنه يواجه في الوقت الراهن تحديات ضخمة أخرى، لعل من أهمها: الارتفاع المتزايد في الطلب على الكهرباء والماء. ففي الوقت الذي تفتقر فيه منطقة الخليج إلى مصادر طبيعية وفيرة للمياه، فإنها تشهد مستويات عالية من التزايد السكاني والازدهار الاقتصادي والتنمية؛ ما يعني أنها في احتياج متزايد للطاقة والمياه، ونلاحظ - أيضًا - الانخفاض النسبي لأسعار الكهرباء والماء، وذلك بفضل التسهيلات الضخمة التي تقدمها الحكومات الخليجية لمواطنيها، فتعرفة الكهرباء والماء التي يدفعها المستهلك الخليجي لا تغطي تكاليف الإنتاج الحقيقية ولا تأخذ في الحسبان الضرر البيئي المصاحب للإنتاج؛ ما أدى إلى تدني مستوى الوعي الخليجي عن حاجتنا الماسة لترشيد استهلاك الطاقة ولإيجاد مصادر متجددة ونظيفة لها.



وعلى الرغم من قلة الوعي الإقليمي بأهمية الطاقة المتجددة، فهذا المجال ليس بجديد في وطننا الحبيب، حيث كانت مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتكنولوجيا من الجهات الخليجية السباقة بإجراء الأبحاث في مجال الطاقة الشمسية منذ منتصف السبعينيات الميلادية، وقد تلا ذلك عدة مشاريع بحثية وتطبيقية لهذه التقنية التي تعد إحدى البدائل النظيفة لتوليد الطاقة، ولعل آخر الإنجازات في هذا المجال هو إنشاء مركز التميز البحثي للطاقة المتجددة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، إلا أن جميع هذه النشاطات - وإن كانت بوادر مشجعة - فإنها لا تزال متواضعة بكل المعايير ولا تتناسب مع حجم التوجهات العالمية لتعزيز قيم البيئة النظيفة وتطوير وسائل الطاقة المستدامة خدمة للأجيال القادمة.



فالمملكة العربية السعودية - مثلاً - قد حباها الله بمساحات شاسعة غير مستغلة تقع ضمن أغنى حزام شمسي في العالم، وبالتالي فإن الجدوى الاقتصادية لإنتاج الكهرباء والماء عن طريق الطاقة الشمسية هنا أفضل من مناطق عديدة في العالم، فلو كثفنا جهودنا وسخرنا أموالنا الآن في استثمارات الطاقة المتجددة، فسوف تصبح منطقة الخليج بذلك - إن شاء الله - أحد أكبر منتجي الطاقة وبأشكال عديدة (كهربائية أو مائية أو حتى هيدروجينية)، وهذا من شأنه المساهمة في تنويع مصادر دخلنا؛ إضافة إلى تلبية احتياجاتنا المتزايدة للطاقة بطرق تتناسب ومراعاة التوازن البيئي على الأرض.



وقد كان لدولة الإمارات العربية الشقيقة تجربة مثالية نفتخر ونعتز بها في هذا المجال، حيث تنبهت الدولة إلى أن اقتصادها يعتمد على مصادر طاقة تقليدية آيلة للنفاد، فبادرت ونجحت في تنويع مصادر دخلها عن طريق تطوير قطاعاتها المالية والسياحية والصناعية ضمن خطة تنموية شاملة. أما قطاع الطاقة الإماراتي فقد بات يشهد ثورة هائلة غير مسبوقة في عالم الطاقة المتجددة، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد مبادرة (مصدر)، وهي شركة إماراتية رائدة دعمتها حكومتها ببلايين الدولارات من أجل تحقيق رؤيتها الرامية إلى أن تصبح أحد الرواد العالميين في مجال الطاقة المتجددة، فإذا نجحت دولة الإمارات فلماذا لا تنجح دول الخليج الأخرى التي تمتلك نفس الفرص والثروات الطبيعية؟



وفي الختام، نستطيع الجزم بأنه إذا ما توافرت الإرادة الحقيقية من أجل الاستثمار الفعّال لمواردنا الطبيعية والمالية التي أنعم الله بها علينا، فإن خليجنا العربي يملك كل مقومات النجاح؛ ليصبح القلب النابض في عالم الطاقة المتجددة كما هو الآن في عالم الطاقة التقليدية، فقد قال الله - تعالى - في سورة الأنفال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(53).



لآرائكم وتعليقاتكم حول هذا الموضوع
http://www.al-jazirah.com.sa/1247574/ec24d.htm