دورات هندسية

 

 

مقالات مهمة جدا عن فلسطين من جريدة المصرى اليوم

صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 14
  1. [1]
    سيبويه
    سيبويه غير متواجد حالياً

    عضو فعال جداً

    تاريخ التسجيل: Sep 2006
    المشاركات: 224
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 1

    مقالات مهمة جدا عن فلسطين من جريدة المصرى اليوم

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    بادئا ذى بدء رمضان كريم على الاخوة الاعضاء وأدعو الله لكم ولى بتقبل صيامنا وصلاتنا ودعائنا

    اليوم اقدم لكم مقالة من سلسلة مقالات تتحدث عن معاناة سكان فلسطين تحت الاحتلال الصهيونى حتى لا ننسى فلسطين بالدعاء المستمر له فى هذا الشهر الكريم
    وسوف انقل لكم هذه المقالات تباعا بأذن الله


    أمل سرور تكتب مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «١»:الطريق إلي فلسطين


    ١٦/٨/٢٠٠٨



    أمل سرور
    رصاصات لا تتوقف.. مرارة لا تنتهي.. مشاهد عبثية مؤلمة.. لمدافع تخشي نظرات أطفال لا يهابون الموت.. ولا يأبهون بسجون يمارس فيها جنود الاحتلال ضدهم شتي أنواع القتل والاعتقال والتعذيب.. الرحلة إلي الأرض المحتلة مغامرة محفوفة بالألم.. محاطة بالخوف.. والترقب لحظة الوصول إلي أرض الوجع.. والأمل.. والألم، حيث قلوب تناضل.. وأجساد لا تخشي الرصاص.. ومحتل يقتل دون رحمة..
    في هذه الرحلة.. ذهبنا إلي زهرة المدائن، القدس.. الأقصي حيث مكاتب التفتيش والمراقبة التي ترصدك في كل مكان.. وحفريات تحت أساسات المسجد تهدد بتدميره في كل لحظة، كما ذهبنا إلي كنيسة القيامة، وهناك يمنع جنود الاحتلال المسيحيين ورجال الدين من دخولها.. كما وضعوا نقاط التفتيش حولها من كل اتجاه.
    في هذه الرحلة نكشف كيف يعيش أصحاب الأرض من أبناء الوطن الجريح منعزلين في «جيتوهات» و«كانتونات» وخلف جدار عازل طوله ٧٨٠ كيلومترًا من الكتل الأسمنتية والأسوار الشائكة المكهربة تم بناؤه لحماية المحتلين والمستوطنين.
    في هذه الرحلة.. وقفنا وجهًا لوجه أمام قوات الاحتلال في بلدة «نعلين».. وسجلنا كيف يقمع الاحتلال الانتفاضة بالرصاص والجرافات وكيف يتركون الشباب الفلسطيني الذي يتعرض للإصابة ينزف حتي الموت.. وكيف يضربون النساء والشيوخ ويقتلون الأطفال.
    باختصار في هذه المرحلة.. مشاهدات من الجرائم التي ترتكب ضد شعب هذا الوطن.. وحوارات مع عدد من رموزه.. وإلي الحلقة الأولي من هذه الرحلة.
    ابني.. صاحب العام والشهرين في هذه الدنيا هو السبب الأول والأخير وراء كل كلمة ستقع عيناك عليها عبر السطور المقبلة.. طفلي هو الذي دفعني دفعاً وغصباً للذهاب بقدمي وبكامل إرادتي وقواي العقلية والثقافية والوطنية، وبكل مشاعري الكارهة والحانقة والرافضة والغاضبة والمتألمة إلي ٦ ش ابن مالك بالجيزة!
    حق صغيري وهويته وحريته وكيانه واستقلاليته ووجوده وعودته الآتية حتماً يوماً ما إلي أرضه وتراب وطنه المغتصب النازف دماءه، أكبر بكثير من كل الأقاويل التي ربما ستتردد مشيرة إلي بأصابع التطبيع.. نعم.. أعترف وأقر وأصرح وأعلن بصوت عال وجريء وثابت ودون أي محاولة للتهرب والإخفاء.. أقولها وكلي حزن وألم وشجن ومرارة وأسف.. حصلت علي التأشيرة الإسرائيلية من سفارة إسرائيل بالقاهرة، والتي يرفرف علمها عالياً مطلاً علي ضفاف نهر النيل العظيم..!!
    لا مفر ولا بديل، وكما يقولون «من أجل الورد ينسقي العليق»، ومن أجل طفلي فقط دخلت الوطن الجريح.. فلسطين.. حكايتي ليست طويلة ولست من هواة الحديث عن أنفسهم كثيراً، خاصة أنني لست من مشاهير الفن والطرب أو الكرة الذين يتابعهم الجمهور لحظة بلحظة ولكن الظروف التي مررت بها وخوضي هذه التجربة الفريدة من نوعها، وهي السفر إلي فلسطين المغتصبة تحتم علي أن أثقل عليك قليلاً، لتسمح لي أن أسرد قصتي التي بدأت بزواجي من الطبيب الفلسطيني «ماجد محمود سليم»، اخترت هذا الرجل ليكون نصفي الآخر..
    وهو مثله مثل كل أبناء الشعب الفلسطيني.. ناضل وقاوم، احتجز في السجون الإسرائيلية ولاقي أهوالاً وألواناً من التعذيب، الذي مازالت آثاره محفورة في جميع أنحاء جسده، وبعد الإفراج عنه وضع تحت الإقامة الجبرية لمدة ٤ سنوات، أبعدوه وطردوه بعدها عنوة عن وطنه، ليظل هائماً مغترباً بلا وطن سوي قلبه، ما بين أوروبا وروسيا والولايات المتحدة، وكانت مصر هي محطته الأخيرة، تزوجنا وتكلل الزواج بطفلنا «إسلام»، الذي ولدته في القاهرة بين أحضان نيلنا وحضارتنا ومن حسن حظه أنه حصل علي الجنسية المصرية بعد القانون الجديد، فأصبح مصرياً لأن أمه مصرية.
    ولكن لم ننس أنا ووالده لحظة واحدة منذ أن احتضناه بيننا أنه فلسطيني، أصله وفصله وعنوانه هناك علي تلك الأرض الجريحة، من هنا بدأت الحكاية لنحمل معها مسؤولية تسجيل هذا الطفل في السجلات المدنية في دولة فلسطين المغتصبة.. ولكي يسجل هناك ويحصل علي الجنسية والهوية وشهادة الميلاد وجواز السفر الفلسطيني يجب أن يدخل الأرض المحتلة، وهو ما يتطلب دخول أمه ووالده.. الاثنان معاً..
    أعترف بأنني فكرت كثيراً وربما ترددت أكثر، فالقرار بالنسبة لي ليس سهلاً علي الإطلاق، بل كان من خامس المستحيلات أن أدخل الأراضي الفلسطينية بتأشيرة العدو المغتصب الذي سيظل عدونا جميعاً.. لكنها المسؤولية التي حملتها علي عاتقي منذ أن كان طفلي يضرب بقدميه الصغيرتين في أحشائي معلناً وجوده، وحتي لا يحاسبني عندما يكبر ويصبح رجلاً فيسألني هذا السؤال.. «ليه يا ماما مخلتينيش آخد جنسية وطني؟ ليه يا ماما أنا مش مواطن فلسطيني زي أبويا»؟!!، ولذلك كان القرار حاسماً لأذهب ويكون ما يكون.. لينصبوا لي المشانق.. وليتهموني بأبشع التهم.. ولكن ستحمل هويتك الفلسطينية يا صغيري.
    مشهد (١)
    سجل.. أنا عربي
    برأس الصفحة الأولي
    أنا لا أكره الناس
    ولا أسطو علي أحد
    ولكني إذا ما جعت
    آكل لحم مغتصبي
    حذار.. حذار من جوعي
    ومن غضبي
    لم تفارقني تلك الأبيات للشاعر الفلسطيني الراحل «محمود درويش»، طوال طريقي إلي السفارة «الإسرائيلية» بالقاهرة.. حالة من التجهم والصمت بل والذهول انتابتني، ومشاهد كثيرة لم تفارق مخيلتي.. نكسة ١٩٦٧ وأسرانا الذين دفنوا أحياء ودماء الشهداء ونحيب الأرامل، أطفال مدرسة «بحر البقر» ومذابح «دير ياسين» و«صابرا وشاتيلا» و«قانا» و«الحرم الإبراهيمي»، مرور ٦٠ عاماً علي النكبة واحتلال الأراضي الفلسطينية، يومها ارتدي طفلي «تي شيرت» كنت طبعت عليه العلم الفلسطيني وكتب عليه «عائدون».
    أفقت من ذهولي وأنا أقف أمام كوبري الجامعة.. أرفع رأسي عالياً لأنكسه علي الفور عندما اصطدم بـ «نجمة داود» المطبوعة وسط العلم «الإسرائيلي» المرفرف!.. وقفت ما يقرب من ربع ساعة.. تائهة وحائرة.. مترددة، كما يقولون «أقدم خطوة وأؤخر عشر».. ودخلت بعد أن سجلت اسمي عند مكتب أمن الدولة المصري في مدخل العمارة!!، وصلت إلي الدور السادس عشر، فالمصعد لا يصعد إلي الدور السابع عشر حيث تقع السفارة! «سفارة دولة إسرائيل بالقاهرة» لافتة تصطدم عيناك بها عندما تصعد بقدميك إلي الدور الأخير حائط سد وباب مغلق وجرس صغير.. بغضب وحنق ضغطت علي زر الجرس فأتاني صوت يتكلم العربية بضعف..
    «ماذا تريد؟»
    قلت.. «المسؤولة الإعلامية شانية»..
    «انتظر»
    دقائق وفتح الباب إلكتروياً.. أدخل فيقابلني رجل أمن مصري يطلب مني أن أضع كل متعلقاتي علي الجهاز الإلكتروني، وأدخل عبر بوابة إلكترونية، ألبي كل ما يطلب مني، وبعد التفتيش الدقيق يطلب مني أن أترك حقيبتي ولا آخذ سوي النقود والأوراق المطلوبة!!
    نسيت أن أقول لكم إنني كنت قد طلبت «شانية» المستشارة الإعلامية في السفارة هاتفياً، وقلت لها إنني أريد تأشيرة لزيارة أهل زوجي في مدينة «الظاهرية» التابعة لمحافظة «الخليل» وأنني سوف أقوم أيضاً بعمل ملفات صحفية مصورة، فكانت إجابتها كالتالي: «إنني سأقدم لك كل التسهيلات التي لم أقدمها لأي شخص آخر، فأنت من الصحافة المصرية وهذا ما يهمنا».. والحق أنني لم أعلق نهائياً، فقط اكتفيت بأخذ موعد للذهاب إليها..!!
    بعد انتهاء إجراءات التفتيش.. فوجئت بأن علي أن أصعد أدراج سلم آخر لأواجه حائطاً سداً وجرساً علي اليمين قبل أن أضغط عليه فتح الباب، فشاشات المراقبة في كل الأنحاء حولي كفيلة بأن يعرفوا من خلالها أنني لا أحمل سلاحاً.. إذن أنا الآن في السفارة، عرفت ذلك ما إن وقعت عيناي علي صورة كبيرة للرئيس «السادات» مصافحاً فيها «بيجن»، وكتب تحتها بالعبرية والعربية «معاهدة كامب ديفيد للسلام»، وأمام الصورة لافتة تحمل «ممنوع الدخول بالأسلحة البيضاء».
    ردهة طويلة مشيت فيها وما إن وصلت إلي الباب المغلق حتي فتح إلكترونياً، دخلت لأجد مجموعة من النوافذ يقف وراءها الموظفون الإسرائيليون، أفصح لك أنني حاولت أن أكتم دموعي التي كانت علي وشك الانهمار ونجحت.. كتمت غيظي واستفزازي وسألت الموظفة عن «شانية» فأجابتني أن لديها اجتماعاً ولكني في انتظارك.
    قدمت لها كل الأوراق المطلوبة من جواز السفر وقسيمة الزواج وشهادة ميلاد ابني إسلام.. ومبلغ ١٠٠ جنيه، سألتني.. «أين تريد الذهاب في إسرائيل؟!» أجبتها تلقائياً وبدون تفكير «كل فلسطين»، امتعض وجهها - هكذا أحسست - وأخذت كل الأوراق وطلبت مني أن أعاود الحضور بعد ١٥ يوماً للحصول علي تأشيرة الدخول لأنهم سيرفعون الأمر لوزارة الداخلية الإسرائيلية في تل أبيب.
    غادرت السفارة وتركت جواز سفري عندهم، غادرتها وأنا في حالة يرثي لها.. حالة من الحزن والشجن والغيظ والغضب.. ولكن لا محالة سأذهب إليهم مرة أخري ولتكن الأخيرة بعد ١٥ يواماً..!!.
    مشهد (٢)
    طوال فترة الـ ١٥ يوماً كنت أعد عدتي الصحفية، فإذا كان القدر يجعلني أذهب إلي أرضنا المحتلة، وهي حلم أي صحفي لنقل الأحداث، والحقائق علي أرض الواقع، خاصة أنها البؤرة الساخنة في العالم أجمع، فلن أجعل تلك الفرصة تفوتني، بل سأجعل من زيارتي الإنسانية ملفاً أو مجموعة من الملفات الصحفية المصورة، عما تفعله الأيدي الصهيونية في جميع مدن الضفة الغربية، التي بالتأكيد تخفي أحداثاً وأسراراً لا نعرفها حتي من شاشات الفضائيات التي تركز علي ما يحدث في قطاع غزة فقط.
    وسط أحلامي بالإعداد لهذه الرحلة كانت الـ ١٥ يوماً قد مضت، وعلي أن أذهب إلي أبواب السفارة الإسرائيلية مرة أخري.. لم تختلف حالتي كثيراً عن الزيارة الأولي، اللهم إلا معرفتي هذه المرة بحالة التفتيش التي تدل علي خوف الظالم والمعتدي، وقفت عند النافذة لتحدثني فتاة إسرائيلية تدعي «آياه» قائلة: «تأشيرتك وصلت ولكن غير مسموح لك بالدخول إلي الأراضي الفلسطينية أو أراضي السلطة، فقط تدخلين الأراضي الإسرائيلية»، بالطبع تقصد مناطق الخط الأخضر وهي «حيفا ويافا وعكا والناصرة وتل أبيب».
    أصابني كلامها في مقتل، وقلت لها بشيء من العصبية.. «عفواً لا أفهم أريد «شانيه» المسؤولة الإعلامية أو أي مسؤول عنا»، غابت قليلاً وإذا بشخص يدعي «خاي»، المسؤول عن التأشيرات قال لي بالحرف إن «وزارة الداخلية الإسرائيلية سمحت لك بالعمل الصحفي داخل إسرائيل فقط ولكن ليس في المناطق التي تشرف عليها السلطة الفلسطينية»!! قلت له «ولكن سبب دخولي هو زيارة أهل زوجي في الظاهرية أي مدينة الخليل، ثم إنكم تفرضون علي كصحفية أن أتكلم مع الإسرائيليين فقط، ولا أسمع أو حتي أري الفلسطينيين هذا ليس من حقكم»!.
    كان صوتي بدأ يعلو ومعه ضغط دمي أيضاً ويبدو أنه لاحظ هذا فقال لي مسرعاً مغادراً النافذة الفاصلة بيننا «تلك أوامر الداخلية، وعندما تصلين إلي تل أبيب تستطيعين أخذ تصريح من وزارة الداخلية الإسرائيلية هناك، هم فقط يستطيعون إدخالك وليس أي شخص آخر!، اختفي «خاي» عن أنظاري واستلمت جواز سفري الملوث بتأشيرتهم.
    «هم لعبوها صح» هكذا كنت أردد في صمت وأنا سائرة في الشارع كالتائهة، رفضوا دخولي أراضي السلطة لمنعي من تسجيل ابني في السجلات المدنية الفلسطينية، ومن ممارسة عملي الصحفي في مناطق السلطة.. إذ هم نصبوا لي فخاً محكماً..
    وعندما اتصلت هاتفياً بعدة جهات في فلسطين جاءتني الإجابة ساخرة ضاحكة مرددة بأنك طالما حصلت علي التأشيرة فيمكنك الدخول في جميع الأراضي، ولكن عندما يحدث هذا وتقومين بنشر عملك الصحفي من داخل مناطق الضفة الغربية ورام الله لن تدخلي فلسطين مرة أخري، لأنهم ببساطة سيضعونك في القائمة السوداء أي الـ «Blak List».. وعلي الفور حزمت أمتعتي وجهزت عدتي الصحفية.. وأخذت ابني علي كتفي ووضعت يدي في يد زوجي واتجهنا جميعاً إلي مطار القاهرة الدولي.
    مشهد (٣)
    «الأردن» هي بوابة الدخول الوحيدة لنا وللفلسطينيين جميعاً إلي الوطن الجريح.. عبر جسر الملك حسين، أو كما يطلقون عليه «جسر اللنبي»، وصلنا إلي الأردن وأنهينا بعض الإجراءات الخاصة بإضافة طفلي علي جواز سفر والده الأردني والتي استغرقت يومين.. قابلت العديد من أصدقاء زوجي الفلسطينيين المقيمين في الأردن الممنوعين من الدخول إلي أرضهم، لأنهم لا يملكون حق العودة، تحدثوا معي كثيراً عن جمال وعبقرية أرضهم وعن هوائها الذي لن أجد له مثيلاً في العالم، ورائحة ترابها وزيتونها وأعنابها، وعن بيوتهم القديمة وأحيائها ومفاتيح منازلهم التي مازالوا يحتفظون بها في قلوبهم قبل جيوبهم، كلهم أمل ويقين بأنهم عائدون قبل أن أودعهم مغادرة إلي أرضهم المنشودة.
    سألت سيدة عمرها من عمر النكبة: «هل تريدين شيئاً بعينه أشتريه لك من فلسطين»؟ فوجئت بدموعها تنسال علي خدها قائلة بحزن وتوسل وصوت مكسور: «شوية تراب من أرض فلسطين» تركتها محدثة نفسها، هو الشئ الوحيد الذي لا يشتري، في حين أنه غالي جداً بل إنه حتي لا يقدر بثمن..
    مشهد (٤)
    تاكسي من وسط العاصمة «عمان» يحملنا بحقائبنا إلي جسر الملك حسين، قلب يخفق وصوتي يختنق ودموعي تنساب ويداي تحتضنان صغيري بقوة، وجه «ماجد» زوجي اختلف، لم أر في عينيه ذلك اللمعان والبريق منذ أن تزوجنا ولم ترتسم تلك الابتسامة علي وجهه منذ أن عرفته، سألته: «إحساسك إيه وأنت داخل علي فلسطين»؟!، أجابني بسرعة «وطني يا أمل»!!.
    كلمته كانت كفيلة بتفسير ما هو غامض ومبهم لي، وصلنا الحدود وأخذنا تأشيرة الخروج من الأردن وفي هذه اللحظة افترقنا! فارق ابني حضني وذهب مع والده في سيارة، أما أنا فقد لحقتهما في سيارة أخري، طمأنني «ماجد» قائلاً: أنت ستعاملين معاملة الأجانب، أما أنا فمواطن وسوف يصحبني «إسلام» لأنه مقيد علي جواز سفري الأردني!
    بعد ما يقرب من نصف ساعة وصلنا بوابة الحدود فقط استوقفت السيارة التي كنت فيها نقطة تفتيش إسرائيلية.. من النافذة طلبت المجندة وهي امرأة مدججة بالسلاح الهويات ففتحت جواز سفري علي تأشيرتهم المشؤومة وكذلك كل الراكبين معي ففتحت لنا البوابة ومررنا.
    كتل من اللحم البشري واقفة علي البوابات، طوابير لا مثيل لها من الفلسطينيين، تقف تحت الشمس الحارقة من أجل الدخول إلي وطنهم، كم من التفتيشات لم أره في حياتي.. وقفت أبحث عن زوجي وطفلي وجدتهما وقد أخذا مكانهما في الطابور، قررت أن أقف لولا سائق السيارة الذي نبهني أنه ممنوع علي الوقوف مع الفلسطينيين، ومن المفترض أن أدخل من بوابة الأجانب، دخلت بالفعل واستوقفني أول جندي طلب مني جواز السفر، ما أن رآه حتي قال بفرحة لم يستطع أن يخفيها وباللغة العربية.. «مصرية؟!»، قلت له «نعم»، فرد «مرحباً بك في إسرائيل»، لم أرد عليه.. فقط مشيت وراءه لينهي إجراءاتي.
    أعترف بأن حالة من الخوف انتابتني خاصة عندما تذكرت أنني أحمل تأشيرة لا تسمح لي بالدخول للأراضي الفلسطينية، ولكنني وبعد أسئلة الإسرائيلية الجالسة إلي النافذة، أين سأذهب وأين سأقيم؟، تلخصت إجابتي في أنني سأزور كل إسرائيل وأولها القدس وأنني سأقيم في فنادق، أعطتني ختم الدخول.
    أنهيت إجراءاتي في أقل من ربع الساعة، وانتظرت بالخارج لأكثر من ٣ ساعات حتي ينهي زوجي وابني إجراءاتهما، وعندما قابلتهما سألت «ماجد» عما حدث، فقال لي: إنهم طلبوا منه أن يغير اسم «إسلام» وأن يسميه «سليم» مثلاً، لم يكن أمامه سوي أن يقول إن شاء الله ولكن عندما أدخل!
    مشهد (٥)
    «أمل.. أنت في فلسطين.. تلك هي أريحا»، هكذا جاءني صوت «ماجد»، وجدتني أتنهد بحرقة وأدندن بأغنية الشيخ إمام التي كتبها الشاعر أحمد فؤاد نجم..
    يا فلسطينية والبندقاني رماكوا
    يا فلسطينية وأنا بدي أسافر حداكوا
    ناري في إيديا وإيديا تنزل معاكوا
    علي رأس الحية وتموت شريعة هولاكو
    إحساس لا يوصف، صدقني لو قلت إن القلم يعجز عن التعبير عما كنت عليه، حالة من حالات «اللخبطة»، سعادة وحزن، ابتسامة ودمعة، همست في أذن صغيري الذي كان نائماً مستغرقاً بين أحضاني من عناء الرحلة قائلة.. «ياه.. أنت في وطنك.. أنت في فلسطين.. قوم شوف جمالها.. جبالها وخضرتها.. لوزها وزيتونها.. ريحتها حلوة أوي وهواها بجد مختلف».
    رفعت رأسي ونظرت من نافذة السيارة لأجد العلم الإسرائيلي، علي كل شجرة.. في كل مكان، في هذه اللحظة انكسرت فرحتي بجد، ما أن تقع عيناك علي نجمة داوود المرفرفة حولك، والتي تلاحقك في كل مكان تسير فيه إلا تشعر بالانكسار، والإذلال والظلم، تحاول أن تبتلع ريقك فلا تجد فيه سوي طعم المرارة!!..
    وبعد ما يقرب من ٤ ساعات وصلنا «الظاهرية» عند أهل زوجي، استطاع استقبالهم الحار لنا ولحفيدهم الذي يرونه لأول مرة أن يخرجني من حالتي نوعاً ما، بالمناسبة «إسلام» هو الحفيد رقم «٥٢» لوالد زوجي «حمود سليم» كنت أظن أن الليلة ستمضي هادئة ولكن الساعة ٢ فجراً طلبت مني «فاطمة جراد» حماتي أن أطلع إلي سطح المنزل لأري «اليهود» في الظاهرية.
    صعدت السلم مسرعة ليستقبلني أول مشهد حي ٣ عربات جيب عسكرية مصفحة تمشي في شوارع المدينة وقد خرج ما يقرب من ٢٠ شاباً يحملون في أيديهم حجارة يلقون بها علي الجيب، تلقائياً وجدتني آخذ حجراً من ضمن الحجارة الملقاة علي سطح المنزل لألقي به أنا الأخري، جذبتني حماتي لنقع أنا وهي علي الأرض وإذا بضرب الرصاص الحي ينهال ويدوي في الأجواء، ضحكت حماتي قائلة.. «كنت هتموتي في أول يوم.. طيب استني لما تشوفي الضرب اللي بجد»!!
    مشهد (٦)
    شهر كامل بالتمام والكمال قضيته في تلك الأرض الطاهرة، علي هذا التراب المغتصب دون وجه حق، شهر كامل حصلت فيه أولاً علي ما كنت ذاهبة من أجله، علي جنسية «إسلام» وشهادة ميلاده الفلسطينية، دون أن نغير اسمه كما طلب الإسرائيليون أما الأمر الثاني فأعتقد أنني أيضاً أنجزته..
    أن تسمع عن الظلم والذل والمهانة التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني شيء، وأن تراه بعينيك وتلمسه بيديك وتتعرض له شئ آخر.. أن تسمع صوت فيروز مهللاً «إليك يا مدينة الصلاة أصلي»، غير أن تسمع وأنت تسير في شوارع القدس العتيقة.!!، فيها مشيت وبقبة صخرتها وأقصاها وقيامها ومهدها التقطت الأنفاس!!.
    رحلة طويلة أصبحت فيها عبر ملفات مقبلة.. أنقل فيها إليك ما رأيته وما سمعته، مسؤولية وأمانة كبيرة حملها لي تراب تلك الأرض المحتلة والمغتصبة.. أعترف أنني أشعر بأن أكتافي تؤلمني من ثقل ما أحمله، من القدس وكنيسة القيامة والمسجد الأقصي وقبر «عرفات» وحصار «نعلين» وآهات «مروان البرغوثي» و١١ ألف أسير في السجون الإسرائيلية.
    كل حجر وذرة تراب لها عندي كلمة.. بل كلمات فهل سوف أكون علي قدر الأمانة والمسؤولية التي حملتها علي أكتافي من هذا الوطن الجريح؟، هل سأنجح بالفعل في اصطحابك معي في هذه الرحلة بكل تفاصيلها المحزنة والمليئة برغم كل الآلام بالأمل؟، إن نجحت فهذا كل ما أتمناه، وإن فشلت يبقي لي شرف المحاولة.

  2. [2]
    سيبويه
    سيبويه غير متواجد حالياً
    عضو فعال جداً


    تاريخ التسجيل: Sep 2006
    المشاركات: 224
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 1

    و هذا هو الجزء الثانى من سلسلة المقالات

    أمل سرور تكتب : مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٢» التسلل إلي زهرة المدائن.. وساعات في مدينة الأشباح

    ١٨/٨/٢٠٠٨



    أمل سرور
    هي .. قرة العين ونن القلب!
    هي الجرح والوجع، والحزن، والشجن، والبراءة والمرارة!!
    هي المتحدية، المقاومة، الشامخة، الصابرة، الصامدة أمام همجيتهم..
    أقصاها مقدس ثابت مهلل مكبر داع إلي الصلاة في مدينته..
    ..........في قيامتها كتب عمر بن الخطاب عهدته العمرية فتجلي عدله. من «باب العامود» دخلت، وفي ساحة الخليل مشيت، وبين «خان الزيت» و«حارة الشرف» و«سوق اللحامين» و «العطارين» تجولت، بالغضب الساطع في شوارعها العتيقة تسلحت وسمعت جياد الرهبة آتية قائلة لن يقفل باب مدينتنا، سنمر علي الأحزان وسنفتحها الأبواب، وحتما سنمحو آثار القدم الهمجية من أرضك يا قدس.
    وكأنها النداهة.. يأتيني صوتها من بعيد ليخترق كل الأجواء فيشد حواسي كلها إلي هناك.. أنين جريح متوجع يناديني مهاتفا مستغيثاً، فلا أملك معه سوي أن ألبي النداء، الطريق إليها لا محالة مفروش بالألغام، ومكلل بالأشواق، لكن لا مفر ولا بديل.
    أن أكون علي أرض فلسطين ولا أذهب إلي «يابوس» أو «أور سالم» أو «مدينة الله» - تلك هي أسماؤها القديمة - فكأنني لم أغادر من بيتي الكائن في المعادي. أن أذهب بقدمي إلي هناك ولا أقف تحت قبة صخرتها، ولا تتجول عيناي في شوارعها وبين أروقة معابدها وكنائسها ومساجدها القديمة فهذا أمر من رابع المستحيلات، لذلك كان القرار حاسماً وواضحاً بالذهاب إلي مدينة القدس، مهما كلفني الأمر!!
    الرحلة من قرية «الظاهرية»، التابعة لمدينة الخليل، حيث أقيم مع أهل زوجي إلي «مدينة الله»، ليست سهلة علي الإطلاق، بداية من الحواجز العسكرية ونقاط التفتيش الإسرائيلية التي تلاقيك في كل مكان، بدءاً من مدينة «دورا» و«حلحول»، مرورا بـ«رام الله» و«أبو ديس»، ووصولاً إلي «القدس»، والحق أنها كانت رحلة شديدة الخصوصية محفوفة بالمخاطر والمغامرات بالنسبة لي!!، رحلة كدت أفقد فيها زوجي تماما، إما باعتقاله في السجون الإسرائيلية أو برميه بالرصاص أمام عيني من قبل قوات الاحتلال الغاشمة!!
    الحكاية بدأت عندما قرر ماجد أن يسافر معي إلي القدس بل يصلي في قلب المسجد الأقصي، ونتجول سويا في شوارع القدس، العتيقة، قد يبدو الأمر عاديا، وربما تقول إن هذا هو الطبيعي، فهو مواطن فلسطيني وليس لديه أي مشكلة في الدخول إلي أي مدينة من مدن وطنه المحتل، ولكن المسألة ليست بهذه السهولة التي تتصورها، ولا تخص زوجي فقط، بل تنطبق علي كل الفلسطينيين المقيمين خارج مدينة القدس، وتحديداً في بقية مدن الضفة الغربية.
    وتتلخص المشكلة في أن إسرائيل أصدرت قانوناً ظالماً ووهمياً، مثلها تماماً، يمنع أهل الضفة الغربية بأكملهم من الدخول إلي «القدس»، وبالتالي أصبحت مدينة الله تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة ولا يدخلها إلا من معه هوية إسرائيلية فقط، ومن يحاول الدخول عنوة، يُعد مخالفاً للقانون والسجن أمامه والتعذيب من خلفه!!
    لذلك جن جنوني عندما فاجأني «ماجد» بقراره السفر معي إلي القدس، وباءت كل محاولاتي بإقناعه بالعدول عن هذه الفكرة المجنونة بالفشل، ولم أملك سوي الصمت أمام عباراته التي قالها بتحد: «هادخل وهاصلي في الأقصي غصب عنهم، و(اللفة) هي كلمة السر»!!
    بكمّ من القلق والذهول والترقب والتوجس والرهبة والخوف تحركت بنا السيارة.. لم يكن يهون علي الطريق سوي جمال تلك الجبال وخضرتها ورائحة هوائها، الذي لم أجد له مثيلاً في العالم..!! عند منطقة «أبوديس» استبدلنا سيارتنا الأجرة بأخري، تلك المنطقة التي تستطيع من خلالها أن تري منطقة القدس، بينك وبينها هذا الجدار العازل، الذي عزل مدينة الله عن بقية أصحابها، قلبي يخفق ونحن نقترب من معبر «الزعيم» وأنا أري البوابات الحديدية، وقد وقف جنود من الاحتلال مدججين بالسلاح، والعلم الإسرائيلي يرفرف فوقهم.
    وقف الأتوبيس عند أول المعبر، وإذا بجندي إسرائيلي يطالع الراكبين، مطالباً، بصوت أجش وبلغة عربية ضعيفة، «الهويات»، كتمت أنفاسي وحاولت أن أنظم ضربات قلبي، عندما طلب الهوية من «ماجد» الذي فتح له جواز سفره علي التأشيرة الأمريكية.. قال له الإسرائيلي: إيه ده؟!
    قال ماجد: تأشيرة أمريكا.. أنا لست مقيماً في البلد وأريد أن أزور القدس.
    قال له مهدداً بصوت عال: انزل.. انزل.. انزل..
    قالها ثلاث مرات فنزلنا سوياً
    لا أستطيع أن أصف الدقائق الخمس التي انتظرنا فيها الجندي الإسرائيلي عند بوابة المعبر حتي ينتهي من هويات الراكبين، وهواجس حاصرتني وشلت تفكيري.. قلقي علي زوجي وفضولي الصحفي كادا يقتلانني!!
    لم أفق إلا علي صوت الجندي الإسرائيلي قائلاً، بلهجة من «الشخط والنطر» في وجه زوجي: إنت واقف ليه؟.. يلاَّ امشي، امشي.. روخ، روخ..
    هنا فقط تدخلت.. ولأول مرة في حياتي أتكلم مع إسرائيلي قلت له: أنا صحفية وهو زوجي و...
    لم أكمل كلامي إلا وقال لي: أنت تدخل مفيش مشاكل لكن هو ممنوع never.. nev
    er، يعني أبداً.. أبداً لن يدخل.. هو فلسطيني.
    قالها بحرقة وكأنها وصمة عار.. وقبل أن نفتح أفواهنا لنتكلم فوجئنا به يسحب الرشاش ويوجهه تجاه ماجد، محاولاً أن يدفعه به قائلاً.. «روخ.. امشي .. امشي»، وإذا بمجندة تخرج فجأة من بوابة المعبر، وتشهر السلاح في وجه زوجي.
    علي الفور نظرت إلي وجه زوجي وقد احتقن بالدماء وشرر يتطاير من عينيه.. تداركت الموقف وسحبت زوجي من يديه قائلة: «يلاّ يا ماجد وحياة ابننا، أنا خلاص مش عاوزة أدخل القدس».
    تركنا المعبر.. وحالة من الصمت سادت بيننا، في هذه اللحظة فقط لم أفكر في إحساسه كزوجي، ولكن كمواطن فلسطيني منع من دخول مدينة في وطنه دون أي وجه حق.. كنت أفكر في حالة الإذلال والهوان التي يعاني منها كل أبناء الشعب.
    صوت ماجد عالياً ومهللاً في الشارع كان كفيلاً بأن يجعلني أفيق: «مهما يعملوا ومهما يعزلوا ومهما يقتلوا ويدمروا ويمنعوا.. هاندخل وهانعيش وهاننتصر».
    بالفعل تحقق الحلم.. ورغم البوابات والمعابر ونقاط التفتيش والأسلحة المشهرة، ورغم قوة الجدار العازل الذي يتحدثون عنه ليلاً ونهاراً..
    دخلنا مدينة القدس..!!
    عن طريق «اللفة»، كان في استطاعتي أن أدخل بالتأشيرة المطبوعة علي جواز سفري بكل سهولة، ودون أي مخاطر، ولكني مشيت ما يقرب من ١٢ كيلو متراً عبر الجبال والمنحنيات، ووصلنا أخيراً إلي مدينة القدس.. ولم نكن وحدنا في الطريق الوعر، بل كان معنا المئات من الفلسطينيين من أهل الضفة، سرنا جميعاً في طريق واحد.. ولكننا وصلنا في النهاية إلي.. مدينة الله!!
    آهة موجوعة من القلب.. تنهيدة مريرة ساخنة من بين الضلوع وابتسامة مكسورة غارقة في الشجن والدموع!!
    تلك كانت حالتي ما إن وقعت عيناي من شباك السيارة علي القبة الذهبية بجلالها وشموخها وسط تلال من بيوت البلدة القديمة، صدقت فيروز.. بصوتها الدافئ وإحساسها العبقري، عندما غنت لها قائلة: يا بهية المساكن.. يا زهرة المدائن!!
    عند «باب العامود»، أشهر أبوابها السبعة، كان الكاتب الصحفي والمدير العام للمؤتمر الوطني الشعبي بالقدس، والصديق القديم الذي طالما حدثني عن جمال وعبقرية مدينته «يونس العموري» في انتظارنا.. استقبلني قائلاً:
    أخيراً أنت علي أرض القدس.. من أين تفضلين أن نبدأ..؟!
    قلت له: من عند الناس في شوارعها العتيقة..
    إذاً فلتكن بدايتنا من عند البلدة القديمة.. ما إن تطأ قدماك أرض البلدة القديمة، إلا وتشعر برائحة غريبة تدخل إلي صدرك، فلا تملك سوي أن تفتح رئتيك لآخرهما لها..!!
    ربما تكون رائحة «البلاط القديم» للشوارع الذي يعود لقرون وقرون.. وربما تكون رائحة تلك الأسوار العتيقة التي تشعر بأنها ستتكلم معك لتحكي لك قصصاً وأساطير من التاريخ.. وربما تكون رائحة شوارعها وحواريها الضيقة المفروشة التي شهدت أعنف الصراعات علي مر الأزمان.
    وربما أيضاً تكون رائحة دماء الآلاف من شهداء هذا الشعب الذين تناثرت أشلاؤهم دفاعاً عن تلك الأرض، لكل شيء رائحة ومذاق، والأغرب أن لهذه الرائحة لغة لا يستطيع أن يفهمها ويدركها ويشعر بها سوي من يتجول بقدميه في البلدة القديمة.
    حالة من السكون والصمت والهدوء القاتل سيطرت علي البلدة القديمة، أسواقها مليئة بالمحال التجارية والمطاعم والمقاهي ولكنها خالية من البشر.
    مالي أشعر بأنني في مدينة أشباح؟!!، هكذا سألت «يونس العموري» فاجأني بلا تردد: هذا هو وصف دقيق للحالة التي تعيشها مدينة القدس خلال هذه الفترة.. منذ سنوات كنت لا تستطعين أن تضعي قدميك في هذه المنطقة.. كانت لدينا حياة.. الآن اختلفت الظروف بعد القانون الإسرائيلي الخاص بضم القدس للسيادة الإسرائيلية وتوحيدها تحت ما سمي «القدس الموحدة»، وما تلا ذلك من قانون «القدس عاصمة إسرائيل الأبدية»، حتي وصلوا إلي عزل القدس عن بقية مدن الضفة الغربية ومنع الدخول إلي المدينة المقدسة، هذا كله انعكس بشكل سلبي وأصبحت القدس، كما تشاهدينها الآن، «مدينة الأشباح»!!
    لفتت نظري سيدة عجوز تفترش الأرض لتبيع بعضاً من «الملفوف»، أي ورق العنب وأعواد الملوخية الخضراء.. اقتربت منها وسألتها: «يا أمي أنت من القدس..؟».
    فاجأتني حينما قالت: أنا من حلحول،
    يعني من الضفة.. طب بتدخلي إزاي؟!
    تركتها تتكلم وتحكي لتسمعوا معي:
    عن طريق «اللفة» عند المعبر ما بيدخلونا وبيقبضوا علينا وبيبهدلونا، الله ياخدهم من هون.. لكن هون أرضنا وبلدنا، أنا ابني أسير عندهم محكوم عليه ٥ مؤبدات يعني سنين والله ما بعرف يامه كام عددهم، والثاني استشهد في الانتفاضة الثانية، والثالث هارب في الجبال مطارد منهم، وزوجي مريض وعاوزين مصاري علشان علاجه، الرزق ضاق علينا، ما عندي حل غير التهريب واللفة، بس أقولك نفسي أصلي في الأقصي، لكن ده ما هو ممكن لأنهم بيشوفوا الهويات عند بوابات الأقصي ولو مسكوني هايحبسوني.
    بس بيكفي إني قاعدة هون باسمع الأذان في الأقصي وبادعي عليهم لا يعمر لهم بيت، الله ياخدهم.. الله ينصرنا، وحسبي الله ونعم الوكيل..!!
    تركتها وأنا أردد: آمين.
    «هذا هو بيت شارون».. أصابتني عبارة «يونس» في مقتل فالتزمت الصمت، لأسمع وأري بعيني.. منزل قديم وأثري رائع وضخم، في منطقة باب الوادي في البلدة القديمة.. عيني عينك.. وعلي عينك يا تاجر كما يقولون.. وفي وسطه لافتة ضخمة مستفزة تثير اشمئزازك، بل ربما تصيبك بالغثيان وقد علق العلم الإسرائيلي.
    في الثمانينيات - والكلام علي لسان «يونس» - جاء شارون بقوات ضخمة من الجيش الإسرائيلي، وطردوا ساكني هذا المنزل عنوة، ليستولي عليه «شارون» أملاً في أن يقيم فيه، وقامت انتفاضة مخيفة من الشباب والعجائز والأطفال والسيدات ونشبت معارك ساخنة وراح الآلاف من الشهداء، ولم يسكن فيه شارون يوماً واحداً ولكن الجيش الإسرائيلي استولي عليه بعد أن وضعه تحت الحراسة المشددة ٢٤ ساعة!!
    يبدو أن حالة الغيظ والاستنفار التي أصابتني بعد أن غادرت البيت الذي استولي عليه شارون قد بدأت تزداد لحظة تلو الأخري، فما إن دخلت سوق «خان الزين» و«العطارين» و«اللحامين» ومشيت بطريق «قناطر خضير» إلا وبدأت عيناي تصطدم بهم وجهاً لوجه، ها هم يسيرون بجانبي في وضح النهار، في شوارع البلدة القديمة! ها هم جنود جيش الاحتلال يسيرون بثقة وافتخار، ولا شيء يعطيهم تلك الثقة سوي الأسلحة التي يحتضنونها بين ضلوعهم، فهي الحامي الأقوي والوحيد لديهم، ولو تخيلتهم من دونه ستري الخوف والجبن والرعب في عيونهم.
    وها هم المستوطنون اليهود المتطرفون والمتعصبون، ها هم بقبعاتهم السوداء، ولحاهم الطويلة وزيهم الأسود وضفائر شعرهم التي تصل إلي نصف صدورهم، أراهم بعيني وجهاً لوجه وليس علي شاشات الفضائيات، عن حق وبجد وبصراحة إحساس مختلف.. معه تشعر بجبروت الظلم وقسوة القهر وحرقة المهانة، إحساسك لما تشوف الراجل اللي اغتصب بنتك وفلذة كبدك، وزهرة عمرك وأفقدها أعز ما تملك، وهو غشاء البكارة، بتشوفه جنبك لكن مش قادر تعمل له حاجة!!
    الشيء الوحيد الذي أثلج صدري، وهدأني كثيراً هو صوت الأذان مكبراً آتياً من المسجد الأقصي ومسجد عمر بن الخطاب، يعانقه صوت أجراس كنيسة القيامة، ولأن ما يسعدني يتعسهم بل يحزنهم، فقد تسربت لي سعادة طفولية عندما قال لي مرافقي «يونس»، ونحن نلتقط الأنفاس علي أحد المقاهي وسط البلدة القديمة، إن الأذان وصوت الأجراس هو أكثر شيء يزعج الإسرائيليين في مدينة الله.. تلك هي حياتنا في القدس.
    جرائم التهويد وكوارث «الأســرلة»
    مخطط صهيوني محكم من أجل تغيير ملامح وسمات عربية القدس وجعلها يهودية، عنكبوت إسرائيلي ألقي بشباكه حول مدينة الله المقدسة، من أجل محو كل ما هو عربي وتحويله إلي إسرائيلي، بدءاً بالعلم، ومرورا بالشوارع والحواري وهدم المنازل والمساجد وتشريد الآلاف المؤلفة من أبناء القدس وحتي سرطان الاستيطان الذي راح ينهش في الجسد الفلسطيني، حكايات وتفاصيل حتماً ستصيبك بحالة من الذهول تعرفها عبر السطور المقبلة.
    حكاية التهويد بدأت منذ عام ١٨٤٩ حينما حصل اليهودي «مونتفيوري» علي فرمان بريطاني من السلطات العثمانية بشراء أول قطعة أرض في القدس خاصة، وفي فلسطين عامة، ليقيم عليها أول حي يهودي، وعقب نكبة ١٩٤٨ احتلت إسرائيل ٨٤% من المساحة الكلية لمدينة القدس لتبقي البلدة القديمة وحدها بأيدي العرب بعد أن دمرت أحياء عربية كاملة وهجَّرت سكان القدس الفلسطينيين ليحل محلهم المهاجرون اليهود، ومنذ ذلك الوقت بدأت عمليات تهويد القدس وتغيير ملامحها تتم علي قدم وساق.
    إلي أن جاءت نكسة ٦٧ التي تمكن الإسرائيليون بعدها من إحكام قبضتهم علي الجزء المتبقي من المدينة، فاحتلت القدس كاملة، ولدي وصول «موشيه ديان» وزير الدفاع الإسرائيلي وبرفقته زعماء صهاينة إلي حائط البراق الشريف الذي استولوا عليه ليصبح حائط المبكي لديهم، أعلن بيانه الصهيوني الأول من هناك قائلاً: «لقد عدنا إلي الهيكل المقدس ولن نبرحه أبدا مرة أخري، اليوم هو يوم خيبر».
    وفي ٨ يونيو ١٩٨٧ وقف «شلومو جوريون» حاخام جيش الدفاع الإسرائيلي علي رأس شلة من الجيش بالقرب من الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف، وأقام شعائر الصلاة اليهودية معلناً في ختامها أن «حلم الأجيال اليهودية قد تحقق، فالقدس لليهود، ولن يتراجعوا عنها وهي عاصمتهم الأبدية»!!، وبعد أقل من أسبوع علي وقوع نكسة ٦٧ قامت قوات الاحتلال بهدم «١٣٥» منزلاً في حي المغاربة الذي كان يسكنه «٦٥٠» شخصاً، وهدم مصنع بلاستيك بالقرب من حي الأرمن، كان يعمل فيه «٢٠٠» عامل وعاملة، بالإضافة إلي هدم ما يزيد علي «٢٠٠» منزل ومخزن في مناطق مختلفة، وتشريد أكثر من «٧٥٠٠» شخص.
    ومنذ هذه الفترة بدأت إسرائيل في العمل علي تحديد شبكات المياه والمجاري ومد شبكة الباصات، ورفعت أسماء الشوارع واللافتات بثلاث لغات، وما قد يثير عجبك هو العرض الذي عرضته إحدي الجماعات الماسونية في أمريكا، وأغلبهم من اليهود، علي الهيئة الإسلامية في القدس ببناء الهيكل علي أرض الحرم القدسي الشريف مقابل «١٠٠» مليون دولار أمريكي.
    والحقيقة.. أن المتأمل لكل ما ذكرته يستطيع أن يدرك تماما أن السلطات عملت علي تهويد القدس منذ أن حطت أقدامها علي الأرض، لأنهم ببساطة يرون أن هذه المدينة هي العاصمة العقائدية والفكرية والحضارية لهم، بل يحلمون بإعادة بناء الهيكل، وعلينا أن نعلم أن المخطط الصهيوني لتهويد القدس قد نجح في عمل اختلال للميزان السكاني ليصبح ٣:١ لصالح اليهود الذين استوطنوا القدس بكثافة عالية.
    والحديث عن التهويد لا ينتهي خاصة عندما تعلم أن إجراءاتهم التعسفية وصلت إلي الاستيلاء علي أحد أهم وأكبر المستشفيات العربية داخل القدس، وهو مستشفي «المقاصد» وحولوه إلي وزارة للشرطة الإسرائيلية، كما قاموا بإنشاء مبني المخابرات علي أنقاض مستشفي القدس العام.
    أما بالنسبة للتعليم فهو الكارثة والطامة الكبري، حيث قامت إسرائيل بإلغاء مناهج التعليم العربية في المدارس الحكومية الفلسطيني لتحل محلها المناهج الإسرائيلية، بالإضافة إلي الاستيلاء علي متحف الآثار الفلسطيني، وإطلاق الأسماء اليهودية علي الشوارع والساحات في القدس العربية.
    ولم يسلم أيضاً القطاع الاقتصادي الفلسطيني من أيديهم، خاصة عندما أغلقوا البنوك العربية في القدس القديمة، وصادروا ودائعها وحولوا خمسة منها إلي بنوك إسرائيلية واستبدال العملة الأردنية بالإسرائيلية، والتضييق الدائم والمستمر علي سكان القدس وإكراههم علي شراء المنتجات الإسرائيلية، وفرض الضرائب بمختلف أنواعها عليهم، ومنع إدخال أي منتج زراعي أو صناعي عربي إلي القدس إلا برسوم جمركية ضخمة، والاستيلاء علي شركة كهرباء القدس وتصفيتها باعتبارها مرفقاً اقتصادياً عربياً، أما عن وسائل الإرهاب والبطش لإخلاء القدس من سكانها العرب الأصليين فهي مريرة وكثيرة، إلا أنها لم تنل أبداً من أبناء المدينة المقدسة الذين لا يملكون سوي الصمود والمقاومة.
    بينما كان مرافقي «يونس» يحكي ويتكلم عن التهويد وتغيير معالم القدس تماماً، رأيت مجموعة كبيرة من أفراد الجيش الإسرائيلي وقد ارتدوا زيهم المعهود وتدججوا بأسلحتهم، رأيتهم يسيرون في دفعات منظمة في شوارع البلدة الضيقة، انتفضنا من علي المقهي الصغير الذي كنا نجلس عليه وطلبنا من «يونس» أن نعرف وجهتهم.
    سرت وراءهم فوجدتني أمرّ من «خان إفرايم» و«سوق العطارين» لأدخل معهم شارعاً مختلفاً تماماً عن كل شوارع القدس القديمة، فالأعلام الإسرائيلية مرفوعة علي كل المحلات والجدران بشكل ملحوظ بل لافت للنظر، وأشكال ونوعية البضائع مختلفة تماماً، جاءني صوت «يونس» مكسورا قائلاً: تلك كانت حارة الشرف، ولكنهم غيروا كل ملامحها العربية وطردوا سكانها العرب، بل قتلوا العديد من الذين رفضوا الخروج من بيوتهم، علي الرغم من أن اليونسكو أقرت أن مدينة القدس مصنفة في قائمة الآثار العالمية التي يجب حمايته، وبالتالي ممنوع تغيير معالمها القديمة، إلا أن هذه القوانين تسري علي كل دول العالم فيما عدا إسرائيل كالعادة!!
    شعرت أن الجنود الإسرائيليين أتوا لهذا المكان خصيصاً في جولة سياحية خاصة وقد سار أمامهم شخص أخذ يشرح لهم أجواء المكان، وقبل أن أسأل مرافقي قال: إن هذا المشهد الذي ترينه هو نوع من التدريبات، فهم يحضرون إلي هذه المنطقة ويزرعون بداخلهم إحساساً بأن هذه ممتلكاتهم، وأن القدس ستكون لهم عاجلاً أو آجلاً، ولم يقتصر الأمر علي الجنود بل وصل إلي حد الأطفال فها هي مدرسة تأخذ الصغار من اليهود في رحلة مدرسية تعليمية دينية، وتقف تشرح لهم أمام مسجد لاحظت أنه مغلق تماماً!!
    كانت تتكلم العبرية فطلبت من مرافقي أن يترجم لي جزءاً مما قالت، فكانت كلماتها أن «حارة اليهود هي نموذج مصغر مما ستكون عليه مدينة القدس خلال سنوات، وأن هذه المنطقة انتزعناها من المجرمين والإرهابيين الذين اغتصبوا أرضنا ووطننا، ونحن في حرب الآن، ولن ينتصر فيها سواكم، أنتم الجيل المنتظر والشعب المختار الذي اصطفاكم الإله علي كل شعوب الأرض»!!
    هكذا يزرعون في أطفالهم الوهم والزيف وتزوير الحقائق، وهكذا أغلقوا المسجد وسيحولونه عن قريب إلي كنيس يهودي ليقيموا فيه صلاتهم وشعائرهم، أما عن السياح من كل الجنسيات الذين يأتون إلي هذه المنطقة فهم يجرون لهم غسيل مخ من خلال كهنتهم الذين يتوسطون حارة الشرف، والذين رأيت واحداً منهم: رجل سمين يرتدي زي حراس الهيكل، وهو التاج والجلباب الأبيض العاري الذي يظهر كتفيه، وراح يشرح للسياح كيف نجح اليهود في إقامة دولتهم التي أصبحت القدس عاصمتها، وكيف قدموا أرواحهم في سبيل ذلك منذ عام ١٩٤٨ مرورا بـ ١٩٦٧ وحتي الآن!
    لم استطع أن أقف أكثر من ذلك، شعرت بالاختناق والغيظ والاستفزاز، فقررت أن أغادر المنطقة علي الفور، في الطريق للخروج من البلدة القديمة استوقفني مشهد في غاية الغرابة، ما يقرب من ١٠ جنود إسرائيليين يقفون أمام باب صغير لأحد المنازل في نهاية حارة الشرف المسماة زورا «حارة اليهود»، وقفت أتأمل، فطلب مني مرافقي أن أتحرك بسرعة وإلا سيحدث ما لا تحمد عقباه!!، سألت بسذاجة.. لماذا؟!
    أجابني بأنه منزل صغير لعبدالله الإسكافي، وهذا ليس اسم عائلته بل هو يعمل بالفعل إسكافيا، يقيم في هذا المنزل الصغير الذي يتكون من غرفتين وصالة وحمام ومطبخ مع زوجته العجوز، أما أولاده الأربعة فقد استشهدوا جميعاً في أحداث الانتفاضتين الأولي والثانية، الصهاينة يريدون إخراجه من المنزل بأي شكل، فقط لأنه العربي الوحيد وسط كل تلك الغابة من المستوطنين اليهود.
    لكنهم فشلوا، وعرضوا عليه مبالغ هائلة كان آخرها ٢٠ مليون دولار ليبيع منزله الصغير ويخرج، لكنه رفض رفضاً قاطعاً وهم لا يستطيعون قتله لأنه أرسل رسائل لكل منظمات حقوق الإنسان العالمية، وحتي الإسرائيلية، وكل ما يستطيعون فعله هو محاصرته، لا يخرج أبداً وكأنه تحت الإقامة الجبرية، وزوجته مسموح لها بالخروج نصف ساعة يومياً لشراء احتياجاتهم من الطعام والشراب!!
    ساد الصمت بيننا، وما أن انتهي «يونس» من حديثه لم أملك سواه، ولم أملك سوي دموعي التي راحت تنساب في شوارع القدس القديمة، هذا الإسكافي ليس الوحيد بل مثله مثل أبناء هذا الشعب لا يملكون سوي الصمود والمقاومة والحجارة مقابل الظلم والتعسف والرصاص، أدرت ظهري إلي البلدة القديمة متجهة إلي الخروج من باب الصمود حيث أتيت، ودعتني الشوارع والجدران القديمة بصوت فيروز الذي لا يخلو محل منه قوياً مهللاً.. «الغضب الساطع آتٍ.. بجياد الرهبة آتٍ.. وسيهزم وجه القوة.. البيت لنا والقدس لنا.. وبأيدينا سنعيد بهاء القدس.. بأيدينا للقدس سلام».

    0 Not allowed!



  3. [3]
    سيبويه
    سيبويه غير متواجد حالياً
    عضو فعال جداً


    تاريخ التسجيل: Sep 2006
    المشاركات: 224
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 1
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذا هو الجزء الثالث من سلسلة المقالات عن فلسطين ، نسأل الله ان يحررها على أيدينا بإذن الله

    أمل سرور تكتب : مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٣» زيارة إلي «الأقصي»

    ٢٠/٨/٢٠٠٨



    المسجد الأقصى من الداخل
    جريحاً وحزيناً، نازفاً، ومحاصراً، خالياً من عباد الله، إلا قليلاً، فالبطش من أمامهم والرصاص من خلفهم.. علي حائط بُراقه الشريف، وعلي باب مغاربته وضعوا أيديهم المدنسة، وحول قبة صخرته فشلت شحناتهم الناسفة ولكن حفرياتهم وأنفاقهم تحت أساساته تهدده بالانهيار.
    وحده تعالي واقفاً بالمرصاد لكل من يتربص بأولي القبلتين وثالث الحرمين «المسجد الأقصي».. وكأن روحك تفيض فتطير للسماء عالياً، جسدك تنتابه قشعريرة وربما رعشة لم يشهدها من قبل.
    لا تري بشراً من حولك ولا تشعر بشيء مما يحيطك، ولا تسمع في الأجواء صوتاً سوي دقات قلبك المتسارعة!
    بلا مبالغة تلك كانت حالتي، ما إن بدأت قدماي تأخذانني من حواري وأزقة «القدس» إلي هذا المكان المقدس والطاهر.. إلي «المسجد الأقصي»، كنت في حالة من الاشتياق والحنين الجارف لزيارة هذا المكان، لم أكن أسمع صوت مرافقي «يونس» الذي راح يشرح لي أسماء الشوارع التي نسير فيها، تجاه الأقصي، وأبوابه الأربعة عشر، وبعضاً من التاريخ الديني للمكان.
    كنت في حاجة ماسة للصمت والاستسلام لتلك الحالة الروحانية التي تمكنت مني تماماً، وها أنا أقترب من أول بوابة للمسجد المقدس، خطوات قليلة وأكون علي أرض ساحته المشرفة لأقف تحت قبة صخرته، خطوات معدودة وأكون في قلب المكان الذي صلي فيه الرسول عليه الصلاة والسلام بالأنبياء جميعهم، لحظات قليلة وتحط قدماي حيث عُرج بالنبي صلي الله عليه وسلم إلي السماء، فكانت معجزة الإسراء والمعراج.
    سرعان ما أفقت من تلك الحالة النادرة التي لا يمكن أن تصيب الإنسان إلا في لحظات نادرة من العمر، وسرعان ما اصطدمت عيناي بزيهم العسكري وأسلحتهم المشهرة ووجوههم العكرة.. يجلسون بكل وقاحة وصفاقة علي بوابات هذا المكان الطاهر في مكاتب مخصصة للتفتيش والمراقبة ومشاهدة هويات وجوازات سفر كل مسلم يدخل إلي المسجد الأقصي.. مشهد غاية في الاستفزاز بل يثير حنقك وغضبك وبالتأكيد يحرق دمك. بعد أن اطلعوا علي تأشيرتهم السوداء المختوم بها جواز سفري، وبعد أن قاموا بتفتيش حقيبتي تفتيشاً دقيقاً سمحوا لي بالدخول، ولكنهم رفضوا أن يدخل مرافقي «يونس» إلا بعد أن يتخلص من «اللاب توب» أو الكمبيوتر الخاص به، الذي كان يصحبه معه في حقيبته!
    قال «يونس» للجندي الإسرائيلي: وأين أضع الحقيبة.. ليس معي سيارة؟
    فقاطعه الإسرائيلي مستفزاً: مش مشكلتي.. دي الأوامر ممنوع.. أو ماتدخلش نهائياً.
    قال له يونس: سأدخل.
    فانتفض الإسرائيلي من علي كرسيه وكادت تنشب مشاجرة بينهما، فطلبت من يونس الرحيل.
    وبالفعل رحلنا ودخلنا من بوابة أخري بعد أن ترك مرافقي حقيبته عند صاحب المقهي العربي.
    مشهد (١)
    أن تراها صورة معلقة علي الحائط أو علي شاشات التليفزيون شيء وأن تقع عيناك عليها وتقف تحتها مستظلاً بدفئها وحنو قداستها شيء آخر مختلف تماماً.
    هاجمتني الدموع فاستسلمت لها وأنا أقف بين أحضان قبة الصخرة المشرفة التي تقع كموقع القلب من جسد الإنسان بالنسبة للمسجد الأقصي.. ها أنا أقف عند الصخرة التي تقع داخل هذا المبني المثمن والتي عُرج منها بالنبي صلي الله عليه وسلم إلي السماء -هكذا يقال- أنظر إلي يميني فأجد قبة أخري أطلق عليها قبة المعراج والتي يقولون عنها أيضاً إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد عُرج به منها.
    لم يهمني من أين بالضبط قد تحققت هذه المعجزة ولكنني بالتأكيد أقف في حضرة النبي صلي الله عليه وسلم وأنا علي يقين بأنني في مكان شديد القدسية والروحانية والخصوصية، ما جعلني أترك ١٤ قرناً من الزمان لأقف علي أرض الواقع المرير هو ما قاله مرافقي بأن هذه الساحة -ويقصد ساحة الأقصي- شهدت أعنف وأقسي المعارك الساخنة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن شهداء لا يعدون ولا يحصون وقعوا علي تلك الأرض التي أقف عليها!
    لا أعرف لماذا ارتسمت في مخيلتي أجساد الشهداء وهي ملقاة في ساحة الأقصي وقد فتتت رصاصات اليهود أشلاءها، رائحة الدماء التي غزت صدري كانت كفيلة بأن تجعل الحزن والألم والدموع تعتصر قلبي، والمشهد الذي تسمرت قدماي أمامه، لدرجة أنني أحسست بأن نوعاً من الشلل قد أصابني، هو ما سرده علي مرافقي قائلاً: إنه في انتفاضة الأقصي عام ٢٠٠٠، التي قامت بسبب زيارة «شارون» إلي المسجد ونيته الدخول إلي ساحة الأقصي، التي انتفض فيها شباب وأرامل وعجائز الشعب الفلسطيني مسلموه ومسيحيوه في تلك الساحة وتصدوا لدخول شارون بجيشه،
    وبالفعل لم يدخل، في تلك الأيام قام شاب فلسطيني بتسلق قبة الصخرة المشرفة وبين يديه احتضن العلم الفلسطيني ووصل بالفعل إلي قمة القبة وحاول أن يرفع العلم عالياً مرفرفاً لكن رصاصات جيش الاحتلال الغادرة والخائنة واللعينة نالت منه فوقع شهيداً في قلب ساحة الأقصي بعد أن استقرت ما يقرب من ٢٠٠ رصاصة في أنحاء جسده.. آهة موجوعة.. وصمت أليم لم أملك سوي أن أصحبهما معي داخل المسجد الأقصي.
    مشهد (٢)
    فليحسدني الجميع.. صليت في الأقصي حيث الصلاة الواحدة بـ«٥٠٠ صلاة»، هذا أول ما فعلته عندما حطت قدماي علي أرض المكان المقدس.. ولست وحدك قارئ هذه السطور محروماً من الصلاة في الأقصي فأهل فلسطين جميعها، خاصة ساكني الضفة الغربية وغزة، محرومون منها أيضاً، لأن الاحتلال الإسرائيلي يمنعهم عنوة من الدخول لمدينته، وبالتالي زيارة أماكنهم المقدسة والصلاة فيها، وإذا كنت أنت تحسدني قيراطاً فأهل هذا الوطن المغتصب يحسدونني ٢٤ قيراطاً.
    وكما قالوا لي: إن الحج إلي بيت الله الحرام أسهل بالنسبة لنا كثيراً من زيارة الأقصي، رغم أن الأول يبعد أميالاً والثاني كيلو مترات ولكنه قدرنا.. رحت أتجول وأملي عيني بالمكان المقدس الذي خلا تماما من المصلين اللهم إلا عدداً قليلاً يعد علي أصابع اليد.
    حالة من الصمت والتوجس سادت أرجاء المكان، وقفت عند «منبر صلاح الدين الأيوبي».. شيء عبقري ولا يوصف، تحفة فنية نادرة.. هنا وقف صلاح الدين، محرر القدس، وهنا دخل اليهودي المتطرف «مايكل روهن» عام ١٩٦٩ بحذائه ليدنس الأقصي ويحرقه لتحرق أجزاء كبيرة من الأقصي وليحرق معه «منبر صلاح الدين».
    وفي هذه اللحظة فقط تحرك العرب والدول الإسلامية وتم جمع تبرعات لترميم ما أفسدته الأيدي الصهيونية، وتم ترحيل ما تبقي من «منبر صلاح الدين» إلي المملكة الأردنية الهاشمية لإعادة بنائه من جديد ليستغرق ٧ سنوات كاملة من العمل الشاق والمضني، خاصة أن هذا المنبر كان قد صمم علي طريقة الأرابيسك ولا يوجد فيه مسمار واحد..
    ولفت نظري صندوق زجاجي كبير يتوسط قلب المسجد الأقصي، وقبل أن أسأل مرافقي أجابني: هذه الخزانة الزجاجية التي ترينها أمامك تحوي كل نوعية الأسلحة والقنابل التي تُلقي علي المصلين والجالسين داخل المسجد الأقصي من قنابل غاز مسيلة للدموع وسامة، ورصاص مطاطي قاتل.. وقد قامت هيئة الأوقاف بجمع هذه الآثار لتكون شاهداً علي إدانة والظلم والهمجية التي يتعاملون بها معنا، وبالمناسبة هذا عدد قليل جداً مما يلقونه وغالباً ما تقع هذه الحوادث أثناء صلاة الجمعة من كل أسبوع.
    مشهد (٣)
    من قلب المسجد الأقصي نزلت تلك الأدراج لأصل في النهاية إلي «المسجد المرواني» الذي يقع تحت أرضية الأقصي.. كنت أعرف أن هذا المكان شهد معركة بين اليهود والمسلمين لا مثيل لها.. فسألت أحد حراس الأقصي عن التفاصيل.
    بدأ أحمد العباسي حديثه قائلاً: كل جزء من أجزاء المسجد الأقصي تعرض لهجمة شرسة من الكيان الصهيوني وأهم جزء كان معركة المرواني وهي معركة بالفعل لأننا استطعنا الحصول علي هذه المنطقة من وأنياب اليهود الذين حاولوا الاستيلاء عليها لتكون معبداً لهم يقيمون فيه شعائرهم، وهذا المصلي هو الطابق السفلي للمسجد الأقصي وسُمي المرواني نسبة إلي «عبدالملك بن مروان»،
    وكان الصليبيون أثناء احتلالهم للقدس يستخدمونه «اسطبلات لخيولهم» وعندما علمنا أن اليهود يريدون الاستيلاء عليه قامت حملة شعبية اشترك فيها الشباب والأطفال وحتي العجائز من السيدات والرجال وقاموا بترميم هذا المكان وتحملنا المضايقات الكثيرة من قبل قوات الاحتلال خاصة لإدخال مواد الترميم من الأسمنت والحديد واستطعنا خلال ٤ شهور فقط إعادة المصلي المراوني لبهائه ورونقه الذي يليق به، وأن ننتصر في المعركة علي اليهود.
    سعدت سعادة بالغة ووجدتني أدعو الله من قلبي وبحرقة من هذا المكان المقدس أن ينتصر الفلسطينيون في معركتهم التي يخوضونها وحدهم، دون أي مساندة من أحد ضد الاحتلال الإسرائيلي.. ولكن هل الدعوات وحدها تكفي لإعادة فلسطين عربية؟!
    مشهد (٤)
    «حائط البراق».. هو ذلك الحائط المبارك الذي ربط الرسول صلي الله عليه وسلم براقه فيه ليعرج إلي السماء مع جبريل عليه السلام.. من خامس بل عاشر المستحيلات أن أدخل إليه لأنه ببساطة أصبح «حائط المبكي» بعد أن استولي عليه اليهود وغيروا معالمه ومنعوا دخول أي مسلم إليه بل أغلقوه بالضبة والمفتاح.
    «حائط البراق» ليس هو الشيء الأول والأخير الذي يعد مثالاً صارخاً ودموياً ومتعنتاً وظالماً وقاهراً للأماكن المقدسة، بل وصل الأمر إلي إقامة الحفائر حول المسجد الأقصي وتحته بحجة البحث عن «الهيكل» المزعوم والتي تدعي إسرائيل وجوده في منطقة المسجد الأقصي وقد بدأت هذه الحفائر بعد نكسة ١٩٦٧ مباشرة ولاتزال مستمرة حتي الآن ولعل أشهرها فتح النفق الجديد مساء عيد الفطر اليهودي وتحديداً في يوم ٢٤/٩/١٩٩٦ تحت المسجد الأقصي مباشرة كخطوة أولية لهدم الأقصي واهتزاز أساساته.
    يمتد هذا النفق مسافة ٤٠٠ متر تحت الحي الإسلامي العربي في مدينة القدس ويبدأ من حائط البراق أسفل المسجد وقد فُتح جزء منه بعد النكسة أما الجزء الأخير وطوله ١٠ أمتار فقد فُتح حديثاً بعد عام ١٩٩٦، ويعد هذا النفق الثالث تحت أسوار المسجد الأقصي وتم وصله بنفق البراق.. ووصلت الوقاحة بهم إلي القيام ببث ليلي لتسجيلات أصوات حفارات ومطارق آلية حتي يعتاد الفلسطينيون علي هذه الأصوات بحيث يتم في إحدي الليالي فتح باب النفق الجديد بعد أن تكون أصوات المعدات حقيقية.
    وبالطبع لا ننسي المحاولة الفاشلة علي يد جماعة «حشمونائيم» المتطرفة لتفجير قبة الصخرة عام ١٩٨٢ ووحده تعالي فقط أنقذها عندما جعل حراس الأقصي يكتشفون تلك الشحنات قبل انفجارها.. دائماً ما تؤدي المقدمات إلي نتائج.. ونتيجة تلك الحفائر شديدة الخطورة يكفي أن تعلم أن المسجد الأقصي مهدد بالانهيار في أي لحظة تقوم فيها حفرة أرضية.
    والسؤال هنا: ألا توجد «هزة إنسانية عربية» تنقذ الأقصي المستغيث..؟!
    مشهد (٥)
    هم الساهرون ليلاً ونهاراً علي أمنه وأمانه، المتعرضون دائماً للقتل والضرب وجميع أشكال الإهانات، هم الخط الدفاعي الأمامي والأول عن المسجد الأقصي، والحراس الذين عينتهم السلطة الفلسطينية للمسجد المقدس.
    كنت حريصة أن أتكلم مع أحدهم الذي راحت عيونه كالصقر ترقب وتسجل من بعيد.. «أحمد عبدالله» بدأ حديثه معي قائلاً: سجنت في الانتفاضة الأولي في نفس الزنزانة التي اعتقل فيها والدي كنوع من التعذيب والإهانة لي وله.وبعد أن خرجت من سجن «عسقلان» وبعد قضاء ١٠ سنوات كاملة جئت إلي هنا من أجل حراسة الأقصي.
    سألته مباشرة عن المجزرة التي وقعت في ساحة الأقصي علي إثر محاولة دخول شارون عام ٢٠٠٠، فتحدث وكأنه يدري المشهد أمام عينيه: قامت الدنيا ولم تقعد، ورغم كل أجهزتهم الأمنية ورغم الحصار والقيود علي دخولنا إلي الأقصي إلا أن ساحة المسجد في هذا اليوم كانت مكتظة بألوف مؤلفة من أبناء القدس والضفة الغربية أيضاً، الجميع احتشد بالحجارة ولكنها كانت في مواجهة الرصاص.. رأيت بعيني قبل أن أروح في غيبوبة علي إثر إصابة ٢١ شاباً استشهدوا رمياً بالرصاص علي رءوسهم وآخر مشهد كان استشهاد سيدة عجوز يقترب عمرها من الستين.. لحظتها وكعادتهم لا يفرقون بين امرأة أو طفل.
    وتابع: أما عن المضايقات اليومية التي نتعرض لها فاسمحي لي أن أقول لك إنهم يتفننون بل ويقومون بعمل دراسات حول كيفية مضايقتنا، وعلي سبيل المثال هم يسمحون للسياح الأجانب من مختلف الجنسيات بالدخول إلي المسجد الأقصي وأحياناً كثيرة تكون السيدات الأجنبيات غير محتشمات بالمرة وبالتالي نرفض دخولهن.. دخولهن إلي المسجد إلا بشرط أن يسترن أجسادهن وشعرهن.. هنا تتدخل الشرطة الإسرائيلية الواقفة علي بوابات الأقصي وتحدث المشادات وكثيراً ما يرموننا في المعتقلات والسجون لمجرد أننا نحافظ علي مقدساتنا.
    المشهد الأخير
    قبل أن أودع «الأقصي».. وقبل أن أخرج عن ساحاته.. استوقفني أحد المارة متسائلاً:
    * الأخت مصرية؟
    - قلت نعم.
    أستطيع أن أشم رائحة عبدالناصر من خلالك.. سلامنا للشعب المصري ونهر النيل والأهرامات تحياتنا لكل مَنْ يقف معنا من المصريين الرافضين للتطبيع.. قولي لهم وللعالم العربي: فلسطين بخير رغم كل المؤتمرات والمؤامرات اللي ما بتسوي شيء.. هم شاطرين في الكلام والكلام مش هيرجع أرضنا، السلاح وحده هيرجعك يا فلسطين.

    0 Not allowed!



  4. [4]
    الشخيبي
    الشخيبي غير متواجد حالياً
    V.I.P
    الصورة الرمزية الشخيبي


    تاريخ التسجيل: Dec 2005
    المشاركات: 7,931
    Thumbs Up
    Received: 223
    Given: 335
    إنا لله وإنا إليه راجعون...
    هي .. قرة العين ونن القلب!
    هي الجرح والوجع، والحزن، والشجن، والبراءة والمرارة!!
    هي المتحدية، المقاومة، الشامخة، الصابرة، الصامدة أمام همجيتهم..
    أقصاها مقدس ثابت مهلل مكبر داع إلي الصلاة في مدينته..
    خواطر تدمي القلب حقيقة... لا يدري الواحد ماذا يقول....
    انظروا إخوتي إلى الذل ةالهوان الذي يتعرض إليه إخواننا في وطنهم ووطن المسلمين جميعا... أيرضاه أحدنا لنفسه؟
    حدود وتفتيش وقوانين غاشمة ومعاملة قاسية ....ونطرات وحقد وتعقيد وتشريد.... لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

    إخواننا في فلسطين بحاجة إلينا دائما.. بحاجة دعمنا ودعائنا وقلوبنا ودموعنا .....
    فلندع لهم في هذه الأيام والليالي المباركة أن يفرج الله همهم.. ويعيد للمسلمين أرضهم ومجدهم...

    اللهم إنك أنت العليم الخبير... العلي الكبير..وأنت على كل شيء قدير.. نسألك اللهم بعزتك وقدرتك..أن تفرج هم إخواننا وأخواتنا في فلسطين.. وأن تهلك اليهود والصهاينة .... وتهيء لنا من يقودنا للعمل بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم لتحرير مسرى رسولك صلى الله عليه وسلم...إنك سميع مجيب..

    فلنتذكر إخوتنا في فلسطين عن الإفطار ولندع لهم عسى الله أن يفرج عنهم همهم...

    وجزاك الله خيرا على الموضوع..

    0 Not allowed!



  5. [5]
    سيبويه
    سيبويه غير متواجد حالياً
    عضو فعال جداً


    تاريخ التسجيل: Sep 2006
    المشاركات: 224
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 1
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذا هو الجزء الرابع من سلسلة المقالات أنشروها وأدعوا لفلسطين والعراق ولكل بلاد العرب بالسلامة والعزة والشرف الى يوم الدين

    أمل سرور تكتب: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٤» دماء المسيح فى «كنيسة القيامة»

    ٢٣/٨/٢٠٠٨



    كنيسة القيامة من الداخل
    هنا.. صُلب المسيح علي هذه الأرض، حمل صليبه فاتخذ من الآلام درباً له.. تعري من ثيابه فانهمرت دماؤه أنهاراً لتغسل خطايانا جميعاً، جبل الجُلجلة يهتز فتنشطر صخرته حزناً، فلقد فاضت روحه البريئة الطاهرة علي حجر الغسيل، غُسل جسده ومن قبره المقدس قام من بين الأموات.. هنا.. علي أرض كنيسة القيامة.
    أعرف أن كل أقباط مصر ممن سيقرأون تلك الحلقة تحديداً ستنخلع قلوبهم وتفيض أرواحهم هائمة في السماء، وسيذرفون أنهاراً وأنهاراً من الدموع، وأعرف أيضاً أنهم سيحسدونني بكل قطرة دماء تسري في شرايينهم، وهم المحرومون من الحج إلي كنيسة القيامة،
    خاصة أن «البابا شنودة» منع نهائياً المسيحيين المصريين من السفر للحج في فلسطين، طالما أنها تحت الاحتلال الإسرائيلي واعتبر أن من يحصل من المسيحيين علي تأشيرة إسرائيل علي جواز سفره ممارس ومؤيد لسياسات التطبيع مع الكيان الصهيوني، وهو موقف في رأيي الشخصي وطني حتي النخاع.
    ولكن إذا قُدر لي أن أدخل.. فكيف أذهب لزيارة «المسجد الأقصي» ولا أهرول إلي كنيسة القيامة..؟! وإذا كنت حلمت كثيراً بالصلاة في الأقصي فلطالما روادني الحلم بالدخول إلي كنيسة القيامة، مؤمنة تماماً بأنها بقعة من أطهر وأقدس البقاع في العالم.. ورغم أنها تخص المسيحيين فإنني لن أفوت الفرصة.. فالدين لله والوطن للجميع!!
    مشهد ١
    «د. برنارد بريتون» الأستاذ في علم الأديان بجامعة «بيرزيت»، في القدس، كان مرافقي في تلك الرحلة.. وقبل أن أبدأ خطوة واحدة في مشواري إلي كنيسة القيامة طلبت منه بصفته مسيحيا فلسطينيا أن يعطيني نبذة مختصرة عن وضع المسيحيين الفلسطينيين.
    بدأ «د. برنارد» حديثه قائلاً إننا جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الفلسطيني، والمشكلة الأساسية التي نواجهها هي مشكلة كل المجتمعات الواقعة رهن الاحتلال، والمسببات الاقتصادية التي تؤدي إلي الفقر الشديد.
    وعندما تسألين المسيحيين هنا: من أنتم؟ يقولون لك علي الفور: نحن فلسطينيون أولاً ثم مسيحيون ثانياً وهذا يعني أن البعد القومي والوطني هو الذي يتحكم في كل الأمور.
    أما عن عددنا - والكلام لايزال علي لسان د. برنارد - فثلثا المسيحيين يعيشون خارج الوطن بين أمريكا الشمالية والجنوبية وكندا وأستراليا، وهذا ناتج عن عمليات التهجير التي قام بها المحتل الإسرائيلي عقب نكبة ١٩٤٨ ونكسة ١٩٦٧، والآن يوجد ٥٠ ألف مسيحي في الضفة الغربية وقطاع غزة.
    وعندما سألته عن المضايقات التي يتعرض لها المسيحيون أثناء زيارة كنيسة القيامة ابتسم ابتسامة هادئة، وبصوت حزين أجابني: إن السلطات الإسرائيلية تطلب تصاريح للدخول إلي «القيامة»،
    خاصة في مناسبة الاحتفال بعيد القيامة، ولقد منعوني من الدخول في العيد الماضي وقلت للإسرائيلي الذي قام بمنعي: هل تحصل أنت كيهودي علي تصريح للوصول إلي حائط المبكي في احتفالاتك الدينية؟..
    فما كان منه إلا أن دفعني دفعاً وكدت أسقط علي الأرض.. وهذا يعد انتهاكاً للحريات الدينية والسياسية التي يتظاهرون أمام العالم أنهم يحققونها، لذلك فإن ممارستهم عكس ما يصرحون به لوسائل الإعلام الغربية.
    أيضاً هم يمنعون رجال الدين، الذين يأتون من أوروبا والدول العربية، لخدمة الكنائس الموجودة هنا.. وغالباً يكون سبب الرفض «الحفاظ علي أمن إسرائيل».. ورغم كل المعوقات والتصاريح والمضايقات فإننا ندخل أماكننا المقدسة رغم أنوفهم الصهيونية!!
    مشهد ٢
    توقف الكلام بيني وبين د. برنارد، وتسمرت قدماي ما إن وقعت عيناي علي لافتة كتبت بالخط الأسود تحمل كلمة «درب الآلام».. أتاني صوت مرافقي: «إذن استعدي لأول خطوة علي هذا الدرب».
    إذن هو الدرب أو الطريق الذي سار فيه المسيح قبل ٢٠٠٠ عام حاملاً صليبه، معذباً، متألماً، منهمرة دماؤه.. مهمة ثقيلة وحزينة أيضاً.. وطريق طويل تجد نفسك ما إن تطأ قدماك أول خطوة فيه إلا وحالة من الشجن والرهبة والألم تنتابك،
    ومشاهد كثيرة تكاد تلتهم رأسك عندما تتخيل الـ ١٤ مرحلة التي مر بها «السيد المسيح» سالكاً هذا الدرب إلي أن صلب ودفن في القبر المقدس الكائن بكنيسة القيامة.. إذن أنا هنا أقف عند المرحلة الأولي التي حكم فيها علي «يسوع» بالموت علي الصليب.. لم يملك سوي الصمت والاستسلام..!!
    وها أنا أسير علي درب الآلام لأري بعيني المرحلة الثانية.. لن يصدقني أحد عندما أقول إنني شاهدته أمامي يحمل صليبه الثقيل علي جسده المبارك النحيل والمنهك، فيجر قدميه ويجول في شوارع القدس أمام الناظرين الذين لم يملكوا سوي مصمصة الشفاة!
    ها هو أمامي يسير نحو جبل «الجلجلة» لينفذ الحكم.. وها هي المرحلة الثالثة يقع بضعف ووهن وانكسار تحت الصليب للمرة الأولي، ولكنه يحاول جاهداً أن يقف حاملاً إياه فينجح.
    هنا يدخل المرحلة الرابعة وآه منها.. كم هي حزينة ومؤلمة وموجعة.. إنها الأم بكل حنوها وقلبها الطاهر العذري البريء.. «أم النور».. «الله يا عذراء».. ستنا الملائكية «مريم المريمات» وشريفة الشريفات ها هي تري وليدها وفلذة كبدها معذباً متألماً، يحمل ما لا يحمله بشر.. تحتضنه أمه العذرء وتشد من أزره وسط الجماهير الغفيرة التي أتت لتنظر إلي بؤسه..
    ها هي تودع وليدها ولا تملك سوي ألمها ودموعها الطاهرة.. ها هي تودعه الوداع الأخير. تركها ليدخل المرحلة الخامسة، فيساعده القديس «سمعان القيرواني» علي حمل الصليب وعلي بعد وقفت القديسة «فيرونيكا» تنتظر ليدخل مرحلته السادسة فتمسح وجه «يسوع» بمنديلها الرقيق لتزيل بعض العرق الممزوج بالدم، فتخفف يداها من جروحه وآلامه.
    الألم لا يحتمل والجسد الضعيف يزداد وهناً فيقع الصليب تحته للمرة الثانية فتكون تلك هي المرحلة السابعة التي ينجح فيها المسيح في أن يقف مرة أخري، ويسير في دربه، نازفاً جريحاً.. المشهد لا تحتمله النساء الواقفات يمصمصن شفاههن.. وبصوت ضعيف لا يكاد يكون مسموعاً يقول لهن المعذب: «لا تبكين علي بل ابكين علي أولادكن»..!!
    ومع كلماته تنتهي المرحلة الثامنة.
    أما المرحلة التاسعة فلم يبق ليسوع فيها حول ولا قوة فيسقط تحت الصليب للمرة الثالثة.. ولكن إرادته هي كل ما يحركه، وكل ما تبقي له.. وحدها هي التي تجعله يقف مرة أخري!!
    مشهد ٣
    أستعد الآن للدخول مع «سيدنا المسيح» مرحلته العاشرة، أستعد الآن للدخول إلي كنيسته المقدسة.. إلي «القيامة».. أبوابها قديمة جداً ويبدو أنها بنيت بالطريقة التي كانت تبني بها الكنائس في أوروبا في ذلك الوقت، أي قبل ١٠ قرون. «القديسة هيلانا»
    هي التي قامت ببناء «القيامة» في القرن الرابع الميلادي عندما وجدت بقايا الصليب الذي كان يحمله المسيح فأخذته ووضعته علي شخص مريض فحدثت المعجزة وشفي ومن هنا عرفت أن هذا المكان هو الذي صلب فيه لأن الرومان كانوا قد جعلوا من الكنيسة المقدسة مكاناً لقمامتهم فقامت ببناء هذا الصرح.
    قبل أن أدخل عبر أبواب كنيسة القيامة، طلعت ذلك المؤدي لجبل «الجلجلة».. كان يسير أمامي حاملاً صليبه الثقيل ونافورة من الدماء لطخت ملابسي، وهكذا رأيت المسيح يدخل إلي المرحلة العاشرة،
    وصلت معه إلي «جبل الجلجلة» ورأيت أيديهم المدنسة تعري ثيابه وتخلعها عن صدره عنوة.. فإذا بجسده وقد تحول إلي كتلة من الدماء. «آه.. يسوع..!» قلتها بحرقة عندما دخل ودخلت معه مرحلته الحادية عشرة، حان وقت الإعدام.. حانت لحظة تجلي الظلم.. ها هو جسده النحيل يسمر علي الصليب وها هم يسوقونه غصباً!!
    لم يقو علي الاحتمال أكثر من ذلك.. فقد كانت مرحلته الثانية عشرة هي الحاسمة، رفع رأسه المنهك شامخاً وصاح بأعلي صوت يملكه في هذه اللحظة: «يا رب بين يديك أستودع روحي».. وقد كانت الكلمة الأخيرة بعد رحلة من العذاب والآلام، قالها وحني رأسه فأسلم روحه الطاهرة.
    الجميع ينتحب ويصرخ ألماً وحزناً وكمداً.. وحدها وقفت ذاهلة منتظرة الجسد الجريح.. أمه العذراء الطاهرة مريم لم تملك سوي أن تحتضنه بين ذراعيها وعلي صدرها بعد أن أنزلوه من علي الصليب لينهي مرحلته الثالثة عشرة..!!
    مشهد ٤
    مع الحاملين جسده المعذب مشيت ونزلت درج الجلجلة لأدخل معه مرحلته الرابعة عشرة لأحط بقدمي في كنيسة القيامة، أمام «حجر الغسيل» توقفت وتسمرت.. هنا علي هذا الحجر وضع الجسد المقدس النحيل المعذب والمتألم.. وضع ليغسل من دمائه التي اندفعت كالنافورة من كل مكان. وضعت يدي علي «الحجر» المقدس وإذا بدموعي تنهمر..
    نظرت من حولي فلم أجد سوي كتل بشرية من كل الأجناس ومن مختلف الدول، وقد راحت في حالات هستيرية من البكاء والنحيب.. ومع تلك الدموع.. ومع حالة الشجن والروحانية التي تنتابك وأنت في هذا المكان المقدس لا تملك سوي أن تفتح رئتيك لآخرهما لتدخل تلك الرائحة العطرة، التي لا مثيل لها، المنبعثة من حجر الغسيل.
    فعلت كما يفعل مَنْ حولي.. بعض من المناديل الورقية أمسح بها الحجر لتستقر بعض من رائحته العطرة عليها، فعلت ذلك لأصدقائي المسلمين والأقباط في مصر.. احتفظت بمناديلي المعطرة بتلك الرائحة القدسية لأنني لن أجد أغلي منها لأهديها لهم..!!
    إنها رائحة «دماء» المسيح..!!
    مشهد ٥
    كادت جولتي معه أن تنتهي.. فلقد دخلت المرحلة الخامسة عشرة والأخيرة.. إنه القبر المقدس.. وقفت مثل المئات، بل الألوف من المسيحيين من مختلف أجناس العالم.. وقفت في طابور استمر ما يقرب من ساعتين ونصف، فقط لألقي نظرة علي القبر المقدس..
    هنا دفن الجسد بعد غسله من دمائه في قبر محفور في الصخر، ودحرج علي بابه حجر كبير وختم بالشمع الأحمر واجتمعت عليه حراسة مشددة.. هنا لا يرقد الجسد فقد قام وصعد إلي خالقه سبحانه وتعالي.. قام المسيح وأصبح المسيحيون ينشدون: «المسيح قام من بين الأموات».
    مشهد الأخير
    قبل أن أغادر كنيسة القيامة.. وقبل أن أودع «المسيح».. لم أنس أبداً وصية أصدقائي.. أضأت شموعاً كثيرة لأميرة أسعد وريمون وحنان مفيد وابنها ومريم وسحر، ولم أنس أبداً أن أضيء شمعة لكل أقباط مصر بلا استثناء،
    داعية لهم وللعرب جميعاً أن يدخلوا كنيسة القيامة ويؤدوا فريضة الحج ويقرأوا: «يا أبانا الذي في السموات» أمام قبر «المسيح».. يدخلونها وندخلها جميعاً دون تأشيرة الصهاينة.. ندخلها أرض صلاح الدين.. ندخل «بيت المقدس».. ندخل «فلسطين وهي عربية».
    الحلقة المقبلة بعد غد

    0 Not allowed!



  6. [6]
    سيبويه
    سيبويه غير متواجد حالياً
    عضو فعال جداً


    تاريخ التسجيل: Sep 2006
    المشاركات: 224
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 1
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذا هو الجزء الخامس من المقالات. وأدعو معى لفك أسر أسرانا العرب عند الصهاينة عن قريب بأذن الله.
    والله على كل شى قدير
    لله ورسوله والمؤمنون العزة
    والذل والهوان لكل ظالم معتدى.

    أمل سرور تكتب: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٥» مروان البرغوثي لـ«المصري اليوم» من خلف قضبان سجن «هداريم»: أطبع قبلة علي جبين كل مصري

    ٢٥/٨/٢٠٠٨



    البرغوثى
    قال عنه «شارون» رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق: «يؤسفني إلقاء القبض عليه حياً، كنت أفضل أن يكون رماداً في جرة»، بينما عبر «إلياكيم روبنشتين» المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية عن فرحته قائلاً: «إنه مهندس إرهابي من الدرجة الأولي، وقد راجعت ملفاته طوال الـ٣٠ عاماً، وجدت أنه من النوع الذي لا يتراجع، ولذلك يتوجب أن يحاكم دون رحمة، وأن يبقي في السجن طوال عمره».
    هو القائد والمناضل والمقاوم والصامد الذي قال من خلف القضبان: «إذا كان ثمن حرية شعبي فقدان حريتي، فسأدفع الثمن»، إنه «مروان البرغوثي».
    كان يبدو أمراً مستحيلاً أن أقابله وجهاً لوجه، فهو خلف قضبان السجون الإسرائيلية، وقد حكم عليه بالسجن مدي الحياة، ولكني لم أفقد الأمل في أن تصل إليه أسئلتي عبر محاميه الخاص «إلياس صباغ»، الرجل الوحيد الذي يراه، وينقل إليه شوق وحنين زوجته «فدوي» وأولاده الأربعة الممنوعين من زيارته.
    أسئلتي كانت تقترب من ٢٠ سؤالاً لولا طلب محاميه اختصارها لأنه لا يحدثه سوي نصف ساعة فقط ومن خلال لوح زجاجي ضخم، أعطيته الأسئلة ومعها تحيات كل الشعوب العربية تشد من أزره وتقوي من صموده، ومن خلف جدران زنزانة رقم ٢٨، قسم ٣، بسجن «هداريم»، وبصوت صامد وقوي أجاب «مروان» علي أسئلتي.
    * أريد رأيك بصراحة شديدة في الدور المصري في القضية الفلسطينية، ألا تتفق معي في أن هذا الدور قد انحسر وتقلص ولم يعد قوياً مثل فترة الستينيات، خاصة بعد معاهدة كامب ديفيد مروراً باتفاق مكة وحتي أحداث غزة؟
    - الدور المصري جوهري وأساسي للقضية الفلسطينية وعبر كل المراحل، بصرف النظر عن تقييم الأطراف لهذا الدور من مرحلة إلي أخري، لأن الشقيقة مصر ترتبط بفلسطين بالجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك، وننتمي جميعاً إلي أمة واحدة وحضارة واحدة وتجمعنا الآمال والآلام، وفلسطين جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وإسرائيل شكلت تهديداً ليس لفلسطين وحسب وإنما للعرب جميعاً خاصة مصر، ونحن نقدر دوماً التضحيات الهائلة التي قدمها الشعب المصري دفاعاً عن العرب وعن فلسطين، ونؤمن أن الأرض المحتلة تسكن عميقاً في قلوب وعقول ووجدان المصريين جميعاً، وأن جميع الأطراف الفلسطينية تحرص علي توطيد العلاقة مع الشقيقة مصر، ومع تعزيز أواصر هذه العلاقة وتعميقها وبنائها علي أسس استراتيجية لا تتزعزع، ونحن نتطلع كذلك إلي دور مصري فاعل وقوي ومؤثر، وهناك تنسيق لا ينقطع مع الأشقاء في مصر، وتربطني شخصياً علاقة جيدة جداً مع مختلف القوي والفعاليات، وعلي المستوي الرسمي والشعبي، وأنا حريص علي تعزيز هذه العلاقة رغم الزنزانة والسجن.
    * كيف تري المعالجة المصرية لأحداث غزة الأخيرة، خصوصاً اقتحام الحدود.. هل كنت تتوقع أن يكون موقف الحكومة المصرية أقوي مما حدث؟
    - منذ اندلاع الأحداث الداخلية الفلسطينية، وتوتر العلاقات بين فتح وحماس، عملت الشقيقة مصر علي رأب الصدع، وعلي منع الانقسام وتوحيد الصف الفلسطيني، وبذلت جهداً علي أعلي المستويات لمنع تدهور الأوضاع في قطاع غزة، لكن قرار حماس السيطرة العسكرية علي قطاع غزة وضع حداً لهذه الجهود لفترة قصيرة، ومع ذلك فقد عمل الأشقاء في مصر علي تجاوز هذه الأزمة، ولعبت دوراً مركزياً في ترتيب التهدئة بين حماس والفصائل الفلسطينية من جهة وإسرائيل، وذلك بهدف وقف العدوان الإسرائيلي ورفع الحصار الظالم عن قطاع غزة، وأنا علي ثقة أن مصر ستلعب دوراً جوهرياً ومميزاً في الحوار الفلسطيني الشامل، وفي إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وإنجاز الوحدة الوطنية مجدداً.
    * شركاء بالدم شركاء بالقرار، والدم الفلسطيني خط أحمر لا يمكن تجاوزه.. شعارات قديمة جداً ولكنها فقدت معناها بالاقتتال الفلسطيني الدائر بين فتح وحماس.. لماذا أريق الدم الفلسطيني، وماذا عن أصابع الاتهام التي تشير إلي تيارات بعينها داخل فتح.. و لمصلحة من ما يحدث الآن؟
    - ما وقع في ١٤ يونيو ٢٠٠٧ في غزة أدمي قلوبنا وترك أثراً سلبياً بالغاً علي وحدة الشعب الفلسطيني، وأدي إلي انقسام غير مسبوق، وشكل انتكاسة للتجربة الديمقراطية الوليدة، وتسبب في انهيار أول حكومة وحدة وطنية في تاريخنا المعاصر، وشكل ضربة مؤلمة لوثيقة الوفاق الوطني التي وقعتها ولأول مرة جميع فصائل العمل الوطني والإسلامي في ٦ يونيو ٢٠٠٧ كبرنامج موحد واستراتيجية فلسطينية للمرحلة القادمة،
    وأعتقد أن بعض الأخطاء والممارسات التي وقعت هنا أو هناك في قطاع غزة من قبل بعض الأجهزة أو الأفراد لا تبرر إقدام حركة حماس علي السيطرة علي القطاع وما تلاها من أحداث، وأعتقد أن مبادرة الرئيس أبومازن للحوار الوطني الشامل هي فرصة لرأب الصدع من جديد، ونأمل أن يرعي العرب مؤتمراً وطنياً للحوار والمصالحة علي غرار ما قامت به الجامعة العربية واللجنة الوزارية العربية في الملف اللبناني، الذي توج في اتفاق الدوحة، ويجب علي العرب التحرك بشكل عاجل، خاصة الأشقاء في مصر، لاستضافة ورعاية هذا المؤتمر، والتنسيق المسبق مع الفصائل الفلسطينية لضمان نجاحه،
    وهذا يتأتي من خلال التزام جميع الأطراف بوثيقة الوفاق الوطني، وإقامة حكومة فلسطينية جديدة، تقوم علي أساس التوافق الوطني والاتفاق علي موعد انتخابات رئاسية وتشريعية وعضوية المجلس الوطني، وترتيب أوضاع السلطة، وإعادة بناء المؤسسة الأمنية علي أساس وطني ومهني، بعيداً عن الفصائلية والحزبية، وأن تخضع هذه المؤسسة للمستوي السياسي المنتخب، وأن تحتكم للقانون والتشريعات، وللمصلحة العليا للشعب الفلسطيني.
    * تاريخك النضالي لا أحد يستطيع المزايدة عليه، لكن ما تردد حول لقاءاتك مع المسؤولين الإسرائيليين وأعضاء الكنيست اليهود وتحديداً مع حاييم آرون رئيس مركز ميرتس وافرايم سنيه وعمير بيرتس ربما أثار دهشة كثيرين.. فما الفائدة التي عادت علي القضية، علماً بأن المباحثات واللقاءات مستمرة من أوسلو مروراً بمدريد وحتي الآن ولم تكن مجدية علي الإطلاق؟
    - كنت ولا أزال من أول الداعين في السلطة الفلسطينية إلي الجمع الخلاق والمبدع بين المقاومة والعمل التفاوضي والسياسي، وقد أكدت التجربة الفلسطينية أن الاكتفاء بطاولة المفاوضات وحدها في ظل هذه العنجهية والوقاحة الإسرائيلية لن يسفر عن أي اتفاق، يحفظ الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، إذ تحتاج طاولة المفاوضات إلي مساندة شعبية علي الأرض في إطار يخدم المصالح الوطنية العليا للشعب الفلسطيني، وما ينسجم مع الشرائع السماوية والمواثيق الدولية، ولا نري أن إدارة الظهر للعمل السياسي والدبلوماسي والتفاوضي في ظل المعادلة الإقليمية والدولية، وموازين القوي الدولية ستكون مجدية،
    كما أن إدارة الظهر للمقاومة أمر غير مقبول، وفي رأيي أن أحد أسباب عمق الأزمة في الساحة الفلسطينية هو إصرار البعض علي الأخذ بوجهة واحدة فقط والاتكال علي قدم واحدة، وقد جاءت وثيقة الوفاق الوطني لتؤكد ولأول مرة وبموافقة جميع الأطراف علي العمل السياسي والتفاوضي والمقاومة، وفي الوقت نفسه فإننا نري أن استراتيجية المفاوضات يجب أن تستند إلي الثوابت الوطنية وقرارات الشرعية الدولية، وليس إلي موازين القوي العسكرية للاحتلال، ولذلك فإن التفاوض يجب أن يكون علي ترتيبات إنهاء الاحتلال وليس تفاوضاً علي مبدأ إنهاء الاحتلال بذاته، أو الدخول في تفاصيل ومتاهات لا طائل من ورائها.
    والحقيقة أنه لا يوجد شريك للسلام في إسرائيل ولم نسمع من حكومة إسرائيلية حتي الآن الاستعداد لإنهاء الاحتلال والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة منذ عام ١٩٦٧، ونحن نؤمن بأن إنهاء الاحتلال هو المدخل الوحيد لصنع السلام في هذه المنطقة، ولكن حكومات إسرائيل تضرب بعرض الحائط القرارات الدولية والجهود الدولية والإقليمية، وتصر علي مواصلة العدوان والحصار والاستيطان، وبناء جدار الفصل العنصري، وتهويد مدينة القدس، والاعتقالات والاغتيالات اليومية، ونشر مئات الحواجز العسكرية.
    أما بخصوص سؤالكم عن اللقاءات مع أعضاء الكنيست بمن فيهم اليهود فكما تعلمون، أنا في زنزانة مفتاحها في يد السجان ويسمح القانون الإسرائيلي لأعضاء الكنيست بزيارة الأسري وقد اعتاد عدد من أعضاء الكنيست العرب واليهود خلال العقود الماضية زيارة بعض الشخصيات والقيادات الأسري في السجون وبالنسبة لي فإن الحكومة الإسرائيلية ومنذ اعتقالي اتخذت قرارًا بمنع أي مسؤول إسرائيلي رسمي من لقائي،
    وهذا أمر ما زال ساري المفعول تحت حجة أن مروان البرغوثي زعيم إرهابي للانتفاضة ومؤسس وقائد كتائب شهداء الأقصي، ومسؤول عن قتل مئات الإسرائيليين ولذلك منذ اعتقالي لم يزرني أو يلتقي بي أي مسؤول إسرائيلي، ومن التقيت بهم هم أعضاء كنيست فقط، وجاءوا بهذه الصفة ولا يمثلون الحكومة الإسرائيلية، وقد استمعوا إلي وجهة نظري المعروفة والتي أحملها منذ سنوات طويلة وجوهرها أن إنهاء الاحتلال هو مفتاح السلام، وأن الاستيطان والحصار والقتل والتجويع والتهويد لا تجتمع والسلام في سلة واحدة، وأن المقاومة حق مشروع للشعب الفلسطيني للاحتلال الإسرائيلي.
    * بصراحة ما تقييمك لأحوال القضية الفلسطينية بين أيام «أبوعمار» ومن بعده فالعديد من الناس في مختلف الأقطار العربية يقولون: إن القضية فقدت الكثير.. مع العلم أن أبناء الشعب الفلسطيني من مختلف فصائله خاصة أبناء حركة فتح يعلقون آمالاً كثيرة علي مروان البرغوثي.. فأين أنت من كل ذلك، وماذا تقول لهؤلاء؟
    - حذرنا منذ اللحظة الأولي لاستشهاد الرئيس الراحل ياسر عرفات، من أن الترحيب بخلفه الرئيس أبومازن لم يكن ترحيبًا ببرنامج وثوابت وموقف أبومازن، وإنما احتفال بموت ياسر عرفات وحذرنا من الأوهام التي أطلقها البعض بل والتي آمن بها البعض من أن ياسر عرفات عقبة أمام السلام، وأن أبواب السلام ستفتح مع خليفته الرئيس أبو مازن باعتباره رجل سلام، وبعد مرور حوالي ٤ سنوات علي انتخاب الرئيس أبومازن، فإن الوقائع علي الأرض تتحدث عن نفسها ولا تحتاج إلي شرح طويل فالاستيطان تصاعد وتوسع بشكل غير مسبوق خلال هذه الفترة، ومصادرة الأراضي تتم بشكل يومي، واستمرار بناء جدار الفصل العنصري. وإسرائيل لم تتوقف عن نشر مئات الحواجز ومواصلة تهويد مدينة القدس وكان عدد الأسري ٦٠٠٠، أصبح اليوم ١١ ألف أسير،
    كما أن العدوان والحصار والقتل والتدمير مازالت مستمرة والمفاوضات لم تسفر عن شيء يذكر، ولذلك فإن رؤيتنا تقوم علي أساس أننا نريد إنهاء الاحتلال بشكل كامل عن جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام ١٩٦٧ وإقامة الدولة المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشريف، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين طبقًا للقرار الدولي ١٩٤ وضمان تحرير جميع الأسري والمعتقلين من سجون الاحتلال. ونثق في صمود شعبنا العظيم وفي مساندة أمتنا العربية والإسلامية والأحرار في العالم، وقدرتنا علي مواصلة النضال والكفاح لاستعادة حقوقنا الوطنية، ونحن علي ثقة أن فجر الحرية آت،
    وأن نهاية الاحتلال أمر حتمي مهما بلغت المعاناة والتضحيات وشعبنا يستحق قيادة تعبر عن صموده الأسطوري وعن أصالته وإرادته، وأن نقدم القدوة والنموذج والتضحية والفداء والقدرة علي جمع وحشد طاقات الشعب في الوطن والمنافي، وفي تجسيد الوحدة الوطنية وتعزيز الجبهة الداخلية، وإنهاء حالة الانقسام، وحشد الدعم العربي والدولي لقضيتنا المقدسة، وكذلك قيادة قادرة علي محاسبة الفاسدين والمقصرين في مهامهم، وإجراء إصلاح حقيقي وملموس يعزز سيادة القانون وسلطة القضاء ويحمي الحريات العامة والفردية.
    * سمعنا كثيرًا ما تردد عن وثيقة الأسري لفض النزاع الدائر.. بصراحة.. هل أبناء حركتي فتح وحماس في داخل المعتقلات الإسرائيلية كتلة واحدة؟
    - جاءت وثيقتا الأسري والوفاق الوطني بمبادرة جهد مشترك قمنا به إلي جانب قيادات مناضلة ومسؤولة في فصائل العمل الوطني المتواجدة في السجون خاصة في حركات فتح وحماس والجهاد الإسلامي، والجبهتين الشعبية والديمقراطية ونجحنا بعقولنا المفتوحة وقلوبنا البيضاء وبالأيدي الطاهرة التي حملت السلاح في وجه المحتل في التواصل إلي برنامج ودليل عمل، ووثيقة استراتيجية تحفظ الثوابت الوطنية وتحدد الأهداف والرسائل والأساليب والأطر لتحقيق الأهداف الوطنية وهي أول وثيقة جامعة توقع عليها فصائل العمل الوطني والإسلامي، ونجح القادة في السجون في هذه المهمة التي عجز عنها القادة خارج السجون.
    والأسري لم يتخلوا عن وضعهم في الدعوة إلي جمع الصف ووحدة الكلمة إذ كان لنا شرف تكريس مبدأ «شركاء في الدم شركاء في القرار» ورغم الانتكاسة التي وقعت بعد سيطرة حماس علي قطاع غزة فإننا علي ثقة أن هذه الغيمة السوداء في تاريخ العلاقات الفلسطينية ستزول قريبًا، والحقيقة أن الأحداث الدامية التي جرت تركت أثرًا سلبيا في العلاقات داخل السجون لكننا نجحنا في المحافظة علي هذه العلاقات، وعلي حالة من التواصل والحوار، ونؤمن أن الوفاء للشهداء والأسري ولفلسطين يتم من خلال إنهاء حالة الانقسام ومن خلال الوحدة والتلاحم، وإعادة اللحمة الوطنية لأن فلسطين فوق الجميع وأكبر من الجميع.
    * هل لديك رسالة توجهها للحكومة المصرية وللشعب المصري؟
    - في الوقت الذي أثمن غاليا الجهود الكبيرة التي تبذلها الشقيقة مصر والرئيس مبارك والحكومة المصرية خاصة الوزير عمر سليمان ونوابه ومساعديه في الملف الفلسطيني فإني أتوجه بالدعوة للأخ الرئيس مبارك وللحكومة المصرية لمضاعفة الجهد المصري لرأب الصدع علي الساحة الفلسطينية، وللتحضير لمؤتمر وطني فلسطيني للمصالحة الوطنية في أرض الكنانة، وبمشاركة الجامعة العربية، لإنهاء حالة الانقسام وإعادة الوحدة للصف الفلسطيني وسنعمل من جانبنا رغم الظروف القاهرة، لإنجاح الجهود المصرية، وأملنا كبير في مواصلة الحكومة المصرية جهودها لإنهاء الحصار الإسرائيلي الظالم علي قطاع غزة وفتح المعابر للتخفيف من معاناة أبناء شعبنا،
    وأتوجه بهذه المناسبة إلي الشعب المصري العظيم بكل آيات الإجلال والتقدير والاحترام حيث نستذكر بكل العزة والكبرياء شهداء مصر العظام، الذين سقطوا علي مدار ستة عقود دفاعًا عن مصر وفلسطين والعرب، وعن الكرامة العربية ونقول للشعب المصري الشقيق إننا نحفظ لمصر وشعبها العظيم في قلوبنا وعقولنا ووجداننا كل الحب والتقدير، ونحن ننتمي إلي أمة واحدة لن تستطيع كل القوي والاستعمار والعدوان أن تضعف من وحدتنا ومن مصيرنا المشترك، وأقول للشعب المصري كل الشكر والتقدير لكم علي مساندتكم الانتفاضة الفلسطينية وللنضال الفلسطيني ولدعمكم المادي والمعنوي، ووقوفكم إلي جانبنا وأحييكم من زنزانتي الصغيرة المظلمة،
    وأطبع علي جبين كل مصري ومصرية قبلة من وراء الأسلاك الشائكة، وأعاهدهم وكل العرب، أن إرادتنا لن تنكسر وأننا سنواصل النضال والكفاح، وأن سنوات الاعتقال وقهر السجان الصهيوني لم تزدنا إلا إصرارًا وعزيمة وقوة، لأننا ننتمي إلي شعب عظيم وأمة عظيمة تستحق أن نضحي من أجلها.

    0 Not allowed!



  7. [7]
    سيبويه
    سيبويه غير متواجد حالياً
    عضو فعال جداً


    تاريخ التسجيل: Sep 2006
    المشاركات: 224
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 1
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الجزء السادس من سلسلة المقالات التى توصف وضع فلسطين وشعبها الان
    أرجو من كل عربى أن يقرأ هذه المقالات

    أمل سرور تكتب: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٦» الجدار العازل

    ٢٧/٨/٢٠٠٨




    * عازل.. فاصل مُقطع أوصال مدنها وقراها أشلاءً
    عاجز.. عن سجن جبروت وإرادة شعبها الذي حاصر حصاره وجعله نافذة مفتوحة يطل بها علي العالم ليرسم أحلامه وآهاته وآماله
    فاشل.. في التصدي والمنع والقهر لكل قدم تريد أن تَحُط علي تراب وطنها
    وهمي.. يتوهمون أنه لا مثيل له في العالم بل قد نسمع يومًا ألسنتهم الوقحة تطالب بأن يكون ثامن عجائب الدنيا.. غير قادرين علي تعلم درس بارليف المرير: صهيوني.. تفكيرًا وتدبيرًا وتنفيذًا من «باراك» إلي «شارون» إلي «أولمرت» يا قلبي لا تحزن.
    هو ذاك العنصري الذي تقف جدرانه الخرسانية، وأسواره الإلكترونية الشائكة المكهربة شاهد عيان علي التمييز والقهر والعدوان والاحتلال الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني..
    هو جدار الفصل العنصري الإسرائيلي العازل..
    * من أين أبدأ وكيف تكون نقطة الانطلاق؟!
    - حائرة .. وأظن أنها الحيرة التي تنتاب كل من يحاول أن يصف كم المعاناة التي شاهدها بعينيه وسمعها بأذنية علي أرض هذا البلد.
    تائهة.. وسط ما تملكه يداي من معلومات تخص تحديدًا الجدار العنصري الذي قامت ببنائه إسرائيل لتلقي بالفلسطينيين في سجن يطلق عليه الضفة الغربية..!! لكنني سأحاول أن أُلخص وأنقل إليك قارئي ما هو هذا الجدار وما طبيعته والهدف الأساسي من إقامته.. وكيف يتعايش المواطنون من أبناء الأرض المحتلة معه وما هي سُبلهم التي لا تنته والتي تدل بقوة علي أن هذا الشعب لا يعرف لليأس طريقًا.
    مشهد ١
    أن تسمع وتقرأ عنه غير أن تراه وجهًا لوجه.. ما أن تقع عيناك عليه إلا وتشعر بأن كابوسًا مزعجًا يهاجمك وحجرًا صخريا صلدًا ثقيلاً جاثمًا علي صدرك.. تحاول أن تأخذ نفسًا عميقًا فحتمًا تفشل هذا كان أول إحساس انتابني ما إن وقفت أمامه عند معبر «قلنديا».. ذاك الحاجز العسكري الذي لابد من أن أعبر من بواباته للدخول من رام اللّه إلي مدينة القدس.
    ورغم أن تلك الكتل الخرسانية يمتد طولها ليصل إلي حوالي ٧٨٠ كيلومترًا فإنها لم تمنعني من رؤية بيوت المدينة المقدسة التي لولا بناء هذا الجدار الذي عزلها تمامًا عن بقية المدن لكنت وصلت إليها في أقل من ١٠ دقائق.
    وقفت أتأمل هذا الجدار كثيرًا وشردت بذهني الذي قادني إلي العام ٢٠٠١ أي بعد اندلاع الانتفاضة الثانية المسماه «انتفاضة الأقصي» عندما انتفض أبناء هذا الشعب في كل مدن وقري فلسطين عندما عرفوا أن «شارون» سيدخل إلي «المسجد الأقصي» محتشدًا بقوات جيشه من هنا بدأت فكرة هذا الجدار في عقول الصهاينة والتي تحمس لها رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتها «ايهود باراك» وتلقفها منه «آرييل شارون» الذي خلفه علي مقعد رئاسة الوزراء وبدأ العمل في إنشاء جدار الفصل العنصري في يوم ٢٣ يونيو من العام ٢٠٠٢.. حتي يحمي «القدس» من هجمات الفلسطينيين وحتي لا تقوم انتفاضة ثالثة ضد الهمجية الصهيونية.
    حاول أن تتخيل معي قارئي تكلفة الكيلومتر الواحد من بناء هذا الجدار.
    رقم مفزع ولكنك مثلي بالتأكيد لن تندهش أو تتعجب أو حتي تسأل «من أين لإسرائيل هذه النقود.. الإجابة بسيطة جدًا فهي الطفل المدلل لأمريكا التي تمول وتدفع بلا أي حساب».
    تصور الكيلومتر الواحد بـ ٢ مليون دولار بهذه الكتلة الخرسانية الضخمة استطاعت إسرائيل أن تسيطر علي حوالي ٤٦% من أراضي الضفة الغربية لتُحول فلسطين إلي مجموعة من الجيتوهات أو الكانتونات المنفصلة بعضها عن بعض.
    القسم الأول يضم «جنين وطولكرم ونابلس» أما الثاني فيضم «سلفيت ورام اللّه».. بينما يضم الثالث «بيت لحم والخليل»، بالإضافة إلي مجموعة من الجيتوهات التي حولتها إلي جزر صغيرة علي أطراف الضفة الغربية مثل «قلقيلة وبعض القري من القدس».
    ولكي أُقربها لك قارئي.. تصور أنك تعيش في القاهرة المحاطة بسور كبير وبوابة عسكرية وغير مصرح لك بالخروج منها إلا إذا كنت تملك بطاقة هوية تدخلك إلي الإسماعيلية والسويس وبورسعيد والمحاطة أيضًا بجدار.. أما الإسكندرية فهي مُطوقة بأسلاك شائكة مكهربة..!!
    تصور بلدك وقد تقطعت أوصاله وسُجن أهله كل في مدينته أو قريته..
    تري كيف سيكون إحساسك..؟!
    مشهد ٢
    أفقت من حالة شرودي علي صوت «ماهر سليم».. الأخ الأصغر لزوجي، الذي رافقني هذه المرة في الدخول إلي القدس، خاصة أن معه ما يسمي «تصريح ٢٤ ساعة» والذي من خلاله يستطيع الدخول لـ «القدس» أو أي مدينة داخل الكيان الصهيوني.
    أخرجت كاميرتي الصغيرة وأخذت ألتقط بعض الصور للجدار العازل.. ومئات الفلسطينيين الذين يقفون في طوابير من أجل العبور.
    ساعة ونصف الساعة تحت الشمس الحارقة إلي أن جاء دورنا في الدخول نحو بوابة المعبر، حيث إجراءات التفتيش التي لا تنته.
    وما إن دخلت ورفعت عدسة الكاميرا إلا وجاءني صوته الأجش مرددًا بلهجة لا تخلو من العنف.. «No. photo».. أي لا للتصوير.. رفعت رأسي عاليا فوجدته متربعًا مسلحًا علي برج للمراقبة داخل المعبر..
    ثوان معدودة وكان أمامي هو وجند آخر مشهران السلاح في وجهي.. طلبت من مرافقي أن يبتعد عني حتي لا أسبب له ما لا يحمد عقباه.
    طلب مني الإسرائيلي أن يشاهد الصور التي قمت بالتقاطها في الكاميرا الديجيتال.
    - فقلت له .. إنني لم التقط شيئًا ولا أعرف الزر الذي يجعل الكاميرا تريه الصور التي عليها.
    - سحبها مني قائلاً باللغة العربية أنا أعرف.. المهم أنه رأي الصور التي التقطتها للجدار خارج المعبر فقال لي بسخرية مشيرًا للصور.. إيه ده؟!
    - قلت له بسخرية أكثر.. صور هيكون إيه يعني.
    - مسحها دون أي استئذان قائلاً.. دي منطقة عسكرية إنت بتصوري عندكم في المطار؟!
    - قلت.. أولاً لا أعرف أنها منطقة عسكرية وبالتالي لا أعرف أنه ممنوع التصوير، ثانيا نعم أقوم بالتصوير في مطار القاهرة ولي صور تذكارية كثيرة هناك.. ما المشكلة إذن؟!
    - قال وهو يضحك باستفزاز واستهزاء.. علي برضه..
    - قلت له.. أيوه عليك يا ناصح.
    - قال.. أوكيه إنت مصرية لذلك تفضلي الكاميرا إحنا أصحاب.
    - قلت له علي الفور ودون أن أشعر وبتلقائية وبإصرار لأ.. مش أصحاب وعمرنا ما هنكون أصحاب!!
    نظر لي الإسرائيلي نظرة حانقة غاضبة لن أنساها طال العمر أم قصر.. لكني قلت ما بداخلي ولو لم أقلها بالتأكيد لم أكن سأستطيع النظر في المرآة مرة أخري..!!
    ما إن تركني لالتحق في الطابور الواقف.. وجدت النظرات والابتسامات والكلمات الحانية والمؤيدة والشاكرة لكل مواطن مصري.
    لقد سعد كل فلسطيني بما قلته قائلين: تِسلم مصر.. ويسلم الشعب المصري الواقف دائمًا بجانبنا.. إحنا بنحبكم وبنحب عبدالناصر وتراب مصر.. حياكم اللّه.. حياكم اللّه..
    مشهد٣
    كالعادة كان في انتظاري الكاتب الصحفي «يونس العموري» مرافقي في رحلتي.. والذي تكلم كثيراً واستفاض عن هذا الجدار «العاجز» أثناء جولتنا بالسيارة حوله لأري بعيني كيف استطاع الإسرائيليون أن يسجنوا ويحاصروا المدينة المقدسة، بل كل مدن الضفة عن بعضها البعض.
    أمام أحد أهم وأكبر وأضخم المستوطنات الإسرائيلية في مدينة القدس وهي «معالي أدوميم» وقفنا.. الأعلام الإسرائيلية علي كل نافذة وفي كل شرقة بل وصل الأمر علي كل أجهزة التكييف الخارجية، وكأن لديهم شعوراً وإحساساً بالنقص يحاولون أن يعوضونه بأن يعلقوا العلم، وكأنهم علي يقين داخلي بأنهم ليسوا أصحاب الأرض وأنهم مغتصبون ولصوص لوطن غيرهم.
    تلك المستوطنة «معالي أدوميم» محاطة بنوع آخر من الجدار العازل.. وقبل أن أسأل مرافقي أجابني:
    الجدار لا يتخذ شكلاً واحداً كما يتصور البعض، وإنما يختلف شكله باختلاف المكان المقام فيه، ففي بعض الأماكن يكون عبارة عن أسوار إلكترونية شائكة مكهربة وفي أماكن أخري وخاصة الأماكن التي يتقارب فيها الفلسطينيون والمستوطنون الإسرائيليون فإن الجدار يتخذ شكله المعروف.. ولأن «معالي أدوميم» من أضخم المستوطنات عندهم فهي تحصل علي الشكلين.
    قلت له.. بهذا الشكل أصبح الوطن سجنًا كبيرًا.. قاطعني قائلاً: نعم لقد روجوا للعالم في بداية إنشائه أنه سيكون سياجاً أمنياً لكنه نجح في أن يطوق الوطن بأكمله، ناهيك عن أنه أصبح علي أهل فلسطين عمالاً وفلاحين وطلاباً وحتي المرضي الذين لا تصل مطامعهم إلي أكثر من الذهاب إلي أقرب مستشفي هو الحصول علي تصريحات خاصة من نقاط الجيش والشرطة الإسرائيلية المنتشرة علي طول الجدار والمزودة بأجهزة إنذار إلكترونية تكشف حتي قطعة الحلوي التي قد يحملها تلميذ فلسطيني صغير في حقيبته وهو ذاهب إلي المدرسة عبر إحدي بوابات الجدار علها تنسيه مرارة ما يعانيه، وتكشف أيضاً طفلاً فلسطينياً لايزال في رحم أمه التي ذهبت إلي نفس البوابة للحصول علي تصريح للذهاب إلي مستشفي في منطقة مجاورة فيرفض الجنود الإسرائيليون خشية تحول هذا الطفل يوماً إلي مشروع «شهادة».
    باختصار، أصبح لزاماً علي الفلسطيني الحصول علي تصريح بعد هذا الجدار للبقاء في بيته أو للعودة إليه بعد يوم عمل شاق، والمأساة ليست فردية ولا حتي تمس عدداً قليلاً من السكان، وإنما تمتد إلي أكثر من ربع مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية في ٦٧ بلدة، تحولت ١٣ منها إلي «كانتونات» بين الجدار والخط الأخضر، و١٩ بلدة تم عزلها تماماً، و٣٦ بلدة تم فصلها عن أراضيها الزراعية أو مصدر رزق غالبية سكانها.
    حديث مرافقي أضاء لي الكثير من النقاط والطرق المظلمة التي ارتسمت في ذهني بل ودفعني دفعاً إلي أن أطلب منه مباشرة أنني أريد بشراً.. أحتاج إلي أن أعرف تأثير هذا الجدار العنصري علي جميع مجالات الحياة بالنسبة للشعب.. ولكن علي ألسنة ومن قلوب الناس المكتوين بنار هذا الجدار.
    مشهد ٤
    «نعلين» أقرب وأصدق وأهم منطقة يمكن أن يحدثك أهلها.. فهي خط مدينة رام الله الساخن وشوكة في حلق الإسرائيليين ولا يخلو يوماً من مواجهات واعتقالات وشهداء لأنهم يستكملون بناء الجدار من خلالها وعلي أنقاض أراضي الفلاحين وزراعاتهم، خصوصاً من شجر الزيتون. ما إن أنهي «يونس» كلامه إلا وكنت في الطريق إلي تلك القرية الصغيرة التي تبعد ما يقرب من ١٧ كيلو متراً عن «رام الله».
    اعتذر مرافقي عن عدم الحضور معي لانشغاله فقررت الذهاب مع زوجي الذي قابلني علي أرض «نعلين» كعادة كل بيوت الفلسطينيين.. الكرم والحفاوة والحب والمودة التي يقابلون بها الزائر الغريب، وتتضاعف تلك الروح عندما يعرفون أنني مصرية.
    لا أبالغ عندما أقول لك إن كل المنازل بلا استثناء في قرية نعلين قد فتحت أبوابها لاستقبالنا وكل الموائد نُصبت بالغذاء لدرجة أنني أحسست بأن حالة من الطوارئ قد نشبت في هذه القرية.
    بعد أن أخذنا واجبنا -كما يقولون- وتناولنا «المنسف» الأكلة الشهيرة في فلسطين، وبعد أن احتسينا أكواب الشاي المُطعم بعشب «الميرامية».. بدأت أجواء الحديث تدور لأعرف معها إلي أي حد يعاني أبناء هذا الشعب.
    عندما قال لي «عبدالله عامر» -أحد الفلاحين بقرية «نعلين»- إن عمره أربعون عاماً.. لم أصدق، فالخطوط والتجاعيد التي حُفرت في وجهه، والشعر الأبيض الذي غطي رأسه.. كل هذا يجعلك تشعر بأنه قد اجتاز الستين بمراحل.
    ويبدو أن ملامحي قد دلته علي ما يدور في داخلي فابتسم ابتسامة هادئة قائلاً: إحنا هون كلنا كده.. بتعطينا عمر أكبر من عمرنا.. اللي بنتعرض له ليس قليلاً.. وما نراه ليس هيناً.. ولكن هيك الحياة وهيك القدر وهيك مسؤوليتنا اللي بنحملها وحدنا علي أكتافنا، لكن ديري بالك أنا هحكي لك اللي شو بدك من الجدار العازل واللي عامله فينا وفي الفلاح الفلسطيني بشكل خاص نحن الفلاحين الفلسطينيين أكثر ناس تضرروا من هذا الجدار، الحكومة الإسرائيلية لم تكتف بفصل أكثر من نصف قري الضفة عن أراضيها الزراعية، ولم تكتف بتدمير ١٢ كيلو متراً من شبكات الري ولا بتجريف العديد من الأراضي حتي قبل ما نتمكن من جني ثمار ما زرعناه بل ألزمتنا بالحصول علي تصاريح عمل ننتقل بموجبها من القرية للعمل في أراضينا.
    أنا علي سبيل المثال أرضي الزراعية وأشجار زيتوني ليست في «نعلين» ولكن في قرية مجاورة لها.. الجدار فصل بيني وبينها، يعني قبل الجدار كنت أذهب لأرضي في عشر دقائق الآن أصلها في ساعة ونصف لأنني بألف عبر الطرق الالتفافية، هذا غير أنني أقف أمام بوابات الجدار بالساعات لكي أذهب إلي أرضي، والمعبر يفتح من الخامسة صباحاً حتي التاسعة.. وتكون عقوبة من يتخلف عن المواعيد المقررة الحرمان من الحصول علي تصاريح جديدة للذهاب إلي أرضه.
    هم يحاولون أن يجعلونا نَمَل ونزهق حتي نترك أراضينا وأشجارنا لذلك هم يصعبون علينا الطرق ويغلقون أبواب رزقنا.. لكن لن نأس ولن نترك أراضينا لكي يستولوا عليها ويجرفوها ويبنوا مستوطناتهم.
    «أحمد شلاني» قاطع عبدالله في حديثه عندما قال: الإسرائيليون ينزلون بجيوشهم المسلحة ويقومون بضربنا بالقنابل المطاطة والمسيلة للدموع حتي تبدأ جرافاتهم في جرف أراضينا. لقد اقتلعوا أكثر من ١٠٨ آلاف شجرة من بينهم ٨٤ ألف شجرة زيتون والباقي موالح.. ونحن لا نملك في مواجهتهم سوي الحجارة والتنديد بهم في المظاهرات لكنهم يملكون السلاح بكل أنواعه الفتاكة والسامة والقاتلة والمشوهة.
    سيدة عجوز كانت تقف بالقرب منا.. فقد كانت أحاديثنا كلها تدور خارج المنازل، علي أرض الواقع لكي أري بعيني الأرض الخضراء وقد تحولت إلي صحراء يابسة وبقايا أشلاء شجر الزيتون الذي قد كان وصل عمره إلي آلاف السنين وراح ضحية الجلاد والسجان الذي لا ترحم أيديه الملوثة بالدماء.. اقتربت تلك العجوز الفلسطينية واقتحمت وقفتنا وقالت بصوت عال وقوي يخلو من الضعف والانكسار:
    «قولي لهم.. وقولي للعرب يا أما.. لو قلعوا شجرة هنزرع ١٠٠، ولو بنوا جدار هنهده مهما طال الزمن.. ومهما منعونا هندخل.. ودم أولادي الشهداء ماراحش ومش هيروح.. حسبي الله ونعم الوكيل.. حسبي الله ونعم الوكيل». قالت عباراتها وانسحبت بهدوء.. لم أملك سوي الصمت والدموع.
    مشهد ٥
    إذا كان تجريف الأراضي واقتلاع أشجار الزيتون وتدمير المنازل وقتل الأبرياء وجهاً لما تفعله إسرائيل من أجل بناء جدارها «العاجز» فإن المياه في الضفة الغربية بمدنها المختلفة موضوع خطير أيضاً.. هكذا بدأ أمين سراوي الفلاح البسيط في قرية «نعلين» حديثه قائلاً: «لقد عمدت الحكومة الإسرائيلية إلي إقامة جدارها العنصري فوق أكبر تجمع للمياه في الضفة الغربية حيث استولت من خلاله علي ٣ «أحواض» مياه فلسطينية لتحول مياهها إلي مستوطنيها مياه في الوقت الذي تحرمنا نحن أهل الضفة منها».
    الحوض الأول الذي سرقته إسرائيل من خلال الجدار هو الحوض الغربي الذي يمتد من قلقيلة وحتي جنوب الخليل وطاقته ٤٦٠ مليون متر مكعب من المياه، والحوض الثاني في جنين وطاقته ٥.١ مليون متر مكعب من المياه، أما الثالث فيقع جنوب شرق الخليل، وطاقته ٦٠ مليون متر مكعب من المياه تذهب جميعها إلي المستوطنين اليهود، أما نحن فنشتري جراكن للمياه حتي للشرب والجركن الواحد بـ١٠٠ شيكل، أي حوالي ٩٠ جنيهاً ونشتري ٣ جراكن أسبوعياً.
    «أنس عادل» قطع الحديث قائلاً: هم يحاربوننا بشتي الطرق وكما قال لك أحدنا إنهم يريدون أن نُصاب بالزهق لنترك أراضينا لهم.. والشيء الخطير الذي يفعلونه في أراضينا الزراعية أيضاً ويسهل لهم عملية التجريف بل ويقف عليهم أقل من حيث التكلفة المادية.. أنهم أنزلوا منذ شهر في جميع قري الضفة ومزارعها مجموعة من الخنازير البرية وحول رقبة كل خنزير رقم.. وهذه الخنازير دمرت محاصيلنا الزراعية والتهمتها وكسرت الأشجار بل وهاجمت أيضاً البشر وقتلت العديد من المواطنين.. ناهيك عن المبيدات الحشرية السامة والقاتلة التي تصيب الإنسان بأمراض سرطانية هم يقومون برشها من الطائرات الخاصة لديهم علي محاصيلنا فتفسد كل ما جنيناه وأيضاً تتأثر التربة الزراعية وتفقد خصوبتها تماماً.
    «محمد نوران» انتقل بالحديث بعيداً عن الزراعة قائلاً: ليس الفلاحون وحدهم الذين يعانون من هذا الجدار لكن جميع أبناء هذا الشعب حتي الأطفال، فالتلاميذ الفلسطينيون لم يسلموا منه، فقبل الجدار كانت المدارس تبعد عن تلاميذها مجرد أمتار، واليوم يضطر هؤلاء التلاميذ إلي السير عدة كيلو مترات في بعض الحالات للعبور إلي مدارسهم، بل إن الوقاحة الصهيونية بلغت حداً فصلت فيه مدرسة عناتا الثانوية إلي نصفين، وضمت ملاعب المدرسة إلي مستوطنة «بسغات زائيف»، وأيضاً يعاني المرضي الفلسطينيون الذين يستوجب لهم الحصول علي تصاريح تنظم العبور في أوقات معينة، وكأنهم يسيطرون أيضاً علي المرض والمرضي.. حسبي الله ونعم الوكيل.
    مشهد ٦
    قبل أن أغادر «قرية نعلين».. التقيته.. هذا الشاب الموهوب الذي لا يملك سوي أن يحمل كاميراته وعدساته لينقل ما يحدث من انتهاكات وممارسات الاحتلال الإسرائيلي بالصورة. يغامر ويخاطر ويدخل في قلب الحدث ويعرّض للاعتقال والتصويب والاستشهاد وهو لا يملك بطاقة صحفية ربما تحميه قليلاً من بطشهم.
    هو الشاب المصور الذي التقط الصور التي ترونها أمامكم الآن «هندي مصيلح» ابن قرية نعلين.
    لقاؤه لي ربما غير خططاً كثيرة في هذه الرحلة.. لقاؤه لي جعلني أغادر «نعلين»، ولكن علي وعد بزيارتها صباح اليوم التالي.. فهو الذي دعاني لحضور المظاهرات والمسيرات التي سيقوم بها أهل «نعلين» منددة بالجدار العازل وانتهاك حرمة الأراضي وعلي حد قوله «سترين بعينيك الاحتلال وجهاً لوجه وستراقبين صمودنا وربما تلقين أنت الأخري حجراً علي الظلم».
    ودعته ووعدته باللقاء في الصباح الباكر.
    المشهد الأخير
    شعب جبار ومبدع.. كل يوم يبتكر طريقة جديدة للمقاومة تؤكد صلابته وتمسكه بأرضه وتؤكد أن هذا الشعب ولد ليبقي. ونجحوا في أن يحاصروا حصارهم ويجعلوا من الجدار المشوه لوحات إبداعية.
    هكذا حدثت نفسي وأنا في طريق العودة وعيناي لا تفارقان كل ما رسمته الأيدي الفلسطينية الطاهرة علي كتل الجدار الأسمنتية.
    ها هو وجه شارون، وقد تحول إلي مصاص دماء.. وها هي فتحة في الجدار يعبر منها طفل إلي الجهة المقابلة التي تسيطر عليها إسرائيل، وها هو «حنظلة» الشهير الذي ابتدعه المبتكر والعبقري «ناجي العلي»، دائماً ما كان يدير ظهره إلينا.. فها هو علي الجدار العازل يدير ظهره إلي من ينظر إليه حقاً.. لكنه ينظر إلي الجهة المقابلة، حيث فلسطين المسروقة والمغتصبة.
    وها هو رسام الجداريات الشهير في بريطانيا «بانكسي» الذي انتقل إلي فلسطين ليهزم بلوحاته هو الآخر هذا الجدار الفاشل.
    وها هي صورة المناضل «جيفارا» شاهداً علي الظلم والعنصرية والقهر وكل الموبقات التي من أجلها ضحي بعمره.
    وها هي كلمات الوحدة ما بين فتح وحماس تعلنها عالياً.. في الضفة نحن متحدون وليس الأمر كما هو في غزة وسوف تقوم الوحدة الوطنية ويلتئم الجرح.
    وها هي قصص الشهداء وحكايات الأسري، والموت لإسرائيل، ويحيا نضال الشعب الفلسطيني.
    كل هذا حُفر علي الجدار الذي ظنوا وهماً أنه سيعزل ويسجن ويقتل إرادة شعب.
    وها هي الحياة تسير.. الأفراح تقام وينجب الأطفال ويتابعون مسلسل «نور» و«سنوات الضياع».. ويتابعون مباريات كأس الأمم الأوروبية والأفريقية وأحدث وأجمل وأطرف ما فعله أبناء الشعب الفلسطيني تجسد علي الجدار العازل في «مخيم عايدة» في بيت لحم.. نصبوا شاشات عرض كبيرة علي جدار الفصل العنصري وعرضوا المباريات وشاهدها الكبار والأطفال والنساء، وعلي نفس الجدار رسم كل مواطن قريته الضالة التي تم طرده منها عنوة في نكبة ١٩٤٨.
    ها هي حيفا ويافا وعكا والناصرة مجسدة علي جدارهم الفاشل والعنصري.
    وها هي مفاتيح العودة تنير وتضيء وتكسر ظلمة وحِده الكتل الخرسانية.
    ألم أقل إنه شعب جبار ومبدع.
    لم أملك سوي أن أردد بيني وبين نفسي وأنا في طريقي إلي المنزل.. ستعود.. حتماً ستعود فلسطين عربية.. إذا لم أرها فسيراها ابني وقد يحررها.. وهو الفلسطيني المنتظر.

    0 Not allowed!



  8. [8]
    سيبويه
    سيبويه غير متواجد حالياً
    عضو فعال جداً


    تاريخ التسجيل: Sep 2006
    المشاركات: 224
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 1
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذا هو الجزء السابع من سلسلة المقالات
    أرجو من المشرفين محاولة تثبيت هذه المقالات لكى لا تضيع فى وسط الموضوعات الاخرى ولكى يستفيد منها المسلمون وتكون تذكرة لهم لاخواننا وأخوانهم فى فلسطين



    أمل سرور تكتب: مشاهدات عـائدة من الوطن الجـريح «٧» .. « المصرى اليوم » وجهًا لوجه أمام قوات الاحتلال الإسرائيلي في بلدة «نعلين»

    ٣٠/٨/٢٠٠٨



    المواجهات بين الفلسطينين وقوات الاحتلال أندلعت بعد الصلاة
    قبل أن تقرأ سطوري التالية تأمل الصور التي أمام عينيك!!..
    انظر إليها جيدًا، وتَمعن فيها، ودعني أقل لك إن المصور الذي التقطها يرقد حاليا علي سريره في قرية «نعلين»، وقد أصيب برصاصتين غادرتين في قدميه علي أيدي الصهاينة التي لا ترحم!!..
    القصة حقيقية، واقعية، مريرة، مؤسفة ومؤلمة وليست مستوحاة من الخيال..
    قصة قرية صغيرة، تجسد حكاية شعب يرفض الانحناء ليقف وقفة رجل واحد ضد الممارسات الإسرائيلية.. قصة طويلة ربما تتعرف عليها إذا تابعت معي السطور التالية:
    كما قلت في حلقة أمس.. لم أقل وداعًا لقرية «نعلين» الصغيرة بل قلت إلي لقاء، خاصة عندما دعاني أهل القرية، وعلي رأسهم الشاب المصور «هندي مصيلح»، للمشاركة في المظاهرات التي سيقوم بها أهل البلدة في اليوم التالي، التي تندد بإقامة الجدار الصهيوني العازل علي أراضيهم.
    والحق لم أتردد لحظة واحدة في الذهاب، بل كنت في تمام التاسعة صباحًا أمام مرافقي «هندي» في قريته والحق أقول لكم إنني لم أكن أتصور أن أري ما رأيته، أو أن أسمع ما سمعته، أو بالأحري لم أكن أتصور يومًا ما أن أقف أمام الاحتلال الإسرائيلي بجيوشه ومعداته وقذائفه وكل آلاته المعذبة، التي تشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان، لم أكن أتصور أنني سأقف يومًا وجهًا لوجه أمامهم. ولكن هذا هو ما حدث بالفعل!!..
    ما إن جلست مع أهل قرية «نعلين» وسمعتهم ورأيتهم يعدون عُدتهم من لافتات كتبوا عليها بكل تلقائية وسلمية «لا للاحتلال.. ولا للجدار العازل»، وما إن بدأت الأعلام الفلسطينية تعلو وتعلو في أيدي الأطفال والنساء والشباب والشيوخ.. وما إن بدأت أسمعهم يخططون للهتافات والأماكن، ويستعدون بالحجارة ويأخذون أماكنهم ليكونوا علي أهبة الاستعداد، إلا وقد نسيت تمامًا أنني صحفية، وأن مهمتي هي الرصد والنقل والتحليل.
    نسيت تمامًا، ولم أتذكر سوي أنني مواطنة عربية رماها القدر لتقف مع المظلوم ضد الظالم.. ولكن لم تستمر حالتي كثيرًا، خاصة بعد أن عرفت أنه من الخطر الشديد قربي ومشاركتي في الأحداث، والسبب أن تأشيرتي المشؤومة التي أحملها علي جواز سفري لا تسمح - كما قلت في بداية الحلقات - إلا لزيارة الأماكن الإسرائيلية أو الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية فقط.. وأنه غير مسموح لي بالدخول إلي المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية، وبالتالي لو حدثت مشاحنات أو اعتقالات وتم كشف أمري فلن أسلم بالتأكيد من الاعتقال أو الترحيل، وإن كان الاحتمال الأول هو الأقرب للحدوث!!..
    لذلك اعترضني أهل قرية «نعلين» أنفسهم ووضعوني - علي حد قولهم - في مأمن، ولكن في مكان أستطيع من خلاله مراقبة ومشاهدة ما سيحدث عن قرب.. ولكن كما قالوا لي لا داعي للمجازفة والمخاطرة، وبعد مناقشات كثيرة لم أملك سوي الاستسلام لقرارهم وأشاهد وأنقل عن بُعد ما يحدث علي أرض الواقع.. فلتشاهدوا معي!!..
    مشهد ١
    أخضر باخضرار زيتونها ولوزها، أبيض بنقاء وطهر وشفافية أهلها، أحمر بلون الدم الغاضب والصامد في وجه القهر والظلم، أسود بسواد لبس المريحات من الأمهات الحزاني علي أولادهن الشهداء.. هو العلم الفلسطيني.. الذي وجدت نفسي أتأمله في تلك الأيدي المتشبثة والمرفرفة به في سماء «نعلين».. لم أفق من تلك الحالة إلا علي صوت «هندي»، الذي كان يستعد بكادراته وعدساته لالتقاط ما سيحدث خلال ساعات..
    حدثني كثيراً عن صمود أهل «نعلين» أمام انتزاع الإسرائيليين لأراضيهم لتجريفها وبناء الجدار، وأيضاً المستوطنات، وحدثني أكثر عن الوسائل القمعية الوحشية التي يتبعها الصهاينة لقمع انتفاضتهم، التي شملت فرض نظام منع التجول وإطلاق العيارات النارية، وعدم سماح السلطات الإسرائيلية لعربات الإسعاف بالدخول إلي البلدة حتي إنهم تركوا جثة أحد الشباب الموتي أربع ساعات عند مدخل «نعلين»، قبل أن يسمح العسكريون لعائلته بأخذ جثمانه ودفنه، وكيف أنهم منعوا امرأة في حالة ولادة من مغادرة البلدة، وأجبروها علي ولادته في منزلها.
    وكيف تم اعتقال طفل عمره ١٢ عاماً علي أيدي الجنود الذين احتفظوا به محتجزاً يومين كاملين دون توجيه أي اتهامات له، وكيف يتم ضرب النساء والشيوخ المسنين.
    سألته: ولكن وسائل الإعلام تُحجم عن تغطية أحداث «نعلين».
    قاطعني قائلاً: السبب المباشر هو أنهم يحرصون علي عدم حضور صحفيين وإعلاميين لتغطية تلك الأحداث، لذلك أنا هنا، وغيري كثيرون ونحن لا نملك بطاقة صحفية، وبالتالي نكون معرضين لخطر الاعتقال أو القتل، ولكن هذه هي مهمتنا، نحن مجموعة من الهواة تقوم بالتصوير خلسة ونرسل بالصور إلي الوكالات دون أي مقابل، والثمن الوحيد الذي نتقاضاه هو توصيل أسالتنا ونضالنا لشعوب العالم خاصة العربية.
    توقف «هندي» فجأة عن الحديث منتفضاً قائلاً: استعد، الجيبات العسكرية بدأت تظهر لتدخل إلينا ووراءها الجرافات.. قبل أن يكمل حديثه معي سلم قدميه للريح قائلاً:
    * ديري بالك علي حالك يا أمل، وشاهدي فقط وأرجوك لا تنفعلي ولا تحاولي الاشتباك.
    لم أملك سوي دقات قلبي التي كادت أن تكون مسموعة للجبال التي تحيط بي، وصوت مبحوح أخرجته كما يقولون «بالعافية» قائلة: دير بالك أنت يا هندي علي حالك.
    مشهد ٢
    هاهي الجرافات تدخل وتتوسط أشجار الزيتون.. وهاهي «الجيبات» لعسكرية الإسرائيلية تقتحم الأراضي الزراعية وتقف طابوراً محتشداً بالقوات المدججة والمشهرة أسلاحها.
    وهاهم أهالي القرية الصامدن.. شيوخاً وشباباً وأطفالاً يحتشدون ويمشون رافعين العلم الفلسطيني عالياً.
    هاهم يسيرون بصدور مفتوحة وتحد وأصرار وصمود تستطيع أن تلحظة تماماً إذا تابعت معي خطوات أقدامهم التي تدب عالياً في الأرض قائلة: «الأرض أرضي والعرض عرضي» وجهاً لوجه بينهم فقط أسلاك شائكة بناها الإسرائيليون.. يقفون وفجأة يديرون ظهرهم جميعاً إلي آلة الإسرائيليين الشرسة..
    وفي مشهد جبار يعجز القلم عن وصفه يقيمون «صلاة الظهر».. الله أكبر.. الله أكبر.. يقولونها عالياً فتشعر معها أن قلبك يرتجف وأن ما حولك من جبال صلاة يهتز وربما تدعو من قلبها اللحظات الحاسمة المقبلة.. أستطيع أن أري وجوه الصهاينة وهي تضحك وتسخر بل تستهزئ.
    أستطيع أن أري أيديهم وهي تقوم بالتحضير للقنابل المسيلة للدموع.
    أستطيع أن أسمع أسلحتهم الحديثة وهي تجهز أزندتها استعداداً للإطلاق.. آه.. يا إلهي أحم ظهورهم وأعراضهم وأطفالهم أحم الأبرياء وكن معهم يا نصير المظلومين.
    مشهد ٣
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    أنهوا صلاتهم وقبل أن يديروا وجوههم للواقفين المتربصين بهم، أمسك جندي إسرائيلي مدججاً بالسلاح ميكروفوناً ليقول فيه باللغة العربية عودوا إلي الوراء.. لا تتقدموا خطوة واحدة.. وإذا تجاوز واحد منكم فهذا سيعرضكم لقنابل الغاز وإذا وقف أحد في طريق الجرافات سيكون نصيبه واحداً من اثنين إما الاعتقال أو الرمي بالرصاص.. عودوا.. عودوا.. عودوا.
    الجميع تحرك والصامدون تقدموا ولم يتراجعوا أصروا رغم كل التهديدات أن يقفوا وجهاً لوجه، تدفقوا كجدار بشري جاء ليحمي حق القرية من طلقات الرصاص الحي.
    كلهم يحملون العلم الفلسطيني مهللين مكبرين في وجوه الاحتلال الصهيوني قائلين في نفس واحد.. «الله أكبر.. الله أكبر» «معاً ضد الظلم» «معاً نقهر إسرائيل» «تحيا فلسطين».. «الموت لكم» «الحياة لنعلين».
    بدأ الصوت يخفت ويخبو ولكن الأعلام لازالت مرفرفة أستطيع أن أراها رغم الدخان الخانق الذي عبأ السماء.
    مشهد ٤
    عشرات القنابل الصوتية وقنابل الغاز أطلقها الإسرائيليون الصوت يرعب القلوب الجبانة والمتخاذلة فقط، ولكنه لم يرعب تلك القلوب الصامدة الغاز المسيل للدموع يجعل الأعين المفتوحة لأخرها تغلق تماماً.. الوجوه تزداد في الأحمرار.. ولكنها معهم فشلت، لقد زادت حدة الغاز السام جرأة العيون، وزاد الغضب الوجوه احمراراً.
    وها هو شاب يرفع العلم الفلسطيني يقف وجهاً لوجه أمام الجندي الإسرائيلي، يستطيع بجرأة واقدام الوقوف أمامه فوق السيارة الجيب الإسرائيلية.. ويضع إصبعه الطاهر بالقرب من أنف الآخر الملوث قائلاً:
    «اخرجوا من أراضينا».. اخرجوا.. لا سلام ولا استسلام ولا مفاوضات.. الحق والأرض لنا».
    توقعت أن أجده وقد راح أشلاءً في لمح البصر.. ولكن صوت زوجي «ماجد» الذي كان يرافقني أتاني منبهاً مطمئناً أن الإسرائيلي لن يستطع قتله، لأن المظاهرة يحضرها اليوم بعض من نشطاء السلام الإسرائيليين، وبعض من منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية، والتي تقوم بالتصوير، بل ونشر ما تراه دون كذب للإعلام الغربي، ولأنهم حريصون علي صورتهم المزيفة أمام الغرب، فلن يفعلوا شيئاً اليوم سوي الضرب بالقنابل..!
    مشهد ٥
    ١٥ قنبلة مسيلة للدموع يطلقونها بطلقة واحدة تستطيع أن تري السماء وقد تلونت بالخطوط البيضاء وكأن هناك احتفالات وأعياد ميلاد.. ولكنها في الحقيقة اغتيالات لكل ما يمت بصلة إلي كلمة إنسان..!
    المعركة بدأت تشتد وتأخذ منحنياً آخر عندما بدأت الحجارة تعلن عن نفسها عالياً محدثة كل الواقفين بأن الصمود والنصر في النهاية للحق.. الحجارة من اليمين تنهال علي «جيباتهم العسكرية» المصفحة وعلي وجوههم.. ها هي تصيب اثنين منهم وها هي الدماء تسيل من وجوههم العكرة.
    وها هي القذائف الحية بدأت.. الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع، أما المتظاهرون من أبناء الشعب الفلسطيني فتبدوا خبرتهم وحنكتم مع تلك الوسائل.. لقد تعلموا فن المراوغة، ولكن ليس مراوغة الشعوب والضحك علي الذقون، وإنما مراوغة القنابل الغازية.. يجيئون لها يميناً وشمالاً يتفادونها بحنكة وذكاء وحكمة ودهاء وكأنني أشاهد «ماتش كورة» لفريق البرازيل المتألق، بل إن بعض المحنكين والمراوغين تولي عملية إرشاد المشاركين للتعريف.. هذه قنبلة غاز، وتلك قنبلة صوتية ابقوا مكانكم، حاصرونا من الشمال، اذهبوا لليمين أما مقدمو خدمة الإسعاف فيزودون المتظاهرين بالبصل والعطر المضاد للغاز.
    وها هم بعض النشطاء من الأجانب يلقون بأنفسهم علي الأرض احتجاجاً ورفضاً لممارسات الإسرائيليين.
    ولكن لا فائدة «لست معنا فأنت ضدنا» شعارهم الذي يرفعونه هم والأمريكان، وبالتالي يكون نصيب الأجانب مجموعة من قنابل الغاز الخانق.
    ولأنهم في النهاية متعاطفون فقط.. ولأنهم في النهاية خائفون علي حياتهم فيقررون الانسحاب والجري لاهتين باحثين عن سبل النجاة.. لتشتد وتحمي المعركة وتظهر أنياب الجلاد وأظافره الحقيقية التي تنشب لا محالة في أجساد الشرفاء.
    مشهد ٦
    وبدأ الضرب المبرح.. وبدأت حملة الاعتقالات.. آراهم بعيني ثلاثة من جنوب الجيش الإسرائيلي يحملون شاباً فلسطينياً ويركلونه ضرباً بأحذيتهم المدنسة.. وآخر يضربه جندي بفوهة البندقية فتسيل دماؤه..!
    ركل وضرب بالأقدام وبالأسلحة.. في كل أنحاء الجسد بدءاً بالفم مروراً بالكبد والكلي وحتي القدمين.. انسحب الأجانب وغادر الصحفيون هرباً من الموت، أما هم أصحاب الأرض والقضية والمبدأ والحق فيموتون مثل الأشجار واقفة.
    تنتظر القنابل والأسلحة، ولكن لا تنهزم الحجارة والعبرة كما يقولون بالنهاية؟!
    ها هي جرافاتهم الغادرة الصهيوينة التي عرفوها منذ شهر بأنها أداة قتل حين قادها «حسام دويات» في أحد شوارع القدس حنقاً وغضباً علي ممارساتهم.. ها هي نفس الجرافة، ولكن هذه المرة يقودها إسرائيلي.. ها هي جرافاتهم تُجرف أشجار الزيتون وتدمر الأراضي وتسرق موارد الرزق، جرافاتهم حلال، وجرافاتنا حرام..!
    والله حرام..!!
    مشهد ٧
    لا يسألني أحد كيف تحملت تلك المشاهد..؟! وكيف استقبلتهما عيناي..؟
    حقاً لا أعرف ولا حتي أملك الإجابة.. ولا أستطيع أن أصف لك حالة العجز والحنق والغضب والاستفزاز التي انتابتني..!!
    حتي الدموع فشلت في أن تعرف إلي عيني طريقاً ولكن كل ما أستطيع أن أقوله لك علي الورق أن تلك المشاهد التي رأيتها بعيني في قرية «نعلين» قد غيرت أشياء كثيرة بداخلي.. لم أعد «أمل» التي سافرت من القاهرة إلي فلسطين، ورغم الذل والهوان والظلم الذي رأيته، إلا أنني عدت بمجموعة من الآمال وليس أملاً واحداً.. «ستعود»!!
    كل ما أتذكره في طريق عودتي هو قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش التي لم تفارقني:
    حاصر حصارك.. لا مفر
    سقطت ذراعك فالتقطها
    وأضرب عدوك لا مفر
    وسقطت قربك فالتقطني
    وأضرب عدوك بي..
    فأنت الآن حر
    حر.. وحر..!!
    المشهد الأخير
    خرجت من «نعلين» يوم ٢٠ يونيو.. وأرسل لي «هندي مصيلح» الصور يوم ٢٢ يونيو وفي نفس هذا اليوم دخلت «نعلين» مرحلة حظر تجوال لمدة ٥ أيام.. بعدها تجددت المظاهرات التي لم ولن تنتهي إلا يوم الحرية المنتظر.
    عندما وصلت إلي القاهرة تحدثت مع «هندي» تليفونياً للاطمئنان عليه فردت علي زوجته قائلة بحزن.. هندي مصاب في قدميه وراقد في المستشفي.. تابعته تليفونياً إلي أن خرج، ولكنه راقد الآن في منزله منتظراً الشفاء.. تحية له ولكل أهل «نعلين» وفلسطين الصامدة..!!
    أخيراً وليس آخراً.. أذكركم بالخبر الذي قلب الدنيا وكان أيضاً من «نعلين» عندما صورت إحدي الفتيات الفلسطينيات جندياً إسرائيلياً يعتدي بالضرب علي «أشرف أبورحمة» من مسافة متر ونصف المتر بعد أن قيد قدميه وعصب عينيه..!!
    الخبر لم يثر عجبي ودهشتي، لأنني رأيتهم عيني عينيك يفعلون ما هو أكثر من ذلك.. آه يا عمنا «أمل دنقل» يا شاعر يا كبير لما تقول.. ونقول معاك.. لا تصالح!!
    الحلقة القادمة بعد غد

    0 Not allowed!



  9. [9]
    سيبويه
    سيبويه غير متواجد حالياً
    عضو فعال جداً


    تاريخ التسجيل: Sep 2006
    المشاركات: 224
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 1
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    الحمد لله الذى بلغنا العشرة الاواخر فى رمضان
    نسأل الله الهداية والعزة والنصر للمؤمنين والمؤمنات ونسأله الرحمة لأمواتنا

    هذا هو الجزء الثامن من سلسلة المقالات


    أمل سرور تكتب: مشاهدات عـائدة من الوطن الجـريح «٨»..«الخليل» مدينة الأشباح.. ومقام «أبو الأنبياء» المشطور إلي نصفين

    ١/٩/٢٠٠٨



    مدينة الخليل
    إذا كنت قد وقفت علي أرضها وبين تلالها وجبالها، وسمعت حفيف أوراق أشجارها ووشوشة أغصان لوزاتها واحتميت بقبة صخرتها وبالصلاة في أقصاها وبإنارة الشموع في قيامتها ومهدها.. فمن المستحيل ألا أهرول لاهثة إلي حاميها وحارسها جدها وجد أجداد جدودها.. رفيقها وخليلها.. أبو الأنبياء جميعهم قابعاً راقداً في هدوء وسكينة لا يعكر هذا الهدوء سوي لحاهم وقبعاتهم السوداء وأيديهم التي تغتال السلام والأمان في مدينته.. إلي مدينة الخليل ذهبت.. وفي الحرم الإبراهيمي بكيت، وعلي روح سيدنا إبراهيم وسيدتنا سارة وإسحق ويعقوب قرأت الفاتحة، وعلي المحتل المغتصب دعيت فاللهم تقبل!!
    إذن هي «مدينة الخليل»، التي حملت هذا الاسم نسبة إلي أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام.. علي هذه الأرض تزوج من «سارة» رضي الله عنها «لينجبا إسحق ويعقوب».. علي هذه الأرض عاشوا ودفنوا جميعاً.
    طوال الطريق الذي قطعته السيارة في نصف ساعة بالضبط، لم تفارقني كلمات والدة زوجي عن روحانية المكان الذي سأهبط فيه بقدمي، وعن قدسيته التي لوثها الإسرائيليون.. وعن الحصار اليومي للحرم الإبراهيمي، وكم الصعوبات والمعاناة التي يتعرض لها كل من يحاول الدخول إلي «البلدة القديمة» في الخليل من تفتيشات وبوابات عسكرية علي باب الحرم.. وكيف أنها وهي التي تبعد نصف ساعة عن الحرم الإبراهيمي -والكلام علي لسانها- السفر إلي السعودية وزيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة أسهل لنا بكثير من دخول مدينة الخليل والصلاة في الحرم الإبراهيمي.
    أفقت من حالتي فوجدتني وسط مدينة الخليل.. أول انطباع ينتابك عندما تقع عيناك علي شوارعها المزدحمة بالبشر ومحالها التجارية المفتوحة والمكتظة بكل أنواع البضائع.. أول انطباع يتسرب إليك أنك أمام مدينة تجارية من الطراز الأول والفريد من نوعه.. بل لا وجود لما يسمي باحتلال إسرائيلي وبوابات وحواجز وتفتيشات لا تنته.. الحياة تسير بشكل هادئ وأكثر من طبيعي.. لدرجة أنني نسيت عملي ومهمتي وأخذت أتجول بنظري ما بين المحال وأقلب في البضائع، بل أيضاً أفاصل في الأسعار كما تفعل كل السيدات.
    كل النكات التي يمكن لك أن تسمعها في فلسطين تخرج عليهم يعني يقولك -مرة واحد خليلي- بالضبط كما نقول نحن المصريون -مرة واحد صعيدي- وبالمناسبة مدينة الخليل تُعد من مدن الجنوب يعني باللغة المصرية مدينة صعيدية، حتي عندما نقول الصعيدي طلع وزرابينه ظهرت فإن هذا أيضاً ينطبق علي الخليلي فقط بدل كلمة صعيدي وضع مكانها خليلي!!
    حتي الكرم والحفاوة والمودة الزائدة لا تجدها سوي في بيوت «الخلايلة».. وبالفلسطيني «همشري»!!
    جولتي في شوارع مدينة الخليل ما بين المحال والمولات التجارية الفخمة استغرقت ما يقرب من ساعتين ونصف الساعة.
    الأصوات بدأت.. تخفت تدريجياً.. والباعة بدأوا يختفون تماماً.. لا شيء حولي سوي محال تجارية كبيرة، وقد أغلقت بالضبة والمفتاح، حالة من الهدوء والسكون المريب تحتل المكان، بل تجعلك تشعر بأنك امتطيت آلة الزمان لتعود للوراء فتجد نفسك وقد وصلت إلي مدينة للأشباح.. لا شيء سوي أنفاسك التي تلاحقك وصوت قدميك وصورة خيالك.
    وقفت فجأة أتأمل تلك الحالة فإذا بصوت زوجي الذي رافقني في جولتي قائلاً:
    - لا تتعجبي ولا تندهشي هذا هو حال البلدة القديمة منذ مذبحة الحرم الإبراهيمي التي وقعت داخل المسجد وتحديداً في يوم ٢٥ فبراير من عام ١٩٩٤، لقد أغلق اليهود البلدة القديمة وتم حصارها وأيضاً تم تقسيم الحرم الإبراهيمي إلي نصفين نصف لهم والآخر لنا.
    لم أشعر بنفسي إلا وقد ارتميت علي كرسي في مقهي صغير لا يرتاده أحد ولا أعرف لماذا يتمسك صاحبه بفتحه إلي الآن.. حتي أبسط الأشياء لا يملكها والمتمثلة في «باكو سكر وشوية بن» لعمل فنجان من القهوة اللهم إلا بعض من الميداليات التي تحمل شخصية «حنظلة» الفلسطيني المغلوب علي أمره والتي ابتدعها العبقري الراحل «ناجي العلي».. ربما اعتقد صاحب هذا المقهي أنه «حنظلة» أو أن هناك تشابهاً بينهما.
    حاولت أن أفتح معه الحديث فسألته قائلة:
    * أنت هنا من زمان؟
    - من ٦ سنوات فقط.
    * أنا شايفة إن الحال ما هو ماشي يعني مفيش زبائن؟
    - أجابني: مش مهم.. بيكفي أني فاتح محلي الصغير اللي ورثته عن أبويا واللي فضل لي من الدنيا كلها.. وكفاية إني ببيع الأعلام الفلسطينية مرسومة علي ميداليات وحنظلة وخريطة فلسطين، وآهو الأجانب اللي بيزوروا البلدة القديمة بيشتروا مني.
    صعقني عندما قال لي الرجل: علي فكرة أنا محترم جداً.. أنا كنت باشتغل صحفي بس الإسرائيليين قبضوا علي وحبسوني وعذبوني وقعدت في السجن ٥ سنوات.. طلعت منه وأنا ما بقدر أمسك القلم، لأنهم أصابوني في عصب في دماغي فأصبت برعشة وبعدم تحكم في اليد.. وساعات كثيرة في ثقل في اللسان.
    تركته وأكملت طريقي وأنا لا أتعجب، فحالة هذا الرجل هي نفس حالة كل أبناء الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للأسر والاعتقال والتعذيب والاستشهاد خلف السجون الإسرائيلية.
    طوال الطريق إلي الحرم الإبراهيمي يزداد الصمت وتحاصرك الكآبة.. تنظر بعينيك إلي المنازل القديمة علي الجانبين فلا تجد سوي قطعة غسيل تدل علي أن هناك ساكنين.. ومشهد غريب لفت نظري وهو مجموعة من الشباك ذات العيون الضيقة تشبه بالضبط شباك الصيادين، وقد قامت بعمل حاجز بين ساكني البيوت والمارة، وقبل أن أسأل أجابني صوت زوجي قائلاً:
    - هذه الشباك صنعها أهل الخليل وتحديداً أهل المدينة القديمة، لأن المستوطنين اليهود الذين يسكنون تلك المنازل التي طردوا منها سكانها الأصليين من الفلسطينيين يقومون بقذف الحجارة علي المارة من المصلين المسلمين الذين يذهبون للحرم الإبراهيمي، وغالباً ما تجدين ذلك المشهد كل يوم جمعة، لذلك أقاموها كحماية من بطش الإسرائيليين.
    * سألت: هل مازال في البلدة القديمة سكان فلسطينيون؟
    - بالطبع، ولكن هم يعيشون في جهنم الحمراء وكأنهم في سجن وتحت الإقامة الجبرية، ولكن نتوقع أن يقوموا بطردهم أو قتلهم وهم أنفسهم يتوقعون ذلك، ولكنهم صامدون.
    لم يقطع كلام مرافقي ولم يجعلني أركز معه سوي مشهد الأعلام الإسرائيلية التي بدت في الظهور في كل مكان حولي، علي البيوت والجدران.. وعبارات باللغة العبرية كتبت علي الحائط الرئيسي لجدار الحرم الإبراهيمي الذي بدأت أراه بعيني.
    طلبت من زوجي الذي يتقن العبرية أن يترجم لي ما هو مكتوب.. فترجم والدم يغلي في عروقه والشرر يتطاير من عينيه قائلاً:
    - «الموت لفلسطين.. والموت للكلاب الفلسطينيين.. وتحيا إسرائيل».
    أما الإمضاء فمن أتباع حركة «كاهانا» اليهودية وبالطبع المتشددة!
    الحق لم أعرف ماذا أقول له.. فلقد سكت كل الكلام أمام عبارتهم الوقحة ولكني وعلي مدخل بوابة الحرم الإبراهيمي قلت له:
    - «النصر في النهاية لكم»!
    لم أكن أتصور يوماً ما أنني سأدخل مسجداً بعد أن أخضع لتلك الحالة من التفتيش، وبعد أن أعبر ثلاث بوابات إلكترونية لا لشيء سوي للزيارة والصلاة، والحقيقة أن هذا بالطبع ليس حالي فقط، بل حال كل أبناء هذا الشعب.. وكأنهم يعاقبون لمجرد التفكير في ممارسة شعائرهم الدينية.
    دخلت وأنا في حالة من الاستفزاز الشديد، ربما زادت وتفاقمت ووصلت أضعافاً مضاعفة عندما خلعت حذائي وحطت قدماي علي أرض مسجد الحرم الإبراهيمي.. تصور قارئي الحرم مقسوم إلي قسمين أو مجزأ إلي جزئين.. الأول استولوا عليه اليهود عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي، وموصد بأبواب مغلقة ومراقبة إلكترونياً.
    شيء مستفز وغريب ومقزز وظالم وخانق.. يقسمون المسجد نصفين طيب ليه؟ ليهم فيه إيه؟ وإيه الظلم البين ده؟!
    يبدو أن صوتي كان مرتفعاً فأجابني علي الفور حارس المسجد الجالس علي اليمين، هب الرجل واقفاً وأجابني بهدوء.. هم يعتبرون أن سيدنا إبراهيم جدهم وأنهم أولاد الساراوية أما نحن فأولاد الهجراوية.. هم مكانهم هنا أما نحن فمكاننا عند الحرم المكي، لأننا أولاد هاجر رضي الله عنها الزوجة الثانية لسيدنا إبراهيم، ولذلك هم قسموا المسجد جزئين وأخذوا نصف مقام سيدنا إبراهيم وأعطونا النصف الثاني.
    * قلت له: يعني مقام إبراهيم نصفين.. إزاي؟
    طلب مني أن أمشي وراءه لأري بعيني.. فإذا بمقام سيدنا إبراهيم حيث يقول الكثيرون إنه دفن هنا وأن جثمانه يرقد تحت هذا المقام في المغارة.. نظرت فوجدت حائطاً سداً وخلفه نصف المقام أي في ناحيتهم ولا تستطيع بالطبع أن تراه.. قرأت له الفاتحة ولسارة رضي الله عنها ولكل الأنبياء الراقدين، وأخذت أحدثهم في نفسي أليس هناك مخرجاً من هذا الظلم والتعسف والعدوان.. متي يعود الحق لأصحابه؟ ومتي ترقدون يا أنبياء الله في سلام حقيقي؟
    عبدالرحمن، حارس المسجد الإبراهيمي، راح في حالة شرح مفصل لي عن تاريخ سيدنا إبراهيم وزواجه وإنجابه وحياته في الخليل إلي مماته.. استمعت باهتمام شديد ولكن شردت منه ورحت أتأمل أرض الحرم الإبراهيمي الطاهرة التي شهدت أسوأ وأعنف وأقذر مذبحة في تاريخ الخليل..
    مذبحة لا تفرق كثيراً عن مذابح قانا وصابرا وشاتيلا ودير ياسين وغيرها.. وغيرها، لكنها بالتأكيد كانت الأبشع والأحقر عندما دخل اليهودي المتطرف المجرم «باروخ غولدشتاين» يوم ٢٥ فبراير ١٩٩٤ الموافق يوم السبت الخامس عشر من رمضان عام ١٤٢٧ إلي الحرم الإبراهيمي بحذائه المدنس الحقير علي المصلين في وقت صلاة الفجر وهم في أولي ساعات صيامهم.
    وقبل أن يستكملوا التسبيحة الثانية من سجود التلاوة دوت أصوات القنابل اليدوية والرصاص في جنبات الحرم الإبراهيمي الشريف لتخترق رؤوس المصلين وظهورهم لتصيب أكثر من ٣٥٠ بين شهيد وجريح في أقل من عشر دقائق.
    لن تصدقني عندما أقول لك إنني قد أحسست بأن قدماي سوف يصيبهما الشلل.. شعرت بأنني أمشي علي أشلاء ما تبقي من أجسادهم الطاهرة.. هنا ذراع وهنا رأس وهناك قدم.. شعرت بالاختناق وطلبت من زوجي سرعة المغادرة.
    أصابتني حالة من البكاء الهيستيري.. قد تكون تعبيراً عما اجتاحني من غضب واستفزاز فقررت أن أرتمي علي مقهي آخر صغير لا يبعد كثيراً عن الحرم ويبدو أن دموعي قد لفتت انتباه الجالسين علي المقهي الذين ارتسمت علي ملامحهم حالة دهشة.. ويبدو أيضاً أنهم سمعوني وأنا أفسر لمرافقي كيف رأيت مشهد مجزرة الحرم الإبراهيمي.
    اقتحمني شاب يقترب من الثلاثين من العمر قائلاً:
    - لقد كنت هناك في قلب المذبحة، وكنت أصلي في آخر صف للمصلين، وفي ركعة السجود سمعت صوتاً غريباً من ورائي يقول باللغة العبرية: «هذه هي نهايتهم».. ثم سمعنا صوت إطلاق النار وكأن الحرم بدأ ينهار علينا، لم أستطع أن أرفع رأسي ولكني رأيت رأس الشاب الذي كان يصلي بجانبي يتطاير ودمه علي رأسي ووجهي، لم أصب إلا بجرح خفيف في قدمي، وعندما توقف الضرب شاهدت طفلاً وقد استشهد لا يتجاوز عمره ١٠ سنوات حملته بين يدي وخرجت به وساعدني آخرون.. بعدها أغمي علي ولم أفق إلا وأنا في المستشفي.
    عبدالحميد، رجل تجاوز الأربعين من العمر، انضم إلي جلستنا قائلاً:
    - لن ننسي ما حدث يوم المجزرة، أتذكر جيداً أن شباب الخليل أجمع ونساءه وقد انتابهم حالة من الغضب العارم وأخذوا يقذفون الصهاينة ويصرخون: «بالدم بالروح نفديك ياشهيد».. المشهد الذي لن أنساه هو مؤذن الحرم الذي كان يحمل طفلاً جريحاً بين يديه ويجري باحثاً عن سيارة لإنقاذه، صادفه الجندي الإسرائيلي ومنعه من الخروج من باحة الحرم، فأصر المؤذن علي الخروج فكان نصيبه أن أفرغ الإسرائيلي عدة رصاصات في جسد المؤذن وقتل الطفل أيضاً.
    وشاب آخر كان جريحاً عند مدخل الباب ينزف وقد أصيب في ساقه فأطلق الإسرائيلي الرصاص علي ساقه الثانية وتركه ينزف.
    ومع كل حالات النزيف والجروح منعت الشرطة الإسرائيلية عربات الإسعاف من الدخول.. شوفتي الصهيونية علي حقيقتها!!
    أما خليل جميل (٣٥ عاماً) شرد بذهنه بعيداً وكأنه يري بعينيه ما حدث منذ سنوات الآن ثم استطرد قائلاً:
    - حينما بدأوا في إطلاق الرصاص علينا أحسست أنني في فيلم أجنبي ونحن في ساحة حرب ولسنا في مسجد شريف، طلبت الشهادة فنالها صديقي منير مجاهد، كنت متوقعاً طرد اليهود من قلب مدينة الخليل بعد المجزرة إلا أن لجنة «شمغار» مكنتهم من الحرم والخليل وكأن شيئاً لم يحدث.. وكأننا نحن من قام بالمذبحة.
    راح من راح واستشهد من استشهد، والعجلة دائرة وستظل دائرة.. والصراع لم ولن ينتهي بعد.. والثأر كبير وطويل.. ما بيننا وبينهم لا يمكن أن يكون سلاماً ومائدة هزيلة من المفاوضات ما بيننا وبينهم دم وأرض وعرض.. لا ننسي.. لا نفرط.. ولا نستسلم.
    لم أملك في طريق العودة وأنا أودع الحرم الإبراهيمي وشوارع وحواري مدينة الخليل سوي أن أتحدث مع نفسي.. فلا أملك سواها.. ولا أملك سوي هذا القلم وتلك الوريقات ودم الشهداء رائد وعلاء ومروان وخالد ودياب ونور وصابر ومجاهد.. وآلاف مؤلفة من أبناء هذا الشعب حملت أمانتهم فلعلها تصل.. ولم أملك سوي أن أردد ما قاله عمنا الراحل صلاح جاهين:
    سلام سلام سلام.. سلام
    كلام كلام كلام.. كلام
    هز الورق يا صاحبي كدهوه
    يطلع كلام سلام وسلام كلام
    عجبي..!!

    0 Not allowed!



  10. [10]
    سيبويه
    سيبويه غير متواجد حالياً
    عضو فعال جداً


    تاريخ التسجيل: Sep 2006
    المشاركات: 224
    Thumbs Up
    Received: 5
    Given: 1
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    هذا هو الجزء التاسع من سلسلة المقالات
    ندعوا الله أن يشملنا برحمته وينصرنا على أعدائه

    أرجو مرة أخرى من المشرفين أن يثبتوا هذا الموضوع لاهميته


    أمل سرور تكتب: مشاهدات عائدة من الوطن الجريح «٩» شهادات الأسري.. كيف يعيش ١١ ألف أسير في السجون الإسرائيلية؟

    ٣/٩/٢٠٠٨



    أبو نضال يتحدث إلي «المصري اليوم»
    وضعوا علي فمه السلاسل
    ربطوا يديه بصخرة الموتي
    وقالوا.. أنت قاتل
    أخذوا طعامه والملابس والبيارق
    ورموه في زنزانة الموتي
    وقالوا أنت سارق
    طردوه من كل المرافئ
    أخذوا حبيبته الصغيرة
    ثم قالوا أنت لاجئ
    يا دامي العينين والكفين
    إن الليل زائل
    لا غرفة التوقيف باقية
    ولا زرد السلاسل
    نيرون مات ولم تمت روما
    بعينيها تقاتل
    وحبوب سنبلة تجف
    ستملأ الوادي سنابل
    لا أملك سوي كلمات الغائب الحاضر دائماً الراحل «محمود درويش» لتكون بداية تلك الحلقة، التي أكتبها بالألم وليس بالقلم. سطور مقبلة تحمل قضية من أكبر وأهم وأحزن وأمرّ القضايا الإنسانية في ذلك العصر، الذي ربما فقدنا فيه الدهشة والعجب..!! قضية النضال المتواصل للخلاص من هوان وذل الاحتلال، والتطلع إلي الحرية وتحرير الأرض وعودة الكرامة.
    قضية التنكيل والتعذيب الوحشي والعزل الانفرادي وكل الوسائل التي قد لا تتصورها من العنف والإذلال، أحمل بين يدي قضية شعب أسير يحمل علي جسده آلام السجون، وعذابات الزنازنين.
    شعب يقضي منه، إلي هذه اللحظة التي تقرأ سطوري فيها، أكثر من ١١ ألف أسير خلف سجون الصهاينة. فهل قلمي الصغير ينجح في الوصف والتعبير؟!
    رصاص مضاد للطائرات في فتحة الشرج
    اسمه الحركي «أبونضال».. أحد أهم رموز الجبهة الشعبية في فلسطين، ويبدو أن اسمه الحركي هذا لم يطلق عليه من فراغ، فهو بالفعل أبوالنضال في هذا البلد المحتل.. عمره يقترب من السبعين، قضي سنوات وسنوات في سجون الصهاينة، ولاقي من العذاب أشكالاً وألواناً.. عندما بدأ يسرد قصته كانت كل تجعيدة في وجهه تحكي معه، ولم تفارق عيناي عينيه لعلي ألمح دمعة تحاول النزول، ولكن أبداً فالقوة والصمود لا يمكن أن يحل محلهما، الانكسار والدموع أبداً.
    بدأ حديثه قائلاً: مثلي مثل كل أبناء الشعب الفلسطيني، ولدت لأجد نفسي محتلاً ومغتصباً، وأيضاً مقاوماً، دخلت العمل السياسي مبكراً وبدأت في الانضمام لحركة القوميين العرب بعد نكسة ١٩٦٧، واستطعت أن آخذ موقعاً سياسياً وقيادياً في الحركة.. وتدرجت في حركات المقاومة المختلفة،
    وتحديداً المسلحة، وهنا أود أن أقول إن سياسات الاحتلال الصهيوني معنا كفلسطينيين منذ اغتصاب أرضنا، وإلي هذه اللحظة، قد ولدت المقاومة، ليس بالتظاهرات والمؤتمرات والمنشورات فقط ولكن بالسلاح أيضاً، وهذا هو شكل النضال منذ الأشهر الأولي للاحتلال في ذلك الوقت.
    وكنت من أوائل الفلسطينيين الذين عملوا في المقاومة بالسلاح، واعتقلت عدة مرات أولاها في ٢/١٢/١٩٦٨، وقضيت ما يقرب من ١٠ سنوات في السجون، وكانت تهمتي حيازة سلاح وقتل جنديين إسرائيليين والانتماء إلي الجبهة الشعبية.. بداية الاعتقال كانت ٣ شهور تحت التحقيق، وعندما واجهوني بالتهم أنكرت ولم أعترف إلي الآن!!
    استعملوا معي وسيلة الضرب والشبح والكلاب.. وأدخلوا علي كلباً لينزع ملابسي وبالطبع جزءاً من لحمي. أول ليلة أدخلوني في زنزانة «متر*متر» بدون بلاط، ودخل علي ٣ ضباط إسرائيليين،
    وكان يوجد في الزنزانة منضدة صغيرة عليها عدد «٣ عصي»، كما نطلق عليها «خيزرانات».. سألني الضابط الإسرائيلي عندك استعداد تعترف وتقول الصراحة.. أوكي، ما عندك أيضاً أوكي.
    قلت له: لا يوجد عندي ما أقوله..!!
    لم أكمل كلماتي إلا وبدأ الضرب بالعصا في كل أنحاء جسدي، كانوا يبطحونني علي الأرض وينزلون بي الضرب المبرح من الساعة الثامنة مساء حتي السادسة صباحاً،
    وكنت أصاب بحالات إغماء لكني من شدة الضرب كنت أفيق، ضربوني إلي أن أصيبوا بالتعب وفي النهاية قالوا لي: لسه مُصر علي عدم الاعتراف وكانت إجابتي واحدة: لن أعترف!!!
    ثم أخرجوني من هذه الزنزانة إلي أخري، لتبدأ مرحلة جديدة من التعذيب، ومن بين الأشياء التي حدثت معي عندما قال لي المحقق الإسرائيلي: أنا هخلص معاك.
    قلت له: يا ريت.. حاول استجوابي فلم أقل جديداً فما كان منه إلا أن بطحني علي الأرض بعد أن خلع ملابسي كلها بعنف شديد وفتح رجلي الاثنتين مثل المصلوب تماماً، ولكن الفرق أنني نائماً علي بطني،
    وطلب من جندي إسرائيلي أن يقف علي يدي الاثنتين بقدميه، والثاني ثبت قدمي المفتوحتين لآخرهما علي الأرض، وأحضر الضابط رصاصة مضادة للطائرات ووضعها في فتحة الشرج عندي، وضغط عليها، وطبعاً كان ألماً مبرحاً ولا يوصف.. صرخت ولكني لم أفقد الوعي، كرر هذه العملية مرتين، وصرخت وطلب مني أن أحكي وأعترف،
    قلت له: لا يوجد عندي كلام.. أتذكر في هذه اللحظة أن بلغ التحدي والإصرار عندي قوته، وقلت لنفسي: الآن طاب الموت وأصبحت القضية ليست قضية اعتراف، ولكنها تحولت إلي تحد شخصي، وقررت أن أستقبل الموت بكل شجاعة،
    وكان يريد أن يضع الرصاصة في فتحة الشرج مرة ثالثة، حاول أن يضغط عليها ولكنها فشلت في الدخول، فما كان منه إلا أن ضغط علي الرصاصة بقدميه، في هذه اللحظة لم تكن الرصاصة داخل فتحة الشرج نفسها بل كانت فوقها قليلاً، فعندما ضغط عليها أغمي علي، وفقدت الوعي من الألم، وعندما أفقت كانت الغرفة كلها دماء ومياهاً
    ولم يرحموني، بل استمر التحقيق معي، وكان من الممكن أن أعترف تحت الضغط ووسائل التعذيب التي لا توصف، وفي هذه اللحظة قلت لهم بتحد: لو يوجد عندي شيء فلن أقوله.. فما كان من الضابط الإسرائيلي إلا أن سبني وسب ملتي وديني وتركني وخرج.
    المسألة أصبحت تحدياً: من سينتصر ومن سيكسر الآخر، واعتبرت أن الضابط عندما سبني وخرج كان هذا هو الانتصار بعينه، لأنه شعر بالفشل، وشعرت أنا بالانتصار. في اليوم التالي دخل علي ضابط إسرائيلي آخر وطلب مني أن أتكلم وأعترف فلم أرد عليه أساساً، فبدأ في نوع آخر من التعذيب،
    عندما كان يوجد وتد مربوط بسلسلة في حائط الزنزانة، وقام بنزع ملابسي جميعها، وربط يدي وعلقني في السلسلة، وجعل قدمي تلمسان الأرض،
    وبدأ يضربني بدبوس علي وجهي، وعلي جفون عيني وفي الأعضاء التناسلية فنزفت من جميع أنحاد جسدي.. كل هذا من أجل انتزاع اعتراف ولكنني لم أفعل.. ولا أقول هذا لتقولي أنت وقارئك إن هذا الرجل بطل، ولكن أغلبية المعتقلين يكونون مثلي، أنا لست غريباً ولا وطنياً، ولكن هذا هو حال هذا الشعب..!!
    وعندما تسألينني عن الـ ١٠ سنوات أقل لك إنها ليست مدة طويلة، غيري يمكث في السجن مدي الحياة، ويموت ولا يسلم جثمانه إلا بعد انقضاء العقوبة ولو حتي ١٠٠ سنة.. هذا هو قدرنا وهذه هي حياتنا ولكن لنا في النهاية النصر، ليس لشيء إلا لأننا علي حق!!
    ضرب وتعذيب بالكلاب المفترسة
    «ناصر أبوخضير» شهادته وتجربته فريدة وغريبة، ولا أعرف أن أصفه: هل هو سيئ الحظ أم أن الله سبحانه وتعالي كتب له عمراً جديداً لكي يكمل مسيرة النضال والمقاومة والسجون.
    حكاية أبوخضير بدأت عندما قرر، مثله مثل شباب هذا الشعب، أن يلتحق بالمقاومة.. خرج في مسيرات، ونظم مظاهرات، وتعلم فنون المقاومة بالسلاح.. اعتقل مرات عديدة، أهمها تلك المرة المشهودة التي تعد من الغرائب فاسمعوه معي:
    الحكاية بدأت عندما قررت أن أقوم بتفجير حافلة يهودية، وقمت بتصنيع قنبلة يدوية في منزلي، وأحكمت صنعتها ونزلت مساءً ووضعتها بالفعل، وانتظرت أن تنفجر في اللحظة التي قررت لها الانفجار فلم يحدث شيء،
    فأدركت أنني قد أخطأت في شيء ما فذهبت مساءً وأخذتها إلي منزلي وأغلقت غرفتي بإحكام، بدأت أتحسس ما فعلته، ولماذا لم تنفجر فإذا بصوت مدوي لم أشعر معه بنفسي، وفجأة وجدت نفسي علي ناقلة وصوت عربات الإسعاف وردهة مستشفي وصوت يقول لي:
    «ناصر أبوخضير، أنت الآن رهن المخابرات الإسرائيلية».
    لحظتها فقط عرفت أن القنبلة قد انفجرت في، فدمرت وجهي وعينيي وأكلت أصابع يدي!!!
    لا أستطيع أن أصف لك الأيام الأولي التي رأيتها في المستشفي الآلام لا تحتمل، ورائحة جروحي عفنة ونفاذة، وأريد أن آكل وأشرب ولا أحد يطعمني ولا أقوي علي الكلام.
    حوالي أربعة أيام وأنا ملقي علي السرير في المستشفي، ولا صوت سوي صوت آهاتي وآلامي.. في اليوم الخامس دخل علي عدد من الضباط الإسرائيليين قائلين: ناصر أبوخضير: أنت نلت ما تستحقه يا إرهابي.. أنت الآن أعمي وعاجز، فقدت يديك وفقدت القدرة علي السمع الجيد، وسوف تنال العقاب بالسجن سنوات وسنوات وكل مصاريف المستشفي ستدفعها أنت.
    ونقلوني من المستشفي إلي السجون وقلت لهم كيف أصنع عبوة ناسفة وأنا غير منتم لأي تنظيم؟.
    أبقوني ٣ أيام في زنزانة تشبه القبر، ثم أخرجوني إلي قسم الأشبال ورشوني برشاشات المياه القوية في منتصف الليل، وكنت عارياً.. ومكثت ٣ شهور في مستشفي سجن الرملة، وكانت هناك معاملة سيئة للغاية، وضرب مبرح وتعذيب بالكلاب والركل والشبح والصعق بالكهرباء بفولتات عالية.. وحكموا علي بخمس سنوات.
    السجن مدرسة، تعلمت أشياء كثيرة.. القراءة والسياسة والنضال يجد، ورغم أنني كنت شبه أعمي ولا أسمع إلا أن كل إخواني من جميع الفصائل في السجن ساعدوني بعد أن خرجت من السجن اعتقلت مرة أخري إدارياً عام ٢٠٠٣ لمدة ٦ شهور، و٢٠٠٤ لمدة ٦ شهور، و٢٠٠٥ اعتقلت أيضاً بتهمة تشكيل القيادة السياسية للجبهة الشعبية لمدة ١٠ شهور.
    وفي كل مرة تعذيب وذل وهوان من أجل انتزاع اعتراف لكنهم فشلوا.. في السجن تعلمت وأكملت دراستي الجامعية، وخرجت من السجن فتزوجت وأنجبت ومازلت أناضل.. ولن أتخلي عن خدمة فلسطين بأي شكل من الأشكال.. تلك هي حياتنا ولكن إرادتنا لن تنكسر أبداً مهما حاولوا ومهما مارسوا علينا!!
    أتوقع حكماً مشدداً علي زوجي أحمد سعدات
    «عبلة سعدات».. مواطنة فلسطينية وناشطة سياسية والأهم أنها زوجة المناضل الفلسطيني، عضو المجلس التشريعي أحمد سعدات، المعتقل حالياً في السجون الإسرائيلية، تحدثت معي كثيراً عن فخرها بهذه الزيجة التي وصفتها بالصعبة، ولكنها تحملت تربية أبنائها وحدها، نظراً لانشغاله بالقضية الفلسطينية، واعتقالاته الكثيرة، ولكن تلك هي حياة زوجة المناضل.
    بدأت حديثها قائلة: أحمد في صفوف الثورة والمناضلين منذ احتلال ٦٧ إلي الآن، وهو الأمين العام للجبهة الشعبية، والاعتقال الأخير الذي نقل وتم علي مرأي من العالم أجمع من قبل دبابات الاحتلال الصهيوني.
    وتم اختطافه من سجن المقاطعة الفلسطينية.. وأول لحظة اعتقل فيها أحمد رفض أن يخلع ملابسه، كما طلبت منه قوات الاحتلال، وخرج مرفوع الرأس، ورفض التعامل والاعتراف بالمحكمة الإسرائيلية.
    ولو كان البرلمانيون الفلسطينيون الآخرون وقفوا وقفة أحمد لكانت أمور كثيرة تغيرت.. الآن هناك ٤٧ عضواً برلمانياً فلسطينياً معتقلاً داخل سجون الصهاينة..!!!
    وموقف السلطة الفلسطينية في قضية اعتقال أحمد واختطافه وما بعد الاختطاف موقف سلبي جداً، ولم يأخذوا أي دور إيجابي، خاصة أن البرلمانيين كانوا في سجن السلطة، بحجة حمايتهم من الجيش الإسرائيلي الذي ضرب بالقوانين كعادته عرض الحائط،
    واقتحم سجن السلطة ودخل واعتقل البرلمانيين ومن ضمنهم أحمد سعدات، وعلي الأقل يطالبون بالإفراج عنه من خلال الحديث عن صفقات الأسري ولكن لا حس ولا خبر، رغم أنه برلماني وتابع للسلطة الفلسطينية..
    والمسألة ليست خاصة بأحمد، ولكن كل المفاوضات التي تتم بين السلطة والإسرائيليين غير مجدية.. السلطة الفلسطينية ضعيفة، ولم تقدم شيئاً واحداً مفيداً للأسري في السجون الإسرائيلية.
    وإلي الآن لم يصدر حكم علي أحمد سعدات، ولكني أتوقع أن يكون الحكم عالياً، لأن أحمد سجين سياسي، والحقيقة لسنا مشغولين بمدة الحكم، وهنا أسمح لنفسي أن أتكلم علي لسان أحمد سعدات،
    هو لا يهمه بالقطع كم من عمره سيقضيه خلف السجون ولكن ما يهمه هو المواقف التي يسجلها تاريخ هذا الشعب الذي قدم وسيقدم قوافل بشرية من الأسري والشهداء للحصول علي حرياتهم وكرامة هذا الوطن المسلوب والمغتصب.
    واعتقلوني مرتين من أجل الضغط علي أحمد، وهذا حدث منذ سنوات، ولكني صمدت أمام غطرستهم. ولست وحدي ولكن النساء الفلسطينيات لهن تركيبة حديدية خاصة، مختلفة عن أي امرأة في العالم.. وشو أنا أمام نماذج كثيرة من الأمهات والزوجات الفلسطينيات.. الأم عندما تقدم أولادها جميعاً للشهادة وتقوم بالزغاريد عندما تسمع خبر استشهادهم..
    وعندما يذهب ابنها الأول للاعتقال خلف قضبان السجون الإسرائيلية ترسل الثاني والثالث.. الأم الفلسطينية ولادة، مثلها مثل تراب تلك الأرض.. ولأجل عيونها هي فقط.. النصر قريب لنا إن شاء الله.
    مروان يعمل من أجل التحام الصفوف
    «فدوي البرغوثي»، زوجة الأسير المناضل مروان البرغوثي، التي لا تراه هي وأولادهما الأربعة سوي كل شهر بتصاريح إسرائيلية لا تنتهي تتحدث معه من خلف زجاج حتي لا تستطيع يداها أن تلمس يدي حبيب العمر..
    كعادتها صلبة متحدية مقاومة تعرف أن بعدها وفراقها عن زوجها من أجل هدف أثمن وأغلي وأنبل.. هدف لا يقدر بثمن، اسمه تراب فلسطين. تحدثت بحرقة عن مروان رمز الثورة والديمقراطية والوحدة، ليس سهلاً عليه أن يري هذا الخلاف السائد بين فتح وحماس والاحتكام للسلاح وإراقة الدم الفلسطيني.
    وقالت إنه يعمل من خلف قضبان زنزانته لالتحام الصفوف، أنا أقول علينا أن نتخلص من عار الفرقة القائم، ونحتكم للوحدة لأن ما يسعد إسرائيل يجب أن يحزننا، والكل وقع في الخطأ والشعب تضرر من قيادته التي لم تكن علي قدر المسؤولية، سواء من فتح أو حماس لذلك لاحل سوي الحوار الوطني.
    ولم نكن نستطيع أن نسمع عن اعتقال فلسطيني أيام أبوعمار وذلك لحكمته.. كانت لديه قدرة وحكمة فائقة يستطيع من خلالها أن يمسك بكل الخيوط ويقود المقاومة، لم يهمل أحداً، وكان يدرك تماماً أن طريق المفاوضات مسدود وأن المقاومة لا حل سواها، ولكن مقاومة مدروسة ومراقب عليها لتصل إلي أهدافها، أملي بالله كبير وأدرك تماماً أن أي إفراج عن مروان البرغوثي سيكون سببه محبة الشعب الفلسطيني.
    من يرد أن يعمل من أجل الإفراج عن الأسري لا يمكن له تجاهل التفاف الشعب الفلسطيني حوله، ولذلك أرمي بهمومي علي الشعب والأمة العربية والإسلامية.
    والحق أقول إن القضية ليست مروان البرغوثي.. هناك ١١ ألف أسير في السجون الإسرائيلية يجب أن يفرج عنهم.. همي وقضيتي ليست مروان فقط بل كل الأسري المسجونين، الذين يعانون من أهوال وعذابات الصهاينة.. ويجب علي العالم كله أجمع أن يقف وراءهم..!!
    النصر لنا.. والنكسة لهم
    منزل عائلة «جعارة» في مخيم عايدة في مدينة بيت لحم.. ليس منزلاً مختلفاً أو فريداً من نوعه فكل البيوت المغلقة وراءها حكايات من النضال الطويل، وسلسلة من الأسري وقوافل من الشهداء..
    ولكن الذي جعلني أذهب إليه هو «فريال جعارة»، الأسيرة التي خرجت مؤخراً من سجون الاحتلال بعد أن قضت ٣ سنوات كاملة تحت القهر والعذاب والهوان، خرجت لتجد عريسها ينتظرها ليتما حفل زفافهما، وتعيش حياتها العادية، وتنجب كثيراً من أجل أن تقدم أولادها لخدمة قضية وطنها.
    «فريال» عمها المناضل «جهاد جعارة»، البطل الذي قاد حصار كنيسة المهد في اجتياح القوات الإسرائيلية الغاشمة لكل مدن الضفة.. ومحاصرة الراحل الشهيد «أبوعمار» في مقاطعته.. جهاد صمد مع رفاقه أياماً وأياماً، وفي نهاية الحصار ألقت القوات الإسرائيلية القبض عليه، وأبعدته عن وطنه، فأصبح مبعداً في إحدي الدول الأوروبية.
    «فريال» اعتقلتها قوات الجيش الإسرائيلي فجر أحد الأيام، لأنهم عرفوا - بطرقهم الخاصة البذيئة - أنها تنوي القيام بعملية استشهادية، سحبوها من منزل والدها ووالدتها بلباس النوم، ولم يرها أحد إلا بعد ٣ سنوات.. قابلتها.. تلك الفتاة الملائكية.. ابتساماتها أثلجت صدري،
    وقوتها وعنادها وصبرها وهي تقول لي سأتزوج وأنجب وأناضل، وسوف أعلّم أولادي أن السجن شرف والاستشهاد شرف من أجل عيون هذا الوطن، لم تحب أن نتحدث كثيراً عن وسائل تعذيبهم لها،
    ولكنها قالت لي لقد ذقت - مثلي مثل كل المعتقلين - أعنف وأقسي أنواع التعذيب ولكنهم لم يسحبوا مني اعترافاً واحداً وصدقيني.. هذا الشعب ولاد.. لم ننته، ولن ننقرض.. سنعيش رغم أنوفهم.. وسنطير عالياً رغم قضبانهم.. والعودة لنا والنصر لنا، والنكسة في النهاية لهم.
    لا أملك في ختام سطوري سوي أن أطبع قبلة باسم كل الشعوب العربية علي جبين كل أسير في السجون الصهيونية.. فأنتم رمز الشرف والكرامة والعزة والكبرياء.. ولتكن تلك الأغنية الفلكلورية من التراث الفلسطيني، التي تغنت بها أصوات كثير مهداة إلي نضالكم جميعاً.
    عصفور طل من الشباك
    قال لي يا نونو.. خبيني عندك داخلك يا نونو
    قلت له لا تخاف اطلّع.. شوف الشمس اللي راح تطلع
    اطلّع علي الغابة وشاف.. أمواج الحرية بتلمع
    شاف جوانح عَمْ بترفرف من خلف أبواب العلية
    شاف الغابة عَمْ بتحلق علي جوانح الحرية.

    0 Not allowed!



  
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML