العودة   ملتقى المهندسين العرب > الملتقى العام > الملتقى العام

 


الملتقى العام ................ بإشراف : طالبة الجنة, ابو حسين, مهاجر, الشخيبي ، MG_Z

رد
 
LinkBack أدوات الموضوع
قديم 22-04-2008, 02:46 PM   رقم المشاركة : [16 (permalink)]
مشرفة الملتقى العام
الصورة الرمزية طالبة الجنة
 

طالبة الجنة عضو فائق التميزطالبة الجنة عضو فائق التميز

بسم الله الرحمن الرحيم


شخصية اليوم هي واحدة من جيل التابعين الذين تسلموا راية الإسلام من الصحابة الكرام وكانوا امتداداً لهم فكراً وعملاً وأخلاقاً .
ولما كانت النساء شقائق الرجال كان من المفيد أن ننقل لكم سيرة هذه العالمة الجليلة لتكون مثالاً يحتذى في العلم و الصبر والورع والتجلد ويبدو هذا لكل من يقرأ سيرتها قراءة متأنية .....

إنها حفصة بنت سيرين العالمة القارئة ، والناسكة الزاهدة ، والحكيمة الصابرة .

عائلتها ونسبها :

ولدت حفصة لأبوين مسلمين صالحين فوالدها سيرين كان مولىً ( رقيقاً) للصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصله من بلاد فارس أُسر في إحدى المعارك التي خاضها جيش الإسلام بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه في فتح العراق وكان سيرين فتى يافعاً ، وأسلم وكان من نصيب أنس بن مالك حين توزيع الغنائم وعاش في كنفه مدة من الزمن أحبَّ فيها سيِّدَه محبة بالغة لحسن معاملته وسمو أخلاقه ، وكاتَبَه سيِّدُه أنس على مبلغ من المال ليكون بعد ذلك حراً ، وأما والدة حفصة فهي صفية مولاةٌ لخليفة رسول الله أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وقد حضر عقد سيرين على صفية ثلة من أكابر الصحابة كان منهم أبي بن كعب الذي دعا وأمَّن الباقون على دعائه ، وتولت تجهيز صفية في ليلة عرسها ثلاث من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد بورك للعروسين في زواجهما , وأنجبت صفية لسيرين خمسة أولاد هم يحيى وحفصة ومحمد وكريمة وأم سُليم وكان كلٌّ منهم على حظٍّ وافرٍ من العلم .

نشأتها :

كانت حفصة منذ طفولتها محبة للعلم حريصة على تلقيه ، وساعدها في ذلك حافظة قوية وعقل ذكي ، حتى إنها حفظت القرآن الكريم وهي في الثانية عشرة من عمرها ، وكانت تسعى بجهد حثيث على أن تغترف من معين النبوة الخالد عن طريق الصحابة الكرام نساءً ورجالاً ممن تستطيع الاتصال بهم لاسيما أستاذها الصحابي أنس بن مالك رضي الله عنهم جميعاً ، ومازالت تجدُّ في طلب العلم حتى غدت عالمة جليلة يتوافد عليها الشباب للأخذ عنها ، وتخرَّج من بين يديها تلامذةٌ أصبح يُشار إليهم بالبنان , كأيوب السختياني ، وقتادة بن دعامة السدوسي ، وهشام بن حسان ، وخالد الحذَّاء وإياس بن معاوية المزني قاضي البصرة زمن عمر بن عبد العزيز ، والذي كان يفُضِّلها على الحسن البصري وأخيها محمد بن سيرين وهما من هما في العلم والورع والفهم .

أخلاقها وعبادتها :

كان من أبرز ما تتميز به من أخلاق خلق الورع ، وخلق الحكمة وخلق الصبر ، أما ورعها فيبدو في مجلس علمها الذي وصفه أحد تلامذتها فقال : كانت تجلس إلينا وهي العجوز وقد لبست جلبابها وتنقبت به حتى إن أحدهم أشفق عليها فقال لها ذات يوم : رحمك الله أما قال تعالى ( والقواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ) ؟ فقالت له بهدوء : وأي شيء بعد ذلك ؟ فأتمَّ الآية وقرأ ( وإن يستعففن خيرٌ لهن ) فترد عليه : في هذا إثبات الجلباب ، وهكذا كانت تأخذ بالعزائم ولا تتبع الرخص .

وأما حكمتها فتتجلى في أثمن النصائح التي كانت تزجيها لتلامذتها ، ومن ذلك نصيحتها لهم باغتنام فرصة الشباب , وهي التي ملأت وقت شبابها علماً وقراءة وجِدّاً فكانت تقول لهم : يا معشر الشباب ، خذوا من أنفسكم وأنتم شباب فإني رأيت العمل في الشباب .

وأما صبرها فكانت فيه مثالاً يُحتذى ، فقد رُزقت بولد وحيد كان بارّاً بها غاية البر ، متفانياً في خدمتها ورعايتها ، فإذا بها يمتحنها الله بوفاته وهو في مقتبل العمر ، فتعاني كأمٍّ لوعة الفراق ثم ينسكب الصبر في قلبها وهي تقرأ كتاب الله تعالى وذكرت ذلك فقالت : فلما مات ـ تعني ولدها ـ رزق الله عليه من الصبر ما شاء أن يرزق ، غير أني كنت أجد غصة لا تذهب ، قالت فبينا أنا ذات ليلة أقرأ سورة النحل إذ أتيت على هذه الآية ( ولا تشتروا بعهد الله ثمناً قليلاً إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ، ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزينَّ الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) قالت فأعدتها فأذهب الله ما كنت أجد .

وكان لها منهج في العبادة اتبعته منذ شبابها المبكر ، إذ كان لها مسجد تصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء وتقضي فيه الليل قارئة للقرآن مستغرقة في الذكر والدعاء ، ثم إذا جاء الصبح قامت تصلي ، ولا تزال فيه حتى يرتفع النهار فتركع ركعات الضحى ، ثم تخرج من مسجدها لتتوضأ وتنام حتى إذا حضرت صلاة الظهر عادت إلى مسجدها من جديد ، هكذا قضت من عمرها ثلاثين عاماً تمضي نهارها صائمة وليلها قائمة .

منزلتها في العلم والقرآن :


بلغت حفصة في العلم مبلغاً لا يجاريها فيه نظيراتها من نساء عصرها كما ذكر ذلك الإمام الذهبي ، وتلت أخاها محمداً في الشهرة علماً وورعاً ، وقد عرف أخوها محمد حقها ـ وهو أحد تلامذتها ـ فكان إذا أشكل عليه شيء في قراءات القرآن يقول لتلامذته : اذهبوا فسلوا حفصة كيف تقرأ .

وفـاتـها :

كانت حفصة تتمنى أن تختم حياتها بالشهادة ، وكانت قد سمعت من أنس بن مالك حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم : بأي شيء تحبين أن تموتي ؟ لم تتردد أن قالت بحزم : بالطاعون . ولكن الله لم يقدر لها ذلك ، وماتت نحو إحدى ومائة من الهجرة عن نحو سبعين عاماً قضتها في العلم والعبادة وشيعها عالما البصرة الحسن وأخوها محمد بن سيرين .


المصدر:
http://www.sadazaid.com/home/play.php?catsmktba=234



التعديل الأخير تم بواسطة طالبة الجنة ; 22-04-2008 الساعة 02:55 PM.
التوقيع:

حتى الشموع نفدت
لكن إصراراً على الكرامة والعزة لن ينفد لأنه مدد من عند الله
{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }النحل96

طالبة الجنة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-04-2008, 08:19 PM   رقم المشاركة : [17 (permalink)]
عضو متميز
الصورة الرمزية سنا الأمل
 

سنا الأمل

جزاك الله خير الجزاء على الموضوع المهم و الجدير بالقراءة .



سنا الأمل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-04-2008, 11:07 PM   رقم المشاركة : [18 (permalink)]
عضو متميز
الصورة الرمزية مصطفى محمد سليمان
 

مصطفى محمد سليمان

جزاك الله خيرا على المجهود الطيب
و كم نحن بحاجة لدراسة حياة الدعاة و العلماء حتى يكونوا قدوة لنا و لأبنائنا
و أضم صوتي الى صوت الأخ يحي الحربي في ضرورة تثبيت الموضوع



التوقيع: م/ مصطفى سليمان : مدرس بمعهد التكنولوجيا - الاميرية
مصطفى محمد سليمان غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-04-2008, 11:49 PM   رقم المشاركة : [19 (permalink)]
عضو متميز
الصورة الرمزية م عامر
 

م عامر يستحق التميز

السلام عليكم
فعلاً موضوع رائع ..
شكراً جزيلاً .. أخي الكريم مهاجر .. أختي الفاضلة طالبة الجنة
وبالتأميد يستحق التثبيت
ولي عودة بإذن الله لوضع عتراجم لبعض الشخصيات الإسلامية المميزة
بارك الله بكم



التوقيع: -----
الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الإسلام
{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} (109) سورة الكهف
أللهم ارزقنا نعمة الرضى واجمعنا مع الحبيب المصطفى في جنات العلى
-----
موقع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
مواقع من تصميمي
www.somsar.com
www.ocean-grp.com
www.droubinet.com
www.carsy.com
م عامر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-04-2008, 11:49 PM   رقم المشاركة : [20 (permalink)]
عضو متميز
الصورة الرمزية م عامر
 

م عامر يستحق التميز

السلام عليكم
فعلاً موضوع رائع ..
شكراً جزيلاً .. أخي الكريم مهاجر .. أختي الفاضلة طالبة الجنة
وبالتأميد يستحق التثبيت
ولي عودة بإذن الله لوضع تراجم لبعض الشخصيات الإسلامية المميزة
بارك الله بكم



التوقيع: -----
الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الإسلام
{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} (109) سورة الكهف
أللهم ارزقنا نعمة الرضى واجمعنا مع الحبيب المصطفى في جنات العلى
-----
موقع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
مواقع من تصميمي
www.somsar.com
www.ocean-grp.com
www.droubinet.com
www.carsy.com
م عامر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 22-04-2008, 11:58 PM   رقم المشاركة : [21 (permalink)]
عضو متميز
الصورة الرمزية م عامر
 

م عامر يستحق التميز
الدكتور يوسف القرضاوي

نبذة عن القرضاوي

مولده ونشأته

الجامع الأزهرولد الشيخ الدكتور يوسف مصطفى القرضاوي في مصر بتاريخ9/9/1926م ونشأ فيها،حفظ القرآن الكريم وجوّده وهو دون العاشرة، أتم تعليمه في الأزهر الشريف. حصل على الشهادة العالية من كلية أصول الدين عام 1953م، وعلى إجازة التدريس عام 1954م، وكان ترتيبه الأول في كليتيهما،وفي سنة 1960م حصل على الدراسة التمهيدية العليا المعادلة للماجستير في شعبة علوم القرآن والسنة من كلية أصول الدين. ، كما حصل على الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عام 1973م .

بعد تخرجــه

المعهد الديني عمل بعد تخرجه في مراقبة الشؤون الدينية بالأوقاف، وإدارة
الثقافة الإسلامية بالأزهر، ثم أعير إلى قطر مديراً لمعهدها الديني، فرئيساً مؤسساً لقسم الدراسات الإسلامية بكليتي التربية فعميداً مؤسساً لكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ومديراً لمركز بحوث السنة والسيرة الذي كلف بتأسيسه ولازال يديره .

شغله في الدعوة الإسلامية
اشتغل القرضاوي بالدعوة منذ فجر شبابه، وشارك في الحركة الإسلامية، وأوذي في سبيلها بالاعتقال عدة مرات، في عهد الملكية وعهد الثورة ..وتنوع عطاؤه بتنوع مواهبه، فهو خطيب مؤثر، يقنع العقل ويهز القلب .. وكاتب أصيل لا يكرر نفسه ولا يقلد غيره .. وفقيه تميّز بالرسوخ والاعتدال، فشرّقت فتاواه وغرّبت. . وعالم متمكن في شتى العلوم الإسلامية، جمع بين علوم أهل النظر، وعلوم أهل الأثر..وشاعر حفظ شعره الشباب الإسلامي وتغنى به في المشرق والمغرب.
مؤلفــاته و فكـره

القرضاوي جاوزت مؤلفات القرضاوي الثمانين، وقد لقيت قبولاً عاماً في العالم الإسلامي، وطبع بعضها عشرات المرات، وترجم عدد كبير منها إلى اللغات الإسلامية، واللغات العالمية. أما مقالاته ومحاضراته وخطبه ودروسه فيصعب حصرها. وصفه الذين كتبوا عنه بأنه من المفكرين الإسلاميين القلائل، الذين يجمعون بين محكمات الشرع ومقتضيات العصر، وبأن كتاباته تميزت بما فيها من دقة الفقيه، وإشراقة الأديب، ونظرة المجدد، وحرارة الداعية.من أبرز دعاة ( الوسطية الإسلامية ) التي تجمع بين السلفية والتجديد. وتمزج بين الفكر والحركة، وتركز على فقه السنن، وفقه المقاصد، وفقه الأولويات، وتوازن بين ثوابت الإسلام ومتغّيرات العصر، وتتمسك بكل قديم نافع، كما ترحب بكل جديد صالح تستلهم الماضي، وتعايش الحاضر، وتستشرف المستقبل.


زيارات القرضاوي

زار عدداً كبيراً من الأقطار الإسلامية في أسيا وأفريقيا، والتجمعات والأقليّات الإسلامية في سائر القارات، ودعي إلى المحاضرة في عدد من الجامعات الإسلامية والعالمية، كما شارك في عدد جم من المؤتمرات والندوات العلمية داخل العالم الإسلامي وخارجه.

عضويته في مجامع علمية مركز الدراسات الإسلامية بأكسفورد

عضو في عدة مجامع ومؤسسات علمية ودعوية وعربية وإسلامية وعالمية، منها: المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامية بمكة، والمجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية بالأردن، ومركز الدراسات الإسلامية بأكسفورد، ومجلس أمناء الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام أباد، ومنظمة الدعوة الإسلامية بالخرطوم، ورئيس لهيئة الرقابة الشرعية في عدد من المصارف الإسلامية.
الجوائز التي حصل عليها
جائزة الملك فيصلحصل على جائزة البنك الإسلامي للتنمية في الاقتصاد الإسلامي لعام 1411هـ. كما حصل على جائزة الملك فيصل العالمية بالاشتراك في الدراسات الإسلامية لعام 1413هـ.، وحصل على جائزة العطاء العلمي المتميز من رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا لعام 1996م


. وحصل على جائزة السلطان حسن البلقية ( سلطان بروناي الإسلامي لعام ) في الفقه 1997م.




التوقيع: -----
الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الإسلام
{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} (109) سورة الكهف
أللهم ارزقنا نعمة الرضى واجمعنا مع الحبيب المصطفى في جنات العلى
-----
موقع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
مواقع من تصميمي
www.somsar.com
www.ocean-grp.com
www.droubinet.com
www.carsy.com
م عامر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-04-2008, 10:26 PM   رقم المشاركة : [22 (permalink)]
عضو
الصورة الرمزية المهندس وليدو
 

المهندس وليدو يستحق التميز

جزاك الله خيرا لما تقدمه من نماذج عظيمة لعلماء هذه الأمة، وهو خير رد للأعداء



المهندس وليدو غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-04-2008, 10:47 PM   رقم المشاركة : [23 (permalink)]
مشرفة الملتقى العام
الصورة الرمزية طالبة الجنة
 

طالبة الجنة عضو فائق التميزطالبة الجنة عضو فائق التميز

بسم الله الرحمن الرحيم

علّامة الشام ومحدثها الأكبر

الشيخ بدر الدين الحسني -رحمه الله تعالى -





اسمه ونسبه :

هو محمد بدر الدين بن يوسف بن بدر الدين الحسني المغربي المراكشي السبتي , وينتهي نسبه إلى سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما .

مولده ونشأته وملامح الحياة العامة في تلك الفترة :

ولد الشيخ في دمشق , وفي داره المجاورة لمدرسة دار الحديث الأشرفية سنة 1850م الموافقة لسنة 1267هجرية ، من أبوين عُرفا بالصلاح والتقوى ، أما والده الشيخ يوسف ، فكان من أكابر العلماء ، والمحدثين الفقهاء , وكان من الزهد والورع والصلاح والجهر بالحق بمكان, وأما والدته فهي السيدة عائشة بنت المرحوم إبراهيم الكزبري المُنيٍّر , سليلة العلماء من آل الكزبري , وكانت تقية صالحة عابدة ، ومن طريف ما يُروى عنها أنها لم تكن تُرضع ولدها بدر الدين إلا وهي متوضئة.

ولد الشيخ في فترة من الزمن كانت من أشد الفترات قسوة على بلاد الشام ، فقد كان الحكم العثماني في تدهور وضعف بالغ ، وكانت الحكومات الأوروبية وخاصة في فرنسا وبريطانيا تنتظر أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، وكانت تُعد لذلك عن طريق بث الفتن والاضطرابات في البلاد التي يسيطر عليها العثمانيون ، وعن طريق بعض الجمعيات التي تتستر وراء شعارات زائفة كجمعية الاتحاد والترقي ، والتي على يديها كانت نهاية الحكم العثماني والخلافة العثمانية ، ثم لما سقطت الدولة العثمانية تحرك الاستعمار الغربي بعد أن خدع العرب ، حين وعدهم بإنشاء دولة عربية موحدة ، ينعمون في أرجائها بالحرية والتقدم ، واستعملهم للتخلص من الخلافة العثمانية ، ودخلت جيوشه بلادهم ، لتقتسم التركة التي خلفها العثمانيون ، فكانت سوريا ولبنان من نصيب فرنسا ، وكانت العراق والأردن وفلسطين من نصيب بريطانيا .

هذه الحال التي كانت بلاد الشام تعيش فيها ، تركت آثارها السيئة على حياة الناس من جهل وفقر وظلم وانعدام للأمن ، وكان ذلك في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي ومطالع القرن العشرين ، وفي هذه الفترة ولد وعاش الشيخ بدر الدين رضي الله عنه.

طلبه للعلم وشيوخه :

حينما كان الشيخ طفلاً وليداً ، حمله والده إلى شيخ صالح عارف هو الشيخ محمد ظبيان الكيلاني , الذي حنَّكه وأذَّن في أذنه عملاً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتفرَّس فيه خيراً ، وقال لأهله سيكون لهذا الولد شأن عظيم .

تعهده والده بالرعاية والتهذيب والتعليم ، فتعلم عليه مبادئ العلوم والكتابة والحساب ، وأتمَّ حفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين تقريباً ، ورغب والده في إلحاقه بدار الخلافة في استانبول للدراسة العالية ليكون من رجال الدولة في كبره ، وقصد من أجل ذلك دار مدير أوقاف حلب ، لكنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه تلك الليلة فأوصاه به خيراً ، وأشار عليه بالإحجام عن رأيه ، وبتوجيهه لطلب العلم ودراسة الحديث الشريف فسيكون للأمة نصيب من الانتفاع به .

وانقطع الغلام لطلب العلم ، تحت إشراف والده الذي توفي وعمر ابنه اثنتا عشرة سنة ، ثم تولت والدته وخاله الشيخ صالح الكزبري رعايته ، ومكث في غرفة والده بدار الحديث ، يطالع الكتب التي خلَّفها والده بهمة عظيمة ، ويحفظ المتون المختلفة بتوجيه من شيخه الشيخ أبي الخير الخطيب , فحفظ من متون العلوم في التفسير والحديث والأصول والفقه والفرائض والنحو والصرف والبلاغة والمنطق والفلسفة والحساب والجبر والهندسة والفلك وغيرها مايقرب من اثني عشر ألف بيت ، ثم اشتغل بقراءة شروحها وفهمها ، يساعده على ذلك ذكاء وقاد ، وحافظة عجيبة ، كل هذا وسنه لم تتجاوز الثلاثة عشر عاماً ، مما حدا بأستاذه إلى أن يجيزه في التدريس العام ، ولكن لحداثة سنه ولأسباب أخرى ترك التدريس العام وانقطع إلى العلم والعبادة في غرفته بدار الحديث ، ومكث لا يغادرها ، ودامت خلوته هذه قرابة العشر سنين عكف خلالها على الدرس والتأليف والعبادة ، وأقبل على المطالعة بنفسه يدفعه عزم لا يعرف التراجع ، وهمة لا ترضى إلا بمعالي الأمور ، فكان لا يفتر عن ذلك نهاره وطرفاً من ليله ، وقد أولى علم الحديث اهتمامه , فحفظ الصحيحين البخاري ومسلم مع أسانيدهما ، وقيل بل حفظ كتب الحديث الستة المشهورة كما حفظ الألوف من الأبيات في الفنون المختلفة ، كألفية العراقي في مصطلح الحديث ، والطيبة في القراءات ، وألفية ابن مالك في النحو وغيرها ، حتى بلغ حفظه عشرين ألف بيت وكان في ذلك كله تلميذ همته وعزلته عن الناس . وكان رحمه الله يترك تعليقه أو شرحه على بعض ما يطالع من كتب ، ومن هنا فقد خلف نحواً من أربعين أو خمسين كتاباً ورسالة صغيرة ، تحمل هذا الشرح أو ذاك التعليق ، وقد ذكر معظمها تلميذه مفتي حمص آنذاك الشيخ طاهر الأتاسي رحمه الله في قصيدة مدحه بها ، وقد أورثه شغفه بالبحث وتطلعه إلى معرفة ما دوَّنه الأوائل ، ولوعاً بجمع الكتب على اختلاف أنواعها وموضوعاتها ،ومغالاة في شرائها حتى إنه كان يدفع في الكتب النادرة أثماناً عالية ، قال تلميذه الأستاذ محمد المبارك رحمه الله : (وقد بلغنا أنه اشترى كتاباً مخطوطاً بخمسمائة دينار ذهبي ) , فقد ترك له والده ثروة جيدة ، ولم يكن يفعل ذلك يبتغي به تكوين مكتبة نفيسة ، لتصبح مدعاة للفخر ، إنما أولع بالكتب ليمتص رحيقها و يتمثله , ثم يفيضه عسلاً فيه شفاء للناس ، وقد خرج الشيخ من ذلك كله بمجموعة عظيمة من العلوم والمعارف ، فلم يترك علماً من العلوم المعروفة في الثقافة الإسلامية إلا ودرسه وتوغل فيه .

كما رحل الشيخ إلى مصر ، وكان في حوالي الخامسة والعشرين من عمره ، والتقى فيها بكبار العلماء كالشيخ الأشموني ، والشيخ إبراهيم السقا شيخ الأزهر آنذاك والذي منحه إجازة في علم الحديث .

عاد الشيخ إلى بلده بعد هذا الجهد المتواصل ، والدأب الكبير على طلب العلم وتحصيل المعارف المتنوعة ، حتى بلغ فيها قمة سامقة ، وقد أضحى علامة الشام ومحدثها الأكبر.

ثم قام ينشر ما أكرمه الله به من علم ، وما وهبه من معرفة ، وما أفاض عليه من لطائف و إشراقات ، ضمن نظام مستقيم ، ومنهج جاد ، ومثابرة راسخة ، واستمر على ذلك ما زاد على الخمسين عاماً ، حتى تخرَّج من بين يديه معظم علماء بلاد الشام في سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين ، وبعض من علماء العديد من الدول الإسلامية وحتى قال فيه أحدهم( إن المسلمين لم يروا مثل الشيخ بدر الدين منذ خمسمائة عام)

دروسه وطريقته في التدريس :

بدأ الشيخ بالتدريس في سن مبكرة ، وهو ابن خمس عشرة سنة تقريباً ، وراح يلقي دروساً خاصة ، على طلاب ربما كانوا أكبر منه سناً ، في غرفته في دار الحديث ,وكانت في النحو والصرف والبلاغة والفقه ، وكان قبلها يلقي درساً عاماً بين العشاءين ، وهو في الثالثة عشرة من عمره ، ولم يكن قد نبت شعر الرجولة في وجهه بعد .

ثم بعد انتهاء خلوته التي أشرنا إليها وعودته من مصر ، بدأ التدريس العام وهو في الثلاثين من عمره ، بشكل منتظم استمر حتى نهاية حياته . ويمكن تصنيف هذه الدروس في ثلاثة أنواع من حيث الهدف منها وطريقتها ومادتها .

1- النوع الأول منها : هو الدروس الخاصة التي كان يلقيها في غرفته في دار الحديث ، والتي كان يؤمها من طلاب العلم مَن يقصد دراسة كتاب خاص , أو الإلمام بعلم من العلوم على الشيخ ، وكان هؤلاء من أجناس وطبقات ودرجات وأعمار متفاوتة ، كان بعضهم من علماء وشيوخ البلد ، وبعضهم شباناً من رواد المعرفة .

وكان الشيخ يُدرِّس إلى جانب العلوم الشرعية وتوابعها ، علم الحساب والهندسة والجبر والفلك ، وكانت توجد أمامه على منصة التدريس ، أشكال الهندسة من كرة واسطوانة ، ومخروط وهرم و موشور ، كما كان يلقي بعض الأبحاث في الكيمياء والعلوم الطبيعية ، وكان له اهتمام بالاطلاع على كل جديد في هذه العلوم .

2- النوع الثاني من دروس الشيخ : هو درسه العام ، الذي كان يلقيه في المسجد على جمهور كبير من العامة والخاصة ، وكان يبدؤه غالباً بحديث نبوي شريف من صحيح البخاري ، ثم يشرحه ويلم بجوانبه وبكل ما يتصل به من علوم ، وكان الشيخ ينتخب موضوع الدرس مما له علاقة بحال الناس في ذلك الوقت ،وكان في درسه ذاك جهوري الصوت ،حتى قيل إن الداخل من باب المسجد على سعته يسمع صوته وظل كذلك حتى وفاته رحمه الله .

وكثيراً ما حضر هذا الدرس أجلة علماء دمشق ، ومَن يزورها من علماء الأقطار الإسلامية الأخرى ، فكانوا يخرجون معجبين مُكْبرين ، قال الشيخ رشيد رضا من علماء الأزهر يصف هذا الدرس ( إنه دائرة معارف سيارة ) , وقال الشيخ محمود العطار أحد كبار علماء دمشق وتلميذ الشيخ ( لو كُتب درسه بالحرف الواحد لبلغ جزءً لطيفاً بلا شك ) .

بدأ هذا الدرس في جامع السادات ، ولما كثر الناس وضاق بهم المسجد ، انتقل إلى جامع سنان باشا ، ثم أوكل إليه تدريس الحديث الشريف في الجامع الأموي في زمن الوالي ( مدحت باشا ) سنة 1880م / 1298هـ , وافتتح درسه باحتفال حضره أعيان العلماء ورجال الدولة والوالي وغيرهم .

3- النوع الثالث من دروس الشيخ : هو دروسه العامة ، التي كان يلقيها في داره التي تُفتح للوافدين من بعد صلاة المغرب إلى ما بعد العشاء بقليل ، يدخلها من يشاء , وكان يحضرها عدد من الطلبة وكثير من العامة .

هذه هي الأنواع الثلاثة من دروس الشيخ التي كانت تستغرق معظم وقته ، حتى قيل إن أخاه الشيخ بهاء الدين كان يتولى أمور منزله ، وينصرف هو إلى التدريس .

لقد كان العلم والتعليم ديدن الشيخ في حياته كلها ، أينما كان وحيثما حلَّ ، فقد كان طلبة العلم والعلماء يتوافدون عليه للاستفادة من علمه ، ولأخذ الإجازة عنه ، هذا ما كان من شأنه في رحلة الحج في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة ، حيث لم يبق ممن وُجد من العلماء فيهما أحد إلا وزاره مستفيداً ، أو متبركا ،ً أو مستجيزاً .

وكان إلى جانب تفوقه في العلوم الشرعية والعقلية كلها ، ذا قدم راسخة في علم التصوف والأخلاق والسلوك إلى الله تبارك وتعالى ، وصاحب حالٍ عظيمة مع ربه عز وجل ، متمتعاً بصفاء روحي ونفسي راقٍ وعجيب .

بعض مظاهر من سلوكه وأدبه في تربيته :

كان رحمه الله يُعنى بنشر السنة الشريفة عناية كبيرة ، ويحمل نفسه ومَن استطاع التأثير عليه من الناس ، على العمل بكل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم .

وكان يسلك سبيل الحكمة في تربية النفوس ، ويتجنب سبيل العنف والقسوة ، ومن وسائله التذكير والتعريض في الغالب ، والتصريح والخطاب أحياناً ، لكنه لم يكن يقابل أحداً بما يكره ، وكان يربي مريديه بالنظر دون الكلام ، ويتحين الفرص والمناسبات ، ويترك المجال للزمن ليمارس دوره في تربية النفس ، ويرى أن إعطاء الأسوة من نفسه من أفضل طرق النصح ، وأن القدوة ولسان الحال من أحسن الوسائل للتأثير ، ومن هنا لم يكن يشترط ابتداءً شروطاً خاصة على حاضري دروسه وملازميه .

وكان رضي الله عنه كثير التشجيع للشبان الذين يتوسم فيهم الاستعداد العلمي ، كثير التلطف معهم ، يُوسِّع لهم في المكان إذا دخلوا ، ويشير إلى مَن حوله ليكرموهم ويقربوا مجلسهم ، ويوصي بهم خيراً ، ويبين لهم ما ورد في فضل الشاب الصالح الناشئ في طاعة الله تعالى .

وكان رحمه الله يجثو في درسه العام على ركبتيه ، أدباً مع الحديث الشريف وذكر الله تعالى ، لا يتحرك ولا يضطرب في جلسته ، ولم يكن يتكلم قط بكلام الدنيا في المسجد مهما عظم شأن مَن يكلمه ، بل كان يأخذ بيده ويصافحه ويبتسم له حتى يخرجا من المسجد .

ملامح من شخصيته (صفاته وأخلاقه ) :

وأحب هنا ، قبل أن أنقل لكم شذرات من صفاته ، ومحامده الخُلقية والسلوكية السامية أن أبين لكم مشاعري ، تجاه هذا الجانب العظيم في السيرة المباركة لحياة الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى ورضي عنه .

لقد أعجبت في شخصية الشيخ ، بذكائه الحاد وعقله الكبير ، ووقفت مندهشاً ومُكْبراً أمام علمه الغزير ، وإطلاعه الواسع ، وتنوع معارفه وعلومه ، بل وتفوقه وسبقه فيها بحيث كان المختصون في كل علم منها ، يعترفون له بتقدمه عليهم فيها ، لكن رسالة العالم الوارث لهدي النبوة وأعمالها ،لا تتوقف فقط على مقدار ما يحصله من علم ، وما يختزن فكره من معرفة ، وإنما رسالة العالم وتأثيره في الناس ، وتحويل حياتهم إلى ما يرضي الله تبارك وتعالى ، لا يكون إلا إذا تجسدت تلك العلوم والمعارف في أخلاق ربانية عالية،وتحولت إلى سلوك إسلامي رفيع المستوى ويصحب كل ذلك إخلاص عميق لله عز وجل ، عندئذٍ تغدو كلمات الشيخ وتوجيهاته نوراً يبدد الظلام ، ونفحات رخية ندية تتفتح لها العقول ، وتنشرح بها النفوس والصدور .

ولقد غمرتني – وأنا أطالع هذا الجانب في شخصية الشيخ – مشاعر من الأنس والإشراق والتأثر الشديد ،وقلت في نفسي ، هذا ما يحتاجه المسلمون في هذا العصر وفي كل عصر ، وهذا هو السر الكامن وراء كل تأثير ونهضة وتغيير ، أجراه الله على أيدي العلماء والدعاة والقادة ، في أي مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي الطويل .

أما صفات الشيخ الخِلقية الجسدية ، فقد كان رحمه الله ربعة من الرجال ، نحيلاً وفي وجهه نور تبدو عليه آيات النجابة والمهابة ، وكان قوي بنية الجسد لم يشكُ مرضاً في حياته سوى مرة أصيب فيها باليرقان في شبابه ، وكذلك مرض قبيل وفاته ولم يستعمل نظارة للقراءة أبداً ، وظل جهوري الصوت حتى النهاية .

وأما محامده الخُلقية ، فقد اقتفى فيها خطى النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان صادقاً صان لسانه عن الكذب ، وكان صريحاً في الحق لا يخشى فيه لومة لائم ، ولا يقعد عن نصرته ما لم يرَ الحكمة والإقتداء بالسنة الشريفة ، تقتضي التغاضي وانتظار الفرص بعيداً عن المداهنة والملق .

كان قليل الكلام طويل الصمت ، دائم التفكير فلم يكن يتكلم فيما عدا التعليم والإرشاد وذكر الله تعالى ، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم إلا بما تدعو إليه الضرورة , لقد صان لسانه من ذكر أعراض الناس ، فما اغتاب أحداً في حياته ، وما كان أحد يجرؤ على ذكر أحد بغيبة في مجلسه ، وإن فعل طلب إليه الكف بلطف كائناً مَن كان القائل ، ولم يكن يشتم أحداً وكانت غاية تأنيبه إذا غضب أن يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله فيكمل الشيخ كلامه ويقول يابا ....ويُتبعها بسؤال استنكاري موجز ، ولم يُعرف عنه أن ضرب صغيراً أو غيره أو تكلم مع أحد بما يسوؤه .

وكان شديد الورع ، فمن ذلك أنه لم يكن يفتي أحداً بحكم فقهي في المعاملات خاصة إلا فيما ندر ، بل كان يحيل السائل إلى كتاب أو تلميذ من تلاميذه .

وكان عظيماً في تواضعه , لا يرى لنفسه فضلاً على أحد ، في علم أو صلاح أو غير ذلك وكان يقول ( التواضع أن ترى نفسك دون كل جليس ) كان إذا مدحه أحد بحضرته ينهاه عن ذلك ، إذ يَعدُّ نفسه من الخاطئين ، ومن أكثر الناس حاجة إلى عفو ربه .

ومن تواضعه رحمه الله ، أنه كان يُؤنس المساكين والفقراء ، وكان يزورهم أحياناً يخالطهم كأنه دونهم ، يهش لهم ويسألهم عن أحوالهم ، يقف لهم إن استوقفوه ، ويطلب منهم الدعاء له ، ومن ذلك أنه يزور مدارس الصغار ، ويدخل عليهم ويمسح رؤوس الأيتام منهم ، ويسألهم ومعلميهم الدعاء ، وكان يزور السجون ويدخل على السجناء ، فيحييهم ثم ينصح لهم ، ويعظهم بالحسنى ، ويدعو المظلوم منهم للصبر , فيزيل ما بهم من كرب ، وكان هؤلاء يكنون له الاحترام والمحبة .

ومن تواضعه ، أنه كان يجلس لدروسه في المدرسة أو البيت قرب باب الغرفة لا يحب أن يتصدر المجلس ، وكان يطلب الدعاء من كل إنسان .

كان عالي الهمة ، لا يُمكِّن أحداً من خدمته ، ولم يستعن في حياته بأحدٍ ولا بالعصا .

وكان صابراً محتسباً عند المصائب والأزمات ، ومن أمثلة صبره ما جرى في مرضه الأخير فقد كان متعباً متألما ً، وكان يتابع دروسه وعبادته حتى قبيل وفاته بقليل ، لقد أدى نافلة الضحى قبل أن يُسلم روحه بوقت قصير .

كان ذاكراً لله تعالى على كل حال ، مُكثراً من الصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم .

وكان رحمه الله نظيفاً في ملبسه ومأكله ومجلسه ، ومع ذلك كان زاهداً مختاراً للزهد ، فقد أقبلت عليه الدنيا لكنه اعتزلها ، ونفر من شهواتها رغم أنه كان ميسور الحال فقد ترك له والده ثروة حسنة ، ولو شاء أن يعيش مترفاً لكان له ذلك .

ابتعد عن الوظائف والمناصب وجاهها على تهافتها عليه ، وكان رحمه الله لا يزور الحكام بل يزورنه ، وإذا قصدهم بمصلحة عامة أو بشفاعة خاصة ، أرسل بعض تلاميذه إليهم يبلغهم رسالته ، وكانوا يتلقون ذلك بالاحترام والقبول .

كان كريماً يبالغ في إكرام ضيوفه ، ويُهدي كثيراً منهم شيئاً مما يؤكل يحملونه إلى أهلهم وبلادهم إن كانوا غرباء .

لم يكن يسأله أحد شيئاً إلا أعطاه ، وإذا أحسَّ بأحد حاجة ولم يذكرها له ، تحيَّن انفراده به فيعطيه وقد كفاه الأذى .

وكان للشيخ رحمه الله صدقات خفية ، لا يعلمها إلا نفر قليل من خُلَّص تلاميذه ، يرسلها إلى أصحابها من طريقهم ، ولم يُروَ عنه أنه جمع مالاً أو ادخره .

هذه بعض من أخلاق الشيخ مع الناس ، فكيف كانت أخلاقه مع أسرته وأهله ؟

كان الشيخ يعامل أهله مقتدياً بما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) فكان يرشدهم بالمعروف ، وبالتي هي أحسن فلا يضرب ، ولا يشتم ولا يدعو بسوء ، وينهاهم عن ذلك أيضاً , فإن غضب لشيء قطَّب جبينه ، أو حذر بعبارة قصيرة أو حوقل ، وربما علّل غضبه وبيَّن رأي الشريعة في ذلك .

كان يأكل مما يشتهيه أهله ، ويُوسِّع عليهم في حاجاتهم ، ويلبي رغباتهم إن رغبوا في طعام أو حلوى أو غيرها عملاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال ( إن أفضل دينار أنفقه رجل على عياله أو على دابته في سبيل الله أو أنفقه على أصحابه في سبيل الله ) . كان الشيخ وصولاً لرحمه ، محافظاً على حقوق الرضاع لا يتأخر عن صلتهم بزيارة أو هدية أو إكرام بمال أو قضاء حاجة مهمة .

وكان الشيخ يحب زيارة أهل التقوى والصلاح ، وأكثر مَن يزور من الناس البسطاء , وربما زار بعضاً من أصحاب الملل والأديان الأخرى ، ومن المشهور عنه زيارته لحي النصارى أيام الثورة على الفرنسيين ، وقد جاءت زيارته في وقت أشيع فيه من قِبل أعداء البلاد أن الثوار ينوون الاعتداء على الحي و أهله.

لقد كان الشيخ كثير التودد إلى الناس كافة ، وعظيم الاهتمام بأمورهم قريبهم وبعيدهم مسلمهم وغير مسلمهم ، حريصاً على نفعهم ، يمشي في حوائجهم ، فيشفع للمظلوم منهم عند أولي الأمر ، ويقضي ما استطاع قضاءه من أمورهم ، وكثيراً ما تكون متصلة بالحكام فيكتب كتاباً لمن يهمه الأمر، يرجوه حلَّ المشكلة ، كما فعل مع رجل نصراني من قرى بعلبك ، جاء متلهفاً للشيخ ليشفع لابنه الوحيد ، الذي فرَّ من الخدمة العسكرية أثناء الحرب العالمية الأولى ، وحكم عليه المجلس العسكري بالإعدام , فأرسل الشيخ كتاباً مع بعض تلامذته ، إلى الوالي جمال باشا العثماني ، وقد أثبت فيه حديثاً نبوياً شريفاً عن فضل العفو عند المقدرة ، وكان لهذا الكتاب وقعه وأثره في نفس الوالي ، حيث أصدر أمراً بالعفو عن ولد ذلك الرجل ، وعن كل محكوم بالإعدام معه .

كان رحمه الله يُقدم المعروف , ويحث عليه قولاً وعملاً ، وكان إذا أدى إليه أحد معروفاً قابله بما يزيد عليه ، مقتدياً في ذلك بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم .

وكان رحمه الله إلى ذلك كله يلتهب غيرة على العالم الإسلامي ،فكان يكتب إلى ملوك وأمراء الدول الإسلامية هنا وهناك ، يحثهم على العدل وإقامة الحق ، ويبين لهم سوء المغبة ، بترك الشريعة والاسترسال مع الأهواء .

وهنا لابد أن نسجل للشيخ رضي الله عنه ، منقبة من أعظم مناقبه ، وهي مشاركته في مقاومة المستعمر الفرنسي ، وحث الناس على ذلك ، ولا نبالغ إذا قلنا كان الشيخ الأب الروحي للثورة السورية على الاحتلال الفرنسي ، لقد كان يُغذي الثورة من كل وجوهها وسائر أطرافها ، ويرى فيها صورة الجهاد المفروض على المسلمين ، وهو الذي كان يطوف المدن السورية ، متنقلاً من بلدة إلى أخرى ، حاثاً على الجهاد وحاضاً عليه ، وكانت جملته الصريحة في ذلك : (الجهاد فرض عين على كل من يستطيع استعمال السلاح ) وكان يلقى الثائرين دائماً ، ويزودهم بنصحه ويغذيهم بفكره ورأيه .

كرامات الشيخ :إن رجلاً كان على هذه الدرجة العالية من العلم ، وعلى هذا القدر العظيم من العمل والسلوك ، لابد أن يكون له منزلة سامية عند ربه عز وجل ، ولعل من الإشارات التي توضح ذلك ، تلك الكرامات التي أجراها الله تبارك وتعالى على يديه رضي الله عنه وهي أعطيات وهدايا ، يُكرم الله بها من يشاء من عباده الصالحين ، من غير سعي لها منهم ، بل هي منة وفضل منه سبحانه وتعالى ، يفرحون بمُرسلها ومُهديها رب العالمين ، ويشكرونه على إكرامه وإنعامه، وكنا نود أن نذكر بعضاً منها لولا خوف الإطالة في هذا المقال .

وفاته وتشييعه :

توفي الشيخ رحمه الله تعالى يوم الجمعة في 28 حزيران عام 1935 للميلاد الموافق 27 ربيع الأول عام 1354 للهجرة ، عن عمر ناهز الخامسة والثمانين ، وذلك بعد حادثة وقع فيها استمرت آثارها أربعة أشهر ، وأعقبها ألم حاد في أمعائه ، أنهك جسمه وزاد من معاناته ، إلى أن اختاره الله تبارك وتعالى إلى جواره ، وكان قد صلى نافلة الضحى ، وشيعته دمشق في موكب رسمي وشعبي مهيب لم تشهد له مثيلاً من قبل ،

ووري الثرى في مقبرة الباب الصغير ، ثم تعاقب الخطباء من كبار العلماء ورجال الدولة يؤبنونه ويعددون مناقبه ومآثره .

رحم الله الشيخ بدر الدين ، وأعلى مقامه في جنان الخلد ، وجمعنا به مع أشياخنا وأحبابنا في مستقر رحمته ، تحت لواء سيد المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وجعل في الأمة الإسلامية الكثير من أمثاله ، إنه سميع مجيب وهو على كل شيءٍ قدير.


نقلاً عن موقع صدى زيد
http://www.sadazaid.com/home/play.php?catsmktba=237



التعديل الأخير تم بواسطة طالبة الجنة ; 24-04-2008 الساعة 10:52 PM.
التوقيع:

حتى الشموع نفدت
لكن إصراراً على الكرامة والعزة لن ينفد لأنه مدد من عند الله
{مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }النحل96

طالبة الجنة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 25-04-2008, 09:47 AM   رقم المشاركة : [24 (permalink)]
عضو متميز
الصورة الرمزية المبرمج الصغير
 

المبرمج الصغير يستحق التميز

ججزاك الله خيرا



التوقيع:
من مواضيعي
مكتبة برامج الملتقى العام للحاسب الالي
الصيام والشفاء
روائع سورة الكهف
المبرمج الصغير غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 27-04-2008, 03:02 AM   رقم المشاركة : [25 (permalink)]
عضو فعال
الصورة الرمزية HaMooooDi
 

HaMooooDi يستحق التميز



التوقيع:
Eng HaMooooDi
Industrial Engineering is The Best
HaMooooDi غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-05-2008, 11:14 PM   رقم المشاركة : [26 (permalink)]
مشرف متميز
الصورة الرمزية وردة الجنة
 

وردة الجنة متميز جداًوردة الجنة متميز جداً

موضوع قيم جدا جدا
وغاية في الاهمية
أشخاص كان لهم اثرهم ورغم ذلك لم اكن اعرف الكثير منهم
بورك فيكم وجزاكم الله خير
وزاد الله هذه الامة من العلماء الصالحين فهي خير أمة



التوقيع:





~~هل تريد الربح~~
إلا رسول الله
وردة الجنة غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-05-2008, 03:47 AM   رقم المشاركة : [27 (permalink)]
عضو
الصورة الرمزية مهندس مصرى جدا
 

مهندس مصرى جدا يستحق التميز

مشكور اخي جزاك الله خيراً



مهندس مصرى جدا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 16-05-2008, 03:47 AM   رقم المشاركة : [28 (permalink)]
عضو
الصورة الرمزية مهندس مصرى جدا
 

مهندس مصرى جدا يستحق التميز

مشكور اخي جزاك الله خيراً



مهندس مصرى جدا غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 24-06-2008, 11:56 PM   رقم المشاركة : [29 (permalink)]
عضو متميز
الصورة الرمزية م عامر
 

م عامر يستحق التميز

السلام عليكم
موضوع رائع ... وبالتأكيد تثبيته خطوة صحيحة للفائدة
شكراً لكم ولجميع من ساهم بابراز هذه المجموعة الرائعة من الدعاة إلى الله ..
جعلنا الله واياكم منهم ... ورزقنا مثل أجرهم
بارك الله بكم ... وجزاكم كل الخير



التوقيع: -----
الحمد لله الذي أكرمنا بنعمة الإسلام
{قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} (109) سورة الكهف
أللهم ارزقنا نعمة الرضى واجمعنا مع الحبيب المصطفى في جنات العلى
-----
موقع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
مواقع من تصميمي
www.somsar.com
www.ocean-grp.com
www.droubinet.com
www.carsy.com
م عامر غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
رد

مواضيع مميزة :

الكلمات الدلالية (Tags)
الله, الدعوة, صالحة, صبر, إلى, إخلاص, وقدوة


أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة