الحج مدرسة تربوية


الشيخ / محمد بن عبدالله الهبدان

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعد :


فيقول الله تعالى : (( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)) (الحج:29,28,27,26)

هذه الآية توضح القاعدة الكبرى التي قام عليها البيت الحرام ، وهي قاعدة التوحيد ، وأن الغرض من إقامته هو عبادة الله سبحانه (( أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً )) .

ثم أمر الله تعالى إبراهيم أن يؤذن في الناس ، وأن يدعوهم إلى بيت الله الحرام ووعده أن يلبي الناس دعوته ، فيتقاطرون على البيت من كل فج عميق (( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)) .

وما يزال وعد الله يتحقق منذ إبراهيم إلى اليوم والغد ، وما تزال أفئدة من الناس تهوي إلى البيت الحرام ، وتشتاق إلى رؤيته والطواف به ، الغني القادر، والفقير المعدم .

ثم يقف السياق عند بعض معالم الحج وغاياته : لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ على الإطلاق ، فتشمل المنافع الدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والأدبية .

وفي هذه الفريضة تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة .

· وأول منافع هذا الحج الدنيوية التجارة :

إن أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقاً رائجة ، حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء ..من أطراف الدنيا ، ويقوم الحجيج من كل فج ، ومن كل قطر ومعهم خيرات بلادهم وما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم ، يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد ، فهو موسم تجارة ، ومعرض نتاج ، سوق عالمية تقام في كل عام ، ولهذا قال سبحانه : (( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ )) (البقرة: من الآية198).

يعني بالتجارة التي لا تخل بأصل نية الحج ، وهنا أمر مهم وهو أن الاشتغال بالتجارة إذا أحدث نقصاً في الطاعة لم يكن مباحا ، بل يكره أو يحرم على حسب ما يحصل على الطاعة من الخلل .

· ومن منافع الحج التعارف بين الأجناس :

فإن الله سبحانه جعل الحج لعباده مؤتمرا عالميا سنويا ..تلتقي فيه جميع الأجناس والطوائف الإسلامية على مستوى واحد ، وفي أماكن متعددة من شعائر الله ..يلتقي فيها الكبير والصغير ، والغني والفقير ، من لم يلتقي بالآخر حول الكعبة التقى حول زمزم أو التقوا في المسعى بين الصفا و المروة أو في سائر الأسواق و المنازل ، أو في طريق منى وعرفات ، أو في المخيم ، أو في مزدلفة أو مسجد الخيف أو غيره ..فإن الله العليم الحكيم جعل هذه التنقلات لحكمة الالتقاء والتعارف حتى في رمي الجمرات وطريقها . قال تعالى : (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) (الحجرات:13) فينبغي للحجاج اغتنام الفرصة في هذا المؤتمر العظيم الذي يحصل لهم شهود منافع في جميع نواحي الحياة.

· و من منافع الحج التواضع :

ولهذا جعلوا جميعا على صفة واحدة ، وصوت واحد ، لا يتميز من خلاله الأمير والحقير ، العزيز والذليل ، الغني والفقير ..ولذلك يقول سيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وخير التسليم: ( من ترك اللباس وهو يقدر عليه تواضعا لله تبارك وتعالى دعاه الله تبارك وتعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في حُلل الإيمان أيها شاء ) رواه أحمد والترمذي .

فهم ينتقلون جميعا من مكان إلى آخر..الأرض فراشهم والسماء غطائهم ، فلا يحتقر بعضهم بعضا ، قال سيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وخير التسليم : ( إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ) رواه ابن ماجه .

وقال الشاعر :تواضع تكن كالنجم لاح لناظرعلى صفحات الماء وهو رفيع

· و من منافع الحج الصفح والعفو :

الحج مدرسة للتربية على العفو والصفح ، فكثيرا ما يحصل أوقات الزحام بعض الملابسات التي تفقد التصرف الحسن ، ففي الحج تهذيب لهذا الأمر بأن يملك الإنسان نفسه عند الغضب ولا يقول إلا خيرا قال تعالى : (( فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ )) (البقرة: من الآية197) .

والرفث هو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية ، والفسوق وهو جميع المعاصي ومنها محظورات الإحرام ، والجدال وهو المماراة والمنازعة والمخاصمة ، لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة ..[1]وقد ذكرت عائشة ـ رضي الله عنها ـ عندما سئلت عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : " لم يكن فاحشاً ولا متفحشا ، ولا صخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح " رواه الترمذي وقال حسن صحيح .

وقال سيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وخير التسليم : ( من كتم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين فيزوجه منها ما شاء ) رواه الترمذي [2] .

ويقول الله تعالى : (( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)) (لأعراف: من الآية199) .

وقد ذكر الله من صفات المؤمنين العفو فقال : (( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) (آل عمران:134).

ويقول : (( إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ )) (النساء: من الآية149) (( وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)) (الشورى:37)

· ومن منافع الحج الصبر :

فالحج مدرسة الصبر والمصابرة بأنواعه الثلاثة ..فلو تأملت الحج من أوله إلى آخره لوجدت أن جميع أحواله وعباداته تحتاج إلى صبر ، فالسفر للحج يحتاج إلى صبر ، ولبس الإحرام يحتاج إلى صبر ، والطواف والسعي يحتاج إلى صبر ، ومزاحمة الخلق يحتاج إلى صبر ، والتنقل بين المشاعر يحتاج إلى صبر و الوقوف بعرفة يحتاج إلى صبر ..وهكذا الحج يعلم الإنسان خلقا من أهم الأخلاق التي يحتاجها الإنسان في حياته ألا وهو الصبر على طاعة الله ..والصبر عن معصية الله ..والصبر على أقدار الله .

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا )) (آل عمران: من الآية200) .

وقال : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)) (البقرة:153).

وقال : (( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)) (الكهف:28).

· ومن منافع الحج الجدية :

الحج يغرس في نفوس المؤمنين أن الجدية هي سبيل الحياة ، وأن المرح واللهو لا مكان له في حياتنا فتلحظ أن أعمال الحج كثيرة وكلها تحتاج إلى عمل ومشقة وجهد ونصب ، فمن لم يكن جادا في عمله فلا يمكن أن يقضي حجه ..ومن كان متكاسلا في أعماله ، لا يمكن أن يصل إلى مطلوبه ومراده ، وهكذا حياة الإنسان من نواحيه الدنيوية و الأخروية لا يمكن أن ينتج ويصل إلا إذا كان جادا في حياته .

· ومن منافع الحج التقوى :

والتقوى هي زاد الصالحين ، وهي عنوان فلاح المؤمنين ، وهي وصية الله تعالى للأولين والآخرين : (( وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا الله )) (النساء: من الآية131) [النساء :131] .

والتقوى هي جماع كل خير ، ودليل كل بر ، والمتقون يتقبل الله أعمالهم وهو معهم سيهديهم ويصلح بالهم ، من لبس لباس التقوى أدرك الخير وسعد ، ومن خلعها من رقبته طرد ، بالتقوى يخشى العبد ربه ، ويخاف ذنبه فيعمل صالحا .

والتقوى من ثمرات الأعمال الصالحة[3] ،ولذا أكثر الله تعالى في آيات الحج على قلتها من وصيته لعباده بالتقوى ، لأنه يحصل في الحج من أسباب التقوى ما لا يحصل لغيره ، وذلك مع الوعي الصحيح لحقيقة الحج ومغزاه ، ولهذا نجد الله يخاطب الواعين بقوله : (( وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ)) (البقرة: من الآية197).

فمن له لب وعقل يفكر به فليستنر بعقله في تلك المشاعر العظيمة ليستفيد منها تقوى الله .

فيا من تجرد عن لبس المخيط استعمل عقلك ، هل ينفعك التجرد عن المخيط ما لم تتجرد عن شهواتك ومطامعك المغضبة لله تعالى ؟!

هل ينفعك التجرد من المخيط وأنت لم تتجرد عن محبوباتك المخالفة لمحبوبات الله تعالى ؟!

هل ينفعك الطواف ببيت الله الحرام وأنت غير مطيع لله تعالى ؟

هل ينفعك السعي بين الصفا والمروة وأنت متلبس بمعصية الله غير متق لله تعالى ؟

كيف تلتزم الملتزم لتسأل الله من فضله وأنت لم تكن تلتزم طاعته و تنفيذ شريعته ؟

فالله يقول في آيات الحج (( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) (البقرة: من الآية196) .

ثم من جهة أخرى :

يتقي الحاج ربه في أخيه المسلم المشارك له في أداء هذه الشعيرة المباركة ، فيكون له معاوناً له على كل خير ، ببشارة وجه ، وصفاء قلب ..

ويتقي الحاج ربه في ترك الزحام خصوصا للنساء ..

ويتقي ربه باجتناب البخل وسوء الظن ..

ويتقي الله برحمة الأعمى والضعيف وتوقير الكبير ورحمة الصغير ..

ويتقي الله بتعليم الجاهل وإرشاد الضال ..

ويتقي الله بصيانة حجه عن الرفث والفسوق والجدال ..

ويتقي الله بحفظ وقته عن كل إسفاف ، و إشغاله ـ أي الوقت ـ بذكر الله وقراءة القرآن الذي هو مطردة لشياطين الجن ، وتعليم وإرغام لشياطين الإنس ..

ويتقي الله بالنصح لكل مسلم ، كما يتقي الله بالحرص على فعل الأفضل وتحري متابعة النبي صلى الله عليه وسلم .

· ومن منافع الحج مغفرة الذنوب : كما جاء ذلك في النصوص ومنها :

ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من حج فلم يرفث ولم يفسق غفر له ما تقدم من ذنبه ) رواه الترمذي .

وفي لفظ : ( رجع كما ولدته أمه ) رواه البخاري ومسلم .

ـ حديث ابن عباس رضي الله عنهما : ( تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة ) . رواه النسائي وغيره

وقد قال ابن المنذر وجماعة من أهل العلم بأن الحج يكفر جميع الذنوب صغيرها وكبيرها لعموم النصوص وهو قول قوي جداً والله أعلم .

· ومن منافع الحج دخول الجنة : كما جاء ذلك في النصوص ومنها :

ـ حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) رواه البخاري

ـ حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة ) رواه النسائي .

و أخيراً يكفي أن يكون الحج سببا ..بل من أعظم أسباب دخول الجنة ..ولا شك أن هذا من أعظم ما يسعى إليه المسلم في حياته والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


منقول للفائده