دورات هندسية

 

 

ابن بطوطة يتذكر

النتائج 1 إلى 2 من 2
  1. [1]
    الصورة الرمزية حبيب العلم
    حبيب العلم
    حبيب العلم غير متواجد حالياً

    عضو فعال جداً

    تاريخ التسجيل: Aug 2005
    المشاركات: 393
    Thumbs Up
    Received: 0
    Given: 1

    ابن بطوطة يتذكر

    قال ابن بطوطة

    رأيته لأول مرة في رحلتي الخامسة في صحراء العرب؛ حيث كانت الشمس تقلي دواب الأرض على الرمال الملتهبة، وقد حط رجال القافلة رحالهم تحت ظل صخرة متوحدة.. بينما كان كلب رومي صغير يلعب بالشطرنج ويقهقه في خبث على غفلتنا!.. وكان التنابلة السمر من تجار النفط يصفقون له!!.. كان مشدوهاً من هول المشهد، ثم توارى..

    وفي المرة الثانية رأيته في أسواق البصرة؛ في عباءة بذيل طويل، وعمامة فارسية، في وسطه نطاق من أوراق الدولار.. كان يراقب بعث الحجاج بن يوسف إلى خراسان.. كم كان المشهد مهيباً والغبار يعانق السماء!!.

    وفي المرة الثالثة في (بغداد الرشيد).. كان يركض خلف موكب الخليفة، والحصى يضرب رجليه المتربتين، وثوبه الممزق يداعبه الهواء:

    - سيدي أبيت اللعن.. أهلي فداؤك..

    * التفت الرشيد من على صهوة جواده.. أبصر الحراس والشرطة يدفعون بالرجل بعيداً وهو يصيح.. تداعت إلى خاطره مقامات الحشر ومواقف القيامة، آيات القرآن، ونصائح العلماء.. طفرت من عينيه دمعة؛ فصاح بالرجال: (دعوه)!!.

    - ماذا وراءك يا فتى؟!.

    * مسح العرق المتصبب من جبينه.. مرّت بعينيه أغشية سوداء، وأخرى حمراء قانية.. صمَّت أذنية صرخات ملتاعة.. عندئذٍ حشرج في أسىً:

    - صبية الإفرنج ياسيدي هتكوا دثارنا، خرَّبوا عمارنا، وجعلوا أرضنا (معاطن طائرات)!!..

    قتلوا الخيل والفرسان يا سيدي بالزيت الأسود..

    علموا الصبيان كيف يفضلون علب الشيكولاته الممزوجة بالبراندي على عجوة يثرب..

    لسانهم يلهج بالرطانة الزفرة، ونسوا حرف القرآن!!.. ومعلم الصبيان..

    عافاك الله ياسيدي..

    * انتفض الرشيد في غضب؛ وقال:

    - و ماذا أيضاًَ يا فتى؟!..

    - ضاع المسجد وذهب المسرى.. وسحبت إفريقيا.. وأهل السند والهند منذ صرخون..

    عباد البقر خطفوا أخيتي الصغيرة، وقدموها هدية لكاهن المعبد، وعندما صاحت وولولت خنقوا صوتها؛ فجاء شاحباً على شاشات التلفاز.. ولم يغثها أحد!!.

    * أطرق الرشيد.. بيما قهقه فرسه ساخراً:

    - وأين الكماة والخيل المحجلة؟!.

    - كانوا خلف أكياس القمح ينامون.. يدخنون التبغ الثمين، ينتظرون مواسم الاستعراض والتلميع.

    * ظهر على الخليفةالإمتعاض، وقال: وماذا تريدون ياعار الأمة؟!.

    - نريد جيشاً بخيول دهماء بلقاء.. أوله عندك وآخره تحت جدار البيت الأبيض والأمم المتحدة.. سلاحه رماح مكسورة النصل، وآلاف من الخطب النارية، ومؤتمرات القمم، وبيانات الشجب، والإدانة.

    * لم يجب الخليفة ولكن فرسه أطلق صهيلاً غاضباً، ورفع قائميته الأماميتين في الهواء؛ حتى كاد أن يسقط الخليفة من ظهره، واختفى خلف الغبار!!..

    * ثم ها هو الآن يتجول بين عرَّافات الحيرة، ويتحاوم حول قصر الملك النعمان.. يريد أن يدخل كما فعل طرفة بن العبد، وعبيد الأبرص، والنابغة، وغيرهم.. ولكنه يخشى العسكر والكلاشنكوف، وأن يقال إرهابي!!..

    * الحيرة مدينة ليست ككل المدن.. هواؤها مشبع بروائح البخور والتوابل الهندية.. نساؤها يتهادين خلف الدرع والخمار والنقاب والنصيف.. و الـ ... ميني جوب!!..

    الرجال فيها يعدون أوراق النقد بنهم شديد.. سوق المال فيها رائجة.. صباح اليوم ارتفع سعر الدولار، وانخفض اليورو، وزاد سعر دينار الذهب المنقوشة عليه صورة (المنذر بن ماء السماء)..

    قوافل التجار تقصدها من كل مكان بغير انقطاع.. إبل خراسانية محملة بالبز والديباج.. السيوف السيوف المنهدة.. طوابير الجواري والعبيد تسير خلف النخاسين وأعوانهم.. السياط تعلو وتهبط..

    * (الحيرة أعظم مدينة في الوجود)!!.. الباعة المتجولون يتراكضون وينادون على بضائعهم:

    (حلوى الفالوذج واللوذنج.. رمان وزبيب.. خمر فارسية.. مياه غازية.. سفن أب.. بيبسي كولا.. أومو الأزرق يغسل أكثر بياضاً).

    * أما هو فقد جلس إلى عرافة عجوز، تجلس إلى أجار من أجاجير المدينة، وقد تلفعت بثوب أسود، وغطت نصف وجهها:

    - هل تقرأين البخت يا خالة؟!.. أم أعمد إلى أقرب صحيفة فأطالع حظي اليوم في (أنت والنجوم)؟!.

    * نظرت إليه شذراً وقالت:

    - هات يدك يا أبا رغال أدلك على طريق مكة.

    فغر فاه من هول الدهشة.. مد يده للعجوز؛ فحدقت فيها وقالت:

    - ورب السماء والأرض وما بينهما؛ من رفع وخفض؛ ليبغين بعضكم على بعض.. والإنس والجان، وتقلب الأزمان في الأزمان؛ إن لكم لشأنا أيَّ شأن؛ لتتطاولن في البنيان، وليجيبنكم البران والبحران، واليمن والسودان، وسائر البلدان، ثم يأخذك الإفرنج، ويملك أرضك العلج، وتفسد فيكم الذمم، وتصيرون في أرذل الأمم؛ فإن استكنت وانتكست خبت وارتكست، وإن أصلحت واستقمت عدت فانتقمت.

    - أحقًّا ياعجوز السوء؟!..

    - نعم والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق؛ إن ما أنبأتك لحق..

    * سمع خلفه ضجة.. فإذا بالناس يهتفون لرجل مهيب الطلعة، ضخم الجثة، في وسطه حزام من الجلد الثقيل، وعليه سيف مقوس طويل.

    - من هذا يا عرافة؟!..

    - إنه ذو يزن، صاحب اليمامة واليمن.. يطعم الناس في السهل، والوحوش في رؤوس الجبال.

    - يطعم الناس في السهل؟!.. هل هو أمريكي؟!..

    * لم تفهم العجوز ما يقول.. وعندما طالبته بالعطية أخرج من جيبه حفنة قمح ومدَّه لها؛ فصفعته بالنعال على رأسه؛ فسقط مغشياً عليه.

    * عندما أفاق كان الرجال يستعدون للرحيل، والشمس قد سقطت في قاع الأفق.. فناداهم:

    - أيها الرجال!! هل تأخذوني معكم!.

    - إلى إين تريد أيها الأعرابي؟!.. إلى أين تذهب؟!.

    إلى نيويورك، وقد أعرِّج إلى روما في طريقي، وربما زرت باريس.. وأحسبني سأمكث بعض الوقت في لندن.

    * نظر بعضهم إلى بعض في ذهول.. ثم سألوا:

    - أين هذه المدائن يا أخا العرب؟!.

    - هل هي في بلاد الصين؟!، أم أنها من مدائن بحر الظلمات؟!.. لابد أنها خلف جبل (قاف)!.

    * تلعثم قليلاً ثم أجاب:

    - تماماً.. تماماً.. أقصد ربما تكون كذلك!!..

    - إذن فعليك بالسندباد.. فإنه قد طاف الأرض شرقها وغربها.. برها وبحرها.. وزار جزائر المحيط كلها..

    - السندباد؟!.. هل هو من رجال الأسطول السادس الأمريكي؟..

    * قهقه الرجال طويلاً.. ثم ارتحلت القافلة..

    * أما هو فقد وقف يراقب أشباحهم وهي تشق رمال الصحراء، وتتضاءل شيئاً فشيئاً.. وعندما ابتلعها الأفق كان الظلام قد حلَّ.

    * كان السندباد رجلاً في الأربعين، أو قل في الخامسة والثلاثين؛ مفتول العضلات، حاد القسمات، عيناه كعيني صقر صيد، له منخاران واسعان؛ كأنما تستوعب فتحتاهما هواء البحر كله.. لحيته كأنها الموج، وهو مع ذلك وسيم الطلعة؛ كأنما يقطر وجهه ماءاً في ثيابه الزرقاء، والخنجر العماني في وسطه كان أشبه بمهراج مهيب..

    * وفي المقهى القديم جلس الناس حوله يستمعون أخباره وحكاياته ومغامراته عن العنقاء، ووادي الماس.. وعن العماليق، وعرائس البحر، و...إلخ.

    * وبينما الناس يستمعون باهتمام شديد، وإصغاء بالغ وقف صاحبنا؛ وقال في تهكم:

    - حكاياتك ياسيدي سخيفة؛ وتليق بصبي في الحضانة!!.

    * صاح السندباد بحنق شديد:

    - ما أوقحك! أيها الإعرابي!..

    * ضحك صاحبنا قليلاً، ثم قال:

    - قل لي يا جناب الأميرال؛ هل سمعت بآر النفط المشتعلة في حروب الخليج؟!.. هل حدثت عن (برنامج حرب النجوم)؟!.. ماذا تعرف عن (النظام العالمي الجديد)؟!.. إن سفينتك المهيبة هذه التي لا تقهرها الأمواج لا تشبه في شيئ أبداً أدنى فرطاقة من فرطاقات الأسطول السادس الأمريكي، ولا تصلح إلا لتكون روبابيكا قديمة!!.

    * التفت الناس إلى الرجل المتحدث في شغف:

    - (إنه يتحدث بالإعاجيب.. يروي الغرائب).. (إنه يعرف الكثير).. (هل هو مغامر مثلك ياسندباد؟!)..

    * أشاح السندباد بوجهه في ازدراء، وقال:

    - بل هو برغماتي متقعر.. برجوازي صغير.. ليبرالي متعفن.

    * صاح الناس: (ارْوِ لنا عجائبك يا رحّال).. (احْكِ لنا غرائبك)..

    - ولماذا أروي لكم؟!.. يمكنكم الاستماع إلى الراديو، ومشاهدة التلفاز.

    * قال السندباد:

    - ولماذا التلفاز؟!؛ انظروا إلى السماء!!..

    * كانت السماء قد غُطّت بأسراب مقاتلات من طراز F16، و الـ (أباتشي)!!..

    * في البدء كانت كغيمة هادئة، ثم ما لبثت أن بدأت حمم الموت تسقط، والانفجارات تتوالى!!..

    * وفي لحظة تحول المكان إلى جحيم!!..

    * صوت الانفجارات يدوي كالرعود..

    * الغبار يعانق السماء..

    * وبعد دقائق معدودة سكن كل شيء..

    * ولم يبق في المكان إلا ركام ترتفع فوقه أعمدة الدخان..

    * اهتزت كومة من الأنقاض..

    * سرعان ما برز منها رأس البطل..

    * وشيئاً فشيئاً خرج نصفه الأعلى..

    * ورفع بيده ورقة بيضاء ملوحاً بها، وصاح:

    - (ندين بشدة العدوان الغادر على أمتنا الباسلة.. نستنكر.. نشجب).

    * وصاح السندباد من تحت الكومة الأخرى:

    - (شجب.. إدانة).

    * وظل الصوت يتردد لفترة في أرجاء المكان بفعل الصدى:

    (شجب.. شجب.. شجـ.. شجـ.........)

    وتلاشى!!..



    م ن ق و ل

  2. [2]
    ابن البلد
    ابن البلد غير متواجد حالياً
    عضو متميز
    الصورة الرمزية ابن البلد


    تاريخ التسجيل: Jun 2006
    المشاركات: 6,997
    Thumbs Up
    Received: 1,092
    Given: 1,787
    جميلة جدا جدا

    0 Not allowed!


    لا اله الا الله محمد رسول الله

    there is no god except Allah
    Muhammad is the messenger of Allah

  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML