فى خضم التنافس الشرس بين الحزبين الديمقراطى و الجمهورى فى الولايات المتحدة على من يصل إلى البيت الأبيض و على من يشغل المقاعد النيابية الأكثر، يتبادر سؤال مهم هو: لماذا لا يفوز فى تلك الانتخابات غير الحزبين الكبيرين؟ و بالتالى ما هو مصير الأحزاب الأخرى و المستقلين؟.
ربما يفاجأ كثيرون بأن هناك أربعة مرشحين آخرين لمنصب الرئيس الأمريكى فى الانتخابات التى ستجرى يوم 4 نوفمبر القادم، إلى جانب مرشحى الحزبين الديموقراطى باراك أوباما والجمهورى جون ماكين، وهم : المرشح المستقل رالف نادر المعروف عنه الدفاع عن حماية المستهلك وتخفيض الضرائب، والمرشح روبرت بار من حزب الأحرار، ويقول موقعه على الانترنت إن حملته تهدف إلى تقليل الانفاق الحكومى و السماح للمواطنين بالحصول على مزايا أكثر وخ اصة فيما يتعلق بالرعاية الصحية.
وهناك أيضا المرشح الثالث هو "تشاك بالدوين" من الحزب الدستورى، وتهدف حملته إلى تعزيز الحريات الفردية والمدنية وتحويل أمريكا إلى بلد يعتمد على الذات وتحسين كافة خدمات الرعاية الصحية للمواطن.
أما المرشح الرابع فهى سينتيا ماكيينى رئيسة حزب الخضر الأمريكى، والتى تهدف حملتها إلى محاربة تجارة المخدرات وزيادة المخصصات المقررة لحماية البيئة.
الحزب الثالث
وبلغة السياسات الأمريكية، وحتى نهاية القرن التاسع عشر، كان يشير مصطلح "الحزب الثالث" إلى أى حزب خارج نظام الحزبين اللذين لهما قاعدة دعم انتخابية مهمة.
وفى القرن العشرين أصبح ذلك يعنى حزبا غير الجمهورى والديمقراطى، كما يستطيع الحزب الثالث أن يلعب دورا ما فى التأثير على نتيجة الانتخابات.
ويشير مصطلح المستقل (أو المستقلون) إلى أى مقترع لا يعلن عندما يذهب لتسجيل اسمه فى لوائح المقترعين انتسابه إلى الجمهوريين أو الديمقراطيين أو أية أحزاب أخرى.
كما يشير هذا المصطلح أيضا إلى مرشح لمنصب ما يخوض الانتخابات ، الرئاسية أو التشريعية أو فى الولايات، على أساس الهوية الشخصية وليس الانتماء إلى أى حزب.
ودائما ما تفيد استطلاعات الرأى الأمريكية إلى أن الناخبين الأمريكيين يرغبون فى وجود حزب ثالث قوى على الساحة الأمريكية، وأن لديهم آراء تعكس حقيقة الحاجة لتعدد الفرص أمام المرشحين المستقلين والأحزاب الثالثة فى الحياة السياسية الأمريكية.
ففى عام 1995 على سبيل المثال، وعشية انتخابات عام 1996، أظهر استطلاع للرأى أجراه مركز جالوب أن 62% من الأمريكيين يحبذون تشكيل حزب ثالث.
كما أظهر استطلاع حديث أجراه مركز جالوب أواخر عام 2007 أن 48% من الأمريكيين غير راضين عن أداء أى من الحزبين الديمقراطى أو الجمهورى وأن هناك حاجة إلى قيام حزب ثالث.
الأمريكان لا يثقون بالأحزاب السياسية
وعمليا توجد العديد من الأدلة التى تؤكد ضعف ثقة المواطنين الأمريكيين بالأحزاب السياسية بشكل عام، وخاصة الحزبين الكبيرين، وربما يكون ذلك الأمر مكونا أساسيا فى الثقافة المدنية الأمريكية.
ولعل تبنى الانتخاب التمهيدى المباشر لاختيار المرشحين للكونجرس وللولايات فى وقت مبكر من القرن العشرين، والانتشار الحديث للانتخابات التمهيدية الرئاسية (وتحديدا منذ عام 1964) لهو دليل على عدم ارتياح الأمريكيين تجاه ممارسة زعماء الأحزاب سلطة كبيرة على حكومتهم.
من جانب آخر، يكشف نمط التصويت في غالبية الانتخابات في الولايات المتحدة أن الناخبين لا يعلقون أهمية كبيرة على تحديد هويتهم الحزبية الشخصية، بل وكذلك المرشحون.
وما يدل على ضعف تأثير الارتباط الحزبى هو تزايد ظاهرة "توزيع الأصوات" بحيث يتم التصويت لمرشحين من أحزاب مختلفة فى نفس عملية الاقتراع، إذ تبلغ هذه النسبة فى المتوسط منذ عام 1992 نحو 25%، أى أن ربع المقترعين يوزعون أصواتهم لمرشحين من أحزاب مختلفة لمنصب رئيس الجمهورية ولأعضاء مجلس النواب.
وبالتالى فالناخب الأمريكى، وهو فى ذلك كالحزب نفسه، لا يقيم الأمور وفق اعتبارات أيديولوجية بحتة، بل وفق ما يحقق له مصالحه، ومن ثم فهو قد يكون ديمقراطيا وجمهوريا فى الاقتراع الواحد.
ويسرى الأمر ذاته على بعضنواب الكونجرس، فغالبا ما تجد نائبا جمهوريا لا يصوت لصالح مشروعات قوانين يتبناها حزبه وبالعكس.
والدليل على ذلك تصريح المرشح الجمهورى جون ماكين - فى محاولة لتوضيح أنه ليس مثل بوش الأبن - فى أكثر من مناسبة أنه لم يكن يصوت لمشروعات يقدمها جمهوريون أو الرئيس بوش ذاته.
وبالنسبة للأحزاب الثلاثة الصغيرة والمستقلين ، يلاحظ أن ثلثى الأمريكيين يعتبرون أنفسهم إما ديمقراطيين أو جمهوريين، ما يعنى أن الثلث الباقى هو من المستقلين حتى وإن صوت لصالح أى من الحزبين حتى لا يضيع صوته لصالح من لا يصل إلى المقعد الولائى أو التشريعى أو الرئاسى، ولذا فإن نسبة المقترعين شعبيا لصالح الحزبين تتجاوز دائما نسبة 95%.
ومن ثم هناك تناقض واضح بين تصويت الأمريكيين لصالح الحزبين، وبين رؤية بعضهم لأنفسهم كمستقلين، ما يثير التساؤل: لماذا سيطر الجمهوريون والديمقراطيون، وخاصة منذ ستينيات القرن الماضى، على السياسات الانتخابية فى أمريكا؟ ولماذا لم ينشأ حزب ثالث قوى رغم حاجة البعض لذلك؟
احتكار الحزبان الكبيران للسياسة
ويشير مراقبون أمريكيون إلى تداخل مجموعة من العوامل أدت إلى ضرورة أن يحتكر حزبان كبيران للسياسات الانتخابية فى البلاد.
ويأتى على رأس هذه العوامل الطبيعة البنيوية للنظام السياسى الأمريكى، حيث عمد واضعو الدستور الأمريكى على اتباع نظام العضو الفرد للدائرة الانتخابية، وما يعنيه ذلك هو أن من يحصل من المرشحين على أغلبية الأصوات فى تلك الدائرة ينتخب.
وخلافا لأنظمة الحصص التناسبية، فإن نظام العضو الفرد يتيح لحزب واحد فقط أن يفوز فى أى دائرة محددة.
وهكذا فإن هذا النظام يخلق حوافز لتشكيل حزبين كبيرين بقاعدة انتخابية عريضة لكل منهما بحيث يكونا قادرين على الفوز بأغلبية عضوية المجالس التشريعية فى الولايات، وضرورة إلحاق هزيمة محققة تقريبا بالأحزاب الصغيرة دون أن تتوافر لها إمكانية البقاء ما لم تضم قواها إلى حزب رئيسى.
وهناك أيضا مسألة أخرى تتعلق بطبيعة المؤسسات وعملها، فقد تم النص على إقامة الهيئة الانتخابية الخاصة داخل كل ولاية لاختيار رؤساء الجمهورية، ويتطلب ذلك حصول المرشح الرئاسى على أكثرية مطلقة من مجموع الأصوات الانتخابية الـ 538 للخمسين ولاية ، وهذا الشرط يجعل من الصعب إلى حد بعيد على أى حزب ثالث أن يصل إلى رئاسة الجمهورية بدون الانضمام أو الدخول تحت مظلة حزب رئيسى.
صناعة الرئيس
من جانب آخر، يرى مراقبون أمريكيون أن الانتخابات فى أمريكا تقوم على نمط صناعة الرئيس بل وأعضاء الكونجرس أيضا ، وهذا يستلزم الاصطفاف خلف حزب قوى قادر على التمويل وجمع التبرعات وإدارة حملة دعائية غاية فى التكلفة وقادرة على الاستفادة من اللوبيات المتعددة أو مواجهتها إذا لزم الأمر.
ومما يقلل أيضا من فرص الأحزاب الثالثة والمستقلين فى الولايات المتحدة للعب أدوار انتخابية كبيرة، أن الحزبين الكبيرين ليسا من ذوى الأيديولوجية الجامدة، ولا يتمتعان بدعم قواعد عريضة محددة من داخل المجتمع الأمريكى، بل هما حزبان عابران للطوائف والعرقيات غالبا، وكلاهما يتلقى الدعم من مجموعات اقتصادية اجتماعية رئيسية فى المجتمع.
ولذا تتميز برامجهما بالمرونة والاعتدال السياسى، وبما يتماشى مع ظروف المجتمع الأمريكى وثقافته من جانب، ومع افتقارهما للوحدة والتماسك الدخلى من جانب آخر.
وأدت هذه الأسباب مجتمعة إلى إضافة حاجز جديد أمام الأحزاب الثالثة والمستقلين للفوز بمنصب الرئيس أو حتى الفوز بعدد ملموس من مقاعد مجلسى الكونجرس، فثمة خوف فى صفوف الناخبين من أنهم إذا ما صوتوا لمرشح حزب ثالث فسيكونون فى الحقيقة قد ضيعوا أصواتهم، أو أنهم فقط يصوتون لصالح مرشح الحزب الثالث كنوع من الاحتجاج على سياسات الحزبين الكبيرين.
الاحتجاج بالتصويت
ولأن التصويت لصالح الأحزاب الثالثة الصغيرة قد يكون نوعا من الاحتجاج ، فإن ظاهرة الأحزاب الثالثة والمستقلين تأتى فى السياسات الأمريكية على فترات متباعدة، وغالبا ما يأتى مرشحوها بمشاكل اجتماعية كبرى فشل الحزبان الرئيسيان فى مجابهتها ، لكن سرعان ما كان يظهر الحزب فى انتخابات واحدة ثم يخبو أو يختفى بعد ذلك أو يدخل ضمن أحد الأحزاب الرئيسية.
ومع ذلك بقى دائما دور لهذه الأحزاب هو أنها قد يكون لها تأثير رئيسى على نتائج الانتخابات.
وعلى سبيل المثال ، فإن ترشيح تيودور روزفلت من قبل حزب ثالث فى عام 1912 قسم أصوات الناخبين الذين يصوتون عادة للجمهوريين، ما أدى إلى فوز الديمقراطى "وودور ويلسون" فى الانتخابات بأقل من أكثرية الأصوات الشعبية .
وفى عام 1992، اجتذب ترشيح المليادرير روس بيرو ناخبين كانوا يصوتون غالبا للجمهوريين فى انتخابات الثمانينيات من القرن الماضى، وبذلك ساهم فى هزيمة الرئيس الجمهورى جورج بوش الأب ووصول بيل كلينتون للبيت الأبيض .
ولا ينسى الجميع تلك المعركة الضارية بين الديمقراطيين والجمهوريين فى ولاية فلوريدا فى انتخابات عام 2000، حيث حصل "رالف نادر" المرشح المستقل، من أصل عربى، على 97 ألف صوت بالولاية، وساهم في خسارة الديمقراطيين وآل جور للانتخابات وفوز جورج بوش الابن بفارق 537 صوتا فقط فى هذه الولاية، ما جعله يفوز بأصوات الهيئة الانتخابية حينذاك.
المرشحون المستقلون غالبا ما يكون دورهم مؤثرا جدا فى سياق الحملات الانتخابية ، لكن الأمر يقتضى مرشحا على قدر من المال والثروة بحيث يستطيع تشغيل الماكينة الإعلامية لصالحه، أو أن يكون مرشحا ذا أفكار جديدة تلامس أزمات الناخبين، فيسعون للتصويت السلبى ضد الحزبين الكبيرين.
ومن أهم المرشحين المستقلين جو والاس الذى حظى فى انتخابات عام 1968 على 5ر13% من الأصوات الشعبية و46 صوتا من الهيئة الانتخابية، وجون أندرسون الذى حصل فى انتخابات عام 1980 على 1ر7% من الأصوات الشعبية ولم يحصل على أى صوت من الهيئة الانتخابية، وروس بيرو الذى حصل فى انتخابات 1992 على نسبة 9ر18% من الأصوات الشعبية دون الحصول على أى صوت من الهيئة الانتخابية، وأخيرا برزت ظاهرة المرشح المستقل رالف نادر الذى حصل فى الانتخابات السابقة على نسبة 3% من الأصوات الشعبية.
بيد أن اللافت للنظر أن الانتخابات الأمريكية المرتقبة لم تسجل حتى الآن تقدما ملحوظا بالنسبة للمستقلين والأحزاب الثالثة ، فجميع المرشحين من خارج الحزبين الكبيرين يحصلون فى استطلاعات الرأى على نسبة 1% فقط ، ما يشير إلى استقطاب حاد للناخبين بين المرشحين الديموقراطى باراك أوباما والجمهورى جون ماكين فى انتخابات أمريكية تعد استثنائية بكل المقاييس.
المصدر: وكالة انباء الشرق الاوسط.