الفصل الثالث: زَكاة النّقد
تجب الزكاة بإجماع الفقهاء في نقود الذهب والفضة وسبائكها إذا تحققت فيها شروط وجوب الزكاة.
كما تجب الزكاة في المَضْروب، من الذهب والفضة، ولو خالطه معادن أخرى بنسبة قليلة، لأنه لا عبرة للمغلوب. ويعتبر المغشوش قليلاً كالخالص. وإن كان مخلوطاً بنسبة كبيرة يقوّم كالعروض، إلا إذا كان يخلص منه ما يبلغ نصاباً، أو أقل وعنده ما يتم به النصاب، أو كان أثماناً رائجة وبلغت من أدنى نقد تجب زكاته، فتجب الزكاة وإلا فلا.
نصاب الذهب والفضة:
نصاب الذهب عشرون مثقالاً (1)، ودليل ذلك ما روي عن علي رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون ديناراً، فإذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول ففيها نصف دينار)(2).
ونصاب الفضة مائتا درهم (3)، ودليل ذلك ما روى جابر رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (ليس فيما دون خمس أوراق (4) من الوَرِق (5) صدقة)(6).
والعبرة للوزن إذا كان كل صنف على حدة بلغ نصاباً، أما في ضم الذهب إلى الفضة فالعبرة للقيمة، إذ يجوز ضم أحد النقدين إلى الآخر، بل يجب إذا لم يكن لكل منهما نصاب لإتمام النصاب، لأنهما من حيث الثمنية شيء واحد.
وإذا كان لكل منهما نصاب أدى منهما بغير ضمّ. ولو أراد صاحب نصابين مختلفين ضمهما ليدفع الزكاة من نوع واحد، جاز بشرط أن يكون الضم لمصلحة الفقير.
وتضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة حتى يتم النصاب كما يضم الذهب إلى الفضة. ويكون الضم باعتبار الأجزاء عند الصاحبين وباعتبار القيمة عند الإمام، فلو كان لدى شخص نصف نصاب من الفضة وربع نصاب من الذهب، فعند الإمام يضم باعتبار القيمة وتجب الزكاة، وعند الصاحبَيْن يضم باعتبار الأجزاء فلا تجب الزكاة.
------------------------
(1) أي ما يعادل (100) غ ذهباً.
(2) أبو داود: ج 2 / كتاب الزكاة باب 4/1573.
(3) أي ما يعادل (700) غ فضة.
(4) أوَاق: جمع أوقية، وهي أربعون درهماً.
(5) الوَرِق: وهو الفضة.
(6) مسلم: ج 2 / كتاب الزكاة /6.
------------------------
مقدار الزكاة في النقدين:
الواجب في الذهب والفضة ربع العشر مطلقاً، وما زاد على النصاب فاختُلِف فيه:
1 - قول الإمام أبي حنيفة: لا تُدفع الكسور حتى تبلغ خمس النصاب، أي أربعين درهماً في الفضة وأربعة مثاقيل في الذهب. وذلك لما روي عن الحسن البصري قال: "كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري - رضي اللّه عنهما -: فما زاد على المائتين ففي كل أربعين درهماً درهم"(1).
2 - قول الصاحبين: ما زاد على النصاب فبحسابه قل الزائد أو كثر، لما روي عن علي رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (هاتوا ربع العشور، من كل أربعين درهماً درهم. وليس عليكم شيء حتى تتم مائتي درهم، فإذا كانت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك...)(2).
والعبرة عند الدفع للوزن إن كان دفع من جنس النصاب، وللقيمة إن دفع من غير جنسه أو في حالة ضم الجنسين لبعضهما.
------------------------
(1) الجوهر النقي (بذيل السنن الكبرى للبيهقي): ج 4 / ص 135.
(2) أبو داود: ج 2 / كتاب الزكاة باب 4/1572.
------------------------
زكاة الحَلْي وأدوات الاستعمال المتخذة من الذهب والفضة:
تجب الزكاة في الحلي وأدوات الاستعمال المتخذة من الذهب والفضة مطلقاً، سواء أكانت مباحة أو محرمة الاستعمال، متى بلغ المملوك منها نصاباً. وذلك لما روي عن أم سلمة رضي اللّه عنها قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أكنز هو؟ قال: (ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز)(1).
والعبرة فيه لوزن الذهب الصافي أو الفضة لا القيمة. مثلاً: من كان عنده إبريق من الفضة وزنه (150) غ وقيمته مائتين فلا زكاة عليه.
------------------------
(1) البيهقي: ج 4 / ص 140.
------------------------
سبب وجوب الزكاة فيها:
الثمنية التي تجعلها محلاً للنَّماء، فاقتناؤها يوجب الزكاة. والدليل على ذلك ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مَسَكَتان (1) غليظتان من ذهب. فقال لها: (أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا. قال: أيسرك أن يسوركم اللّه بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وقالت: هما للّه عز وجل ولرسوله)(2).
------------------------
(1) المَسَكَتان: بالتحريك تثنية مَسَكَة، وهي هنا السِّوار.
(2) أبو داود: ج 2 / كتاب الزكاة باب 3/1563.
------------------------
زكاة اللآلئ والجواهر:
لا تجب الزكاة في اللآلئ والجواهر وإن بلغت قيمتها آلافاً، لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا زكاة في حجر)(1) إلا أن تكون للتجارة ففيها الزكاة، لما روي عن سعيد بن جبير قال: "ليس في حجر زكاة إلا ما كان لتجارة من جوهر ولا ياقوت ولا لؤلؤ ولا غيره إلا الذهب والفضة"(2).
------------------------
(1) البيهقي: ج 4 / ص 146.
(2) البيهقي: ج 4 / ص 146.
------------------------
زكاة الأوراق النقدية:
المعتمد هو أن تدفع الزكاة مطلقاً عن الأوراق النقدية سواء كانت تحت يد صاحبها أو مُوْدَة في المصارف.
وسبب وجوب الزكاة فيها أنها سدَّت مسدّ النقدين في التعامل والرواج فأخذت حكمهما في وجوب الزكاة، ولأن وجوب الزكاة في النقدين هو لخاصة الثمنيَّة، فإذا وجدت في غيرهما كالأوراق النقدية أخذت حكمهما في وجوب الزكاة.
ويجب فيها ربع العشر كما في الذهب والفضة.
زكاة المعدن والرِّكاز:
الرِّكاز: لغة: الإثبات.
وشرعاً: مال مركوز تحت الأرض سواء كان بخلق اللّه من كل معدن منطبع (1)، أو كان مما كنزه الكفار في أرض عشرية أو خراجية أو مَفَازة أو جَبَل، وجده مسلم أو ذمي.
------------------------
(1) المنطبع: القابل للطرق والصفح.
------------------------
مقدار زكاة الركاز:
1 - إن كان من دَفْن الجاهلية ففيه الخمس، يدفع لبيت مال المسلمين، لما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (... وفي الركاز الخمس)(1). والباقي لمالك الأرض إن وجد أو ورثته أو لبيت مال المسلمين. أما إن وجد الركاز في صحراء أو مفازة فالباقي عن الخمس لواجده ولو كان ذميّاً.
وأما المعدن (2) فلا شيء فيه إن وجده في داره أو حانوته عند الإمام أبي حنيفة وقالا فيه الخمس. وإن وجده في أرضه فهناك روايتان عن الإمام؛ فعلى رواية الأصل لا شيء فيه وعلى الرواية الأخرى - وهي موافقة لقول الصاحبين -: هناك فرق بين الأرض والدار ووجهه أن الدار لا مؤنة فيها أصلاً فلم تخمس فصار الكل للواجد بخلاف الأرض فإن فيها مؤنة الخراج والعشر فتخمس. والأخذ بهذه الرواية أوْلى.
وليس للحَرْبي شيء من الركاز إن استخرج بغير إذن الإمام، فإن كان بإذنه فله ما شرط فيه.
2 - إن كان الركاز من دفن المسلمين، كأن يكون عليه طبع يدل على أنه بعد الإسلام، فحكمه حكم اللُّقَطَة (3).
3 - إن لم تظهر عليه أية علامة اعتبر من دَفْن الجاهلية.
4 - إن وجد الكنز في أرض الكفار أو صحرائها فلا يخمَّس، بل هو لواجده كله ولو كان مستأمناً. أما إن وجده في أرض مملوكة رده إلى مالكه تحرزاً من الغدر، فإن هرب به مَلَكه مُلْكاً خبيثاً سبيله التصدُّق.
5 - إن وجد الفيروز والياقوت والزمرد في جبل أو مفازة أي في مواضعها، فليس فيها شيء، فإن كانت من كنز الجاهلية ففيها الخمس لكونها غنيمة.
------------------------
(1) البخاري: ج 2 / كتاب الزكاة باب 65/1428.
(2) خرج بقولنا المعدن الكنز فإنه يخمس ولو وجده في أرض مملوكة لأحد أو في داره.
(3) اللقطة إن لم يعرف صاحبها بعد سنة من تعريفها والمناداة عليها، فإن كان الملتقط فقيراً انتفع بها على شرط الضمان، وإن كان غنياً تصدق بها على شرط الضمان أيضاً إن ظهر صاحبها ولم يُجِزِ الصدقة.
------------------------
مصارف الزكاة:
هي مصارف الغنائم رغم أن الركاز أُلحق بالزكاة. وبناء على هذا يجوز للواجد أن يصرف الخمس على نفسه أو ولده إن كان فقيراً بحيث تكون أربع أخماس دون النصاب.
أما ما يستخرج من البحر سواء أكان لؤلؤاً أم ذهباً مدفوناً في قاع البحر، فليس فيه شيء. لما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: "ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء دسره البحر"(1).
------------------------
(1) البيهقي: ج 4 / ص 146.
------------------------
الفصل الرابع: زَكاة العروض التجارية
أجمع الفقهاء على وجوب الزكاة في عروض التجارة مهما كان نوع المال المُتاجر به، لأن التجارة تجعل المال نامياً، وهي علة وجوب الزكاة، ولحديث سَمُرَة بن جُندب رضي اللّه عنه قال: (أما بعد، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمرنا أن نُخرِج الصدقة من الذي نعد للبيع)(1).
------------------------
(1) أبو داود: ج 2 / كتاب الزكاة باب 2/1562.
------------------------
شروط وجوب الزكاة:
1 - أن تبلغ قيمة المال المتاجَر به نصاباً من ذهب أو فضة.
2 - أن تُملك بعقد مُعاوَضَة، فلو تملكها بإرث فلا تجب فيها زكاة العروض حتى يتاجر بها فعلاً، لما روي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: "ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة"(1).
3 - أن ينوي التجارة بها عند الشراء.
------------------------
(1) البيهقي: ج 4 / ص 147.
------------------------
كيفية إخراجها:
يمكن ضم جميع العروض التجارية إلى بعضها وتقوَّم قيمتها بأحد النَّقدين، فإن بلغت نصاباً وجبت فيها الزكاة. وتُقوَّم بالأصلح للفقراء أو بالنَّقد الغالب. وروى البيهقي بسنده عن أبي عمرو بن حماس أن أباه حماس (كان حماس يبيع الأدم والجعاب) قال: "مررت بعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وعلى عنقي آدمة أحملها فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقلت يا أمير المؤمنين ما لي غير هذه التي على ظهري وآهبة في القرط فقال: ذاك مال فضع. قال: فوضعتها بين يديه فحسبها. فوجدت قد وجبت فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة"(1).
------------------------
(1) البيهقي: ج 4 / ص 147.
------------------------
زكاة المباني المؤجرة:
لا زكاة في المباني المؤجرة التي لم يقصد بها التجارة، وإنما تجب الزكاة على الأجرة إذا حال عليها الحول أو ضمت إلى النصاب الموجود عند المالك.
زكاة المصانع:
لا زكاة على الآلات المستعملة في المصنع، لأنها ليست للتجارة، وإنما تجب في المواد كالخيوط والحديد المعدة للبيع وغيرها (1).
------------------------
(1) ورد في مجلة لواء الإسلام تحت عنوان: (الزكاة والنظام الاجتماعي) للإمام أبي زهرة: ما يلي: يلحق بزكاة المحاصيل الزراعية زكاة المباني المؤجرة باعتبار أن علة وجوب الزكاة هو النَّماء. والمحاصيل الزراعية تدفع العشر أو نصف العشر من الخارج من الأرض أي مما كسبَتْه الأرض، فإن المباني المؤجَّرة والمصانع تنتج أرباحاً كبيرة (تحقق النماء) لذا فقد أوجب الفقهاء المُحْدثون الزكاةَ على المباني ودور السكن المؤجَّرة والمصانع (وذلك خلافاً للمذهب).
والمقدار الواجب فيها هو نصف العشر، ويُدفع يوم القبض {وآتوا حقه يوم حصاده}.
نقلاً عن محاضرات في الفقه الإسلامي العام / د. فوزي فيض اللّه.
------------------------
الباب الثالث (مصارف الزكاة).
حدّد اللّه تعالى الأفراد الذين يستحقون صرف الزكاة إليهم في ثمانية أصناف، وذلك في قوله تعالى: {إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل اللّه، وابن السبيل}(1).
وللمالك أن يعطي جميع الأصناف أو يقتصر على صنف واحد؛ لأن الزكاة حق اللّه تعالى، وهو الآخذ الفعلي لها، قال تعالى: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات}(2)، وروي عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قوله: "إن الصدقة تقع في يد اللّه قبل أن تقع في يد السائل. ثم قرأ عبد اللّه: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات"(3).
وقد استثني من الأصناف الثمانية المؤلفة قلوبهم وذلك بإجماع الصحابة قالوا: إن اللّه عز وجل أعز الإسلام فلا حاجة لتأليف القلوب عليه فقد انتهى الحكم بانتهاء علته.
------------------------
(1) التوبة: 60.
(2) التوبة: 104.
(3) مجمع الزوائد: ج 3 / ص 111، رواه الطبراني في الكبير.
----------------------
شرح الأصناف السبعة:
1 - الفقير (1): وهو الذي يملك شيئاً قليلاً لا يكفيه؛ أي الذي يملك ما لا يبلغ نصاباً، أو يملك نصاباً غير نامٍ مُسْتَغْرَقَاً في حوائجه (كثمن داره التي يسكنها، أو مصروفه) ولو كان صحيحاً مكتسباً. أما إن كان يملك نصاباً غير نامٍ غير مستهلكٍ فلي حوائجه الأصلية فلا يجوز إعطاؤه من مال الزكاة ولا يجب عليه دفع الزكاة، بل تجب عليه صدقة الفطر والأضحية.
2 - المسكين: وهو أدنى حالاً من الفقير، فهو الذي لا شيء له، قال تعالى: {أو مسكيناً ذا مَتربة}(2). وروي عن الإمام أبي حنيفة قوله الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل.
3 - العامل عليها: وهو الموظف على جبايتها وتوزيعها من قبل الإمام(3)، ولو هلك مال الزكاة في يده سقط حقه في الأجر. ويجوز للعامل ولو كان غنياً لأنه فرغ نفسه لهذا العمل فيأخذ عوض عمله ما يكفيه وأعوانه بشرط أن لا يتجاوز ذلك نصف ما جبى.
4 - الرقاب: وهم المكاتبون مكاتبة صحيحة فيعطون ما يعينهم على العِتق.
5 - الغارم: وهو المديون الذي لا يملك لدينه وفاء، والدفع إليه أفضل منه للفقير.
6 - في سبيل اللّه: وهم المنقطعون من الغزاة، أي الذين عجزوا عن اللحوق بجيش الإسلام لفقرهم بهلاك النفقة أو الدابة أو غيرهما فتحل لهم الزكاة.
7 - ابن السبيل: هو المنقطع عن أهله، البعيد عن ماله، فيعطي من الزكاة ما يوصله إلى أهله أو ماله.
------------------------
(1) الفقر شرط في جميع الأصناف إلا العامل والمكاتب وابن السبيل.
(2) البلد: 16.
(3) أما جُباة الجمعيات فيشترط فقرهم.
------------------------
الذين لا يجوز دفع الزكاة إليهم:
1 - بنو هاشم ومواليهم، لقوله صلى اللّه عليه وسلم: (إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد)(1)، ولما رواه ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لابني عمه: (لا يحل لكما أهلَ البيت من الصدقات شيء ولا غُسالة أيدي الناس، إن لكم في خمس الخُمُس لما يغنيكم أو يكفيكم)(2).
وقد روى أبو عصمة عن الإمام أنه يجوز الدفع إلى بني هاشم في زمانه لأن عوضها وهو خمس الخمس لم يصل إليهم.
2 - الأغنياء: لما روي عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا تَحِلّ الصدقة لغني ولا لذي مِرّة سوي)(3). كما لا تحلّ لولد الغني الصغير (دون البلوغ) ولا إلى ابنه الكبير المُقْعَد؛ أي الذي فرضت نفقته على أبيه (أما إذا كان قبل فرض نفقته فيجوز أن يعطى)، ولا إلى مملوكه، لأنهم أغنياء بغناه. بخلاف ولد الغني الكبير وزوجته وأبيه إن كانوا فقراء، فمن الأَوْلى جميع الأقارب الذين تجب نفقتهم على الغني إن كانوا فقراء فلا يعتبرون أغنياء بغناه.
والغني في الشرع ثلاث مراتب:
1 - غني يحرم عليه السؤال، ويحلّ له أخذ الزكاة: وهو أن يملك قوت يومه وستر عورته، أو كان صحيحاً مكتسباً، لما روى سهل بن الحنظلية رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (من سأل وعنده ما يغنيه، فإنما يستكثر من النار. فقالوا: يا رسول اللّه وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه)(4).
2 - غني يحرم عليه السؤال والأخذ، ويوجب عليه صدقة الفطر والأضحية: وهو أن يملك نصاباً غير نامٍ عن حوائجه الأصلية.
3 - غني يحرم عليه السؤال والأخذ، ويوجب عليه صدقة الفطر والأضحية والزكاة: وهو أن يملك نِصاباً كاملاً نامياً.
3 - غير المسلمين: فلا يجوز دفع الزكاة إلى ذميّ أو حَرْبي، لما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما بعث معاذاً رضي اللّه عنه إلى اليمن قال له: (فأخبرهم أن اللّه قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)(5).
أما الصدقات النافلة فيجوز أن تُدفع للذميّ بخلاف النذور والكفارات فلا يجوز دفعها عند أبي يوسف إلا لمسلم كالزكاة.
4 - فروع المُزكّي وأصوله كالأب والجد والأم والجدة، من الجانبين، والولد وولد الولد وإن سَفل. ويجوز إعطاؤها إلى من سوى ما ذكر كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات الفقراء، بل هم أولى لما فيه من الصلة مع الصدقة.
5 - زوجة المُزكي اتفاقاً، فلا يجوز للزوج أن يدفع زكاة ماله لزوجته لوجوب نفقتها عليه. واختُلِف في جواز دفع الزوجة زكاة مالها لزوجها فعند الإمام لا يجوز أن تدفع الزوجة زكاة مالها لزوجها ولو كان فقيراً، لأنه يعود بالنفع عليها، وهو القول المعتمد. وعند الصاحبين يجوز، وذلك لما روي عن زينب. فقال: (أي الزيانب؟ فقيل امرأة ابن مسعود. قال: نعم، ائذنوا لها. فأُذِن لها. قالت: يا نبي اللّه، إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود: أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقتِ به عليهم)(6).
------------------------
(1) مسلم: ج 2 / كتاب الزكاة باب 51/168.
(2) مجمع الزوائد: ج 3 / ص 91، رواه الطبراني في الكبير.
(3) أبو داود: ج 2 / كتاب الزكاة باب 23/1634.
(4) أبو داود: ج 2 / كتاب الزكاة باب 23/1629.
(5) مسلم: ج 1 / كتاب الإيمان باب 7/31.
(6) البخاري: ج 2 / كتاب الزكاة باب 43/1393.
------------------------
تعقيبات:
-إذا دفع المكلف الزكاة لرجل ظنه مستوفياً للشروط فقيراً أو مسكيناً، ثم تبين له خلاف ذلك، جاز وصحت الزكاة عند الإمام خلافاً لأبي يوسف، ودليل ذلك ما روي عن معن رضي اللّه عنه قال: كان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيته بها، فقال: واللّه ما إياك أردت، فخاصمته إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقال: (لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن)(1).
-لا يجوز دفع الزكاة لبناء مسجد أو إصلاح شارع، ولا يقضى بها دين عن ميت، ولا يُغسل منها ولا يُكفن.
-ما يأخذه البغاة (2) يسقط الخراج ولا يسقط الزكاة، لأنهم لا يصرفونها في مصارف الزكاة.
------------------------
(1) البخاري: ج 2 / كتاب الزكاة باب 14/1356.
(2) البغاة: هم الذين خرجوا على الإمام واستولوا على السلطة.
------------------------
الباب الرابع (صَدقة الفِطر).
حكمها ودليلها:
وهي واجبة، ولا يكفر جاحدها، بدليل ما روي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: (فرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدقة الفطر على الذكر والأنثى، والحر والمملوك، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير)(1). وهي ليست فرضاً، لأن معنى كلمة "فرضَ" في الحديث أمَرَ أَمْر إيجاب والأمر الثابت بدليل ظني يفيد الوجوب، ولأن الإجماع المنعقد على وجوبها ليس قطعياً لأنه لم يُنقل بالتواتر.
------------------------
(1) البخاري: ج 2 / كتاب صدقة الفطر باب 8/1440.
------------------------
الحكمة من تشريعها:
شرعت صدقة الفطر لجبر الخلل الواقع في الصوم، كما يجبر سجود السهو نقص الصلاة، وذلك لحديث ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: (فرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زكاة الفِطر طُهرة للصائم من اللَّغو والرَّفَث وطعمة للمساكين)(1).
كما شرعت للتوسعة على الفقراء والمساكين وإغنائهم عن سؤال الناس في يوم العيد، وذلك للحديث المتقدم ولقوله صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه عنه ابن عمر رضي اللّه عنهما: (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم)(2). كما أنها سبب لقبول الصيام لما روي أن: صوم شهر رمضان معلق بين السماء والأرض ولا يرفع إلا بزكاة الفطر.
------------------------
(1) أبو داود: ج 2 / كتاب الزكاة باب 17/1609.
(2) رواه الدارقطني وسنده ضعيف.
------------------------
سببها: رأس يَمُونُه ويَلي عليه.
شروط وجوبها:
1 - الإسلام: فلا تجب على الكافر ولو عن عبده المسلم. لكن يجب على المولى أن يدفع عن عبده الكافر لتحقق السبب وهو رأس يمونه ويلي عليه.
2 - الحرية: فلا تجب على العبد لأنه لا يملك، بل يجب على سيده أن يخرجها عنه.
3 - أن يملك مقدار نصاب خالٍ عن الدين وزائد عن حوائجه الأصلية، سواء أكان نامياً أم غير نام. ولا يشترط بقاء النصاب، فلو هلك النصاب بعد وجوبها لا تسقط عنه بخلاف الزكاة.
4 - أن يدركه فجر عيد الفطر، فمن مات قبل الفجر أو وُلِد بعده فلا تجب عليه صدقة الفطر.
ولا يشترط لوجوبها العقل والبلوغ، فتجب في مال الصبي والمجنون، وإذا لم يخرجها وليُّهما كان آثماً، ويجب عليهما دفعها للفقراء بعد الإفاقة أو البلوغ.
على من تجب زكاة الفطر:
تجب على كل من توفرت فيه شروط الوجوب، فتجب عن نفسه وعمن يَمُونُه، بدليل حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: (أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد ممن تمونون)(1). أي يجب أن يدفع عمن تقع عليه ولايته ومؤونته، فيدفع الأب عن ولده الصغير الفقير، وعن ولده الكبير الذي في عياله إن كان فقيراً ومجنوناً، وعن عبده ولو ذمياً.
ولا تجب على الزوج عن زوجته أو ولده الكبير الفقير العاقل، لكن إن دفعها ولو من غير إذنهما أجزأت بشرط كونهما في عياله.
ولا يجب على المكلف أن يخرجها عن أمه وأبيه ولو كانا فقيرين، إن أن يتبرع، أو كان أحدهما مجنوناً فقيراً فيدفع عنه لوجود المؤونة والولاية.
ويدفع الجَدّ عن أولاد ابنه القاصرين الفقراء عند موت أبيهم. ولا يدفع عن أولاد ابنته ولو فقراء.
وتدفع المرأة عن نفسها إن كانت غنية، ولا تدفع عن أولادها ولا عن زوجها.
------------------------
(1) الدارقطني: ج 2 / ص 141.
------------------------
مقدارها:
نصف صاع من القمح، أو صاع من زبيب أو تمر أو شعير.
ويجوز دفع القيمة وهي أفضل عند وجدان الفقير ما يحتاجه، بأن كان الزمن زمن خصب، لأن الحكمة منها إغناؤه. أما إن كان زمن شدة فإخراج العَيْن أفضل. ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي اللّه عنهما قال: (فرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من شعير أو صاعاً من تمر، على الصغير والكبير، والحُرِّ والمملوك)(1).
------------------------
(1) البخاري: ج 2 / كتاب صدقة الفطر باب 9/1441.
------------------------
وقتها:
أفضل وقت لإخراجها قبل الخروج لصلاة عيد الفطر، ويجوز إخراجها بعد دخول شهر رمضان، ولا يجوز تقديمها عنه، ويكره تأخيرها عن صلاة العيد، لما روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: (فرض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زكاة الفِطر طُهرة للصائم من اللّغو والرَّفث وطُعْمَة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات)(1). لكنها لا تسقط بالتأخير، ولو لم يؤدِّها ثبتت دَيْناً في ذمته يجب عليه دفعها، ولو أخرها حتى مات؛ فإن دفعها الورثة أو غيرهم أجزأت وبرِئت ذمته، وإن أوصى بها تُخرج من الثلث.
------------------------
(1) أبو داود: ج 2 / كتاب الزكاة باب 17/1609.
------------------------
منقول عن كتاب ( الفقة على المذهب الحنفي - كتاب الزكاة ) .
م . أبو بكر