مختصر شرح رسالة أصول السُنَّة للإمام أحمد بن حنبل

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,950
مجموع الإعجابات
1,977
النقاط
113
الأصل الثامن عشر والأخير من الرسالة

الأصل الثامن عشر(الفقرة الثامنة عشرة والأخيرة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( ومَن مات مِن أهل القبلة مُوحِّداً يُصلَّى عليه، ويُستّغْفَرُ له ولا يُحْجَب عنه الاستغفار، ولا تُتْرَك الصلاة عليه لذنبٍ أذنبه صغيراً كان أو كبيراً، أمره إلى الله تعالى.
آخِرُ الرسالة والحمد لله وحده وصلواته على محمد وآله وسلِّم تسليماً ).


* فى هذه الفقرة الثامنة عشرة والأخيرة من هذه الرسالة المباركة ذَكَر الإمام أحمد أصلاً هاماً من أصول السنة (العقيدة) ، وهى وجوب الصلاة (صلاة الجنازة) على كل مَن مات مِن المسلمين، مهما كانت معاصى وذنوب هذا الميت، وحتى لو كان مبتدعاً. فيجب الصلاة عليه والاستغفار له والتَّرحُّم عليه، أما مسألة ذنوبه ومعاصيه والبدع التى كان يفعلها فى دنياه فهذه مسألة مَرْجِعُها إلى الله تعالى وتُوكَل إليه، وليس للعباد شأن بها، ولا يجب أن تمنعهم عن الصلاة على صاحبها. فصلاة الجنازة على الميِّت فرضٌ كفاية فإذا تركها كل المسلمين يأثموا جميعاً، أما إن أدَّاها بعضهم وتركها البعض الآخرون، فلا يأثم أحد، ويتحصَّل مَن صلَّاها على الثواب، أما مَن لم يُصلِّيها فلا يأثم ولكن فاته ثواب الصلاة .وهذا لِعَامَّة المسلمين جميعاً.

* أما الخاصَّة مِن أهل العلم والفضل، فيُشرَع لهم عدم الصلاة على المبتدع وصاحب المعاصى المجاهر بها، مِن باب الزَّجر والتأديب لغيره مِن الأحياء مِمَّن هم على شاكلَتِه. ولا بأس فى ذلك لأن الصلاة ستتم تأديتها على كل حال، ولن تُمنَع عن أحد، ولكن عندما يَمتنِع أحدٌ من أهل العلم والفضل - فى بلدة ما معروفٌ بين أهلها - عن الصلاة على مبتدع أو فاسق كان يجهر بالمعاصى فى حياته مستهزءاً، ويُعلَم بين الناس أنَّ امتناعه كان بسبب بِدَع وفسوق الميِّت، فإنهم يَعتبِرون بذلك ويشعرون بجُرْم البدع والمعاصى والجهر بها فيرتدعون.
الدليل على ذلك :
عند مسلم من حديث جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنه قَالَ:
أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ.

* أجمع أهل السنة والجماعة على وجوب الصلاة على كل ميِّتٍ مسلم قبل دفنه والاستغفار له والترحُّم عليه، مهما كانت ذنوبه ومعاصيه كمَّاً وكيفاً، حتى لو كان صاحب بدعة، وحتى لو كانت بدعته مكفِّرة، بشرط أن تكون هذه البدعة وهذه الذنوب دون الكفر الأكبر. أما أصحاب الذنوب والبدع التى تندرج تحت الكفر الأكبر المخرج مِن الملَّة فهذا لا يُصلَّى عليه ولا يدفن فى مقابر المسلمين.
قال تعالى فى المنافقين نفاقاً أكبر : " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ".
روى الشيخان من حديث ابن عمر قال :
لمَّا تُوفِّي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يُكفِّن فيه أباه، فأعطاه. ثم سأله أن يُصلِّي عليه، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخذ بثوب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: ابنَ سلول، أتُصلِّي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما خيَّرني ربّي، فقال: "اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ" ، وسأزيد على سبعين". فقال: إنه منافق، فصَلَّى عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم, فأنـزل الله: "ولا تُصلِّ على أحدٍ منهم مات أبداً ولا تَقُم على قبره".​

وكان الصحابة بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم لا يُصلُّون على مَن يَشُكُّون فى أمره أنه كان منافقاً نفاقاً أكبر قبل موته، حتى يسألون عنه الصحابى الجليل حذيفة بن اليمان ومَن مِثْله مِمَّن أطلعهم النبى صلى الله عليه وسلم على أسماء المنافقين.

* ويخرج مِن هذا الوجوب بعض الحالات الخاصة كالتالى :
1- شهيد الحرب (المسلم المقتول فى المعركة).
فالشهداء الذين قُتِلوا أو ماتوا في المعركة في سبيل الله الإمام مخيّر فيهم، إنْ شاء صلَّى عليهم، وإن شاء تَرَك، والصلاة أفضل، ويُدفَنون في مصارعهم دون غُسْل أو كَفَن. وذلك لأنه ورد فى السنة العملية أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم أَمَر بدفن قَتلَى أُحُد ولم يُصلِّ عليهم، وورد أنه صلَّى على أعرابىٍ قُتِل فى احدى المعارك. أما الجريح الذى جُرح في المعركة ثم عاش حياة مستقرة، ثم مات، فإنه يُغسَّل ويُصلَّى عليه، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على سعد بن معاذ رضي الله عنه بعد موته من جرحه في الأحزاب.

2- السَّقط (الجنين المتوفَّى) له ثلاث حالات :
الأولى : إذا سَقَط الحمل مِن بطن أمه حياً ثم مات ، فإنه يُغسَّل ويُصلَّى عليه.
الثانية : إنْ سَقَط ميتاً وقد تم له أربعة أشهر، ونُفِخَت فيه الروح ، فهذا أيضاً يُغسَّل ويُصلَّى عليه.
الثالثة : إذا سقط الحمل قبل أربعة أشهر، فهذا لم تنفخ فيه الروح، فليس بميِّت، فلا يُصلَّى عليه، وإنما يُلَف في خِرقَة ويُدفَن.
عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : " الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الجَنَازَةِ، وَالمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيباً مِنْهَا، وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بالمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ". أخرجه أبو داود والترمذي.

3- المجهول
إذا مات إنسان، ولم يُعلم أنه مسلم أو كافر، فإنْ كان في دار الإسلام غُسِّل وصُلي عليه، وإنْ كان في دار الكفر لم يُغسَّل ولم يُصلَّ عليه. وإذا اختلط مسلمون بكفار، ومات الجميع ولم يميَّزوا، فيصلَّى عليهم جميعاً بنية المسلمين منهم.

4- بعض الميِّت
إذا مات مسلم، ولم يوجد منه إلا بعضه أو جزء منه، فإنه يُغسَّل ويُكفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفَن، وإنْ وُجِد جزء منه بعد ذلك (بعد الصلاة عليه) فإنه لا يُصلَّى علي هذا الجزء، ولكنْ يُغسَّل ويُدفَن في المقبرة.
إذا قُطع عضو من الإنسان الحي فإنه لا يُصلَّى عليه، ولكنه يُدفَن.

* فصل فى صلاة الغائب
صلاة الغائب واجبة فى حقِّ مَن مات في بلد ليس فيها مَن يُصلِّي عليه صلاة الجنازة، ودُفن ولم يُصلَّ عليه. فالسنة أنْ يُصلِّي عليه طائفة من المسلمين صلاة الغائب بإمام وجماعة، ومثله الغريق الذى لم يُعثَر على جثته وبالتالى لم يُدفَن ولم يُصلَّى عليه، وكذلك المحترق الذى تحلَّل إلى تراب.
الدليل روى الشيخان من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى ، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ.
أما كل مَن سوى ذلك فلا تٌشرَع صلاة الغائب عليه، أى كل مَن مات مِن المسلمين وقام البعض بالصلاة عليه حاضراً، فلا يصِح أبداً أن يُصلَّى عليه بعدها صلاة الغائب مِمَّن لم يَحضِر الصلاة عليه، فإنه للأسف نجد بعض أهل البدعة والجُهَّال عندما يموت أحد المسلمين المشاهير (عالمٍ أو شيخٍ أو زعيمٍ أو حاكمٍ ونحوه) ولم يَحضروا صلاة الجنازة عليه لبُعد المكان، فإنهم يقيمون صلاة الغائب عليه ويُحزِّبون الناس للصلاة عليه، وللأسف يتَّبِعهم الكثير من الناس عن جهلٍ ظنَّاً منهم أنَّ ذلك خير.
ولكنْ نسأل سؤالاً : هذا الذى مات ويُريد البعض أن يُصلِّى عليه صلاة الغائب برغم أنه قد صٌلِّى عليه الجنازة قبل أن يُدفَن، مهما بلغ من العلم والفضل والمنزلة والشهرة، هل هو أفضل وأغلى من النبى صلى الله عليه وسلم ، وهل هو أحبُّ إلى الله والناس من النبى صلى الله عليه وسلم ؟
فقد ثبت أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم تُوفِّي، وبعض أصحابه رضوان الله عليهم مُتفرِّقون في البلدان، ولم يثبت عن أحد منهم أنه صَلَّى عليه صلاة الغائب، وهو خير الخلق أجمعين. وتُوفِّي بعض أصحابه صلى الله عليه وسلم في البلدان، ولم يُصلِّ هو عليهم صلاة الغائب، وهم خير البشر بعد الأنبياء والرسل. وتُوفِّي الخلفاء الراشدون، والأئمة المَهديُّون، ولم يُذكر عن أحدٍ مِن الصحابة الغُيَّب أنه قام بالصلاة عليهم صلاة الغائب.
وكما أشرنا فى الفقرة الأولى مِن هذه الرسالة بأنَّ كل ما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم مِن العبادات مع وجود المقتضي للفعل، وزوال المانع، فإنه واجب التَرْك، وفِعلُه بدعة لا يَصِح.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم ، والحمد لله الذى تتم بنعمته الصالحات.

انتهت الرسالة بفضل الله تعالى ومَنِّه وكرمِه.
 
أعلى