المؤامرة على الحجاب
إعداد/ أسامة سليمان
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فإنه ليس من قبيل المصادفة أن تتواكب أصوات الغرب اللاديني مع أصوات بني جلدتنا
في آن واحد تنادي بنزع حجاب المرأة، واعتبار ذلك من حريتها الشخصية، بل وتجريم
ذلك في بعض بلاد المسلمين، فمن قائل إن الحجاب بدعة ورجعية وتنطع يرفضه
الإسلام، وأنه عادة جاهلية !! ومِن قائل إن تغطية المرأة لوجهها وكفيها تشدد
وتعصب وغلو!! حتى علت تلك الأصوات المسعورة في محاولات يائسة لقمع عودة
المسلمين إلى دينهم التي أذهلت أعداء الإسلام، حتى أعلنوا في صراحة أن عودة
الروح الدينية للظهور من جديد في المنطقة يشكل خطرًا على الحضارة الغربية
بأسرها.

ولذا كان لزامًا علينا أن نسوق للمرأة المسلمة الأدلة الشرعية على وجوب سترها
إذا خرجت من بيتها، فقد أخبر الذي لا ينطق عن الهوى - رسول الله صلى الله عليه
وسلم- أن التبرج واقع في الأمة فقال صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار
لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات،
مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها،
وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». رواه مسلم.
والتبرج معصية إبليسية؛ فإبليس عليه لعنة الله قائد دعوة كشف العورات ومؤسس
الدعوة إلى التبرج وزعيم شياطين الإنس الداعين إلى تحرير المرأة من الشرف
والعفاف.

الدليل الأول قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ
وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ
جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ
اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب: 59].

قال القرطبي رحمه الله:

«لما كانت عادة العربيات التبذل، وأن يكشفن وجوههن كما
يفعل الإماء، وكان ذلك داعية إلى نظر الرجال إليهن، وتشعب الفكرة فيهن، أمر
الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمرهن بإرخاء الجلاليب عليهن إذا أردن
الخروج إلى حوائجهن».

ومفهوم الجلباب
لا ينحصر باسم، وإنما هو كل ثوب تشتمل به المرأة لستر مواقع
الزينة منها، وفي حديث أم عطية رضي الله عنها: «أمرنا أن نخرجهن في الفطر
والأضحي: العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن
الخير ودعوة المسلمين».

قلت: يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال:
«لتلبسها أختها من جلبابها».

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
وفيه امتناع خروج
المرأة بغير جلباب، وكذا قال العيني رحمه الله، وعندما طلق النبي صلى الله عليه
وسلم حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ودخل عليها صلى الله عليه وسلم تجلببت، فقال
صلى الله عليه وسلم: «إن جبريل أتاني فقال لي: أرجع حفصة فإنها صوامة قوامة،
وهي زوجك في الجنة». رواه الحاكم.
ومن نافلة البيان أن الجلباب لدفع الفتنة وستر العورة، ولا يحصل ذلك إلا
بالفضفاض الواسع، أما الضيق الذي يصف الجسم أو بعضه وإن ستر البشرة فإنه يصور
المرأة في أعين الرجال، ومن ثم اشترط العلماء للجلباب أن يكون صفيقًا غليظًا
فضفاضًا لا يبين حجم الأعضاء فضلاً عن كونه سابغًا لجميع الزينة.
الدليل الثاني قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ
مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ
[الأحزاب: 53].

قال الطبري رحمه الله:
«إذا سألتم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساء
المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب أي من وراء ستر
بينكم وبينهن، ولا تدخلوا عليهن بيوتهن ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض
العين التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء وفي صدور النساء من أمر الرجال،
وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل».
وهذا الحكم وإن نزل خاصًا في النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه، فالمعنى عام
فيه وفي غيره،
كما قال الجصاص رحمه الله،
ومما يؤيد هذا العموم قوله سبحانه:
لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ
إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ
وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ [الأحزاب: 55]. قال
الحافظ ابن كثير رحمه الله:
«لما أمر الله النساء بالحجاب عن الأجانب بيّن أن
هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب عنهم».

الدليل الثالث قوله جل شأنه:
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ
تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ
وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله:
«وفي هذه الآيات الكريمات نهى سبحانه نساء النبي
الكريم أمهات المؤمنين وهن من خير النساء وأطهرهن عن الخضوع بالقول للرجال، وهو
تليين القول وترقيقه كيلا يطمع فيهن من في قلبه مرض شهوة الزنى ويظن أنهن
يوافقنه على ذلك، وأمر بلزومهن البيوت ونهاهن عن تبرج الجاهلية، وهو إظهار
الزينة، والمحاسن، كالرأس والوجه والعنق والصدر، والذراع، والساق، ونحو ذلك من
الزينة، لما في ذلك من الفساد العظيم، والفتنة الكبيرة، وتحريك قلوب الرجال إلى
تعاطي أسباب الزنى.
ومن المضحك في هذا الشأن أن تسمع من يقول:
إن هذه الآيات خاصة بنساء النبي صلى
الله عليه وسلم.
فإن كان الأمر لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فهو لنساء المؤمنين من باب أولى،
والحكم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا من قبيل القياس الجلي عند علماء
الأصول كتحريم ضرب الأبوين قياسًا على تحريم التأفف في قوله سبحانه: فَلاَ
تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا،
فلا يوجد عاقل يقول بجواز ضرب
الأبوين لأن الآية فيها تحريم التأفيف فقط..». اهـ.
الدليل الرابع قوله تعالى:
وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ [النور: 31].
وفي هذه الآية الكريمة ثلاث مواضع تدل على وجوب الحجاب وهي:
1- قوله تعالى: وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا، وقد
تنازع العلماء في قوله تعالى: إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا،... حين يرى ابن
مسعود أنها الثياب، ويرى ابن عباس أنها ما في الوجه والكفين مثل الكحل والخاتم،
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
«وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زنتين: زينة
ظاهرة وزينة غير ظاهرة، وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي
المحارم، وأما الباطنة فلا تبدو بها إلا للزوج وذوي المحارم.
2- قوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ قالت عائشة
رضي الله عنها: رحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: وَلْيَضْرِبْنَ
بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ شققن مروطهن فاختمرن بها. رواه البخاري.
ومعنى قوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ يعني:
الصدور حتى تحفظ الرأس وما حوى والصدر من قمته، وما بين ذلك من الرقبة وما
حولها لتضمن ستر الزينة الأصلية والفرعية.
3- قوله تعالى:
وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ
مِنْ زِينَتِهِنَّ، ذلك لأن صوت خلخال المرأة يثير الفتنة في قلوب بعض الرجال،
وقد نُهيت المرأة من ضرب الأرض بقدمها خوفًا من افتتان الرجال بما يسمع من صوت
خلخالها ونحوه، فكيف إذا أظهرت محاسنها؟
الدليل الخامس:
قوله تعالى: وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ

اللاَّتِي لاَ
يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ
غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور: 60].

والقواعد من النساء هن اللاتي قعدن عن الولد من الكبر، فلا تخطب الواحدة منهن
ولا تلد ولا تطمع في الزواج، فليس عليهن حرج أن يرفعن القناع الذي يكون فوق
الخمار والرداء الذي فوق الثياب، مع ذلك أخبر سبحانه أن الاستعفاف بعدم وضع
ثيابها خير لها.
بعد عرض هذه الأدلة من كتاب رب العالمين، أما آن لأصوات المخربين الجدد
والعلمانيين المستنيرين أن تتلاشى ؟ أما آن للمرأة المسلمة أن تستجيب لأمر
خالقها الذي كرمها، يقول جل شأنه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ
أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:
97].
والله من وراء القصد.

مجلة التوحيد