بسم الله الرحمن الرحيم



ما بعد هزيمة أمريكا





الحمد لله الحيّ الذي لا يموت،المتفرّد بالملك والجبروت، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعزّ من يشاء ويذل من يشاء، بيده الملك وهو على كل شيء قدير، والصلاة والسلام كاملين دائمين على عبد الله ورسوله وصفيّه من خلقه وخليله نبيّنا وقدوتنا محمدٍ رسول الله، الذي قال له ربّه {وإنك لعلى خلقٍ عظيم} {وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم صراطِ الله} {وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين} {فبما رحمةٍ من الله لنتَ لهم ولو كنتَ فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} وعلى ءاله
وأصحابه الذين كانوا الجيلَ المثال، والمثل الأعلى لكمال الرجال، ومنتهى غاية القادة الاجتماعيين من المصلحين الأبطال، رضي الله عنهم وأرضاهم، وعنا معهم بمنّه وكرمه وجوده.. آمين

وبعد :

أيها الإخوة المسلمون في كل مكان، وخصوصا أنتم أيها المجاهدون في شتى بلاد الله، ولا سيما في العراق وأفغانستان..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


إن انكسار أمريكا وحلول الهزيمة بها، وفشلها وانشغالها بنفسها وتقوقعها في جزيرتها البعيدة، ونسحاب جيوشها خائبة ذليلة خاسرة من بلاد الإسلام : من العراق وأفغانسان ثم من جزيرة الإسلام، ليس على الله بمستبعدٍ، وقد رأينا بوادره، ونحن بحمد الله موقنون بحصول ذلك لا محالة، لا نشك فيه ولا نرتاب، وإنما المسألة مسألة متى، لا مسأل هل، وستكون بعون الله آياتٌ عظيمة وتغيّرات كبرى جليلة لصالح أهل الإسلام، وذلك فضل الله عز وجل ووعده الحق.

والغالب كما نعرف من التاريخ، وكما تدل عليه النصوص، أن هذه التحوّلات الكبرى سيكون فيها دخنٌ وفتن، وقلّ شيء يصفو في هذه الدنيا، فإنها دار الكدر والكبد والوصب والنصب!

قد ينسب أناسٌ النصرَ إلى أنفسهم وجهودهم وأعمالهم، ويستدلّون بها على صحة منهجهم دون من سواهم، وذلك فيه كثيرٌ من الحقّ، وقد يغلو أناسٌ في ذلك، ويتعالون ويتعاظمون وهم في الحقيقة إنما يتهاوون ويسقطون! وقد يحمل النصرُ أقواماً على أن يستطيلوا على الخلق ولا سيما على إخوانهم المسلمين، فيذلّوهم ويسخروا منهم ويُسخّروهم ويظلموهم ويهينوهم!!
نسأل الله لنا ولسائر إخواننا السلامة والعافية وحسن الختام.. آمين

أيها الإخوة، وسترون كثيرا من الناس يدّعون أنهم كانوا وكانوا، وأنهم عملوا وضحّوا وجاهدوا وأعانوا وآووا ونصروا وفعلوا.. فيهم الصادق وفيهم غير ذلك.!
وأكثرُ الناس مع مَن غلب..!

ومن يعش منا ومنكم فسيرى أموراً عظيمة..!

أيها الإخوة الأحباب، ليس شيء أنجى من الفتن من العدل وإحقاق الحق، وإعطاء كل ذي حقّ حقه، والعفو والتعافي والإغضاء والتسامح، "رحِم الله عبداً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى وإذا اقتضى" {خذ العفوَ وامُـرْ بالعُرفِ وأعرض عن الجاهلين} والقبول من المحسِن والعفو عن المسيء، و"إنما بُعِثـتم ميسّرين" و "إن الله بعثني معلّماً ولم يبعثني متعنّــتاً".

الله عزّوجل قسم فضله ورحمته بين خلقه، فمنهم السابق ومنهم اللاحق المقارب، ومنهم دون ذلك.
فالسابق للخير والفضل له فضل سبقه وتقدّمه، واللاحق له من ذلك بحسبه..
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وبعض الناس اليوم يخالفني ويخاصمني وقد يعاديني وينصرُ عدوّي عليّ، ولكن إذا انتصرتُ فإن من يكتب اللهُ له الخيرَ والنجاح، يلحق بركبِ أهل الخير ويكون معهم، ويقرّ بذنبه وتقصيره، ويصدق اللهَ عز وجلّ، فينال ما كُـتِب له من الأجر.
فإن فاته أن يكون من السابقين فليكن من التابعين بإحسانٍ.
وأهل السبق وأهل النصر والظهور، عليهم أن يعفو ويصفحوا وييسّروا ويقبلوا العذرَ ويُقيلوا العثرة في غير تكبّرٍ ولا تعالٍ ولا تجبّر، بل تواضعٌ في غير ضعف، وعفو عند المقدرة، وإحسانٌ ورحمة وإعانة على الخير وفتح لأبوابه.

وأساس ذلك كله تقوى الله تعالى والصدق والإخلاص، وتحقيق التوحيد لله رب العالمين.

والاتحاد والائتلاف والاجتماع واجبٌ متأكدٌ، والحذر الكامل من أسباب الفُـرقة والاختلاف.
واعلموا أن الاجتماع وائتلاف قلوب المسلمين على المفضول خيرٌ من التنازع في تحصيل الفاضل، ولئن ساغ أن تختلف جماعاتنا اليوم في ظلّ السيطرة الأمريكية وظروفنا السياسية القاسية، فإن هذا الاختلاف لن يكون سائغاً حينما يكون لنا الغلبة، بل سيكون وبالاً وشقاءً وخراباً وخسراناً..!

إن الأمم لا تنتصر ولا تحصد نتائج كفاحها ونضالها وتضحياتها إلا أن يكثر فيها ويُمجّد معنى ونوعُ "الجندي المجهول"، وعندنا نحن المسلمين المؤمنُ التقيّ الخفيّ، وعندنا أهل الإخلاص ومريدو الدار الآخرة، الذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً، وعندنا السادة حقّـاً "إن ابني هذا سيّد...".

ونحن بحمد الله أولى الناس بالنجاح وأعْـطِينا من أسبابه ما لم يعطَه غيرُنا من العالمين.
مع أننا بفضل الله تعالى على كلٍ حالٍ بين إحدى الحسنيين.

وأمامنا التجارب والعبَر، والعاقل من اتغظ بغيره، والسعيد من وُقيَ الفتن.

أيها الإخوة الأحباب، ماذا انتفعنا لو أننا انتصرنا على أمريكا وعلى كل الطغاة وأقمنا الدولة التي نحلم بها ثم دخلنا النار؟!
أعاذنا الله وإياكم منها.
إن رأس المال المقصود الحقيقي هو الفوز في الآخرة ونيل رضوان الله تعالى، والنجاح والفلاح يوم لقائه.
أما الدنيا فهي دار ممر وعبور، ودار فناء وزوال، وهي متاع الغرور..!
وإنما قيمتها في كونها مزرعتنا للآخرة، وفرصتنا التي نستغلّها ونتوصّل بها إلى الفوز عند مالك يوم الدين، بالتوحيد والعمل الصالح، والزهد واليقين.

أيها الإخوة المجاهدون نصركم الله وأعلى في الدارين مقامكم، اسمعوا معي هذا الحديث الذي يزعج القلوب الحية :

عن حذيفة رضي الله عنه قال : ضرب لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمثالاً، واحداً وثلاثةً وخمسة وسبعة وتسعة وأحدَ عشَرَ، قال : فضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها مثلا وترك سائرها، قال : إن قوما كانوا أهل ضعفٍ ومسكنة، قاتلهم أهلُ تجبّـرٍ وعدد فأظهر اللهُ أهلَ الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلّطوهم فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه".

قال الإمام ابن كثير رحمه الله : هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم فيما لا يليق بهم أسخطوا لله عليهم بسبب هذا الاعتداء، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدا"اهـ

أيها الإخوة -المنتصرون إن شاء الله- بارك الله فيكم، إياكم والظلم فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، فضلا عن أن الظلم مفسِدٌ للمُــلك، مخرّب للعمران، مذهبٌ لبركة النصر..!

الظلم -باختصار- : خسارةُ الدنيا والآخرة..!

نعوذ بالله من الظلم.
{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط}
{ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدِلوا هو أقربُ للتقوى}
واعلموا أن الظلم أصيل في الإنسان :
{إنه كان ظلوماً جهولاً}
{إن الإنسان لظلومٌ كفّــار}
والنفس الأمارة بالسوء مركّبٌ فيها من أنواع الشهوات وأصناف الإرادات، ومن أخطرها الشهوة الخفية؛ شهوة الغلبة وشهوة الملك والرياسة والشرف، الداعية إلى ما لا يحصيه إلا اللهُ من الإفساد والظلم والعدوان، والموفَّق من وفّـقه الله تعالى وأعانه على نفسه و{لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم}

وإننا نسمع من الآن البعض منّا يقولون أحيانا لخصومهم وأعدائهم : إذا انتصرنا عليكم سنقطّعكم أرباً، وسنحاسبكم على كل كبيرة وصغيرة، وسنفعل بكم ونفعل..!
وهذا لا خيرَ فيه..!
ولئن حسُن أن نقوله في بعض الأحيان لفراعنة أعدائنا من الكفرة، فلا يصلح لسائرهم، ولا لخصومنا من المسلمين وضعفة أهل القبلةِ، مهما عادانا بعضهم وغلا في خصومته لنا.!
بل نقول : إذا قدرنا فسنكون خيرَ قادرٍ وخير آخذٍ وخيرَ منتصر، ستسبق رحمتنا غضبنا وتغلبه إن شاء الله، وسيكون العفوُ أسرعَ وأوسع خياراتنا، والعدل والرحمة والإحسان جِـماع سياستنا.
لما حلف النبيّ صلى الله عليه وسلم إن أظهره الله على المشركين ليفعلنّ بهم وليفعلنّ جزاءَ ما صنعوا بحمزة رضي الله عنه في أحدٍ، قال له ربّه عز وجل : {ليس لك من الأمر شيء أو يتوبَ عليهم أو يعذّبهم فإنهم ظالمون. ولله ما في السموات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم}.

أيها الإخوة الأحباب، تذكروا حال رسولنا وقدوتنا وإمامنا صلى الله عليه وءاله وسلم حين دخل مكة فاتحاً منتصراً، واستحضروا ما روي في ذلك، وحالَه في كل انتصاراته وفتوحاته، وحالَ أصحابه الميامين البررة المتقين : تواضعٌ، وشكرٌ لله تعالى، وانكسارٌ وعدلٌ ورحمةٌ وإحسانٌ.

{وما النصرُ إلا من عند الله}
{فهزموهم بإذن الله}
{وما توفيقي إلا بالله}
{ينصرُ من يشاء وهو القويّ العزيز}

اللهم انصر دينك وكتابك وسنةَ نبيّك وعبادك المؤمنين
اللهم عليك بأمريكا وأوليائها، زلزلهم -اللهم- ودمّرهم
وسلّط عليهم المصائب والمشكلات، والمعايب والآفات، واشغلهم بأنفسهم
واجعل تدبيرَهم تدميرَهم، واجعل كيدهم في تضليل
وكفّ بأسهم عن المسلمين، وانصر عبادك المؤمنين عليهم يا خير الناصرين
اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين وجندك الغالبين
اللهم اجعلنا لك شاكرين ذاكرين مخبتين، إليك منيبين
اللهم أتمم نعمتك علينا واجعلنا قابليها وأوزعنا شكرها
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميع سخطك.
اللهم أحسن في كل الأمور عاقبتنا، وتوفّنا وأنت راضٍ عنا برحمتك يا أرحم الراحمين.. آمين
والحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أخوكم عطية الله
الجمعة 19 شعبان 1426هـ



منقول