إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له؛ ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد..
فقد مّر على الديارِ النجدية فيما مضى أيام انتشر فيها الشرك وارتفعت رايته ، وطمست معالم التوحيد في كثير من بقاعها ، وفشت البدع والخرافات بين الناس حتى صار التوحيدُ بينهم غريباً ، ومن دعا إليه فكأنه جاء بدعاً من القول؛ فنادوا به بكل تهمة؛ وكادوه بكل طريق وسبيل؛ واستعانوا عليه بأعوانهم من الفسقة والأراذل ؛ حتى ارتفع صوتُ الباطل ودوّى؛ وضعف صوتُ الحق، وخفَت نوره. وقد فشا الشرك بين الجهلة؛ فكانوا يأتون القبور فيدعونها رغباً ورهباً ويزعمون أنها تقضي الحوائج؛ وكانت المرأة إذا تأخر زواجها ولم ترغب فيها الأزواج تذهب إلى - فحل نخلٍ – وتدعوه من دون الله قائلةً : يا فحل الفحول؛ أريد زوجاً قبل الحَول.
وكانوا يتبركون بالأشجار فيعلقون عليها الخرق؛ رجاء البركة وللاستشفاء من الأمراض؛ وهكذا من وسائل الشرك والانحدار وصرف العبادة لغير الله .
فلما أراد الله سبحانه أن يُتِمَّ نعمته على عباده؛ وينصرَ دينَه ويعلي كلمتَه، أذن بظهور نور التوحيد براقاً في كلِّ أفقٍ وبقعة في تلك الديار، فازدهرت الأرض به بعد محلٍ وقحْط ، وارتوت به بعد ظمأٍ وهلكة ، وأنقذ الله به عباده من ظلمات الجهل والشرك والتذلل لغيره سبحانه.
وكان ذلك على يد الإمام المجاهد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ يعاونه على ذلك ويشد أزره الإمام محمد بن سعود رحمه الله تعالى.
فقد ولد الإمام محمد رحمه الله في عام 1115 هـ؛ ولما اشتد عودُه رحل لطلب العلم فجاب الديار في سبيل ذلك وهو فتى في عنفوان شبابه؛ فلما حصل له من العلم ما يعينُه على دعوتهِ وجهاده في سبيل ذلك؛ رجع إلى بلاده حريملاء عام 1140 هـ؛ وعمره آنذاك خمسة وعشرون عاماً .
وبدأ يدعو للتوحيد ونبذ الشرك والخرافة؛ مما أهاج عليه عباد القبور والفسقة والسفلة، وقد تبعه أناس من أهل البلد لما رأوا صدقه وإخلاصَه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكعادة المصلحين في كل زمن فقد حصل على الشيخ من الشر الذي كاد أن يودي بحياته؛ وذلك بأنه كان هناك بعض الفساق والأسافل؛ كَثُر تعديهم وفسقهم فأراد الشيخ أن يمنعوا من الفساد ، وينفَّذ فيهم الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، فهمّوا بقتل الشيخ فتسوّروا عليه الجدار ليلاً؛ فكان من لطف الله أن شعر بهم الناس فصاحوا بهم فهربوا.
فانتقل الشيخ بعدها إلى العينية وأميرها يومئذٍ عثمان بن حمد بن معمر؛ فتلقاه بالقبول وأكرمه ، وبين له الشيخ دعوته وقال له: إني لأرجو إن أنت قمت بنصر ( لا إله إلا الله ) أن يظهرك الله تعالى ، وتملك نجداً وأعرابها، فساعده عثمان على ذلك ، فأعلن بالدعوة وتبعه الناس؛ وكان بها أشجار تعظم فقطعها، وقبور تعبد فأزالها؛ وفشا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وأقيمت الحدود.
فلما ارتفع صيت الشيخ في الآفاق بلغ ذلك حاكم الأحساء؛ وكان يؤدي خراجاً لابن معمر، فهدده بقطع الخراج إن لم يخرج الشيخَ من عنده ، فأخبر ابنُ معمرٍ الشيخ محمداً بالخبر ، فقال الشيخ قول الواثق : إن هذا الذي قمت به أنا ودعوت إليه كلمة ( لا إله إلا الله )؛ وأركان الإسلام؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن أنت تمسكتَ به ونصرته فإن الله سبحانه سيظهرك على أعدائك، فلا يزعجك صاحب الأحساء ولا يفزعك؛ فإني أرجو أن ترى من الظهور والتمكين والغلبة؛ ما تملك به بلاده وما وراءها وما دونها، فاستحى عثمان وأعرض عن الشيخ، فلما رجع جاء جلساء السوء إلى عثمان وخوفوه وأرجفوا به؛ حتى طلب من الشيخ أن يغادر العينية، وهذا من حكمة الله وعلمه أن نصر هذا الدين والظهورَ والغلبةَ والتمكينَ يكون لغيره وعلى يد غيره.
فانتقل الشيخ إلى الدرعية، وكان أميرها يومئذٍ محمد بن سعود رحمه الله، وكأنَّ حال الشيخ يومئذٍ كحال النبي صلى الله عليه وسلم حين كان ينادي من ينصرني من يؤويني حتى أبلغ كلام ربي.
فلما نزل بالدرعية، حل ضيفا على أحد أهل الدرعية؛ فخاف الرجل على نفسه من محمد بن سعود؛ فوعظه الشيخ وأسكن جأشه؛ وعلم به أناس من أهل الدرعية فزاروه خفية؛ فقرر لهم التوحيد واستقر في قلوبهم، فأرادوا أن يخبروا محمد بن سعود بمجيئه؛ ويشيروا عليه بنصرته ولكنهم هابوه، فأتوا إلى زوجته الصالحة (موضي)، وكانت ذات عقل ودين ومعرفة، فأخبروها بمكانة الشيخ؛ وصفة ما يأمر به وينهى عنه، فوقر في قلبها حب التوحيد، وقذف الله في قلبها محبة الشيخ؛ فلما دخل عليها زوجها محمد أخبرته بمكانه، وقالت: إن هذا الرجل أتى إليك وهو غنيمة ساقها الله لك، فأكرمه وعظِّمه، واغتنم نصرته، فقَبل قولَها، ثم دخل عليه أخواه ثنيان ومشاري، وأشاروا عليه بمساعدته ونصرته، وألقى الله سبحانه في قلب محمدِ بن سعود محبَّة الشيخ محمد فأراد أن يرسل إليه، فقالت له زوجته وأخواه: سر إليه برجلك وأظهر تعظيمه، لعلَّ الناس أن يكرموه ويعظموه؛ فسار إليه محمد بن سعود.
وهذا القول منهم (أي: ثنيان ومشاري وموضي)؛ واستجابة محمد بن سعود وذهابه للشيخ؛ لهو دليل على أنهم أهل دين وتقوى؛ ما سعوا إلى الملك بل إنهم نصروا الشيخ وهو مستضعف ليس له دولة ولا ملك، وأنهم ما أرادوا إلا نصرةَ التوحيد ورفع رايته، ولذلك لما دخل محمد بن سعود على الإمام محمد بن عبدالوهاب رحب به وقال له: أبشر ببلاد خير من بلادك ، وأبشر بالعز والمنعة والنصرة والأمن؛ فقال له الشيخ: وأنت أبشر بالنصر والتمكين والعاقبة الحميدة؛ هذا دين الله؛ من نصره نصره الله، ومن أيده أيده الله.
وهكذا فقد فتح الله على يد محمد بن سعود؛ واختاره لنصرة دينه وإقامة شرعه بالرغم من كثرة الحكام في وقته؛ كما اختار الله الإمام محمد بن عبد الوهاب لرفع راية التوحيد بالرغم من وجود علماء غيره؛ {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.