دورة التحليل والتصميم

 

دورة منظومة إدارة المباني

 

 دورة Autodesk Revit Architecture

 

 

النظرية النسبية معادلات متفرقة

مراجع للاستزادة DREAMS OP A FINAL THEORY. Steven Wein6erg. Pantheon Books, 1992. THE END OF PHYSICS: THE MYTH OF A

صفحة 40 من 58 الأولىالأولى ... 3036373839404142434450 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 391 إلى 400 من 573
  1. [391]
    عضو متميز


    تاريخ التسجيل: Aug 2010
    المشاركات: 597
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0
    مراجع للاستزادة
    DREAMS OP A FINAL THEORY. Steven Wein6erg. Pantheon Books, 1992.
    THE END OF PHYSICS: THE MYTH OF A UNITED THEORY. David Lindley. Basic Books, 1993.
    THE GOD PARTICLE: IF THE UNIVERSE IS THE ANSWER, WHAT IS THE QUESTION? Leon Lederman and Dick Teresi. Houghton Mifflin Company, 1993.
    Scientific American, February 1994

    (1) الكواركات هي إحدى الأسر الرئيسية للجسيمات الأولية، وهي ذات تفاعلات قوية. و يسمح الميكانيك اللوني (الكروموديناميك) الكمومي quantum chromodynamics بوجود نحو 18 نوعا (نكهة) من هذه الكواركات، منها: الكواركات العلوية، السفلية، المفتونة، الذروية (القمة)، القعرية (القاع) والغريبة. ويرمز إليها على التوالي ب: u، d، c، t، b و s. وأول من أطلق هذا الاسم على الجسيمات، هو عالم الفيزياء النظرية <گيل ـ مان>. ويقال إنه استقاها من رواية الكاتب الإيرلندي جيمس جويس، الذي كان قد استخدمها ككلمة سرٍ من دون معنى. (التحرير)


    0 Not allowed!



  2. [392]
    عضو متميز


    تاريخ التسجيل: Aug 2010
    المشاركات: 597
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0
    الزمكان الكسوري (الفراكتلي)(1)
    تُعمِّم نظرية نسبية المقياس(2) مبدأ النسبية الذي أعلن عنه
    آينشتاين. وبذا يصير الميكانيك الكمومي نتيجة لنظرية النسبية.
    <L. نوتال>

    إننا نعتبر اليوم أن ما يقابل الفيزياء التقليدية (المألوفة) المهتمة بالظواهر الكبيرة المقياس، هو الفيزياء الكمومية، التي تعالج الظواهر المجهرية. وتهدف نظرية نسبية المقياس إلى وضع حد لهذا التعارض، وذلك باستنتاج الميكانيك الكمومي من تعميم مبدأ النسبية الذي يحكم الفيزياء التقليدية. إن هذا الاتجاه يغيّر بعمق إطار تفكيرنا: فهو يسير بالتوازي مع تعميم المفاهيم والأدوات الرياضياتية المستخدمة في الفيزياء.

    تعتبر نظرية النسبية العامة قمة الفيزياء التقليدية. وينص مبدأ النسبية ، الذي أعلن عنه ألبرت آينشتاين، على أن قوانين الطبيعة تنطبق على جميع النظم الإحداثية coordinates systems مهما كانت حركتها. ومن حقنا أن نتساءل عن طبيعة هذه القوانين، التي لا يمكن للفيزيائي سوى افتراض وجودها ومن ثم محاولة مقاربتها من خلال المعادلات.

    إننا نستخدم منذ عهد <I. نيوتن> الطريقة التفاضلية differential لوضع الظواهر الفيزيائية في معادلات: نفكك كائنا مركبا إلى أبسط أجزائه، فيتيح هذا التبسيط تقديم وصف محلي وتفاضلي يسمح، عقب المكاملة integration، بتعرّف الخواص الشاملة لهذا الكائن.

    وإذا كانت هذه الأجزاء أكثر تعقيدا أو مختلفة عن الكائن الأصلي، بدلا من أن تكون أبسط منه، فإن الطريقة المتبعة تفقد فعاليتها. ذلك ما يحدث في فيزياء الجسيمات: عندما ننظر إلى كائن ما بمسرّع جسيمات ـ الذي يعوّض المجهر بالنسبة لهذه المقاييس ـ تظهر بنى جديدة كلما ازداد مقياس التكبير. ويقوم الميكانيك الكمومي بوصف هذا السلوك. وهكذا فإن مبدأ النسبية «العامة» لآينشتاين، الذي يعتمد على قابلية المفاضلة، غير قادر ـ بحكم طبيعته ـ على توضيح الأفعال الكمومية المبنية على عدم قابلية المفاضلة.

    يُعمم مبدأُ نسبية المقياس مبدأَ النسبية (حسب آينشتاين) كما يلي: إن قوانين الطبيعة لا تنطبق على كل حركة فحسب، بل تنطبق أيضا مهما كان مقياس نظام الإحداثيات المستخدم. إننا نستعيض، في نسبية المقياس، عن المقادير الفيزيائية ـ مثل السرعة والطول بدوال functions تتعلق صراحة بدقة الرصد، أي بالميز(3). وبذلك يصبح الميز متغيرا أساسيا ملازما للزمكان (الزمان والمكان)، الذي يميز المقياس الخاص بالنظام الإحداثي المستخدم، كما تميّز السرعة حركته. إن الميز الزمكاني يمتلك النسبية نفسها التي تمتلكها الحركة: بما أنه لا يمكن تعريف مجال طولي أو زمني بصفة مطلقة، فما له معنى في هذا الصدد هو نسبة بين مقياسين.

    وعندما نطبق هذه الفكرة (القائلة إن المقادير الفيزيائية تتعلق صراحة بالميز) نصل إلى المفهوم الهندسي للكسوري (فراكتل) fractal. ففي أوائل الثمانينات اقترحتُ و<G. أورد> (من جامعة أونتاريو)، كل منا على حدة، اعتبار الخواص الكمومية ناتجة من الطبيعة الكسورية للزمكان المكروي (المجهري).

    النسبية والنظم الإحداثية
    لقد تساءل فلاسفة القرون الوسطى: لماذا خُلِق الكون في مكان وزمان معينين تماما، وليس على مقربة من ذلك المكان أو بُعيد ذلك الزمان؟ إن الجواب عن هذا التساؤل موجود في مبدأ النسبية لآينشتاين: لا يوجد مَعْلَم مطلق في الكون، لا في الزمان ولا في المكان، يسمح بتحديد موقعنا.

    إن تعريف نظام إحداثي (نظام إحداثيات) يتطلب أولا تعريف مبدأ له (مبدأ الإحداثيات). ولما كانت جميع نقاط الكون متكافئة، فإن موقع مبدأ نظام إحداثي بالنسبة إلى موقع نظام إحداثي آخر هو وحده الذي يحمل معنى فيزيائيا. والأمر كذلك فيما يتعلق بتوجيه المحاور: الزوايا النسبية هي وحدها التي يمكن تعريفها. إن هذه الخواص تؤدي دورا أساسيا في الفيزياء: إنها تترجَم إلى تناظرات زمكانية وإلى لاتغيرات invariance بالنسبة إلى الانسحابات translations الزمانية والمكانية وكذلك بالنسبة إلى الدورانات rotations. ومن هذه التناظرات، نستنتج اللاتغير المتعلق بكل من الطاقة والدفع (كمية الحركة) impulsion والعزم الحركي kinetic.

    لقد برزت فكرة النسبية في الفيزياء بفضل گاليليو الذي اكتشف الطابع النسبي للحركة العطالية inertial (أي الحركة المستقيمة المنتظمة). فالسرعة هي التي تخصص حركة نظام إحداثي، لكن فرق السرعة هو وحده الذي له معنى؛ ولا يمكن تعريف هذا الفرق إلا بالنسبة إلى شيئين اثنين (مثلا: سرعة كرة بالنسبة إلى مستو مائل)، ولا وجود لسرعة مطلقة.

    ومع <H. پوانكريه> ثم بوجه خاص مع آينشتاين، اتخذ مفهوم النسبية بُعدا جديدا: لأول مرة بدت الفيزياء قادرة على الإجابة ليس عن السؤال «كيف؟» فحسب، بل أيضا عن السؤال «لماذا؟» بخصوص جملة من المسائل. وهكذا فنظرية النسبية الخاصة the special theory of relativity تمثل الحل العام لمسألة نسبية الحركة العطالية، كما كانت مطروحة في عهد گاليليو: ما هي قوانين تحويل النظم الإحداثية العطالية (الخاضعة لسرعة نسبية ثابتة، الواحد بالنسبة للآخر) التي تحقق مبدأ النسبية؟ إنها تحويلات لورنتز التي تربط الإحداثيات الأربعة (t' z', y', x',) في نظام S' خاضع لسرعة v بالنسبة للإحداثيات الأربعة (t z, y, x,) في نظام S. وللحصول على هذه القوانين، ليس ثمة حاجة إلى أن نضيف إلى مبدأ النسبية لگاليليو، فرضية ثبات سرعة الضوء في الفضاء كما فعل آينشتاين عام 1905: فلإيجاد الصيغة العامة لهذه القوانين يظهر ثابت c، فنعتبره مساويا لسرعة أي جسيم معدوم الكتلة في الخلاء. وبالتالي يصبح تحويل گاليليو حالة خاصة من تحويل لورنتز، يوافق جعل الثابت c لانهائيا. لذا فإن مبدأ النسبية يفرض تحويلات لورنتز، ويفرض بالتالي مبدأ الزمكان.

    1- تُظهر التكبيرات المتوالية لمنحن غير قابل للمفاضلة «أينما كان تقريبا» (أي كسوري) بنى تزداد دقة (في اليمين). وعندما نعمم مبدأ النسبية إلى زمكان غير قابل للمفاضلة، يصبح المقياس سمة لنظام الإحداثيات. لقد مثلنا هنا كيفية من كيفيات تغير منحن جيوديزي geodesic في مثل هذا الزمكان بدلالة المقياس.

    استنتاج التثاقل(4) من النسبية
    إن نظرية النسبية العامة لآينشتاين، وهي النظرية الأكثر تطورا مقارنة بنظريات النسبية الراهنة، تسمح بفهم أعمق: فلم نعد نقتصر على الحركة ذات السرعة النسبية الثابتة بل نعتبر أية حركة متسارعة. ويندرج التثاقل في إطار هذه النظرية بفضل مبدأ التكافؤ the principle of equivalence. ينص هذا المبدأ، الذي وضعه آينشتاين عام 1907، على نسبية الحقل التثاقلي ذاته: كل حقل تثاقلي يكافئ محليا locally حقل تسارع منتظم. وهكذا أصبح وجود الحقل التثاقلي ذاته وجودا غير مطلق، فهو مرتبط بحركة النظام الإحداثي المستخدم: ففي نظام يسقط سقوطا حرا في هذا الحقل، ينعدم التثاقل نهائيا. وهذا ما يشعر به رواد الفضاء عند انعدام الثقالة الأرضية.

    وفي حين تصف النظرية النيوتونية كيف «يعمل» التثاقل، فإن نظرية النسبية العامة تفسّر الغاية من وجود التثاقل وتعرفنا به. إن عمومية الوصف تفرض علينا الانتقال من زمكان منبسط(5) (أي إقليدي) إلى زمكان محدب، ذلك أن الحال الإقليدية وضعية خاصة توافق غياب التثاقل. وهكذا، ندرك في آخر المطاف أن التثاقل هو مجموعة العروض المختلفة للتقوس curvature.

    إن مسار جسيم، غير خاضع لأية قوة، هو خط مستقيم يرسمه هذا الجسيم بسرعة ثابتة. وهذا المستقيم هو أقصر خط (يسمى الجيوديزي geodesic) لزمكان مستو. وفي النسبية العامة، تكون حركة جسيم خاضع لحقل تثاقلي معقّد تعقيدا كيفيا، حركة عطالية محليا(6) (بسرعة ثابتة) على الجيوديزيات لزمكان محدب. إن معادلات آينشتاين التي تربط بين تحدب الزمكان وبين توزيع الطاقة والمادة هي أعم أبسط المعادلات اللامتغيرة(7) عندما نحول نظم الإحداثيات تحويلا مستمرا (متصلا) continuous وقابلا للمفاضلة مرتين: تفرض النسبية وجود التثاقل كما تفرض شكل المعادلات التي تصفه.

    مسلّمات الميكانيك الكمومي
    تعتمد النظرية الكمومية على مسلّمات مستنبطة من التجارب الفيزيائية المجهرية التي تعجز المفاهيم المألوفة عن توضيحها. كانت هذه النظرية في صيغتها الأولية تقوم على إزالة المفاهيم التي تبدو غير ضرورية وعلى الاقتراب أكثر ما يمكن من نتائج الرصود والمشاهدات. إننا لا نستطيع مشاهدة مسارات الجسيمات: لذا نحذف المسارات. وفي العديد من الحالات، يستحيل توقع تطوّر نظام من النظم، لكننا نستطيع حساب احتمال الحصول على هذه النتيجة أو تلك: لذا فالنظرية الكمومية نظرية احتمالية. ثم إن التجربة تفرض خاصية أساسية أخرى: هي الثنويّة موجة ـ جسيم(8).

    تضع النظرية الكمومية العناصر الثلاثة: الاحتمال والموجة والجسيم، في كائن نظري واحد هو دالة الموجة wave function. لقد وضع كل من <E. شرودينگر> و <W. هايزنبرگ> معادلات تخضع لها دالة الموجة. إنه لم يُبرهن على هذه المعادلات وعلى مبدأ التوافق ـ الذي يربط المقادير القابلة للمشاهدة بمؤثرات تؤثر في دالة الموجة ـ انطلاقا من مبدأ أولي بل وُضعت قبليا(9).

    -2 نعيد إنشاء منحن غير قابل للمفاضلة بوساطة التقريبات المتوالية (في أعلى الشكل). نرسم أولا قطعة مستقيمة (اللون الأزرق): توجد على الأقل نقطة من المنحني تقع خارج القطعة المستقيمة، وبالتالي نستطيع رسم قطعتين مستقيمتين تلتقيان على المنحني. وفي المرحلة التالية نضاعف عدد القطع بالطريقة نفسها. وهكذا يزداد، في كل مرحلة، طول القطعة: L1<L2<L3<...<Ln. وإذا كان المنحني كسوريا (فراكتليا) ثنائي البعد تحت خطوة λ، ولاكسوريا فوق هذه الخطوة، فإن القياس L للطول لا يتعلق بالميز (الفصل) عندما يكبر المقياس. وعلى العكس من ذلك، يتزايد ذلك القياس حتى اللانهاية مع الميز عندما يصغر المقياس.

    والملاحظ أن النظرية الكمومية الحالية تعتبر الزمكان منبسطا كما هي الحال في النسبية الخاصة؛ وذلك على الرغم من أن تطور الأفكار في الفيزياء بفضل لايبنتز وماك وأخيرا آينشتاين، أدى إلى تجريد فكرة «فضاء مستقل عن محتواه» من أي مدلول فيزيائي. أليس من التناقض أن نسلّم، من جهة، بعمومية الخواص الكمومية غير التقليدية التي تتمتع بها الكائنات المجهرية؛ ثم نعتبر، من جهة أخرى، بأن الإطار الذي يحتوي على هذه الكائنات لا يتأثر بذلك؟

    كان <R. فايمن> أول من حاول، في أواخر الأربعينات من هذا القرن، العودة جزئيا إلى فكرة التمثيل الزمكاني وذلك بإعادة الاعتبار إلى مفهوم المسارات الكمومية. وهكذا فإن فايمن اقترب من تصور للحقيقة الكمومية تصورا أقرب إلى الهندسة(10) وذلك من دون أن يتخلى عن مبدئه القائل باللاحتمية indeterminism. لقد وصف فايمن و<A. هيبس> في كتابهما الذي صدر عام 1965، المسارات الافتراضية النموذجية لجسيم كمومي، كما يلي:
    «إن المسارات المهمة التي يسلكها الجسيم الكمومي ليست تلك التي لها ميل معين (أو سرعة معينة) جيدا في كل مكان، بل على العكس من ذلك، فهو يسلك الطرق غير المنتظمة على جميع المستويات اللامتناهية في الصغر. وهكذا، حتى وإن تمكّنا من تعريف سرعة وسطية، فإن السرعة التربيعية quadratic الوسطية غير موجودة في أية نقطة. وبعبارة أخرى، فإن المسارات ليست قابلة للمفاضلة.»

    الزمكان غير القابل للمفاضلة
    وبمصطلحات اليوم، يعني هذا الوصف للمسارات الكمومية الممكنة ـ على الرغم من اختلافها وعددها اللامنتهي ـ أن الأمر يتعلق بمنحنيات كسورية (فراكتلية) تتميّز بخاصية هندسية مشتركة: بُعْدها الكسوري يساوي اثنين. إن هذا الإدخال لمفهوم «عدم قابلية المفاضلة» في مجال الفيزياء يشدّ الانتباه لا سيما أن آينشتاين كان قد ارتأى بشكل صريح، في الفترة نفسها تقريبا، أن مقاربة واقعية للمسألة الكمومية قد تمر من خلال ذلك. وقد كتب آينشتاين عام 1948 إلى <W. پاولي> يقول:
    «إن الوصف الكامل لا يمكن أن يقتصر على المفاهيم الأساسية المستخدمة في ميكانيك النقطة. وقد أكّدتُ لكم مرارا أني مؤيد عنيد، ليس للمعادلات التفاضلية، بل لمبدأ النسبية العامة الذي لا نستطيع الاستغناء عن قوته الاستكشافية.»

    وهكذا شُقّ طريق لإدراك الظواهر الكمومية. ألا ينبغي مواصلة التقدّم نحو زمكان أعمّ، ثم نعمم مبدأ النسبية إلى زمكان غير قابل للمفاضلة، كسوري؟ ومن المؤكد أن فكرة البحث عن البنى العامة لزمكان غير قابل للمفاضلة وخاضع لمبدأ النسبية، واستخلاص القوانين الفيزيائية للحركة في مثل هذا الزمكان، فكرة مغرية. وما نتوخاه من مثل هذه المقاربة هو إدراك أن «الكمومية» هي تعبير عن «عدم قابلية المفاضلة.»
    وعلى الرغم من ذلك تبدو هذه المسألة في غاية الصعوبة: ألا يعني التخلي عن قابلية المفاضلة تخليا عن المعادلات التفاضلية التي تمثل أداة أساسية للفيزياء منذ مجيء لايبنتز ونيوتن؟ هناك لحسن الحظ احتمال وجود طريق آخر يؤدي، بشكل مدهش، إلى الطريق السابق مع توفير أداة رياضياتية تسمح بوصف عدم قابلية المفاضلة بوساطة المعادلات التفاضلية!

    ويكمن مفتاح الحل في تفسير أعمال فايمَن بدلالة الكسوريات. لنعتبر دالة مستمرّة (متصلة) ولا تقبل المفاضلة أينما كان تقريبا ومرسومة بين نقطتين في المستوي. إننا نستطيع تجزئتها إلى مقاطع متوالية تنشئ تقريبات تزداد دقة بالتدريج (انظر الشكل 2). إن أطوال مختلف التقريبات ترتبط بوضوح بالميز (بالفصل)؛ فهذه الأطوال تتزايد، بل وتتباعد diverge، عندما تؤول خطوة القياس إلى الصفر. ينتج ذلك من مبرهة أثبتها <H. لوبيگ> Lebesgue وتنص على أن: كل منحن منتهي الطول يقبل المفاضلة أينما كان تقريبا(11). وبالعكس، إذا كان منحن مستمر لا يقبل المفاضلة أينما كان تقريبا، فلا بد أن يكون غير منتهي الطول.

    3- يتعلق تطور إحداثية من الإحداثيات عبر الزمن على مسار كسوري بالميز (الفصل) المستخدم. عندما يكبر المقياس (اللون الأزرق)، أي من أجل ميز منخفض، توجد سرعة متوسطة: يتناسب تغير الإحداثية مع تغيّر الزمن، وهو ما يقتضيه السلوك التقليدي. وعندما يتحسن الميز، فإن التقلب fluctuation بالنسبة للمتوسط يكون مهيمنا: يكون طول الظاهرة أكبر بكثير من تغيّر الزمن (اللون الأحمر). وهكذا يظهر السلوك الكمومي وتقلبات المسارات ابتداء من ميز معين يتعلق بالنظام المعتبر. فبالنسبة للإلكترون، يكون هذا الميز العتبي هو طول موجة دو بروي de Broglie.

    إن التخلي عن الفرضية الكيفية القائلة إن كل منحن في الزمكان يقبل المفاضلة، والاحتفاظ في الوقت نفسه بفرضية استمرار هذه المنحنيات ينجم عنهما ارتباط صريح يتعلق بالميز. ولسنا بحاجة إلى إضافة فرضية تنص على أن للزمكان طبيعة كسورية على المستوى المجهري: فهذا أمر تم البرهان عليه الآن. وهكذا تكون النسبية الموسعة لتشمل الحركة غير القابلة للمفاضلة مكافئة لنسبية المقياس. وعليه فنحن لسنا بصدد القيام بتعميم كيفي خال من القيود: إننا نريد أن تحقق المعادلات المكتوبة في مثل هذا الزمكان غير القابل للمفاضلة، مبدأَ التغاير covariance، وهي العبارة الرياضياتية لمبدأ النسبية، أي إن المعادلات تحافظ على الشكل نفسه الذي تكون عليه في حالة قابلية المفاضلة.

    في نسبية المقياس، تُستكمل القوانين التي تخضع لها الحركة بقوانين خاصة بالمقياس تحكم التحويلات من ميز إلى آخر: إن المقادير الفيزيائية مرتبطة أيضا بالميز. والكيفية الأولى لاكتشاف هذه القوانين المتصلة بالمقياس تتمثل في اعتبارها أبسط القوانين الممكنة. وهكذا، نكتب معادلة تفاضلية من المرتبة الأولى على تبديل لامتناه للميز: يُعطي حل هذه المعادلة طول منحن كسوري ثابت البعد! وبذلك تكون الدوال الكسورية الثابتة الأبعاد، والمتباعدة وفقا لقانون القوة كدالة في الميز، هي أبسط أشكال القوانين المرتبطة صراحة بالمقياس. ذلك هو بالضبط السلوك الذي حصل عليه فايمن بخصوص المسارات الكمومية.

    استنتاج الفيزياء الكمومية من النسبية
    نستنتج المسلَّمات الرئيسية للميكانيك الكمومي من مفهوم الزمكان الكسوري. قبل كل شيء، تفرض عدم قابلية المفاضلة الطابعَ الاحتمالي للوصف. إن مسار جسيم حر في نظرية آينشتاين هو منحن جيوديزي في الزمكان. وسيكون الأمر كذلك في الزمكان الكسوري. إلا أن وجود التموّجات fluctuation في حالات صغر المقياس يجعل عدد الجيوديزيات لامنته، مع العلم أنها كلها متساوية الاحتمال حسب التعريف: التوقع الوحيد هو أن الجسيم «سيرسم» منحنيا جيوديزيا معينا من بين جملة لامنتهية من هذه المنحنيات.

    إن هذا النص غير كامل لأن الطريقة الكسورية تحوّل أيضا مفهوم الجسيم الأولي. في النظرية الكمومية الحالية، يعتبر الإلكترون ـ من وجهة نظر طبيعته الجسيمية ـ بمثابة نقطة. إنه يتمتع بخواص «داخلية» مثل السپين spin (العزم الحركي) والكتلة والشحنة. ويرتبط السپين بتناظر في الزمكان، لكن ليس له مقابل في النظرية التقليدية. ثم إننا نجد الشحنة ومقادير كمومية أخرى توافق تناظرات داخلية ليس لها، هي الأخرى، مقابل في الزمكان. إن التخلي، في الزمكان الكسوري، عن فكرة النقطة الكتلية يجعلنا نعتبر «الجسيمات»، بطبيعتيها الموجية والجسيمية بمثابة مجموعة خواص الجيوديزيات.

    إن وصف الزمكان الكسوري يفرض علينا أن نأخذ بالاعتبار بنى جديدة ترتبط بالتحويلات التي تجرى على الميز. وننظر إلى هذا الميز كميز داخلي لأن البنى الكسورية تؤدي إلى صغر المقياس، وبوجه خاص إلى ما تحت طول موجة دو بروي الذي يقترن بالجسيم (هذا الطول يساوي نسبة ثابت پلانك إلى كمية حركة الجسيم). يحقق هذا الطول الانتقال بين السلوك الكسوري واللاكسوري (بين السلوك المستقل عن الميز في حالة كبر المقياس وبين السلوك المتعلق صراحة بالميز في حالة صغر المقياس). إن الأمل الذي يحدونا عقب هذه الملاحظة، هو أن تكون الخواص «الداخلية» ناتجة في آخر المطاف من التناظرات المتصلة بتحويلات المقياس، وأن تكون خواص ذات مدلول هندسي، بمفهوم «الهندسة غير القابلة للمفاضلة». وعليه فمفهوم الجسيم لن يهتم عندئذ بكائن «يمتلك» سپينا أو كتلة أو شحنة، بل سيقتصر على البنى الهندسية للجيوديزيات الكسورية في زمكان غير قابل للمفاضلة. ومن المؤكد أن إنجاز هذا البرنامج من أوله إلى آخره أمر بعيد المنال، إلا أن بعض النتائج المشجعة تلوح في الأفق.

    في البداية، نلاحظ أن طول موجة ودور period دو بروي المقترنين بجسيم فُسّرا هندسيا بالانتقال بين السلوك الكسوري واللاكسوري: إنها المقاييس (السلالم) التي تظهر تحتها تراجعات المسارات إلى الوراء (تراجعات مكانية بالنسبة للطول وزمانية بالنسبة للدور). ثم يمكن حساب الطاقة وكمية الحركة والسرعة التقليدية وسرعة الطور phase وكتلة الجسيم كدوال في المقياس. وبذلك تصبح كل هذه المقادير خواص هندسية مميزة للمسارات الكسورية.

    ونجد الأمر ذاته بالنسبة إلى السپين؛ فلا وجود للسپين في النظرية التقليدية لأننا إذا أخذنا الإلكترون مثلا، فإن السپين سيكون متناسبا مع مربع نصف قطر الجسيم المنعدم! لكنه يتناسب أيضا مع سرعة الدوران التي يمكن أن تكون لا منتهية على مسار كسوري (فراكتلي).

    4- إن التحويلات الناتجة من المشاهدة أو الرصد في إطار تكبيرات متوالية ضمن نسبية المقياس، تختلف عن التحويلات المعتادة. إذا استخدمنا التكبير نفسه على جسم، عددا كافيا من المرات، فإن سرعة تزايد كبر صورة هذا الجسم تتناقص. أما الحد الأدنى للطول الذي يمكن تحديد ميزه فهو يؤول إلى نهاية محدودة تساوي نحو 35-10متر. وعندما يقترب المقياس من هذه النهاية فإن التكبيرات لا تزيد حجم الصورة. يشبه هذا السلوك تركيب السرعات بجوار سرعة الضوء التي تمثل نهاية لا يمكن اختراقها.

    والنتيجة اللافتة للانتباه هي أن هذا الجداء (جداء الصفر في اللانهاية) معدوم دوما عندما يكون البعد الكسوري(12) للمسار أصغر من اثنين، وهو غير منته عندما يكون هذا البعد أكبر من اثنين. وفي الحالة التي يكون فيها البعد مساويا لاثنين، فإن الجداء المذكور سيكون منتهيا، وربما غير معدوم. وإن البُعد اثنين هو بالضبط بُعد المسارات الكسورية المحسوبة انطلاقا من علاقات ارتياب هايزنبرگ. أما الشحنة فهي تفسَّر على أنها مقدار هندسي لا متغير ناتج من تناظرات المقياس (السلّم).

    إن عدم قابلية التمييز بين الجسيمات يأتي مباشرة من تطابقها مع مسارات كسورية. ثم إنه ليس لهذه المسارات أية سمة ذاتية تسمح بالتمييز بينها. وهكذا لا يمكن اعتبار أية مجموعة مكوَّنة من عدة جسيمات مطابقة لمجموعة أشياء فردية بالمفهوم التقليدي: إنه شيء جديد، شبكة منحنيات جيوديزية لها خواصها الهندسية الذاتية.

    نلاحظ في حالة عدم قابلية المفاضلة، أن «الثنوية موجة ـ جسيم» تبتعد عن التفسير المعهود في النظرية الكمومية. ففي هذه النظرية تتطابق دالة الموجة مع «الموجة ـ الجسيم». وفي حالة نسبية المقياس فمن جهة نطابق «منحنيا جيوديزيا خاصا» (لكنه كسوري في حد ذاته، وبالتالي فهو دالة في الميز) مع الطبيعة الجسيمية corpuscular للجسيم التي تبيّنها لنا قياسات الموقع؛ ومن جهة أخرى، فإن حزمة الجيوديزيات الممكنة ـ وهي الأداة الوحيدة التي تسمح بتوقعات ـ تنقل الخواص التموّجية.

    ألا تعتبر إعادة إدخال منحن جيوديزي خاص «يرسمه» الجسيم رجوعا إلى مبدأ الحتمية determinism؟ ألا يعني ذلك إعادة فتح الباب لمعاملات (بارامترات) خفية أقصتها عدة تجارب حاسمة في الميكانيك الكمومي؟ لا! لأننا نتخلى نهائيا عن قابلية المفاضلة: ليس هناك أي مقياس (مهما بلغ صغره) يمكن وفقه العثور على خواص تقليدية تحمل معاملات خفية. إنه من المستحيل توقع المنحني الجيوديزي الذي سيرسمه الجسيم.

    الحقيقة وقابلية البرهان
    وبالعكس، فما الذي يسمح لنا بالتسليم بوجود مثل ذلك المنحني الجيوديزي الخاص؟ ولقد بدا أن وجهة نظر< N. بور> وهايزنبرگ، التي تأسست على استحالة توقع مسار خاص من أجل أن نستنتج من ذلك عدم وجود هذا المسار، هي الإجابة المنطقية الوحيدة عن هذا السؤال قبل عام 1931، وهو تاريخ إثبات مبرهنة گودل G&#246;del. لكن الأمر لم يعد كذلك منذ ذلك التاريخ.

    تنص هذه المبرهنة على أنه، في كل جملة مسلّمات غير متناقضة تحوي نظرية الأعداد، توجد قضايا صحيحة لكنها لا تقبل البرهان. إن الفيزياء علم يعتمد على الرياضيات إلى حدّ كبير ويمكن تلخيص نظرياته، بعد تكوينها، في جملة من المسلَّمات الرياضياتية. ثم إن هذه المسلمات تحتوي دائما بشكل ضمني على نظرية الأعداد، ذلك ما يتبيّن بجلاء من نتائج القياسات. إذًا، ما هو التوقع في الفيزياء؟ أليس التوقع في نظرية ما هو «مبرهنة» تتكون من مسلَّمات هذه النظرية؟ تعلِّمنا مبرهنة گودل أننا سنلتقي ذات يوم بنصوص فيزيائية غير قابلة للبت. ورأيي أن هذا اليوم قد حان وأن الميكانيك الكمومي يحتوي على مثل تلك النصوص.

    وفي تجربة شقّي يونگ Young، حيث نُكوِّن تداخلا interference يجعل حزمة جسيمات تخترق شاشة مزودة بشقين، فإن استحالة توقع الشقّ الذي يخترقه الجسيم في حال وجود تداخلات وتخريب التداخلات من قبل كل قياس للمواقع، أدت إلى استخلاص أن البحث عن مسار الجسيمات لا معنى له. وحسب مبرهنة گودل، فإن من الممكن أن يمر جسيم عبر شق من الشقين ـ وهو ما تؤكده كل قياسات الموقع الصريحة ـ لكن، يستحيل في الوقت ذاته، توقُّع أي الشقين سيخترقه الجسيم: لذا وجب التمييز بين الوجود وقابلية البرهان!

    التقلبات الكمومية واللاتغيّر(13) في المقياس
    تشكل المسارات الممكنة لجسيم مجموعة لا منتهية من المنحنيات الكسورية (يزداد عددها كلما زاد الميز). إن وصف أحد هذه المنحنيات يتطلب إدخال إحداثيات متوسطة وكبرية(14) تتطابق مع المقياس التقليدي في حال وجوده وإدراج تقلبات تتعلق بالمقياس وتهيمن على الإزاحات المتوسطة عندما يكون المقياس صغيرا جدا. وتنتج الآثار الكمومية من هذه التقلبات. وهكذا يتضح أن السلوكات التقليدية والكمومية قضية مقياس (سلّم). وإن الطابع النسبي للانتقال، المتعلق بالكتلة والسرعة، وبوجه عام، بدرجة الحرارة، يفسر وجود آثار كمومية كبرية مثل التوصيل الفائق supraconduction.

    والملاحظ أن انقسام المتغيرات بين المقاربة التقليدية والمقاربة الكمومية لا يفسر كل شيء. ذلك أن الطابع العقدي complexe لدالة الموجة، الذي تعزِّزه جل مفارقات الميكانيك الكمومي صار الآن قابلا للشرح والتأويل: سببه انكسار في اللاتغير بالنسبة للانعكاس الزمني. وهذا الانكسار ناتج بدوره، بصفة مباشرة، من عدم قابلية الزمكان للمفاضلة كما سنرى ذلك لاحقا. إنها المرة الأولى في تاريخ الفيزياء التي تفقد فيها المعادلات لاتغيّرها عند قلب إشارة الزمن. إن السرعة المشتقة من الموقع، هي أول متغير معني بهذا السلوك الجديد.

    لكي يصل منحن جيوديزي كسوري إلى نقطة معينة في لحظة معينة، هناك عدد لامنته من الجيوديزيات الصادرة التي نستطيع اعتبارا منها حساب سرعة متوسطة «أمامية» [انظر الشكل 5] وبصورة أساسية فإن هذه السيرورة لاعكوسة: إذا سرنا في الاتجاه المعاكس للزمن على الجيوديزي الذي «يختاره» الجسيم، فإننا سنلتقي بعدد لامنته من الجيوديزيات «الداخلة» في النقطة نفسها. نحسب سرعة متوسطة «خلفية» لهذه السيرورة المعكوسة، فنلاحظ أنه لا يوجد أي مبرر يجعل هذه السرعة مطابقة للسرعة «الأمامية»، وذلك بسبب عدم قابلية الزمكان للمفاضلة. وعلى مستوى وصف الإزاحات الأولية المعتبرة، فإن الاتجاهين المتعاكسين للزمن مقبولان لوصف القوانين الفيزيائية. وهكذا، يؤدي بنا هذا الوضع إلى دمج هاتين الكميتين في سرعة عقدية لتعريف سيرورة مضاعفة جديدة عكوسة. ويمثل نصف مجموع السرعتين الأمامية والخلفية الجزء الحقيقي للسرعة، أما نصف فرق هاتين السرعتين فيمثل جزأها التخيلي imaginary part.

    وبصفة أعم، ننشئ مؤثرا جديدا خاصا بالاشتقاق العقدي، وذلك انطلاقا من المشتقات المتوسطة «الأمامية» و«الخلفية» التي تنجز تغاير covariance المقياس. وعندئذ يمكن إعادة النظر في الخطوط العريضة للميكانيك التقليدي وتعميمها إلى حالة عدم قابلية المفاضلة وذلك بالاستعانة بهذه الأداة التي تجعل جميع الكميات، التي كانت من قبل كميات حقيقية، كميات عقدية. ومن بين هذه الكميات نجد، بوجه خاص، أهم مقدار في الميكانيك التقليدي، وهو ما يسمى بالفعل action (الذي له بُعْد dimension العزم الحركي) لأن مجموعة قوانينه تنتج من «مبدأ الفعل المستقر» stationary والذي ينص على أن المسارات الفيزيائية هي تلك التي تُبطل مفعول تغير الفعل. وعليه، فمن الطبيعي أن يندرج «الفعل» العقدي ـ الذي يمكن أن نبني عليه «مبدأ الفعل المستقر» المعمم ـ ضمن هذا الإطار الجديد: إنه بالذات دالة الموجة!

    وبمقدورنا أن نحسب مؤثر الاشتقاق العقدي بالنسبة للزمن حسابا صريحا انطلاقا من وصف المسارات باعتبارها منحنيات كسورية ثنائية البعد. وثنائية البعد هذه هي قيمة خاصة «يختفي» من أجلها كل ارتباط صريح بدلالة المقياس، وراء صيغ المؤثرات التفاضلية المستخدمة في الميكانيك الكمومي. ويمكن البرهان على «مبدأ المقابلة»(15) الخاص بالنبض(16) والطاقة، الذي يرفق بهما في الميكانيك الكمومي، بعض المؤثرات التفاضلية ـ كما أن المعادلة الأساسية في الديناميك تتحول إلى معادلة شرودينگر. وبعبارة أخرى، فإن معادلة شرودينگر تُكْتَب، بصورة تغايرية(17)، كمعادلة الجيوديزيات من أجل الحركة العطالية في الخلاء. وعندما نكتب هذه المعادلة بشكل صريح، فإن السلوك الكمومي يعكس خاصية عدم قابلية المفاضلة وكسورية الزمكان.

    5- للانتقال من النقطة A إلى النقطة B مرورا بالنقطة C يمكن لجسيم أن يسلك عددا غير منته من الجيوديزيات (المنحنيات الجيوديزية) الكسورية، جميعها متساوية الاحتمال. وضمن المقياس المعتبر، تُعرّف سرعة في كل نقطة من الجيوديزي. إن متوسط هذه السرعات على الجيوديزيات التي تنطلق من النقطة A إلى النقطة B مرورا بالنقطة C، يعطي السرعة الكبرية (الماكروية) macroscopic «الأمامية» عند النقطة C (السهم الأحمر الكبير)، أما متوسط السرعات، التي يتم الحصول عليها بقلب إشارة الزمن على الجيوديزيات التي تنطلق من النقطة B إلى النقطة A مرورا بالنقطة C، فيعطي السرعة الكبرية «الخلفية» في النقطة C (السهم الأسود الكبير). ولما كان الزمكان غير قابل للمفاضلة، فإن هاتين السرعتين المتوسطتين عند النقطة C مختلفتان. وهذا التضاعف الأساسي للسرعات يؤدي إلى الطبيعة العقدية لدالة الموجة.

    ما وراء الميكانيك الكمومي
    تسمح مفاهيم نسبية المقياس والزمكان الكسوري بالمضي قُدُما في تجديد فهمنا للميكانيك الكمومي. لقد أتاحت لنا طريقة تغاير المقياس إعادة اكتشاف الميكانيك الكمومي انطلاقا من أبسط قوانين المقياس التي يمكن صياغتها. هل تمثل «أبسط القوانين» هذه أفضل ما يقنّن الطبيعة؟ ما هي القوانين العامة التي تتلاءم مع مبدأ نسبية المقياس، حتى وإن اقتصر هذا التلاؤم على تحويلات المقياس الخطية؟

    للإجابة عن مثل هذه الأسئلة، يجب أن ننسى معارفنا حول قوانين التمدد dilatation والتقلّص contraction وإعادة طرحها دون خلفيات. إن أبسط قوانين المقياس الممكنة هي دالة كسورية ذات بُعد ثابت: يؤدي البُعد الكسوري دور لا تغير المقياس. ولقد رأينا أن هذا القانون يسمح بأن نجد ثانية الميكانيك الكمومي النموذجي من أجل بُعد كسوري يساوي اثنين. وإن البحث عن صيغة تغايرية أعم، يقودنا إلى معالجة حالة يفقد فيها البُعد الكسوري لا تغيّره حيث يصبح، هو الآخر، مرتبطا بالمقياس.

    وفي هذا الإطار الموسَّع، تصبح المسألة ممثّلة في إيجاد الأشكال الممكنة لهذا المتغير الجديد المتعلق بالمقياس، التي تتلاءم مع مبدأ النسبية: إذا كانت حالة القانون الثابت البعد، المؤدي إلى الميكانيك الكمومي المعروف، هي الحالة الوحيدة التي تحقق هذا المبدأ، فإنه ينبغي أن يكون ذلك قابلا للبرهان. أما إذا وجدنا إمكانيات أخرى، فإنها ستقدّم تعميما للميكانيك الكمومي. ويدور السؤال هنا حول معرفة كيفية تحوّل الطول المنحني المعرف على منحن كسوري وتحول «البعد الكسوري» المعمم الذي يميّزه وذلك عندما يتغيّر الميز.

    وكما هي الحال في نسبية الحركة فصعوبة المسألة العامة تسوقنا إلى الاكتفاء في المرحلة الأولى بمعالجتها في حالة التحويلات الخطية. إن الحل الخاص لهذه المسألة الموافق للسلوك الكسوري الثابت البعد هو زمرة group تحويلات گاليليو. ويمكن إثبات أن هذه المسألة تماثل، في موضوع المقاييس، مسألة العطالة في حالة قوانين الحركة: إن حلها العام ليس زمرة تحويلات گاليليو بل زمرة تحويلات لورنتز التي استخدمها <H. پوانكريه> وآينشتاين لوضع قوانين النسبية الخاصة.

    لم يعد التمديد يمدّد(18)
    وبخصوص قوانين الحركة، فإنه لا يمكن تحقيق حل گاليليو في الطبيعة إلا بفرض أن سرعة الضوء لانهائية. والأمر كذلك فيما يخص المقاييس: إن قوانين التمدد والتقلص التي تعتبر حاليا قوانين ثابتة لا يمكن دحضها، هي في الواقع مجرّد تقريبات على نطاق واسع لقوانين أعم. في مثل هذه القوانين يأخذ البعد الكسوري معنى جديدا يجعل منه متغيرا أساسيا يؤدي في موضوع المقاييس الدور نفسه الذي يؤديه الزمن في الحركة. ويندمج هذا المتغير مع الإحداثيات الكسورية ليشكل متجها (شعاعا) vector في فضاء خماسي الأبعاد. ويتعين علينا أن ندرك جيدا بأن الحل العام لمسألة تحويلات المقياس الخطية التي تحقق مبدأ نسبية المقياس، هو تحويل لورنتز. والأمر لم يعد يتمثل الآن في تبرير هذا التحويل الجديد بل صار يكمن في معرفة ما إذا كان لا يتماشى مع التجربة ومحاولة فهم سبب «اختيار» حل خاص بدلا من الحل العام.

    6- يؤدي البعد الكسوري لمسار جسيم الدور نفسه، إزاء تحويلات المقياس، الذي يؤديه الزمن في تحويلات الحركة. إن هذا البعد يساوي واحدا في التحويلات الخطية فوق المقياس l عند الانتقال بين السلوك الكسوري (الفراكتلي) واللاكسوري، ويساوي اثنين تحت هذا المقياس. أما في التحويلات غير الخطية فالبعد الكسوري يتزايد باستمرار في حالة صغر المقياس (عندما تزداد نسبة التمدد). إننا لا نستطيع بلوغ مقياس پلانك (اللون الوردي): لأن البعد الكسوري سيكون عندئذ غير منته.
    7- إن ثوابت المزاوجة coupling العكسية في التأثيرات المتبادلة interaction للكهرباء الضعيفة (a و b) والقوية (c) والتثاقل (d) تتناسب عكسيا مع شدة هذه التأثيرات، وتتغيّر بتغير المقياس. وفي الحالة النموذجية المتداولة (اللون الأخضر) يتم التوحيد في مرحلتين. وإذا ما أضفنا إلى ذلك نسبية المقياس (اللون الأحمر) فإن مقياس الطول النسبي (في أعلى الشكل) لا يكون متناسبا عكسيا مع مقياس الطاقة ـ الكتلة (في أسفل الشكل). وهكذا تتقارب التأثيرات المتبادلة الأربعة في آن واحد، ضمن طاقة پلانك، نحو 1018 جيگا إلكترون- ڤلط (السهم الأحمر).

    تتميز القوانين الجديدة بعدة خواص جديدة بالنسبة لقوانين المقياس المعتادة التي يمكن مقارنتها بخواص تكافئها سبقت معرفتها في نسبية الحركة. تتمثل الخاصة الرئيسية، من بين هذه الخواص، في ظهور مقياس طول لا يمكن تجاوزه نحو أصغر المقاييس، وهذا المقياس لامتغير بالتمددات والتقلصات. ويؤدي هذا المقياس بالنسبة للميوز(19) الدور نفسه الذي تؤديه سرعة الضوء بالنسبة للسرعات الأخرى؛ وهو يعوض نقطة الصفر التي فقدت معناها في الفيزياء. وهذا لا يمثل حاجزا ولا تكميما(20) للزمكان: إن طبيعة هذا المقياس الحدّي هي على الأصح طبيعة أفق. إنها لا تمس مبدأ عدم قابلية مفاضلة الزمكان الذي انطلقنا منه، ولا الوجود غير المنقطع للبنى أثناء التكبيرات المتتالية: ما يتغير هو تأثير التكبيرات. إننا لن نتجاوز أبدا سرعة الضوء عندما نجمع عددا لامنته من السرعات، وبالمثل فإن تعاقب عدد كبير من التقلصات المتوالية، المطبقة على مقياس أولي كيفي، يؤدي إلى مقياس نسبي يفوق دوما الطول الحدّي الممثل للنهاية.

    ما قيمة هذا الطول الحدي؟ هل ينبغي إدخال طول أساسي جديد في قوانين الفيزياء أو هل قدمت الفيزياء مثل هذا المقياس الذي لم يبق إلا أن نفسّره كذلك؟ يبدو أن طول پلانك، الذي أنشئ انطلاقا من الثوابت الأساسية الثلاثة في الفيزياء ـ وهي ثابت الثقالة G وثابت پلانك h وسرعة الضوء c ـ يتمتع بكافة الخواص المطلوبة التي تجعله يؤدي دور الطول الحدي السابق الذكر. وقيمة هذا الطول هي 35-10(1.6) متر. ثم إننا ننشئ انطلاقا من الثوابت نفسها كتلة وزمن پلانك.

    لقد تم استعمال طول پلانك في الفيزياء كحاجز طبيعي: فهو يمثل الحد الذي تكون بعده أهمية آثار التثاقل تعادل أهمية الآثار الكمومية. إن الملتحم continuum الزمكاني ذاته ينكسر خلال المحاولات البالغة الصعوبة الساعية إلى وضع نظرية للتثاقل الكمومي، قادرة على وصف الظواهر الفيزيائية التي تمتلك مثل تلك الطاقات. ومازالت هذه المسألة مطروحة في مجال نسبية المقياس لكنها لا تُطرح كالمعتاد.

    يتعلق التغير الأول الذي يطرأ عندئذ، بالعلاقة بين مقياس الكتلة والطاقة والدفع من جهة، وبين مقياس الطول والزمن من جهة أخرى. إن هذين المقياسين متعاكسان في النظرية الكمومية. وكلّما عبّرنا عن نتيجة بطول أو بمتجه أو بوسيط ذي تأثير مميز، فإن الذي نقيسه بشكل صريح هو طاقة ودفع يُترجَمان من جديد إلى مقياس طول بافتراض صحة العلاقات الكمومية المعتادة.

    ويتبين من علاقات الارتياب أن الطاقة تؤول إلى اللانهاية عندما يؤول مجال الزمن إلى الصفر، كما أن الدفع يؤول إلى اللانهاية عند مآل مجال الطول إلى الصفر. وفي قوانين نسبية المقياس لا يمكن أن يكون المجال (الزمني والطولي) أصغر من مقياس پلانك. وكما أن سرعة الضوء تؤدي في النظرية النسبية الدور المخوَّل للسرعة اللامنتهية في قوانين گاليليو فإن مقياس الطول والزمن لپلانك يمتلك الآن الخواص الفيزيائية التي كانت تمتلكها الأطوال والأزمنة المنعدمة.

    إن لتغيير بهذا العمق العديد من الانعكاسات الفيزيائية التي ينبغي دراستها الواحدة تلو الأخرى. وأولى النتائج المحصَّل عليها في هذه النظرية ليست أقلّها غرابة. لم يعد مقياسا الكتلة والطول متعاكسين بصفة مباشرة: أصبح طول پلانك توافقه الآن طاقة غير منتهية. ما هو، إذًا، مقياس الطول الموافق حاليا لمقياس طاقة پلانك؟ إننا نجده مقياسا كونيا أصغر، ألف بليون مرة، من مقياس البوزونات bosons الناقلة للتأثير الكهربائي الضعيف المتبادل. إن هذا المقياس هو بالتحديد مقياس التوحيد الكبير(21) المكتشف في فيزياء الجسيمات (انظر الشكل 7). وتعني هذه النتيجة، بمفهوم الطاقة، أن توحيد التأثيرات المتبادلة الأساسية الثلاثة (الكهرمغنطيسية والنووية الضعيفة والنووية القوية) يحدث في هذا الإطار الجديد عند مستوى طاقة پلانك. ولما كان هذا المقياس هو بالضبط الإطار الذي يصبح فيه التثاقل من نفس مرتبة القوى الأخرى، فلا بد أن يتم توحيد التأثيرات المتبادلة الأربعة في آن معا.

    وإذا كانت هذه النتيجة مُرضية أكثر من التوحيد الذي يتم في النظرية الحالية على مرحلتين، فهذا لا يسهل حل مسألة وضع نظرية موحِّدة. وعلى الرغم من ذلك فإن لهذه النتيجة الفضل في وضع حد لأحد التساؤلات الأساسية في الفيزياء: ما السبب الذي جعل ثابت التثاقل يأخذ قيمته الراهنة؟ إننا نستطيع أن نخصص له قيمة أخرى بالرجوع إلى العبارة الكمومية لتلك القوة حيث نلاحظ أن الوحدة unit الطبيعية للكتل هي كتلة پلانك: لِمَ تختلف كتل الجسيمات الأولية أكثر عن كتلة پلانك؟ الجواب هو أنه... لا اختلاف بين تلك الكتل! يُمكن بالفعل اعتبار جسيمات الطبيعة الأساسية أكثر بمثابة الجسيمات التي تنقل التأثير المتبادل الموحّد كلية: ستكون كتل قسم كبير من الجسيمات مساوية لكتلة پلانك، وبذلك ستتحقق فيزيائيا هذه الوحدة الشاملة للكتلة.

    0 Not allowed!



  3. [393]
    عضو متميز


    تاريخ التسجيل: Aug 2010
    المشاركات: 597
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0
    المؤلف
    Laurent Nottale
    فيزيائي يعمل في مرصد مودون Meudon التابع للمركز الوطني الفرنسي للبحوث العلمية CNRS.

    مراجع للاستزادة
    L. ABBOTT et M. WISE, Dimension of a quantum-mechanical path, in American Journal of Physics, vol. 49, p. 37, 1981.
    G. ORD, Fractal space-time: a geometric analogue of relativistic quantum mechanics, in Journal of Physics A : Mathematical and general, vol. 16, p. 1689, 1983.
    L. NOTTALE et J. SCHNEIDER, Fractals and Non Standard Analysis, in Journal of Mathematical Physics, vol. 25, p. 1296, 1984.
    E. NAGEL, J. NEWMAN, K. GODEL et J-Y. GIRARD, Le theoreme de Godel, Seuil, 1989.
    R. FEYNMAN, Lumiere et matiere, Seuil, 1992.
    L. NOTTALE, Fractal Space-Time and Microphysics : Towards a Theory of Scale Relativity, World Scientific, 1993.
    A. EINSTEIN, Relativites I, editions du CNRS / Seuil, 1993.
    A. EINSTEIN, Relativites II, editions du CNRS/Seuil, 1993.
    L. NOTTALE, L'Univers et la lumierc, Flammarion, 1994.
    L. NOTTALE, Scale-Relativity, Fractal Space-Time and Quantum Mechanics, in Quantum Mechanics, Diffusion and chaotic fractals, sous la direction de M. El Naschie, O. Rossler. et I. Prigogine, Pergamon Press, 1995.
    L. NOTTALE, Scale Relativity; from quantum Mechanics to Chaotic Dynamics, in Chaos, Solitons and Fractats, vol. 6, p. 401, 1995.
    Pour la Science, N° 215

    (1) The fractal space-time
    (2) السّلم
    (3) resolution الميز (ج:ميوز) أو الفصل: مدى إمكان تمييز أشياء، أو أجزاء من شيء، عندما تكون صورها أو قياساتها متقاربة. (التحرير)
    (4) gravitation: تثاقل؛ gravity: ثقالة (جاذبية أرضية)
    (5) flat: منبسط، curved: محدب
    (6) locally invertial
    (7) invariant
    (8) the duality wave-corpuscule
    (9) â priori
    (10) geometry
    (11)nearly everywhere
    (12) the fractal dimension
    (13) invariance
    (14) macroscopic ماكروية
    (15) the correspondance principle
    (16) impulsion
    (17) covariant
    (18) La dilatation ne dilate plus
    (19) ج: ميز (فصل) resolution
    (20) quantification
    (21) the grand unification


    0 Not allowed!



  4. [394]
    عضو متميز


    تاريخ التسجيل: Aug 2010
    المشاركات: 597
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0

    الطاقة السالبة(*)
    إن السفر بسرعة تفوق سرعة الضوء يستلزم وجود طاقة في صورة
    غير عادية. ولسوء الحظ، يبدو أن قوانين الفيزياء نفسها، التي تسمح
    بوجود هذه الطاقة «السالبة»، تعمل أيضا على الحد من سلوكها.
    <H .L. فورد> ـ <A .Th. رومان>

    تُرى، هل يمكن لمنطقة في الفضاء احتواء أقل من لا شيء؟ سيجيب الحس السليم بالنفي طبعا. إن أقصى ما يمكن للمرء عمله هو إزالة المادة والإشعاع والاكتفاء بالخواء. ولكن الفيزياء الكمومية أثبتت قدرتها على دحض الحدس، والحالة هنا مثال على هذه القدرة. وفي واقع الأمر يمكن لمنطقة ما من الفضاء احتواء أقل من لا شيء، أي أن تكون كثافة الطاقة فيها ـ وهي الطاقة في وحدة الحجم ـ أقل من الصفر.

    ولا يلزمنا التأكيد أن ذلك يتضمن أمورا غريبة جدا. فحسب نظرية آينشتاين في التثاقل، يلوي وجود المادة والطاقة البنية الهندسية للزمكان(1). والتثاقل الذي نحس به هو التشويه في الزمكان الذي تنتجه الطاقة الموجبة أو المادة الموجبة العاديتان. أما عندما ينحني الزمكان نتيجة وجود طاقة سالبة أو كتلة سالبة ـ ما يسمى بالمادة الغريبة(2) ـ فإن جملة من الظواهر المدهشة تدخل في عداد الممكنات: مسالك دودية يمكن عبورها تستطيع أن تؤدي دور أنفاق نحو أجزاء من الكون بعيدة عنا، وتسيير بسرعة تفوق سرعة الضوء وذلك بتشويه الزمكان، وآلات زمنية قد تتيح السفر في الماضي. بل قد يكون من الممكن استخدام الطاقة السالبة لصنع آلات دائمة الحركة أو لتحطيم الثقوب السوداء. ولا يمكن لحلقة من مسلسل الرحلات النجمية(3) أن توفر أكثر من ذلك.

    لو كان وجود مسلك دودي ممكنا لبدا لنا كفتحة كروية تُقرِّب لنا جزءا بعيدا من الكون. يتيح المسلك الدودي لسكان نيويورك، في هذه الصورة الخادعة لميدان تايمز سكوير، الانتقال إلى الصحراء بخطوة واحدة بدلا من قضاء ساعات في الطائرة إلى تامانراسيت. ومع أن هذا المسلك لا يخالف أيا من قوانين الفيزياء فإنه يتطلب إنتاج كميات غير معقولة من الطاقة السالبة.

    إن هذه التشعبات تدق ناقوس الخطر للفيزيائيين. لقد سبرت قصص الخيال العلمي، لزمن طويل، المفارقات الكامنة في السفر عبر الماضي ـ كأن تقتل جدك قبل أن تحمل جدتك بأبيك. كما لا تخلو النتائج الأخرى المترتبة على المادة الغريبة من المشكلات. فهي تثير مسألة في غاية الأهمية: هل تضع القوانين الفيزيائية التي تقبل وجود الطاقة السالبة حدودا ما لسلوكها؟ لقد اكتشفنا، نحن وآخرون، أن الطبيعة تفرض قيودا على قيمة ومدة تواجد الطاقة السالبة التي يبدو أنها (مع الأسف، كما قد يقول البعض) تجعل نشوء المسالك الدودية والتسيير بسرعة تفوق سرعة الضوء أشبه بالمستحيل.

    السالب المزدوج
    نود هنا توجيه انتباه القارئ إلى ما لا تتصف به الطاقة السالبة. فيجب ألا نخلط بينها وبين المادة المضادة ذات الطاقة الموجبة. عندما يرتطم الإلكترون مع جسيمه المضاد، البوزيترون، يفنيان معا منتجيْن إشعاعات گاما ذات طاقة موجبة. فلو كانت الجسيمات المضادة مكونة من طاقة سالبة لأصبحت الطاقة النهائية مساوية الصفر في مثل هذا التفاعل. يجب كذلك عدم الخلط بين الطاقة السالبة والطاقة المرتبطة بالثابت الكوسمولوجي التي تدخل في نماذج تضخم الكون [انظر: «اللاتثاقل الكوسمولوجي»، مجلة العلوم العدد 11(1999)، ص 58]. إن مثل هذا الثابت يمثل ضغطا سالبا وإنما بطاقة موجبة. (يُسمي بعض المؤلفين ذلك المادة الغريبة، ولكننا نقصر هذه التسمية على كثافات الطاقة السالبة.)

    عادة ما تكون كثافة طاقة الموجات الضوئية في مختلف نقاط الفضاء موجبة أو تساوي الصفر (في الأعلى). أما فيما يسمى بالحالة المعتصرة، فيمكن لكثافة الطاقة أن تصبح سالبة في لحظة معينة في بعض الأمكنة (في الأسفل) وللتعويض يجب أن ترتفع ذروة peak الكثافة الموجبة.

    ليس مفهوم الطاقة السالبة مجرد خيال، فقد وصل الأمر إلى إنتاج بعض تأثيراته في المختبر. ومنشأ هذه التأثيرات هو مبدأ الريبة (عدم التحديد) لِهايزنبرگ القاضي بالتأرجح العشوائي لكثافة طاقة الحقلين الكهربائي والمغنطيسي وغيرهما من الحقول. وحتى إذا ساوت كثافة الطاقة الصفر وسطيا ـ كما هي الحال في الخواء ـ فهي تتأرجح. وبالتالي فإن الخواء الكمومي لا يبقى أبدا خاليا بالمعنى التقليدي، فهو بحر هائج من الجسيمات الافتراضية تظهر للوجود فجأة ثم تختفي [انظر: «استغلال طاقة النقطة صفر»، مجلة العلوم، العددان 6/7(1998)، ص 40]. في النظرية الكمومية، إن فكرة صفرية الطاقة تقابل فكرة الخواء مع كل تأرجحاته. وهكذا فإن وجدت وسيلة لإخماد التموجات فسيكون للخواء طاقة أقل من تلك التي يمتلكها عادة، أي أقل من طاقة الصفر.

    وعلى سبيل المثال، استطاع باحثون في مجال الضوء الكمومي تكوين حالات خاصة لحقول تعمل التداخلات الكمومية المدمرة فيها على إخماد تأرجحات الخواء. وهكذا تتضمن تلك الحالات المسماة بالحالات المعتَصرة (المنكبسة) طاقة سالبة. وعلى وجه التحديد ترتبط هذه الحالات بمناطق تتناوب فيها الطاقتان الموجبة والسالبة؛ ويظل متوسط الطاقة الكلية في كل الفضاء موجبا. والطاقة السالبة التي تنشأ عن كبس الخواء في مكان ما، تقابلها طاقة موجبة إضافية في مكان آخر. وتتضمن إحدى التجارب النموذجية حزم ليزر تمر عبر مواد ضوئية لاخطية [انظر: «الضوء المعتصر»، مجلة العلوم، العدد 4(1988)، ص 74]. يحرض ضوء الليزر الشديد المادة على تكوين أزواج من الفوتونات (كمات الضوء). يرفع هذا الزوج من الفوتونات ويخفض تأرجحات الخواء بالتناوب مما يؤدي إلى وجود مناطق ذات طاقة موجبة وأخرى ذات طاقة سالبة على التوالي.

    تدخل طريقة أخرى لإنتاج الطاقة السالبة حدودا هندسية في الفضاء. فقد بين الفيزيائي الهولندي <G .B .H. كازيمير > Casimir عام 1948 كيف أن وجود صفيحتين معدنيتين متوازيتين وغير مشحونتين يعدل تأرجحات الخواء مما يجعلهما تتجاذبان. وقد حُسبت كثافة الطاقة بين الصفيحتين فيما بعد وتبين أنها سالبة. وفي الواقع تنقص الصفيحتان من التأرجحات في الحيز الفاصل بينهما، وهذا يولد طاقة سالبة وضغطا مما يؤدي إلى جذب كل من الصفيحتين الواحدة نحو الأخرى. وكلما ضاق الحيز كان الضغط أكبر والطاقة أكثر سالبية وكانت القوة الجاذبة أكثر شدة. وقد قاس تأثير كازيمير مؤخرا كل من <K .S. لامورو> Lamoreaus [من المختبر القومي في لوس آلاموس] و<عمر محيي الدين> [من جامعة كاليفورنيا في ريفر سايد] مع زميله <A. روي> Roy. وعلى نحو مماثل تنبأ <W .C .P. ديڤيس> Davies و<A .S. فولينگ> Fulling عام 1970 [عندما كانا في گينك كوليج بجامعة لندن] بإمكانية إنتاج دفقٍ من الطاقة السالبة بوساطة حدود boundary متحركة، كمرآة متحركة مثلا.

    لم يقس الباحثون سواء في تأثير كازيمير أو في الحالات المعتصرة إلا الآثار غير المباشرة للطاقة السالبة. والكشف المباشر أكثر صعوبة، ولكنه قد يكون ممكنا باستخدام السپينات الذرية atomic spins، كما اقترح ذلك <G .B. گروڤ> Grove و<C .A. أوتويل > Ottewill وأحد كاتبي هذه المقالة (فورد) عام 1992. كان <گروﭪ> يعمل حينذاك في وزارة الداخلية البريطانية و<أوتويل> في جامعة أكسفورد.

    ثقالة وخفة
    يَظهر مفهوم الطاقة السالبة في مجالات متعددة من الفيزياء الحديثة ويرتبط ارتباطا وثيقا بالثقوب السوداء المكتنفة بالأسرار، فحقل تثاقلها من الشدة بحيث ما من شيء يستطيع الانفلات من داخلها عبر حدودها المسماة أفق الحدث the event horison. وقد جاء تنبؤ <W .S. هوكينگ> Hawking الشهير القائل بتبخر الثقوب السوداء نتيجة إصدارها للإشعاع عام 1974(4) [يعمل هوكينگ في جامعة كامبردج]. تتناسب الطاقة التي يشعها الثقب الأسود عكسا مع مربع كتلته. ومع أن معدل التبخر غير كبير ـ إلا فيما يتعلق بالثقوب السوداء التي لا تتجاوز أبعادها أبعاد الذرة ـ فإنه يزودنا بصلة أساسية بين قوانين الثقوب السوداء وقوانين الديناميك الحراري: يسمح إشعاع هوكينگ للثقوب السوداء بالوصول إلى التوازن الحراري مع البيئة المجاورة لها.

    يقوم المسلك الدودي بدور نفق يصل بين موقعين متباعدين في الفضاء. ويمكن للأشعة الضوئية الصادرة عن A لتصل إلى B أن تدخل فوهة المسلك الدودي لتخرج من الفوهة الثانية عبر حلقه. وفي هذا الحلق يجب أن توجد طاقة سالبة (باللون الأزرق) يسمح حقلها التثاقلي للأشعة الضوئية المتقاربة للبدء بالتباعد (هذا المخطط تمثيل ببعدين لفضاء ذي ثلاثة أبعاد. فوهتا المسلك وحلقه هي في الواقع كرات). ومع أننا لا نظهر ذلك هنا، فإن بإمكان المسلك الدودي الوصل بين نقطتين مختلفتين في الزمن.

    للوهلة الأولى، يبدو أن التبخر يؤدي إلى تناقض. فالأفق طريق وحيد الاتجاه؛ لا تتدفق الطاقة عبره إلا نحو الداخل. كيف يمكن إذًا للثقب الأسود بث الطاقة نحو الخارج؟ والجواب هو أن مبدأ حفظ الطاقة يتطلب أن يصاحب إنتاج الطاقة الموجبة ـ التي يراها المراقبون من مسافات بعيدة على شكل إشعاع هوكينگ ـ فيض من الطاقة السالبة يدخل الثقب. يُنْتج الطاقة السالبة هنا الانحناء الشديد للزمكان في جوار الثقب، الذي يؤدي إلى اضطراب تأرجحات الخواء. وهكذا نرى أن الطاقة السالبة أمر منطقي يقتضيه توحيد فيزياء الثقب الأسود مع الديناميك الحراري.

    والثقب الأسود ليس المنطقة المنحنية الوحيدة في الزمكان التي يبدو أن الطاقة السالبة تؤدي دورا فيها. فهناك أيضا المسلك الدودي، وهو نوع مفترض من الأنفاق يصل بين منطقتين في الزمكان. وقد كان الرأي السائد لدى الفيزيائيين أنه لا وجود للمسالك الدودية إلا بمقاييس الطول الدقيقة جدا وأنها تُزبد وتختفي من الوجود كما تفعل الجسيمات الافتراضية [انظر: «الجاذبية الكمومية»، مجلة العلوم ،3 (1987) ، ص 103]. وقد بين الفيزيائيان <R. فوللر> Fuller و<A .J. ويلر> Wheeler في أوائل الستينات أن المسالك الدودية الكبيرة سوف تنهار تحت تأثير تثاقلها الذاتي بسرعة كبيرة إلى حد أنها لا تترك الوقت الكافي لاجتيازها من قبل حزمة ضوئية.

    إلا أن باحثين عديدين وجدوا غير ذلك في أواخر الثمانينات. ومنهم بشكل خاص <S .M. موريس> Morris و<S .K. ثورن> Thorne [من معهد كاليفورنيا للتقانة] و<M. ڤيسر> Visser [من جامعة واشنطن]. وفي الواقع، يمكن لبعض المسالك الدودية أن تتسع لشخص بل ولمركبة فضائية. وهكذا قد يمكن دخول شخص من فوهة المسلك الموجودة على سطح الأرض مثلا، والسير مسافة قصيرة والخروج من الفوهة الثانية في مجرة المرأة المسلسلة(5) مثلا. إن ما أوقع الفيزيائيين الآخرين في الخطأ هو أن المسالك الدودية التي يمكن عبورها تتطلب طاقة سالبة. ولما كانت الطاقة السالبة ذات تثاقل طارد فإنها ستمنع المسلك الدودي من الانهيار.

    إن فقاعة الزمكان هي أكثر ما يقرب الفيزياء الحديثة من التسيير بسرعة تفوق سرعة الضوء في الخيال العلمي. ويمكن لهذه الفقاعة أن تنقل سفينة نجمية بسرعات عالية اختيارية. يتقلص الزمكان أمام الفقاعة مختصرا المسافة إلى المكان المقصود ويتمدد خلفها مما يزيد من المسافة التي تفصلها عن نقطة الانطلاق (الأسهم). وتبقى السفينة ساكنة بالنسبة إلى الفضاء المحيط بها مباشرة ولا يشعر الملاحون بأي تسارع. والطاقة السالبة مطلوبة على أطراف الفقاعة (الأزرق).

    لكي يمكن عبور مسلك دودي، يجب أن يسمح، كحد أدنى، للإشارات المنطلقة على صورة أشعة ضوئية باجتيازه. والأشعة الضوئية الداخلة إلى فوهة المسلك متقاربة (متبوئرة)(6)، ويجب أن تتحول إلى أشعة متباعدة للخروج من الفوهة الأخرى. وبعبارة أخرى يجب أن يتحول التقارب إلى تباعد في مكانٍ ما بين الفوهتين [انظر الشكل في الصفحة المقابلة]. وهذه العملية تتطلب طاقة سالبة؛ ففي حين يؤدي انحناء الزمكان الناتج من حقل التجاذب التثاقلي دور العدسة المقربة تؤدي الطاقة السالبة دور العدسة المفرقة.

    أسرع من الضوء
    إن مثل هذه التشوهات في الزمكان يزودُ الخيال العلمي بمادة أولية أخرى: السفر بسرعة تفوق سرعة الضوء. فقد اكتشف <A .M. مويا> Moya عام 1994 [عندما كان في جامعة ويلس بكارديف] حلا لمعادلات آينشتاين ينطوي على كثير من الصفات المشتركة مع التسيير بسرعة تفوق سرعة الضوء وذلك بتشويه الزمكان. يصف هذا الحل فقاعة في الزمكان تنقل سفينة نجمية بسرعات كبيرة اختيارية بالنسبة إلى الراصدين خارج الفقاعة. وتبين الحسابات ضرورة وجود طاقة سالبة.

    إن المنظر من على ظهر سفينة نجمية تسير بسرعة تفوق سرعة الضوء وتتجه نحو الدب الأصغر (في الأعلى) لا يشبه، بأي حال من الأحوال، الشرائط الضوئية الضيقة التي يصورها الخيال العلمي، عندما ترتفع السرعة (في اليسار) تبدو النجوم في مقدمة السفينة (العمود الأيمن) أقرب فأقرب من اتجاه الحركة ويميل لونها إلى الزرقة. أما خلف السفينة (العمود الأيسر) فتنزاح النجوم نحو الوراء ويزداد احمرارها وتنحجب عن الرؤية في آخر المطاف. ويظل الضوء الآتي من النجوم الواقعة مباشرة فوق السفينة أو تحتها من دون تغيير.


    قد يبدو مبدأ التسيير بسرعة تفوق سرعة الضوء متناقضا مع نظرية النسبية الخاصة لآينشتاين. ولكن ما تقول به النسبية هو أنك لن تستطيع سبق إشارة ضوئية في سباق مشروع تسلكان فيه كلاكما الطريق نفسه. ولا شيء يمنعك في حال التواء الزمكان من الفوز على الإشارة الضوئية باتباعك طريقا أخرى مختصرة. ويُمكّن من هذا الاختصار، تقلص الزمكان أمام الفقاعة وتوسعه خلفها [انظر الشكل في الصفحة 41].

    أشار <V .S. كراسنيكوڤ> Krasnikov [من المرصد الفلكي المركزي المُقام قرب سان بطرسبرگ] إلى مشكلة في النموذج الأصلي لآلكوبيير؛ وهي أن الفقاعة داخل الالتواء تنفصل عشوائيا عن حدها الأمامي. ولا يمكن لقبطان السفينة النجمية في الداخل أن يدير دفة الفقاعة، أو أن يشغلها أو يوقفها؛ وبالتالي، فلا بد أن تقوم هيئة خارجية ببرمجتها مقدما. واقترح للتخلص من هذه المشكلة «نفقا فوق ضوئي» superluminal subway أي أنبوب زمكان معدلا (ولكنه ليس مسلكًا دوديًّا) يصل بين الأرض ونجم بعيد. ويمكن الانتقال داخل هذا النفق في اتجاه واحد بسرعة تفوق سرعة الضوء. ومن الممكن لملاحي سفينة فضائية تكوين مثل هذا النفق أثناء قيامهم برحلة الذهاب بسرعة تقل عن سرعة الضوء، وقد يمكنهم العودة إلى الأرض بسرعة تفوق سرعة الضوء. وكما هي الحال في فقاقيع الزمكان فإن النفق يقتضي وجود طاقة سالبة. وقد بين باحثون بعد ذلك أن ما من مشروع للسفر بسرعة تفوق سرعة الضوء إلا ويتطلب طاقة سالبة. وهؤلاء الباحثون هم <D .K. أولم> Olum [من جامعة توفتس] و<ڤيسر> و<B. باسيت> Bassett [من أكسفورد] و<S. ليبراتي> Liberati [من المدرسة الدولية للدراسات المتقدمة في تريستا].

    إذا استطعنا إنشاء مسالك دودية وأنفاق كراسنيكوڤ فقد يصبح الترحال عبر الزمن ممكنا. إن مرور الزمن أمر نسبي يتوقف على سرعة الراصد. فإذا غادر المرء الأرض في سفينة فضائية وسافر بسرعة تقارب سرعة الضوء ثم عاد، فإنه سيجد أنه تقدم في العمر أقل من نظيره الذي بقي على سطح الأرض. وإذا أمكن للمسافر أن يتجاوز سرعة الضوء فربما، إذا سلك طريقا مختصرة خلال مسلك دودي أو فقاعة زمكان، فإنه يعود قبل أن يبدأ رحلته. وفي عام 1988 اقترح موريس مع آخرين [كانوا في جامعة كالتيك حينذاك] آلة زمنية على شكل مسلك دودي. وقد أثارت مقالتهم التي تضمنت هذا الاقتراح، بحوثا عديدة في التسعينات من القرن العشرين حول الترحال الزمني. ولكن هوكينگ برهن عام 1992 أن بناء آلة زمنية في منطقة محدودة من الزمكان يتطلب بالضرورة طاقة سالبة.

    والطاقة السالبة غريبة إلى حد يحمل على الظن أنها تنتهك حتمًا بعض قوانين الفيزياء. إن الطاقة الكلية للفضاء الخالي تساوي الصفر قبل وبعد إحداث المقدارين المتساويين من الطاقة الموجبة والسالبة؛ أي إن مبدأ حفظ الطاقة لايزال ساري المفعول. ولكن هناك ظواهر عديدة تحفظ الطاقة ولا تحدث البتة في العالم الحقيقي: فلا يعود الزجاج المهشم إلى التجمع؛ ولا تتدفق الحرارة تلقائيا من الجسم البارد إلى الجسم الساخن. إن قانون الديناميك الحراري الثاني يمنع وقوع هذه الحوادث وأمثالها. وينص هذا القانون العام على استحالة انخفاض الأنتروبية ـ وهي مقياس درجة فوضى نظام ما ـ من دون توفير طاقة. وهكذا فلا بد من مصدر خارجي للطاقة حتى يتمكن البراد (الثلاجة) من امتصاص الحرارة من داخله البارد إلى خارجه الأسخن. وعلى النحو نفسه يمنع هذا المبدأ التحول التام للحرارة إلى شغل ميكانيكي.

    ويبدو أن الطاقة السالبة تتعارض مع القانون الثاني. لنتصور حزمة طاقة سالبة ينتجها ليزر دخيل باستمرار. فمبدأ حفظ الطاقة يقتضي إنتاج سيل مستمر من الطاقة الموجبة. ويمكن توجيه حزمة الطاقة السالبة نحو منطقة نائية في الكون واستغلال الطاقة الموجبة للقيام بعمل مفيد. وهكذا يمكن استخدام منبع الطاقة هذا، الذي يبدو أنه لا ينفد، لصنع آلة دائمة الحركة؛ وهذا يتناقض مع القانون الثاني. فإذا وجهنا الحزمة (السالبة) نحو كأس من الماء فسيبرد، بينما نستغل الطاقة الموجبة المستخرجة لتشغيل محرك صغير يُشغِل برّادًا من دون حاجة إلى مصدر طاقة خارجي. وليس منشأ هذه المشكلات وجود الطاقة السالبة بحد ذاتها وإنما الفصل غير المقيد بين الطاقتين الموجبة والسالبة.

    كما أن النتائج المترتبة على الطاقة السالبة عميقة في حال الكوسمولوجيا (علم الكون). فحينما يتشكل ثقب أسود من انهيار نجم يموت، تتنبأ نظرية النسبية العامة بحدوث حالة شاذة (فريدة) singularity في الزمكان تقابل منطقة من الفضاء يصبح حقل التثاقل فيها لامتناهيا في الشدة. وليس بمقدور النسبية العامة ـ ولا بمقدور أي من القوانين الفيزيائية المعروفة ـ أن تخبرنا عما سيجري بعدئذ. ويمثل هذا العجز فشلا ذريعا لتوصيفنا الرياضياتي للطبيعة. ولكن الضرر يبقى محدودا مادامت الحالة الشاذة (الفريدة) مختبئة داخل أفق الحدث، إذ لن يتأثر وصف الطبيعة في أي مكان خارج الأفق. وهذا ما دعا <R. پنروز> Penrose [من جامعة أكسفورد] إلى وضع فرضية الرقابة الكونية(7): يستحيل وجود حالات شاذة عارية، أي لا يغطيها أفق الحدث.

    تسمح النظرية الكمومية بوجود نبضات طاقة سالبة وفق الشروط الثلاثة الآتية: أولا، كلما طال أمد بقاء النبضة انخفضت شدتها a)، (b. ثانيا، يجب أن تتبع النبضة السالبة نبضة موجبة قيمتها أكبر من قيمة النبضة السالبة. ثالثا، تكبر قيمة النبضة الموجبة مع ازدياد طول الفاصل الزمني بين النبضتين. يعرف هذا المفعول باسم الفائدة الكمومية (c).

    من حيث المبدأ، يمكن في بعض الأنواع الخاصة من الثقوب السوداء التي تكون إما مشحونة أو دوارة(8)، وهي المعروفة باسم الثقوب السوداء القصوى، هدم الأفق وتحويل الثقب إلى حالة شاذة عارية، وذلك نتيجة زيادة طفيفة في الشحنة أو السپين أو نقصان طفيف في الكتلة. هذا ولم تنجح محاولات زيادة شحنة أو سپين هذه الثقوب باستعمال المادة العادية لأسباب عدة. لذا فمن الأفضل أن يتصور المرء بدلا من ذلك، إنقاص الكتلة بإضاءة الثقب بحزمة طاقة سالبة لا تغير سپينه أو شحنته؛ وهكذا نتملص من الرقابة الكونية. وعلى سبيل المثال، يمكن توليد هذه الحزمة باستعمال مرآة متحركة. يكفي، من ناحية المبدأ مقدار ضئيل من الطاقة السالبة لإنتاج تغير مهم في حالة الثقب الأسود الأقصى. ولعل هذا هو السيناريو الذي يرجح أن تُنتِج الطاقةُ السالبة فيه تأثيرات ماكروسكوبية (كبرية).

    ليست منفصلة وليست متساوية
    لحسن الحظ (أو لسوئه حسب وجهة النظر) يبدو أن النظرية الكمومية، وإن كانت تسمح بوجود طاقة سالبة، تضع قيودا شديدة ـ تعرف باسم المتباينات الكمومية(9) ـ على مقدار هذه الطاقة وعلى أمدها. وكان فورد أول من اقترح هذه المتباينات عام 1978. وقد برهنا وآخرون على تلك المتباينات وأدخلنا تحسينات عليها خلال العقد الماضي. ومن بين الذين عملوا في هذا الموضوع <E .E. فلاناگان> Flanagan [من جامعة كورنيل] وآخرون.

    تشبه هذه المتباينات، إلى حد ما، مبدأ الريبة (عدم التحديد) the uncertainty principle. فهي تنص على أنه لا يمكن لحزمة طاقة سالبة أن تكون شديدة كما نشاء وأن تستمر طويلا كما نشاء. ويتناسب مقدار الطاقة السالبة المسموح به عكسا مع زمن استمرارها أو حيزها. كما يمكن لنبضة شديدة من الطاقة السالبة أن تدوم زمنا قصيرا، ويمكن لنبضة ضعيفة أن تدوم زمنا أطول. أضف إلى ذلك أنه لا بد أن تَتبع النبضة السالبة البدائية نبضة موجبة أكبر منها [انظر الشكل في الصفحة 43]. وكلما كبر مقدار الطاقة السالبة اقترب منها نظيرها الموجب؛ وهذه القيود لا تتوقف على شروط إنتاج الطاقة السالبة. ويمكن للمرء أن يتصور الطاقة السالبة كقرض طاقي(10). وكما أن الدَّيْن عملة سالبة يجب ردها فإن الطاقة السالبة عجز في الطاقة. ويمتد التشابه أبعد من ذلك كما سنرى.

    إن جميع محاولات الالتفاف على القوانين الكمومية التي تتحكم في الطاقة السالبة تنتهي دائما بخيبة الأمل. يعتزم القائم بالتجربة فصل نبضة الطاقة السالبة عن النبضة الموجبة المتعادلة معها. وعندما تقترب النبضتان من العلبة (a) يحاول عزل النبضة السالبة بإغلاق الفتحة التي دخلت منها (b)؛ إلا أن مجرد الإغلاق يحدث نبضة موجبة ثانية داخل العلبة (c).

    ففي حالة مفعول كازيمير يمكن، من ناحية، لكثافة الطاقة السالبة بين الصفيحتين أن تستمر بلا حد ولكن الكثافة العالية للطاقة السالبة تقتضي، من ناحية أخرى، فاصلا صغيرا جدا بين الصفيحتين. وتتناسب كثافة الطاقة السالبة عكسا مع القوة الرابعة للمسافة الفاصلة بين الصفيحتين. وهكذا فكما أن نبضة طاقة سالبة بكثافة عالية جدا تكون محددة زمنيا فلا بد أن تنحصر الكثافة العالية لطاقة كازيمير السالبة بين صفيحتين جد متقاربتين. ويمكن وفق المتباينات الكمومية تخفيض كثافة الطاقة في الحيز الفاصل بين الصفيحتين بصفة مؤقتة إلى أقل من قيمة كازيمير. وفي الواقع كلما جربنا تخفيض كثافة الطاقة إلى ما دون قيمة كازيمير قصر الزمن الذي يمكن معه استمرار هذه الحالة.

    يفرض تطبيق المتباينات الكمومية على المسالك الدودية وأنفاق كراسنيكوڤ شروطا معينة. فهذه البنى إما أن تقتصر على الأبعاد تحت المجهرية (المكروسكوبية) وإما أن تنحصر الطاقة السالبة، في حال كون البنية ماكروسكوبية في قطاعات ضيقة للغاية. وقد بيّنا عام 1996 أن نصف قطر حلق(11) مسلك دودي تحت مكروي (مجهري) لا يتجاوز 32-10 متر. وهو مقدار أكبر بقليل من أصغر مسافة يمكن تعريفها، ونقصد طول پلانك المساوي ل10-35 متر. كما وجدنا أنه من الممكن وجود نماذج من المسالك الدودية بأبعاد محسوسة شريطة انحصار الطاقة في قطاع في منتهى الضيق حول الحلق. ويتطلب، على سبيل المثال، حلق نصف قطره متر واحد في أحد هذه النماذج سُمكَ قطاع طاقة سالبة مساو ل10-21، أي واحدا من مليون من أبعاد البروتون. وقدر <ڤيسر> مقدار الطاقة السالبة التي يتطلبها مسلك دودي بهذه الأبعاد، ووجد أنه يساوي مقدار الطاقة الكلية التي تولدها عشرة بلايين من النجوم في العام. وليس الوضع بأفضل عندما تزيد الأبعاد. ويتناسب سمك قطاع الطاقة السالبة الأقصى المسموح به في النموذج المذكور مع الجذر التكعيبي لنصف قطر الحلق، فلو بلغ طول نصف قطر الحلق أبعاد سنة ضوئية لبقيت الطاقة السالبة منحصرة حتما في منطقة تقل أبعادها عن أبعاد البروتون، ويتناسب مقدار الطاقة الكلية المطلوبة خطيا مع أبعاد الحلق.

    لذا فإن المشكلات التي تعترض مصممي المسالك الدودية مثبطة لهم على ما يبدو. فعليهم أن يجدوا آلية لحصر كميات كبيرة من الطاقة السالبة في حجوم دقيقة للغاية. هناك ما يسمى بالأوتار الكونية(12)، التي تفترض وجودها بعض النظريات الكوسمولوجية (الكونية)، التي تتضمن كثافات عالية الطاقة تنتظم في خطوط ضيقة وطويلة. إلا أن كثافة طاقة جميع نماذج الأوتار الكونية المعروفة والمقبولة فيزيائيا موجبة.

    وكما بيّنا، بالتعاون مع آخرين فإن القيود على التسيير بتشويه الزمكان أشد صرامة. إن سمك جدار فقاعة زمكانية تسير بسرعة تساوي عشر مرات سرعة الضوء، يجب ألا يتجاوز 10-32 متر. والفقاعة التي تتسع لسفينة نجمية عرضها 200 متر تتطلب طاقة سالبة قيمتها 10 بلايين مرة كتلة الكون المرصود . وينطبق مثل هذه القيود على نفق كراسنيكوڤ فوق الضوئي. وحديثا أنشأ <V .Ch. دين بروك> Broeck [من جامعة لوڤان] نموذجًا معدلاً لنموذج آلكبيير يتطلب قدرا من الطاقة السالبة أقل بكثير مما ذكرنا، ولكنه يضع السفينة النجمية في زجاجة زمكانية منحنية عرض عنقها 10-32 متر، وهو عمل بطولي صعب! ولا شك أن هذه النتائج تجعل من شبه المستحيل باستخدام الطاقة السالبة المولَّدة بالتأثيرات الكمومية، بناء مسالك دودية والتسيير بسرعة تفوق سرعة الضوء وذلك بتشويه الزمكان.

    بريق كمومي وفائدة كمومية
    تَحول المتباينات الكمومية دون انتهاك القانون الثاني. فإذا حاولنا استعمال نبضة من الطاقة السالبة لتبريد جسم ساخن فستتبعها بسرعة نبضة طاقة موجبة أكبر منها تعيد تسخين الجسم. ويمكن لنبضة طاقة سالبة ضعيفة البقاء منفصلة عن رفيقتها الموجبة لفترة طويلة. ولكن يتعذر تمييز تأثيراتها عن التأرجحات الحرارية العادية. وقد باءت بالفشل محاولات اقتناص الطاقة السالبة أو فصلها عن الطاقة الموجبة. يمكن مبدئيا اعتراض حزمة طاقة، مثلا بوساطة علبة لها مصراع غلق، مما يجعلنا نأمل تَصيُّد نبضة من الطاقة السالبة وإغلاق العلبة قبل وصول الطاقة الموجبة المقابلة لها. إلا أن إغلاق المصراع بحد ذاته يُولِّد دفق طاقة يمحو الطاقة السالبة التي صُمم لاقتناصها [انظر الشكل في الصفحة المقابلة].

    وقد بيَّنا أيضا وجود قيود مماثلة على انتهاك الرقابة الكونية. يمكن لنبضة طاقة سالبة حُقن بها ثقب أسود مشحون أن تهدم الأفق مؤقتا وتكشف عن الحالة الشاذة التي يحويها. إلا أن نبضة طاقة موجبة ستتبع النبضة السالبة وتعيد الحالة الشاذة العارية إلى داخل ثقب أسود. لقد سمينا هذا السيناريو إيماضا كونيا cosmic flashing. ولعل أفضل إمكانية لمراقبة الإيماض الكوني هي إطالة الزمن الفاصل بين نبضتي الطاقة السالبة والموجبة إلى أقصى حد بحيث تدوم الحالة الشاذة العارية أطول مدة ممكنة. ولكن، حسب المتباينات الكمومية، يتحتم أن يكون مقدار نبضة الطاقة السالبة صغيرا جدا؛ وبالتالي فإن التغير في كتلة الثقب الأسود الذي تسببه نبضة الطاقة السالبة سوف تزيله التأرجحات الكمومية العادية في كتلة الثقب (هذه التأرجحات هي نتيجة طبيعية لمبدأ الريبة). وهكذا ستصبح رؤية الحالة الشاذة العارية ضبابية وبالتالي سيتعذر على أي مراقب عن بُعْد التحقق من دون لبس من انتهاك الرقابة الكونية.

    تقود المتباينات الكمومية إلى قيود أشد على الطاقة السالبة، وهذا ما برهنّا عليه مع آخرين حديثًا. والنبضة الموجبة التي تتبع بالضرورة النبضة السالبة يجب أن تفعل أكثر من مجرد التعادل معها، أي يجب أن تتخطى هذا التعادل. ويزداد مقدار هذا التخطي بازدياد الفترة الزمنية بين النبضتين. لذا فلا تلغي النبضتان تماما إحداهما الأخرى. ويجب أن تتغلب الطاقة الموجبة دائما، وهو تأثير يعرف باسم الفائدة الكمومية quantum interest. فإذا نظرنا إلى الطاقة السالبة على أنها قرض، فإنه يجب تسديد القرض ودفع فوائده. وكلما امتد أجل القرض أو ارتفعت قيمته ازدادت الفوائد. إضافة إلى ذلك كلما كانت قيمة القرض كبيرة قصر أجله الأقصى المسموح به. والطبيعة هي بمثابة مصرفي داهية يسترد ديونه على الدوام.

    يرتبط مفهوم الطاقة السالبة بمجالات عديدة في الفيزياء: التثاقل والنظرية الكمومية والديناميك الحراري. ويعبر هذا التشابك بين فروع عديدة في الفيزياء عن البنية المنطقية القوية لقوانين الطبيعة. وتبدو الطاقة السالبة ضرورية، من جهة، للتوفيق بين الثقوب السوداء والديناميك الحراري. كما تمنع الفيزياء الكمومية، من جهة أخرى، إنتاج الطاقة السالبة من دون قيد لتعارض ذلك مع قانون الديناميك الحراري الثاني. ويبقى علينا أن نعرف ما إذا كان هذا التقييد أحد مقومات نظرية أعمق من سابقاتها مثل الثقالة الكمومية quantum gravity. ولا شك أن الطبيعة مازالت زاخرة بالأسرار.


    0 Not allowed!



  5. [395]
    عضو متميز


    تاريخ التسجيل: Aug 2010
    المشاركات: 597
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0
    المؤلفان
    Laurence H. Ford - Thomas A. Roman

    تعاونا في مسائل الطاقة السالبة خلال ما ينوف على عشر سنوات. حصل فورد على الدكتوراه من جامعة پرينستون عام 1974 تحت إشراف جون ويللر، أحد مؤسسي فيزياء الثقوب السوداء. وهو الآن أستاذ للفيزياء في جامعة توفتس ويعمل في مواضيع تتصل بالنسبية العامة والنظرية الكمومية، وعلى نحو خاص بالتأرجحات الكمومية. حصل رومان على الدكتوراه عام 1981 من جامعة سيراكوز تحت إشراف پيتر بيرگمان الذي تعاون مع آينشتاين في نظرية الحقول الموحدة. قام رومان بزيارات متكررة لمعهد الكوسمولوجيا في توفتس خلال السنوات العشر الأخيرة. وهو حاليا أستاذ للفيزياء في جامعة ولاية كونيكتيكت المركزية. ومن ضمن اهتماماته النتائج المترتبة على الطاقة السالبة في نظرية التثاقل الكمومية.
    مراجع للاستزادة
    BLACK HOLES AND TIME WARPS: EINSTEIN'S OUTRAGEOUS LEGACY Kip S. Thorne. W. W. Norton, 1994.
    LORENTZIAN WORMHOLES: FROM EINSTEIN TO HAWKING. Matt Visser American Institute of Physics Press, 1996.
    QUANTUM FIELD THEORY CONSTRAINS TRAVERSABLE WORMHOLE GEOMETRIES. L. H. Ford and T. A. Roman in Physical Review D, Vol. 53, No. 10, pages 5496-5507; May 15, 1996. Available at xacac.lanl.gov/abs/gr-qd9510071 on the World Wide Web.
    THE UNPHYSICAL NATURE OF WARP DRIVE. M. J. Pfenning and L. H. Ford in Classical and Quantum Gravity, Vol. 14, No. 7, pages 1743-1751; July 1997. Available at xxx.lanl.gov/abs/gr-qc/9702026 on the World Wide Web.
    PARADOX LOST. Paul Davies in New Scientist, Vol. 157, No. 2126, page 26; March 21, 1998.
    TIME MACHINES: TIME TRAVEL IN PHYSICS, METAPHYSICS, AND SCIENCE FICTION. Second edition. Paul J. Nahin. AIP Press, Springer-Verlag, 1999.
    THE QUANTUM INTEREST CONJECTURE. L. H. Ford arid T. A. Roman in Physical Review D, Vol. 60, No. 10, Article No. 104018 (8 pages); November 15, 1999. Available at xxc.lanl.gov/abs/gr-qd9901074 on the World Wide Web.
    Scientific American, January 2000

    للعنوان الأصلي للمقالة:
    (*) Negative Energy, Wormholes and Warp Drive طاقة سالبة ومسالك دودية وتسيير بسرعة تفوق سرعة الضوء.

    (1) زمكان space-time: نحت من زمان ومكان.
    (2) exotic matter
    (3) Star Trek مسلسل خيال علمي تلفزيوني أمريكي مشهور.
    (4) [انظر : ,The Quantum Mechanics of Black Holes," by S. W. Hawking
    Scientific American, January 1977].
    (5) Andromeda
    (6) converging متجهة نحو بؤرة.
    (7) the cosmic censorship
    (8) rotating black holes
    (9) quantum inequalities
    (10) energy loan
    (11) throat radius
    (12) cosmic strings






    0 Not allowed!



  6. [396]
    عضو متميز


    تاريخ التسجيل: Aug 2010
    المشاركات: 597
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0
    الفيزياء الكمومية للسفر في الزمن
    قد يرفض المنطق إمكانية مثل هذا السفر،
    لكن قوانين الفيزياء لا تحول دون ذلك.
    <D. دوتش> ـ <M. لوكوود>

    تصوَّر معنا أن صديقتنا صفاء تحتفظ في مرآبها بآلة تتيح لها السفر في الزمن، وأنها استعملتها في الليلة الماضية لزيارة جدها في عام 1934، أثناء فترة خطوبته من جدتها. وقد أقنعته بهويتها بذكر أسرار عائلية لم يكن قد باح بها لأحد حتى ذلك التاريخ. وقد أدهشه ذلك بشدة، لكن الذي سيلي كان أدهى. فعندما أخبر خطيبته أثناء الغداء بأنه قد قابل لتوه حفيدتهما المستقبلية أجابته السيدة معبِّرة عن شكوكها بسلامة عقله وعن استيائها من هذا الادعاء. ففسخت خطوبتهما ولم ينجبا قط تلك الطفلة التي كانت ستصبح أُمَّ صفاء.

    فكيف يمكن لصفاء أن تجلس اليوم لتحدثنا عن مغامراتها؟ وإذا كانت أمها لم تولد قط فكيف ولدت هي نفسها؟ إن السؤال الحقيقي هو التالي: عندما تعود صفاء إلى عام 1934، هل تستطيع، أم لا تستطيع، أن تتسبب في قطع علاقة جديها العاطفية؟ إن الجواب عن هذا السؤال يخلق مشكلات عديدة، سواء كان نفيا أو إيجابا. فإذا استطاعت صفاء أن تحول دون ولادتها، فالتناقض واضح. وإذا لم تستطع، فإن عجزها يتعارض مع المنطق المعقول: إذ ما الذي يحول دون أن تتصرف على هواها؟ هل يوجد شيء غامض يشل قدرتها كلما حاولت أن تنفذ بعض رغباتها؟

    إن ظروفا كهذه ـ وهي شكل مبسط من "مفارقة الجد" التقليدية، تلك المفارقة التي تجعل الجد يُقتل بيد حفيده القادم من المستقبل ـ تُعتبر، في العادة، أمرًا منافيا لفكرة السفر في الزمن ومع ذلك فمن المدهش أن قوانين الفيزياء لا تحول دون حدوث مثل هذه المغامرات.

    وقد ناقش فيلسوف أكسفورد <M. دوميت> مفارقة أخرى غالبا ما تحدث في روايات الخيال العلمي. إنها تتصور ناقدا فنيا يأتي من المستقبل لزيارة رسام في القرن العشرين يعتبره معاصرو الناقد فنانا عظيما. وعندما يشاهد الناقد لوحات الرسام الحالية يجد أنها متوسطة المستوى ويستنتج أن هذا الرسام لم يُنتج بعد اللوحات الرائعة التي أثارت إعجاب أجيال المستقبل. وعندئذ يُطلع الناقد هذا الرسام على كتاب يحوي صورا لهذه الأعمال المتأخرة، فيحتال الرسام في إخفاء هذا الكتاب ويجبر الناقد على الانصراف من دونه، ثم يكتفي بتقليد صور الكتاب بعناية كبيرة على شكل لوحات. وبذلك تكون المقلّدات موجودة لأنها نسخ من اللوحات، واللوحات موجودة لأنها نسخ من المُقلدات. وعلى الرغم من أن هذه القصة ليس فيها أي تناقض، فإنها تنطوي على شيء خاطئ جدا. إنها ترمي إلى إعطائنا اللوحات دون أن يضطر أحد إلى بذل جهد فني كي يبتكرها ـ نوع من "الوجبة الفنية المجانية."

    لقد اعتاد الفيزيائيون، من خلال قناعتهم بهذه الاعتراضات، أن يتذرعوا بمبدأ تسلسل زمني لا يسمح بالسفر باتجاه الماضي. والسفر باتجاه واحد نحو المستقبل لا يطرح مشكلات من هذا القبيل. تتنبأ نظرية النسبية الخاصة لآينشتاين بإمكانية أن يتوغل ملاحو الفضاء (ممن يتاح لهم أن ينجزوا رحلة ذهاب وإياب إلى الأرض بتسارعات كافية) عشرات السنين في المستقبل دون أن يشيخوا سوى سنة أو سنتين؛ إلا أن من المهم أن نميّز بين التنبؤات من هذا القبيل، التي تقتصر على إدهاشنا، وبين المعالجات التي قد تخرق قوانين الفيزياء أو المبادئ الفلسفية التي يمكن تبريرها بأسلوب مستقل.

    مفارقة الجد، التي مفادها أن يمنع المسافر الزمني ولادة نفسه، حجة قديمة ضد السفر في الزمن.

    سنشرح فيما يلي لماذا لا ينْتَهِك السفرُ باتجاه الماضي أيا من هذه القوانين. وفي سبيل ذلك علينا أولا أن نفحص مفهوم (مبدأ) الزمن ذاته كما يفهمه الفيزيائيون. ففي نظريتي آينشتاين النسبية الخاصة والعامة تنضم إحداثيات المكان الثلاثة مع الإحداثي الزمني لتصنع كلها معا زمكانا(1) ذا أربعة أبعاد. ففي حين يتألف المكان من نقاط فضائية يتألف الزمكان من نقاط زمكانية، أو أحداث؛ أحداث يمثل كل منها موضعا معينا في زمن معين. فحياتك تتخذ في الزمكان شكل "دودة" ذات أربعة أبعاد، نهاية ذيلها تقابل حادث ولادتك، ومقدمة رأسها تمثل حادث وفاتك. والنظرة إلى جسم ما، في لحظة معينة، تريك مقطعا عرضيا ذا ثلاثة أبعاد من هذه الدودة الطويلة الدقيقة ذات الالتواءات المعقدة. أما الخط الذي تقع الدودة على طوله (بإهمال ثخنه) فيسمى الخط العالمي لهذا الجسم.

    وعند كل نقطة من خطك العالمي تكون الزاوية التي يصنعها هذا الخط مع محور الزمن قياسا لسرعتك. والخط العالمي للشعاع الضوئي يُرسم نموذجيا كمستقيم يصنع زاوية 45 درجة مع محور الزمن، والومضة الضوئية المنتشرة في كل الاتجاهات تشكل مخروطا في الزمكان يسمى مخروط الضوء [انظر الشكل في الصفحة التالية]. والفرق المهم بين الفضاء العادي والزمكان هو أن الخط العالمي ـ بخلاف الخط المرسوم على الورق مثلا ـ لا يمكن أن يتخذ شكل التواءات اعتباطية. ولما كانت الأشياء كلها لا يمكن أن تتحرك بأسرع من الضوء، فإن الخط العالمي لأي شيء مادي (طبيعي) لا يمكن أن يخرج عن مخروط الضوء الصادر عن حدث وقع في ماضي ذلك الشيء. ويقال عن الخطوط العالمية التي تستجيب لهذه الخاصية إنها من نوع الزمن. والزمن، كما يقاس بالميقاتيات يتزايد باتجاه واحد على طول الخط العالمي.

    تتطلب نظرية آينشتاين النسبية الخاصة أن تكون الخطوط العالمية، للأشياء الطبيعية، من النوع الزمني. وتتنبأ معادلات الحقل في نظريته النسبية العامة بأن الأجسام العظيمة الكتلة، كالنجوم والثقوب السوداء، تشوه الزمكان وتحني الخطوط العالمية. ذلك هو أصل التثاقل في هذه النظرية: يتلولب الخط العالمي للأرض حول الخط العالمي للشمس، الذي يتلولب هو الآخر حول الخط العالمي لمركز مجرتنا.

    هب أن الزمكان صار مشوها لدرجة أن بعض الخطوط العالمية تشكل حلقات مغلقة [انظر الشكل في الصفحة المقابلة]. فأمثال هذه الخطوط ستكون من نوع الزمن على طول مسارها. ومع أنها تتمتع موضعيا بكل خصائص المكان والزمان العادية، فإنها يمكن أن تكون ممرات إلى الماضي. وإذا حاولنا أن نتتبع بدقة منحنيا من هذا القبيل، مغلقا ومن النوع الزمني، ونحن ندور عليه من البداية للنهاية، فقد نصطدم بأنفسنا الماضية ونُدفع جانبا. أما إذا سلكنا جزءا من هذا المنحني فسنستطيع أن نعود إلى الماضي وأن نشارك في أحداثه. نستطيع أن نتصافح مع أنفسنا عندما كنا أكثر شبابا، أو أن نزور أسلافنا إذا كانت الحلقة كبيرة بدرجة كافية.

    يتراكب المكان والزمان في كيان واحد ذي أربعة أبعاد اسمه الزمكان. نمثل هنا بعدين مكانيين والبعد الزمني. يربط الخط العالمي كل الحوادث التي تطرأ على حياة الإنسان بالزمكان. وبما أننا كائنات ذات حجم، فإن الخط العالمي لكل منا أشبه بدودة يتزايد طولها من المهد إلى اللحد منه بالخط. لكن الخطوط العالمية للأشعة الضوئية، المنتشرة في كل الاتجاهات بدءا من حادث ما، تؤلف بمجموعها مخروطا في الزمكان اسمه مخروط الضوء. ولا يمكن لأي خط عالمي، أيا كان صاحبه ـ بشرا أو جمادا ـ أن يتجاوز المخروط الزمني المنطلق من أية نقطة زمكانية من ماضيه.

    ولهذه الغاية علينا إما أن نستعمل حلقات طبيعية من النوع الزمني، وإما أن نخلق مثل هذه الحلقات بتشويه الزمكان وتمزيق نسيجه. فآلة السفر في الزمن ليست إذًا مركبة من نوع خاص بل إن من شأنها أن توفر طريقا نحو الماضي يمكن أن تسلكه مركبة عادية، كالسفينة الفضائية مثلا. لكن الحلقة ذات النوع الزمني (أو قل الأنبوب الزمني المغلق الذي يحيط بها) تختلف عن الطريق المكاني العادي بأنها ستستنفد إذا سلكها عدد لانهائي من العربات، لأنها لا يمكن أن تحوي سوى عدد محدود من ديدان الخطوط العالمية. وإذا سلكها المرء للعودة إلى حادث معين فسيصادف في طريقه كل من سلكها قبله، أو سيسلكها، نحو ذلك الحادث.

    هل يحوي عالمنا، الآن أو سيحوي في المستقبل، حلقات من نوع الزمن؟ إننا لا نعلم جواب هذا السؤال؛ لكن لدينا حدسيات نظرية عديدة عن الكيفية التي قد تتشكل بها. منها مثلا الحل الذي اكتشفه <K. گوديل> لمعادلات آينشتاين التي تصف الحلقات ذات النوع الزمني. وهو حل يقول بأن العالم كله في حالة دوران (طبقا للحقائق المتاحة حاليا فإن العالم لا يدور). ومنها أيضا أن حلقات من النوع الزمني تظهر في حلول معادلات آينشتاين التي تصف الثقوب السوداء الدوّامة. لكن هذه الحلول تهمل المادة التي تسقط في الثقب الأسود، ومازال مدى انطباقها على الثقوب السوداء الواقعية موضع جدل. زد على ذلك أن المسافر في الزمن من شأنه أن يؤسَر ضمن الثقب الأسود بعد أن يصل إلى الماضي، إلا إذا كان معدل دوران (تدويم) الثقب الأسود أكبر من قيمة حرجة. هذا علما بأن الفيزيائيين الفلكيين لا يعتقدون بأن سرعة دوران الثقوب السوداء الطبيعية التشكل تبلغ هذه القيمة العالية. ربما كان بإمكان حضارة أكثر تقدما من حضارتنا أن تحقن مادة في الثقوب السوداء كي تبلغ سرعة دورانها حدا يكفي لنشوء حلقات زمنية مأمونة، إلا أن معظم الفيزيائيين يستبعدون هذه الإمكانية.

    لقد تصور <A .J. ويلر>، الفيزيائي في جامعة برنستون، طريقا مختصرا عبر الزمكان سمّاه ثقبا دوديا. ثم بيَّن <S .K. ثورن>، من معهد كاليفورنيا للتقانة، وسواه كيف يجب تحريك طرفي الثقب الدودي كي يصنعا حلقة من نوع الزمن. وتدل حسابات حديثة أجراها <R. گوت>، من برنستون، على أن خيطا كونيا (وهذا أيضا بناء نظري لم يتأكد وجوده ولا عدمه) يستطيع أن يشكل حلقة من نوع الزمن عندما يمر بسرعة كبيرة بالقرب من خيط كوني آخر.

    يمكن لمنحن مغلق من نوع الزمن أن يتشكل إذا انحنى الزمكان حتى يشكل حلقة مغلقة. فإذا سلك إنسان منحنيا من هذا القبيل خاصا به، بادئا رحلته غدا ومنطلقا في الزمان، فإنه سينتهي إلى اليوم (الذي هو أمس غده ذاك).

    إننا اليوم بعيدون تماما عن اكتشاف أي من هذه الحلقات الزمنية. ولكنها قد تصبح في متناول الحضارات المستقبلية عندما تحاول تنفيذ مفارقات السفر في الزمن. لذلك لنفحص المفارقات بعناية كي نحدد المبادئ ـ إن وجدت ـ التي يمكن أن تنتهكها هذه المفارقات طبقا لكل من الفيزياء التقليدية والكمومية.

    إن الفيزياء التقليدية تؤكد، بما لا يقبل الشك، أن على صفاء أن تنفذ ـ عندما تصل إلى الماضي ـ الأعمال التي يسجل التاريخ أنها نفذتها. ويرى بعض الفلاسفة أن هذه المهمة تحد من "حرية اختيارها" بشكل غير مقبول. لكن هذه الحجة ضد إمكانية السفر في الزمن لا تبدو مقنعة، من وجهة نظر الفيزياء التقليدية، لأن الفيزياء التقليدية مذهب حتمي، في غياب الحلقات الزمنية المغلقة. أي إن ما يحدث في أية لحظة معين حتميا بما يحدث عند لحظة تالية (أو سابقة). وهذا معناه أن كل أفعالنا نتائج محتومة لما حدث حتى قبل أن نكون مضغة في أرحام أمهاتنا. وهذه الحتمية وحدها غالبا ما يُنظر إليها كأمر يتعارض مع حرية الاختيار. وعلى هذا فإن السفر في الزمن لا يحد من حرية الاختيار بأكثر مما تحد الفيزياء التقليدية نفسها من هذه الحرية.

    إن جوهر مفارقة الجد لا يكمن في انتهاك حرية الاختيار بل في انتهاك مبدأ أساسي يقوم عليه العلم والتفكير المنطقي السائد، نسميه مبدأ الاستقلال الذاتي (المحلي) autonomy. وطبقا لهذا المبدأ نستطيع أن نخلق في جوارنا المباشر أي تشكيل مادي نتيجة قوانين الفيزياء محليا، دون أن نعبأ بما يحدث في سائر أنحاء الكون. فليس علينا، عندما نقدح عود ثقاب، أن نخشى الفشل بسبب أن الكواكب قد تكون، مثلا، في تشكيل يحول دون نجاح هذه العملية. فالاستقلال الذاتي خاصية منطقية من المرغوب جدا أن تتضمنها قوانين الفيزياء. إذ إن هذا المبدأ هو مبدأ رئيسي لكل علم تجريبي: فنحن نرى أن من المسلم به إمكان إعداد أجهزتنا في أي تشكيل تبيحه قوانين الفيزياء وأن سائر الكون سيتدبر أمر نفسه قِبَل ذلك.

    في غياب الحلقات من النوع الزمني تتوافق كل من الفيزياء التقليدية والفيزياء الكمومية مع مبدأ الاستقلال الذاتي. ولكن الفيزياء التقليدية عند وجود هذه الحلقات لا تتوافق مع ذلك المبدأ بسبب ما يسميه<L .J. فريدمان> (من جامعة وسكنسن) وسواه مبدأ التوافق (التماسك) consistency. يقول هذا المبدأ إن التشكيلات المادية الوحيدة التي يمكن تنفيذها محليا هي التشكيلات الذاتية التوافق عالميا. وبموجب هذا المبدأ يستطيع العالم خارج المختبر أن يقيِّد أفعالنا الداخلية فيزيائيا، حتى ولو كان كل ما نفعله متوافقا محليا مع قوانين الفيزياء. ونحن لا نشعر عادة بهذا التقييد لأن مبدأي الاستقلال الذاتي والتوافق لا يتعارضان أبدا إلا بوجود حلقات من النوع الزمني.

    لا يوجد في الفيزياء التقليدية سوى تاريخ واحد: إن التوافق يقتضي من صفاء، مهما حاولت أن تغير سير أحداث التاريخ، أن تؤدي العمل الذي أوكله تاريخها السابق إليها. إن بإمكانها أن تزور جدها. وقد تصبح الجدة المستقبلية لصفاء قلقة على حالة الجد الصحية عندما يروي لها ما حدث له مع حفيدتهما، إنه متأثر ويطلب يدها فتقبل عرض الزواج منه. وليس هذا بالشيء الممكن حدوثه فحسب، بل إن الفيزياء التقليدية تحتم حدوث أشياء من هذا القبيل. والخلاصة أن صفاء لا تستطيع أبدا أن تغير الماضي، بل تصبح جزءا منه.

    يمكن للنيوترون أن يتفكك في أية لحظة، وإن كان التفكك في بعض اللحظات أكبر احتمالا منه في سواها. وبموجب تفسير إيڤيرت لميكانيك الكم بفكرة العوالم المتعددة فإن كل واحدة من اللحظات التي يحدث فيها التفكك تنتمي إلى عالم لا توجد فيه لحظة تفكك سواها.

    ولكن ماذا لو أرادت صفاء أن تثور على التاريخ؟ لنتصور أنها سافرت نحو الماضي لتلاقي نفسها عندما كانت أصغر سنا (سنقول: صنوها)، وأن صنوها الأصغر يسجل، في أثناء هذا اللقاء، ما تقوله صفاء؛ وفي الوقت المناسب، وقد أصبح الصنو صفاء الأكبر، يحاول الصنو متعمدا أن يقول شيئا آخر. فهل يجب أن نفترض، بما ينافي العقل، أن قوة خفية لا تقاوَم تجبر الصنو على أن يلفظ الكلمات نفسها التي لُفظت في الماضي على عكس عزمه السابق؟ من الممكن لصفاء أن تبرمج إنسانا آليا بحيث يتكلم بدلا منها: فهل سيجد هذا الإنسان الآلي نفسه مجبرا على الخروج عن البرنامج الذي صُمم له؟

    إن الفيزياء التقليدية تجيب عن هذا السؤال بنعم: هناك حتما شيء يمنع صفاء، أو الإنسان الآلي، من الخروج عن خط الأحداث التي جرت في الماضي. وليس ضروريا أن يكون هذا الشيء مثيرا: إذ يكفي نشوء أي شيء من الأشياء المألوفة. فقد تختل مركبة صفاء، أو تطرأ عِلَّة على برنامج الإنسان الآلي. ومهما يكن من أمر، فإن التوافق يُحتِّم سقوط مبدأ الاستقلال الذاتي.

    إن صورة الواقع، بموجب التفسير القائم على فكرة العوالم المتعددة، تزيل صفة المفارقة عن السفر في الزمن. تخطط صفاء لأن تركب غدا آلة (عربة) السفر في الزمن كي تعود إلى اليوم الذي هي فيه. ولكنها تقرر أيضا ألا تفعل ذلك إذا برزت هي اليوم من هذه الآلة. إنها تستطيع أن تنفذ هذه الخطة بدون مفارقة. ففي عالم من النوع B لا تبرز صفاء من الآلة اليوم، ولذلك تدخل بموجب مخططها، في الآلة غدا. ثم تخرج اليومَ، ولكن في عالم من النوع A، فتلتقي نسخة من نفسها ـ نسخة لا تدخل في آلة الزمن.

    لنعد الآن إلى قصة الناقد الفني المسافر في الزمن. سنطلق على انتهاك المعقولية اسم مفارقة المعرفة (إن مفارقة الجد هي مفارقة على صعيد مبدأ الاتساق). ونعطي هنا لكلمة "معرفة" معنى موسعا: معنى يضم اللوحة الزيتية والمقالة العلمية وأية قطعة في آلة وأي كائن حي. إن مفارقات المعرفة تنتهك المبدأ القائل بأن المعرفة لا يمكن أن تأتي إلى الوجود إلا من خلال حل مسألة ما، كمسألة التطور البيولوجي أو التفكير البشري. ويبدو أن السفر في الزمن يبيح للمعرفة أن تنساب من المستقبل إلى الماضي وبالعكس، فتسلك مسارا حلقيا ذاتي التوافق، دون أن يُضطر أي امرئ، أو أي شيء، إلى التصارع مع المشكلات المناظرة. علما بأن الاعتراض الفلسفي هنا لا يستند إلى فكرة أن حاملات المعرفة المصنعة بشريا قد نُقلت نحو الماضي ـ إنها عنصر "الغداء المجاني". أي إن المعرفة المطلوبة لاختراع الحاملات لا تتوافر من الحاملات ذاتها.

    إن الأحداث الفيزيائية تبدو، في مفارقات اللاتوافق، مقيدة بأشد مما تعودناه، ولكنها تكون أضعف تقييدا من ذلك في مفارقات المعرفة. فحالة الكون، على سبيل المثال، قبل وصول الناقد الفني لا تحتِّم مَنْ سيأتي، أو ما سيأتي، من المستقبل، في حال مجيء أي إنسان، ولا ما سيحمل معه. ذلك أن القوانين الحتمية للفيزياء التقليدية تبيح للناقد أن يجلب معه لوحات رائعة أو لوحات رديئة، أو ألا يحمل أية لوحات. ولئن كانت هذه اللاحتمية ليست ما نتوقعه عادة من الفيزياء التقليدية، إلا أنها ليست عائقا أساسيا ضد السفر في الزمن. والواقع أن هذه اللاحتمية تتسع لإضافة مبدأ آخر للقوانين التقليدية، مبدأ يقول بأن المعرفة لا يمكن أن تنشأ إلا كنتيجة لعمليات حل المسائل.

    لكن هذا المبدأ يناقض مبدأ الاستقلال الذاتي كما رأيناه في مفارقة الجد، إذ ما الذي يمنع أن تحمل صفاء مخترعات جديدة تذهب بها نحو الماضي وتعرضها أمام من يفترض أنهم مخترعوها الأصليون؟ وهكذا نرى أن الفيزياء التقليدية تستطيع أن تتقبل هذا النوع من السفر الزمني الذي يُعتبر عادة من قبيل المفارقة، ولكن على حساب التضحية بمبدأ الاستقلال الذاتي. وبالتالي فإن التحليل التقليدي لا يزيل التناقض كليا.

    لكن هذا كله يبدو لنا ضربا من النظريات الأكاديمية، لأن الفيزياء التقليدية مغلوطة. ولئن كانت نتائجها قريبة جدا من الواقع في ظروف عديدة، إلا أنها تكون بعيدة جدا عنه عند معالجة الحالات التي تتضمن منحنيات زمنية مغلقة.

    إننا نعلم منذ فترة طويلة أن الحلقات الزمنية، إذا وجدت، لا يمكن أن تدرَك إلا من خلال ميكانيك الكم. وقد برهن <W .S. هوكنگ>، من جامعة كمبردج، على أن التأثيرات الكمومية إما أن تمنع تشكل حلقات زمنية أو أن تدمِّر كل مسافر زمني يقترب من أي حلقة زمنية. وبموجب حسابات هوكنگ، التي تَستخدِمُ تقريبا يُهمِل التأثيرات التثاقلية للحقول الكمومية، يتبين أن تفاوتات هذه الحقول تبلغ قيما لانهائية في جوار الحلقات الزمنية. والعمليات التقريبية لا بد منها إلى أن نكتشف كيفية تطبيق نظرية الكم تطبيقا تاما على التثاقل، ولكن الزمكانات التي تحوي حلقات زمنية تجعل طرق الحسابات التقريبية الحالية تبلغ مدى كبيرا من الموثوقية عند التطبيق. ويسود الاعتقاد بأن اللانهائيات التي تظهر في حسابات هوكنگ لا تعني أكثر من قصور هذه الأساليب. أي إن التأثيرات الكمومية، التي سنشرحها، من شأنها أن تُيَسِّر فعلا السفر في الزمن، لا أن تحول دونه.

    إن ميكانيك الكم يمكن أن يستلزم وجود منحنيات زمنية مغلقة. وهذه الحلقات، على الرغم من صعوبة اكتشافها في الأمداء الكبيرة، يمكن أن توجد بكثرة في الأمداء دون المجهرية حيث تسود التأثيرات الكمومية. ولئن كنا لا نملك حتى اليوم أية نظرية كمومية مُرْضِية تماما للتثاقل، فإن لدينا من النظريات التقريبية المطروحة ما يكفي لتبيان أن الزمكان، رغم مظهره الممهد في الأمداء الكبيرة، ذو بنية إسفنجية ذات أنفاق دودية في المجال دون المجهري، إضافة إلى حلقات زمنية تصعد الزمن نحو الماضي في غضون 10-42 من الثانية تقريبا. وكل ما نستطيع قوله بهذا الصدد هو أن الجسيمات دون المجهرية الموجودة فينا وفيما حولنا قادرة على أن تسافر في الزمن عددا لا يُحصى من المرات.

    s

    والأهم من ذلك أن ميكانيك الكم قادر على حل مفارقات السفر في الزمن. وهذه النظرية هي أفضل نظرية فيزيائية أساسية لدينا، وتشكل ابتعادا جذريا عن وجهات النظر التقليدية السائدة، لأنها، بدلا من أن تتنبأ بيقين تام بكل ما سنرصده، فإنها تتنبأ بكل ما يمكن أن ينتج من عملية الرصد وباحتمال معين لكل نتيجة. فالنيوترون، مثلا، يتفكك (إلى بروتون وإلكترون ونيوترينو مضاد)، إذا انتظرناه، في غضون عشرين دقيقة تقريبا، ولكنه قد يتفكك فورا أو يعيش أكثر من ذلك بما لا يقاس. فكيف سنتمكن من فهم هذه العشوائية؟ هل تمتلك النيوترونات خاصية داخلية نجهلها حاليا؛ خاصية تختلف من نيوترون لآخر وتفسر الفروق الملحوظة في فترات حياتها؟ إن هذه الفكرة غير الواقعية، والمغرية قد استُبعدت لتناقضها مع نبوءات ميكانيك الكم التي تأكدت صحتها بالتجربة.

    لقد جرت محاولات أخرى لتعديل ميكانيك الكم بما يضمن بقاء إحساساتنا البديهية التقليدية على حالها. ولكن لم يُكتب النجاح لأي منها. ويبدو أن من الأفضل أن نقبل بميكانيك الكم كما هو، وأن نتبنى الحقيقة الواقعية كما تبرز مباشرة من النظرية نفسها. وعندما نذكر ميكانيك الكم فإننا نعني بذلك التفسير المسمى نظرية العوالم المتعددة الذي ابتدعه <H. إيڤيريت> الثالث عام 1957. يقول هذا الفيزيائي بأن الحدث الفيزيائي الذي يمكن أن يقع، يقع فعليا في عالم خاص به. أي إن الواقع الفيزيائي يتركب من مجموعة عوالم تسمى أحيانا عدودة العوالم. وكل عالَم من هذه المجموعة يحوي نسخته النيوترونية الخاصة التي نرغب في رصد تفككها. ويتعلق بكل لحظة تفكك نيوتروني ممكن؛ عالمٌ يتفكك فيه النيوترون في تلك اللحظة. ولما كنا نرصد تفككه في لحظة معينة فإننا نحن أيضا يجب أن نوجد في عدة نسخ، نسخة في كل عالم. ففي أحد العوالم نرى النيوترون يتفكك في الساعة 10 و 30 دقيقة، وفي عالم آخر نراه يتفكك في الساعة 10 و 31 دقيقة، وهكذا دواليك. فالنظرية الكمومية، كما تُطبَّق في عدودة العوالم، نظرية حتمية ـ إنها تتنبأ باحتمال ذاتي لكل نتيجة رصد وذلك بتعيين النسبة التي تظهر فيها تلك النتيجة في العوالم المختلفة.

    إن تفسير إيڤيريت لميكانيك الكم لايزال موضع جدل بين الفيزيائيين. ويُستعمل هذا الميكانيك عادة كأداة حساب في تقدير احتمال كل مُخرج ممكن لعملية فيزيائية وذلك انطلاقا من مُدخل هو المعلومات المتاحة عن العملية، ونحن، في معظم الأحيان، لا نحتاج إلى تفسير الرياضيات التي تصف تلك العملية. ولكن، هناك فرعان في الفيزياء ـ هما علم الكون الكمومي والنظرية الكمومية للحساب ـ يستدعيان مثل هذا التفسير. وهذان الفرعان يهدفان أساسا إلى اكتشاف كيفية عمل المنظومات الفيزيائية المدروسة داخليًا. وفي هذين المجالين يسود تفسير إيڤيريت لدى الباحثين.

    فماذا تقول إذًا نظرية ميكانيك الكم، من زاوية تفسير إيڤيريت، بخصوص مفارقات السفر في الزمن؟ إن إحدى المفارقات وهي مفارقة الجد لم تعد مطروحة. هب أن صفاء قد اندفعت في مشروع ينطوي على مفارقة، مشروع يمنع ولادتها إذا تحقق. فماذا يحدث؟ إذا كان الزمكان التقليدي يحتوي على حلقات زمنية، فلا بد عندئذ، بموجب ميكانيك الكم، من وجود رابطة غريبة الشكل بين العوالم المحتواة في عدودة العوالم. فبدلا من وجود عدة عوالم مستقلة ومتوازية، يحوي كل منها حلقات زمنية، نصبح في الواقع إزاء زمكان واحد مؤلف من عدة عوالم متشابكة مترابطة. وهذه الروابط تجبر صفاء على السفر إلى عالم يطابق العالم الذي غادرته، حتى لحظة الوصول، ولكنه يختلف بعدئذ بسبب وجودها فيه.

    هل تحول صفاء دون ولادتها أم لا؟ إن الجواب يتوقف على العالَم الذي نشير إليه. ففي العالَم الذي غادرته، والذي ولدت فيه، يتزوج جدها جدتها فعلا، ولكن صفاء لا تزوره فيه. أما في العالم الآخر، العالم الذي سافرت فيه صفاء الأصلية نحو الماضي، فلا يتزوج جدها هذه السيدة بالذات وبالتالي لا تولد صفاء بتاتا.

    وهكذا نرى أن سفر صفاء في الزمن يقيد أفعالها. والواقع أنه بموجب ميكانيك الكم، فلن يقيد هذا السفر الأفعال أبدا. أي إن ميكانيك الكم يتوافق مع مبدأ الاستقلال الذاتي حتى عند وجود حلقات زمنية.

    لنفترض أن صفاء تحاول جهدها أن تنفذ مفارقة، فتقرر أن تركب غدا عربة السفر في الزمن وأن تغادرها اليوم، إلا إذا برز صنوٌ لها اليوم كان قد انطلق غدا، وفي هذه الحالة لن تركب عربة الزمن غدا. إن هذا القرار ينطوي على تناقض ذاتي من وجهة نظر الفيزياء التقليدية، ولكنه ليس كذلك من وجهة نظر ميكانيك الكم. ففي نصف العوالم ـ التي نرمز لها بـ A ـ تخرج صفاء من العربة أكبر سنا. وعندئذ، بموجب قرارها، لا تركب صفاء العربة غدا وبالتالي فإن كل عالم من العوالم A يحتوي على صفاءين: إحداهما أكبر سنا من الأخرى بقليل. أما في العوالم الأخرى، B، فلا يخرج أحد من العربة وتركب صفاء عندئذ العربة وتصل إلى عالم من A تلتقي فيه صنوا لها أصغر سنا. وتكون من جديد حرة في التصرف على هواها في الماضي، فتفعل أشياء تختلف تماما عما في ذاكرتها (الدقيقة).

    وهكذا هناك في نصف العوالم لقاء بين صفاءين، ولا يوجد لقاء في النصف الآخر. ففي العوالم A تظهر "من العدم" صفاء أكبر سنا، وفي العوالم B تختفي "إلى الأبد". وهكذا يحتوي كل واحد من عوالم A على صفاءين إحداهما، الأكبر سنا، بدأت حياتها في B. وقد اختفت صفاء الآن من كل عوالم B، لأنها هاجرت إلى أحد عوالم A.

    وهكذا نرى أن ميكانيك الكم يقضي بأن تترابط العوالم فيما بينها بطريقة تتيح لصفاء أن تنفذ مخططاتها دون تناقض، مهما بلغت هذه المخططات من التعقيد. هب أن صفاء تريد أن تُنشئ مفارقة وذلك بأن تحاول اختراق هذه الرابطة مرتين. أي إنها تريد أن تظهر ثانية في العالم الذي غادرته وأن تلقى نفسها السابقة لتتناول طبقا من السباگيتي بدلا من الشطيرة التي تذكر أنها تناولتها. إنها تستطيع أن تتصرف على هواها، كأن تأكل مثلا الطبق الذي تريده بصحبة صنوها الأصغر؛ لكن عدودة العوالم، بسبب ترابطها المختلف عن ترابط المفارقة السابقة، تمنعها من فعل ذلك في عالمها الأصلي. أي إنها تستطيع أن تنجح في مشاطرة صنوها طبق السباگيتي في عالم آخر فقط، في حين أنها تظل وحيدة في عالمها الأصلي مع شطيرتها.

    وثمة ظاهرة أخرى غريبة يمكن أن تتحقق بفضل السفر في الزمن، ونسميها الانفصال اللاتناظري. لنفترض أن سميرا، صديق صفاء، لا يصاحبها في هذا السفر: ففي نصف العوالم تركب صفاء عربة السفر في الزمن ولا تخرج منها أبدا. من وجهة نظر سمير توجد إمكانية انفصال أبدي. إن إحدى نسختي سمير سترى صفاء وقد غادرت دون رجعة. (النسخة الأخرى تعود إليها صفاء الثانية). أما من وجهة نظر صفاء فلا يمكن أن يحدث أي انفصال عن سمير لأن كل نسخة منها ستنتهي إلى عالم يحوي نسخة من سمير ـ نسخة عليها أن تعاشرها بنسخة أخرى من ذاتها.

    ولو أن سميرا وصفاء اتبعا مخططا واحدا ـ أن لا يدخل أحدهما في العربة إلا إذا غادرها الآخر أولا ـ لأمكن لهما أن ينفصلا تماما منتهيين في عالمين مختلفين. ولو أرادا تنفيذ رغبتين أكثر تعقيدا لأمكن لكل منهما أن ينتهي مصاحبا أي عدد من نسخ الآخر. ولو كان بالإمكان السفر في الزمن على مدى طويل لاستطاعت حضارتان متعاديتان في مجرة واحدة استخدام الانفصال اللاتناظري للسيطرة على المجرة كلها. وعلى هذه الشاكلة يمكن لحضارة كاملة أن تُضاعِف نفسها، كما تفعل صفاء، إلى أي عدد من نسخ ذاتها. وكلما ازداد عدد هذه النسخ يتزايد احتمال أن يرى أحد الراصدين زوال هذه الحضارة من عالمه، وذلك بالضبط على شاكلة زوال صفاء من العالم A بالنسبة لسمير، عندما تظهر نسختها في العالم B (وربما كان هذا هو السبب في أننا لم نصادف قط أناسا من خارج الأرض!)

    ن ميكانيك الكم، في حكاية الناقد الفني ومن وجهة نظر المشاركين فيها، يتيح وقوع حوادث على شاكلة ما يصف دوميت: إن العالَم الذي تعلَّم فيه الرسام الرسم لا بد أن يكون العالم الذي أتى منه الناقد. واللوحات في هذا العالم كانت ناجمة عن جهود إبداعية، وقد نُقِلت صورها فيما بعد نحو ماضي عالم آخر. وهناك حصل بالفعل انتحال اللوحات ـ إذا كان نسخ المرء نسخة أخرى عما صنعه يمكن أن يُسمّى انتحالا ـ وحصل الرسام على "شيء بالمجان." ومع ذلك لا توجد مفارقة؛ لأن وجود اللوحات ناجم عن جهد حقيقي خلاق، ولو في عالم آخر.

    إن فكرة إمكانية حل مفارقات السفر في الزمن، بفضل مفهوم العوالم المتعددة، ليست جديدة على كتّاب الخيال العلمي ولا على الفلاسفة؛ بل إن ما عرضناه أقرب إلى كونه طريقة برهان على صواب هذا الحل، بالاستناد إلى نظرية فيزيائية قائمة، منه إلى حل مبتكر. وكل ما قلناه عن السفر في الزمن مستمَد من استخدام ميكانيك الكم لاستنباط سلوك الدارات المنطقية ـ تماما كالدارات المستخدمة في الحواسيب باستثناء أننا نضيف هنا فرضية أن المعلومات يمكن أن تسافر نحو الماضي على حلقة زمنية. والمسافرون الزمنيون في حاسوبنا هنا هم رُزم من المعلومات. وقد تم الحصول على نتائج مماثلة باستخدام نماذج أخرى.

    إن هذه الحسابات تؤدي إلى التخلص تماما من مفارقات اللاتوافق التي هي مصنوعات ذهنية محضة مستمدة من وجهة نظر عالمية تقليدية انتهت صلاحيتها. لقد قدمنا الحجج لبيان أن مفارقات المعرفة أيضا ليس من شأنها أن تقف حائلا دون السفر في الزمن. لكن هذه الحجج ستظل موضع جدل إلى أن نتمكن من ترجمة المبادئ مثل المعرفة والإبداع إلى لغة الفيزياء؛ وعندئذ فقط نستطيع أن نؤكد ما إذا كان مبدأ "عدم وجود وجبات مجانية" الذي نتطلبه (والقائل بأن خلق المعرفة يأتي من عملية حل المسائل) متناسقا مع ميكانيك الكم وسائر الفيزياء في حال وجود حلقات زمنية.

    وهناك حجة أخيرة غالبا ما تُساق ضد السفر في الزمن. وبهذا الصدد يقول هوكنگ: "إن أفضل برهان على استحالة السفر في الزمن هو أننا لم نلحظ قط وفودا من السياح قادمين من المستقبل." لكن هذه الحجة خاطئة، لأن الحلقة الزمنية لا ترجع الزمن إلى أبعد من اللحظة التي خُلقت فيها. فلو صنعت أولى الحلقات الأرضية الزمنية المتاح سلوكها في عام 2054 فإن المسافرين في الزمن عليها بعد ذلك يستطيعون استخدامها للسفر إلى عام 2054 أو إلى ما بعده، لا إلى ما قبله. وقد توجد فعلا حلقات زمنية متاح سلوكها في مكان آخر من المجرة إلا أنه يجب ألا نتوقع بالضرورة "وفودا من السياح قادمين من المستقبل." فبسبب محدودية إمكانية الحلقات الزمنية، وعدم إمكان تجديد مخزوننا منها في أي وقت معين في هذا العالم، يتضح أن الحلقة الزمنية ليست مَعينا يمكن تجديده. لكن الحضارات الخارجية عن أرضنا، أو أحفادنا ستكون لهم أولوياتهم في مجال استخدامها، ولا يوجد سبب يحملنا على الاعتقاد بأن زيارة الأرض في القرن العشرين تقع على رأس اهتماماتهم. وحتى لو كان الأمر كذلك فلن يصلوا إلا إلى بعض العوالم، وقد لا يكون عالمنا من جملتها.

    وهكذا نستنتج ما يلي: إذا كان السفر في الزمن مستحيلا، يظل علينا أن نكتشف سبب هذه الاستحالة. وقد نستطيع، أو لا نستطيع، ذات يوم أن نكتشف أمكنة فيها حلقات زمنية صالحة للسفر، أو أن نصنع عددا منها. لكن إذا تأكدت لنا صحة صورة من قبيل نموذج العوالم العديدة ـ ولا نعرف، في علم الكون الكمومي ولا في النظرية الكمومية للحساب، أي بديل قابل للتطبيق ـ فإن كل الاعتراضات المسوقة ضد السفر في الزمن تكون معتمِدة على نماذج خاطئة للواقع الفيزيائي. وبالتالي فعلى من لايزال يرفض فكرة السفر في الزمن أن يقدم حجة علمية أو فلسفة جديدة. ?


    0 Not allowed!



  7. [397]
    عضو متميز


    تاريخ التسجيل: Aug 2010
    المشاركات: 597
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0
    المؤلفان
    David Deutsch - Michael Lockwood
    أستاذان في جامعة أكسفورد يشتركان في الاهتمام بالأسس الفلسفية للفيزياء. يعمل دوتش زميلا باحثا في كلية ولفسون. حصل على الدكتوراه في الفيزياء من أكسفورد تحت إشراف <D. سياما> وقام بأبحاث بعد الدكتوراه تحت إشراف <A .J. ويلر> و<B. دو ويت> و<R. بنروز> ويعمل حاليا في مجال النظرية الكمومية في الحسابيات. ويؤلف دوتش الآن كتابا في الفيزياء والفلسفة بعنوان "بنية الحقيقة." أما لوكوود فهو زميل في كلية گرين كوليج ومحاضر في قسم التعليم المستمر. حصل على الدكتوراه في الفلسفة من أكسفورد أيضا. وأصدر كتابه "العقل والدماغ والكمومية" في عام 1989 ويؤلف حاليا كتابا آخر حول طبيعة الزمن. يعتقد المؤلفان أن العالم الحقيقي أغرب بكثير مما يتصوره الخيال العلمي ولكنه في النهاية أكثر قابلية للفهم.

    مراجع للاستزادة
    CAUSAL Loops. Michael Dummett in The Nature of Time. Edited by R. Flood and M. Lockwood. Basil Blackwell, 1986.
    DO THE LAWS OF PHYSICS PERMIT CLOSED TIME-LIKE CURVES? Kip S. Thorne in Annals of the New York Academy of Sciences, Vol. 631, pages 182-193; August 1991.
    QUANTUM MECHANICS NEAR CLOSED TIMELIKE LINES. David Deutsch in Physical Review D, Vol. 44, No. 10, pages 3197-3217; November 15, 1991.
    THE PARADOXES OF TIME TRAVEL. David Lewis in American Philosophical Quarterly, Vol. 13, No. 2, pages 145-152; April 1976. Reprinted in The Philosophy of Time. Edited by Robin Le Poidevin and Murray MacBeath. Oxford University Press, 1993.
    MUST TIME MACHINE CONSTRUCTION VIOLATE THE WEAK ENERGY CONDITION? Amos Ori in Physical Review Letters, Vol. 71, No. 16, pages 2517-2520; October 18, 1993.
    Scientific American, March 1994

    (1) نحت من زمان ـ مكان space-time . (التحرير)


    0 Not allowed!



  8. [398]
    عضو متميز


    تاريخ التسجيل: Aug 2010
    المشاركات: 597
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0
    قواعد لعالَم كمومي معقد(*)
    فرع معرفي أساسي جديد مثير يجمع علم المعلومات مع الميكانيك الكمومي.
    <A.M.نيلسن>

    خلال العقود القليلة الماضية تعلم العلماء أن القواعد البسيطة يمكن أن تؤدي إلى ظهور سلوكيات غنية جدا، ويعد الشطرنج مثالا جيدا على ذلك. تخيل أنك لاعب شطرنج متمرس قُدِّمتَ إلى شخص يَدّعي معرفة باللعبة. وتلعب معه بضع مرات، فتدرك أنه لا يجيد اللعبة على الرغم من أنه يعرف قواعد الشطرنج. إنه يحرك القطع حركات عبثية (غير منطقية)، مضحيا بالوزير مقابل بيدق (جندي) ويخسر الطابية (الرخ) دون أي مبرر. إنه لا يفهم الشطرنج فهما حقيقيا، فهو جاهل بالمبادئ وطرائق الاستكشاف الذاتي العالية المستوى والمألوفة لأي لاعب متمرس. إن هذه المبادئ هي خصائص تراكمية أو انبثاقية للشطرنج؛ إنها سمات لا تتضح مباشرة من القواعد، بل تنشأ عن التآثر بين القطع على رقعة الشطرنج.

    ويشابه فهم العلماء الحالي للميكانيك الكمومي فهم تلميذ شطرنج يتعلم ببطء. لقد عرفنا القواعد لمدة تزيد على سبعين عاما، ولدينا عدة «نقلات» ذكية ناجحة في بعض الحالات الخاصة، لكننا مازلنا نتعلم تدريجيا المبادئ العالية المستوى الضرورية لممارسة لعبة مفعمة بالحرفية.

    إن اكتشاف هذه المبادئ هو هدف علم المعلومات الكمومية quantum information science، وهو حقل أساسي يتفتح استجابة لطريقة جديدة في إدراك العالم. وهناك العديد من المقالات حول علم المعلومات الكمومية التي تركز على التطبيقات التقانية، مثل جماعات بحث «تنقل عن بعد»(1) teleport حالات كمومية من مكان إلى آخر. ويستخدم فيزيائيون آخرون الحالات الكمومية لتوليد مفاتيح تعمية (تشفير) مطلقة المناعة ضد التنصت. ويقوم علماء المعلومات باستنباط خوارزميات لحواسيب كمومية افتراضية أسرع بكثير من أفضل الخوارزميات المعروفة جيدا للحواسيب التقليدية(2).


    إن هذه التقانات فاتنة، لكنها تحجب حقيقة كونها ناتجا ثانويا لتحريات تتناول أسئلة علمية جديدة عميقة. فالتطبيقات من قبيل النقل الكمومي عن بعد تؤدي دورا مشابها للمحركات البخارية والآلات الأخرى التي استنهضت تطور الثرموديناميك (التحريك الحراري) في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. لقد كانت الحوافز التي شجعت الثرموديناميك أسئلة أساسية جوهرية حول الكيفية التي ترتبط بها الطاقة والسخونة ودرجة الحرارة، وحول التحولات بين هذه المقادير في السيرورات الفيزيائية، وحول الدور الأساسي للإنتروپي (القصور) entropy. وعلى نحو مشابه، يستقصي علماء المعلومات الكمومية العلاقة بين وحدات المعلومات التقليدية والكمومية، والطرائق الجديدة التي يمكن بها معالجة المعلومات الكمومية، والأهمية الحيوية للخاصة الكمومية المسماة بالتشابك entanglement والتي تفرض ارتباطات غريبة بين الأشياء المختلفة.

    وغالبا ما تصف التقارير المبسطة التشابك بأنه السمة «كل شيء أو لا شيء» التي تكون فيها الجسيمات الكمومية إما متشابكة وإما غير متشابكة. لكن علم المعلومات الكمومية كشف عن أن التشابك، على غرار الطاقة، مورد فيزيائي قابل للتكميم quantifiable وأنه يتيح معالجة المعلومات: بعض المنظومات تمتلك تشابكا قليلا، وبعضها الآخر يمتلك الكثير. وكلما كان هناك تشابك أكثر، كانت المنظومة أكثر ملاءمة لمعالجة المعلومات الكمومية. يضاف إلى ذلك أن الباحثين بدؤوا بتطوير قوانين كمية فعالة للتشابك (مشابهة لقوانين الثرموديناميك التي تحكم الطاقة) توفر مجموعة من المبادئ العالية المستوى لفهم سلوك التشابك ولوصف الكيفية التي تمكننا من استخدامه لمعالجة المعلومات.

    إن علم المعلومات الكمومية جديد إلى درجة أن الباحثين مازالوا في بداية تعاملهم مع طبيعته ذاتها وفهمها؛ إضافة إلى أنهم يختلفون حول القضايا التي تقع في صميمه. وتمثل هذه المقالة رؤيتي الشخصية بأن الهدف المركزي لعلم المعلومات الكمومية هو تطوير مبادئ عامة من قبيل قوانين التشابك، التي ستمكننا من فهم التعقيد في المنظومات الكمومية.

    التعقيد والكم(**)
    تركز دراسات كثيرة تتعلق بالتعقيد على منظومات من قبيل الطقس أو أكوام الرمل، يتم وصفها بالفيزياء التقليدية عوضا عن الفيزياء الكمومية. إن ذلك التركيز طبيعي، لأن المنظومات المعقدة ماكروية (عيانية، جهرية)(3) عادة وتحتوي على كثير من الأجزاء المكونة لها، وتفقد معظم المنظومات طبيعتها الكمومية مع ازدياد حجمها. ويحصل هذا الانتقال من الكمومي إلى التقليدي بسبب التآثر الشديد للمنظومات الكمومية الكبيرة مع محيطها مما يؤدي إلى فك الترابط decoherence، الأمر الذي يدمر الخواص الكمومية للمنظومة [انظر: «مئة عام من الأسرارالكمومية»،مجلة العلوم، العددان 2/3(2003) ، ص 78].

    خذ كمثل على فك الترابط، قطة إروين شرودينگر الشهيرة داخل صندوق. تنتهي هذه القطة من حيث المبدأ، إلى حالة كمومية غريبة في موقع ما بين الموت والحياة؛ ولا معنى لوصفها بالقول بأنها حالة الموت أو حالة الحياة. إلا أن القطة تتآثر في حقيقة الأمر مع الصندوق من خلال تبادل الضوء والحرارة والصوت، كما يتفاعل الصندوق مع بقية العالم. وتدمِّر هذه السيرورات خلال بضعة نانوثوانٍ الحالات الكمومية الرهيفة داخل الصندوق، وتستعيض عنها بحالات تُدركها قوانين الفيزياء التقليدية بتقريب جيد. وهكذا فالقطة داخل الصندوق هي في الواقع حية أو ميتة، وليست في حالة مبهمة غير تقليدية تجمع الحالتين.

    إن مفتاح رؤية السلوك الكمومي الحقيقي في منظومة معقدة هو عزلها بشكل جيد جدا عن بقية العالم، وبالتالي منع فك الترابط والحفاظ على الحالات الكمومية الهشة. ويمكن تحقيق هذا العزل بسهولة نسبية في المنظومات الصغيرة مثل الذرات المعلقة في فخ مغنطيسي في الخلاء، لكن الأمر أشد صعوبة في المنظومات الأكبر التي يمكن أن نجد فيها سلوكا معقدا. إن الاكتشافات المختبرية العرَضية لظواهر مرمرقة كالموصلية الفائقة ومفعول <هول> الكمومي هما مثالان حقق فيهما الفيزيائيون منظومات كمومية كبيرة جيدة العزل. وتُبين هذه الظواهر أن قواعد الميكانيك الكمومي البسيطة يمكن أن تؤدي إلى انبثاق مبادئ تحكم السلوكيات المعقدة.

    المعلومات الكمومية/ نظرة إجمالية(***)
    ▪ ليست المعلومات رياضياتية محضة، بل على العكس تتجسد فيزيائيا دائما. ففي علم المعلومات التقليدية، يخضع التجسيد للفيزياء التقليدية اللاكمومية. أما علم المعلومات الكمومية الناشئ فيضع المعلومات في سياق كمومي.
    ▪ المورد الأساسي للمعلومات التقليدية هو البتة التي تأخذ دائما إحدى القيمتين: 0 أو 1. أما المعلومات الكمومية فتأتي في بتات كمومية، أو كيوبتات. ويمكن للكيوبتات أن توجد في حالات تراكب تتضمن القيمتين 0 و 1 في آن واحد، ويمكن لمجموعات من الكيوبتات أن «تتشابك»، وهذا ما يعطيها ترابطا منافيا للحدس.
    ▪ ويمكن للحواسيب الكمومية التي تعالج الكيوبتات، وخاصة الكيوبتات المتشابكة، أن تتفوق على الحواسيب التقليدية. فالتشابك يتصرف كمورد، مثل الطاقة، يمكن استخدامه للقيام بمعالجة معلومات كمومية.
    ▪ إن هدف علم المعلومات الكمومية هو فهم المبادئ العامة العالية المستوى التي تحكم المنظومات الكمومية المعقدة من قبيل الحواسيب الكمومية. إن صلة هذه المبادئ بقوانين الميكانيك الكمومي كصلة الاستكشاف الذاتي للبراعة في لعبة الشطرنج بقواعد اللعبة الأساسية.

    موارد ومهام(****)
    نحاول فهم المبادئ العالية المستوى التي تحكم تلك الأمثلة النادرة التي يتلاقى فيها الكمومي والمعقد من خلال استخلاص أدوات من نظرية المعلومات التقليدية ومهايأتها وتوسيعها. وفي عام 2001، اقترح <W.B.شوماخر> [من كلية كِنيون] أن العناصر الجوهرية لعلم المعلومات، بشكليها التقليدي والكمومي، يمكن أن تلخص على شكل إجرائية ذات ثلاث خطوات:
    1. عرِّف مَوْردا فيزيائيا. وثمة مثال تقليدي مألوف على ذلك هو سلسلة من البتات. فعلى الرغم من أنه ينظر للبتات عادة على أنها كينونات مجردة ـ أصفار وواحدات ـ فإن جميع المعلومات مكودة حتما في أشياء فيزيائية حقيقية، ولذلك يجب النظر إلى سلسلة البتات على أنها مورد فيزيائي.
    2. عرِّف مهمة لمعالجة المعلومات يمكن تأديتها باستخدام المورد الفيزيائي المذكور في الخطوة 1. ومثال تقليدي على ذلك هو المهمة ذات الجزأين الخاصة بضغط compressing خَرْج مصدر معلومات (نص في كتاب على سبيل المثال) في سلسلة بتات، ثم إبطال الضغط decompressing ـ أي استعادة المعلومات الأصلية من سلسلة البتات المضغوطة.
    3. عرِّف معيار النجاح التام للمهمة المعرفة في الخطوة 2. في مثالنا، يمكن أن يكون المعيار هو التطابق التام بين الخرج الناتج من مرحلة إبطال الضغط وبين الدخل إلى مرحلة الضغط.

    ويصبح السؤال الجوهري في علم المعلومات عندئذ: «ما هو المقدار الأصغري من المورد الفيزيائي (1) الذي نحتاج إليه من أجل تنفيذ مهمة معالجة معلومات (2) وفقا لمعيار النجاح (3)؟». على الرغم من أن هذا السؤال لا يحيط بعلم المعلومات برمته، فإنه يوفر عدسة شديدة التكبير للنظر من خلالها إلى الكثير من الأبحاث في هذا الحقل (انظر الإطار في هذه الصفحة).

    السؤال الجوهري(*****)
    يتلخص قسم كبير من علم المعلومات، بشكليه التقليدي والكمومي، بتحليل الأشكال المختلفة لسؤال أساسي واحد: «ما مقدار مورد المعلومات اللازم لأداء مهمة معالجة معلومات محددة؟». على سبيل المثال: «كم عدد الخطوات الحسابية اللازمة لإيجاد العوامل الأولية لعدد مكون من 300 رقم؟» إن أفضل خوارزمية تقليدية تستغرق نحو x1024 5 خطوة، أو نحو 000 150سنة بسرعة ترّا هيرتز (مليون ميگاهيرتز)، إلا أنه يمكن لخوارزمية تحليل كمومية، بالاستفادة من الحالات الكمومية التي لا تحصى، ألا تتطلب إلا 5 x1010 خطوة، أو أقل من ثانية واحدة بسرعة ترّا هيرتز.

    يتوافق مثال ضغط البيانات مع سؤال أساسي في علم المعلومات التقليدي ـ أي ما عدد البتات الأصغري اللازم لخزن المعلومات الناتجة من مصدر ما؟ لقد حل هذه المسألة <E.C.شانون> في مقالاته الشهيرة التي أسست نظرية المعلومات عام 1948. فقد كمم quantified <شانون> المحتوى المعلوماتي الناتج من مصدر معلومات، معرفا إياه بأنه عدد البتات الأصغري اللازم لخزن خرج المصدر على نحو موثوق. ويُعرف تعبيره الرياضياتي للمحتوى المعلوماتي حاليا ب«إنتروپي شانون».

    إن إنتروپي شانون يمثل الجواب عن سؤال جوهري بسيط حول المعالجة التقليدية للمعلومات. ولذلك فليس غريبا أن تكون دراسة خصائص إنتروپي شانون قد آتت ثمارها في تحليل عمليات أشد تعقيدا من ضغط البيانات. فهو (إنتروپي شانون) يؤدي، على سبيل المثال، دورا مركزيا في حساب مقدار المعلومات التي يمكن نقلها بشكل موثوق عبر قناة اتصال فيها ضجيج، وحتى في فهم ظواهر مثل المراهنة وأداء سوق الأوراق المالية. إن أحد الموضوعات العامة في علم المعلومات هو أن الأسئلة حول العمليات الأولية تقود إلى توحيد المفاهيم التي تحفز التبصر في عمليات أشد تعقيدا.

    تكتسب عناصر لائحة شوماخر الثلاثة في علم المعلومات الكمومية غنى جديدا. ما الموارد الفيزيائية الجديدة المتاحة في الميكانيك الكمومي؟ ما مهمات معالجة المعلومات التي يمكننا أن نأمل تحقيقها؟ وما هي معايير النجاح المناسبة؟ تتضمن الموارد الآن حالات التراكب(4) مثل قطة شرودينگر المثالية الحية والميتة. أما العمليات فيمكن أن تشتمل على منابلات التشابك (الترابطات الكمومية الغريبة) بين أشياء شديدة التباعد. وأما معايير النجاح فتصبح أكثر دقة وحساسية منها في الحالة التقليدية، إذ يجب علينا ـ للوصول إلى نتيجة ما في مهمة معالجة معلومات كمومية ـ أن نرصد المنظومة أو نقيسها، الأمر الذي سيغيرها بصورة شبه حتمية، وبذلك سيتم تدمير حالات التراكب الخاصة التي تتفرد بها الفيزياء الكمومية.

    الكيوبتات (البتات الكمومية)(******)
    يبدأ علم المعلومات الكمومية بتعميم المورد الأساسي للمعلومات التقليدية، وهي البتات، إلى البتات الكمومية أي الكيوبتات. وكما أن البتات هي أشياء مثالية مستنبطة من مبادئ الفيزياء التقليدية، فالحال كذلك في الكيوبتات: إنها أشياء كمومية مثالية مستنبطة من مبادئ الميكانيك الكمومي. ويمكن تمثيل البتات بمناطق مغنطيسية على أقراص، أو بڤلطيات في مجموعة دارات، أو بعلامات گرافيتية يخطها قلم رصاص على ورقة. إن الأداء الوظيفي لهذه الحالات الفيزيائية التقليدية كبتات لا يعتمد على تفاصيل الكيفية التي تنفذ بها. وعلى نفس النحو، فإن خصائص الكيوبتات مستقلة عن تمثيلها الفيزيائي المعين، كأن تكون سپين نواة ذرية أو استقطاب فوتون ضوئي.

    توصف البتة بحالتها: 0 أو 1. وعلى نحو مماثل، توصف الكيوبتة بحالتها الكمومية. وتقابل حالتان كموميتان ممكنتان للكيوبتة حالتي ال0 و ال1 للبتة التقليدية. غير أنه في الميكانيك الكمومي، فإن أي شيء ذي حالتين مختلفتين، يمتلك بالضرورة حالات عديدة أخرى تُدعى تراكيب، وهي التي تقتضي كلتا الحالتين بدرجات متفاوتة. والحالات المسموح بها للكيوبتة هي على وجه التحديد جميع تلك الحالات التي يجب إتاحتها، من حيث المبدأ، لبتة تقليدية ازدرعت في العالم الكمومي. هذا وتقابل حالات الكيوبتة نقاطا على سطح كرة، حيث يمثل ال0 وال1 القطبين الجنوبي والشمالي (انظر الإطار في هذه الصفحة). أما المتصل(5) (المجموعة المترابطة المتراصة) من الحالات بين ال0 وال1، فهو الذي يغذي الكثير من الخصائص غير المألوفة للمعلومات الكمومية.

    شرح الكيوبتات(*******)
    يمكن للبتة أن تأخذ واحدة من حالتين: 0 أو 1. ويمكن تمثيل البتة بمفتاح ترانزستوري يوضع في حالة «وصل» أو «فصل»، أو تجريديا بسهم يشير إلى أعلى أو أسفل.
    يمكن للكيوبتة، وهي الشكل الكمومي للبتة، أن توجد في عدد أكبر بكثير من الحالات الممكنة. يمكن تمثيل الحالات بسهم يشير إلى موضع على كرة حيث يكون القطب الشمالي مكافئا لل1، ويكون القطب الجنوبي مكافئا لل0. أما سائر المواضع فهي تراكبات كمومية لل0 وال1.
    قد تبدو الكيوبتة وكأنها تحتوي على مقدار لانهائي من المعلومات لأنه يمكن لإحداثياتها أن تكود لمتتابعة لامتناهية من الأرقام. لكن استخراج المعلومات الموجودة في الكيوبتة يستلزم إجراء قياس. وعندما تقاس الكيوبتة، يتطلب الميكانيك الكمومي أن تكون النتيجة دائما بتة عادية: 0 أو 1. ويعتمد احتمال كل نتيجة على خط عرض الكيوبتة.

    ما كمية المعلومات التقليدية التي يمكن خزنها في كيوبتة واحدة؟ يوحي أحد أوجه الاستدلال بأن المقدار لانهائي: لتحديد حالة كمومية فإننا نحتاج إلى معرفة خطي الطول والعرض للنقطة المقابلة للحالة على الكرة، وهما مقداران يمكن معرفتهما من حيث المبدأ، وبالدقة المطلوبة. ويمكن لهذه الأرقام أن تكوِّد متتاليةً طويلة من البتات. فعلى سبيل المثال، 011101101 يمكن أن تُكوَّد كحالة بخط عرض 01 درجة، 11 دقيقة، 01.101 ثانية.

    إن هذا الاستدلال مقبول ظاهريا إلا أنه غير صحيح. ذلك أنه يمكن للمرء تكويد مقدار لانهائي من المعلومات التقليدية في كيوبتة واحدة، لكنه لا يستطيع بتاتا استرجاع تلك المعلومات من الكيوبتة. إن أبسط محاولة لقراءة حالة الكيوبتة، بالقياس المباشر المعتاد لها، لن تعطي إلا نتيجة على شكل 1 أو 0، أي قطب جنوبي أو شمالي، باحتمال لكل منهما يحدده خط عرض الحالة الأصلية (البدئية). يمكنك أن تختار قياسا مختلفا، ربما باستخدام محور «ميلبورن ـ جزر الأزور» عوضا عن محور الشمال ـ الجنوب، إلا أنك هنا أيضا لن تستخرج إلا بتة واحدة من المعلومات، وإن كانت تتحكم فيها احتمالات ذات ارتباط مختلف بخطي طول وعرض الحالة. فمهما يكن القياس الذي تختار إجراءه، فإنه يمحي جميع المعلومات في الكيوبتة باستثناء البتة الوحيدة التي تُسفر عنها عملية القياس.

    إن مبادئ الميكانيك الكمومي تمنعنا من استخراج أكثر من بتة معلومات واحدة، مهما كان تكويد الكيوبتة ذكيا، ومهما بلغت براعتنا في قياسها فيما بعد. لقد برهن <S.A.هوليڤو> [من معهد ستِكْلوف للرياضيات في موسكو] على هذه النتيجة المدهشة عام 1973، وذلك إثر تخمين طرحه <P.J.گوردون> من مختبرات AT&T Bell عام 1964. ويبدو الأمر كما لو أن الكيوبتة تحوي معلومات خفية نستطيع منابلتها لكننا لا نستطيع الولوج إليها مباشرة. لذا فمن الأفضل النظر إلى تلك المعلومات الخفية على أنها وحدة معلومات كمومية عوضا عن اعتبارها عددا لانهائيا من البتات الكلاسيكية التي لا يمكن الولوج إليها.

    لاحظ كيف يتبع هذا المثال نموذج شوماخر لعلم المعلومات. لقد تساءل <گوردون> و<هوليڤو> عن عدد الكيوبتات (المورد الفيزيائي) اللازم لخزن مقدار محدد من المعلومات التقليدية (المهمة) بطريقة يمكن بها استرجاع المعلومات على نحو موثوق (معيار النجاح). ومن ثم أدخل <گوردون> و<هوليڤو> مفهوما رياضياتيا للإجابة عن هذا السؤال، يُعرف الآن ب«كاي هوليڤو»(6)، فقد استُخدم هذا المفهوم لتبسيط تحليل الظواهر الأشد تعقيدا، على نحو مشابه للتبسيط الذي أتاحه إنتروپي شانون. وعلى سبيل المثال، فقد بيَّن <M.هوروديسكي> [من جامعة گدانسك في پولندا] أنه يمكن استخدام كاي هوليڤو لتحليل مسألة ضغط الحالات الكمومية الناتجة من مصدر معلومات كمومي، والتي تشابه ضغط البيانات التقليدي الذي عالجه شانون.

    الحالات المتشابكة(********)
    تثير الكيوبتات الفُرادى الاهتمام، إلا أن ما يأخذ بالألباب هو وضع عدة كيوبتات معا. إن إحدى السمات الجوهرية لعلم المعلومات الكمومية هو إدراك أنه يمكن لمجموعات مؤلفة من شيئين كموميين أو أكثر أن تمتلك حالات متشابكة. ولهذه الحالات المتشابكة خصائص تختلف كليا عما هو عليه الأمر في الفيزياء التقليدية، لذا بدأت النظرة إليها على أنها نوع جديد تماما من الموارد الفيزيائية يمكن استخدامها لأداء مهمات لافتة.

    لقد كان وقع التشابك على <شرودينگر> قويا إلى درجة جعلته يصفه في مقالة واعدة عام 1935 (العام نفسه الذي قدم فيه قطته إلى العالم) بأنه «ليس إحدى خواص الميكانيك الكمومي، بل الخاصة المميزة له ـ الخاصة التي تفرض ابتعاده التام عن خط التفكير التقليدي». فليس لعناصر جماعة من الأشياء المتشابكة حالات كمومية خاصة بها، والحالة الكمومية المعرَّفة تماما هي حالة المجموعة ككل (انظر الإطار في الصفحة 76). إن هذه الظاهرة أشد غرابة بكثير من حالة التراكب التي تخص جسيما مفردا. فللجسيم الفردي حالة كمومية مُعرَّفة تماما، حتى لو كانت تلك الحالة ناتجة من تراكب حالات تقليدية مختلفة.

    لتكن هنا نمور كمومية(*********)
    مازال علماء المعلومات الكمومية يرسمون الخطوط العريضة لطبوغرافية حقلهم الناشئ. إن بعض السيرورات الأبسط كالنقل عن بعد والتعمية الكمومية مفهومة فهما جيدا، خلافا لما هو عليه الأمر في الظواهر المعقدة، كتصحيح الخطأ الكمومي أو خوارزمية <شور> لتحليل العوامل الأولية، التي مازالت محاطة بمساحات واسعة من القفار المجهولة. وأحد الجهود المبذولة لجسر الهوة بين البسيط والمعقد هو عمل في نظرية شاملة للتشابك، على غرار نظرية الطاقة المتجسدة في الثرموديناميك.

    إن الأشياء المتشابكة تتصرف كما لو كان بعضها مرتبطا بالبعض الآخر، مهما كانت المسافة الفاصلة بينها، فالبعد لا يوهن التشابك بتاتا. إن أي قياس لشيء متشابك مع أشياء أخرى، يوفِّر لنا في الوقت نفسه معلومات عن شركائه. قد يؤدي هذا بالمرء إلى الظن بإمكانية استخدام التشابك لإرسال إشارات بسرعة تفوق سرعة الضوء، خارقا بذلك نظرية النسبية الخاصة لآينشتاين، إلا أن الطبيعة الاحتمالية للميكانيك الكمومي تحبط مثل هذا المسعى.

    وعلى الرغم من غرابة التشابك، فقد اعتُبر لزمن طويل مجرد فضول، وأهمله الفيزيائيون كليا تقريبا. لكن ذلك تغير في ستينات القرن العشرين عندما تنبأ <S.J.بِلْ> من CERN (المختبر الأوروبي لفيزياء الجسيمات قرب جنيڤ) بأن الحالات الكمومية المتشابكة تسمح باختبارات تجريبية حاسمة تميز بين الميكانيك الكمومي والفيزياء التقليدية. فقد تنبأ <بِل> بسلوك للمنظومات الكمومية المتشابكة يستحيل تحققه في العالم التقليدي ـ حتى لو استطاع المرء تغيير قوانين الفيزياء لمحاولة محاكاة التنبؤات الكمومية ضمن إطار تقليدي أيا كان نوعه. وأكد التجريبيون experimenters ذلك التنبؤ. ويمثل التشابك أحد مظاهر عالمنا ـ مظهرا جديدا تماما إلى حد أن الخبراء أنفسهم يجدون من الصعوبة بمكان تخيله. ورغم أنه يمكن للمرء الاستدلال على التشابك باستخدام رياضيات النظرية الكمومية، فإننا ما إن نرجع إلى البحث عن وجوه شبه، حتى يتربص بنا خطر كبير بأن تُوقِعُنا الأسس التقليدية لتشبيهاتنا في الخطأ.

    توضيح التشابك(**********)
    لو كان ممكنا لأحجار النرد أن تتشابك على غرار الجسيمات الكمومية، لأعطى كل زوج متشابك النتيجة نفسها، حتى لو رُميا وبينهما سنوات ضوئية أو في أزمنة مختلفة جدا.
    وزن التشابك
    تحمل الأزواج غير التامة التشابك أقل من بتةe- واحدة. فإذا تشارك أحمد ومنى بزوجين متشابكين جزئيا، يستطيعان «تركيز» التشابك في زوج واحد. فإذا أنتج التركيز زوجا أعظمي التشابك، علم أحمد ومنى أن زوجيهما كانا في الأصل يحملان ما لا يقل عن بتةe- واحدة من التشابك.
    بتةE- القياسية
    عندما تتشابك كيوبتتان تفقدان حالتيهما الكموميتين الخاصتين بهما، وتُعرَّف عوضا عن ذلك علاقة بينهما. فعلى سبيل المثال، في نوع من الأزواج الأعظمية التشابك، تعطي الكيوبتات نتائج متعاكسة لدى قياسها. فإذا أعطى واحد 0، أعطى الآخر 1، والعكس صحيح. إن الزوج الأعظمي التشابك يحمل «بتة-e» واحدة.
    وباستخدام التركيز (والعملية المعاكسة، أي تخفيف التشابك)، يبني المرء ميزانا افتراضيا لوزن تشابك الحالات المختلفة بدلالة البتة-e القياسية.
    النقل الكمومي عن بعد
    إذا تشارك أحمد ومنى ببتة-e واحدة، يمكنهما نقل كيوبتة واحدة عن بعد. وفي ذلك «تُستهلك» البتة-e، ولا يعود أحمد ومنى متشاركين بها بعد النقل عن بعد.
    إذا نقل أحمد عن بعد عضوا (b) من زوج متشابك إلى منى، يُنقل تشابك ذلك الجسيم مع شريكه الأصلي (c) إلى جسيم منى (a). لكن منى وأحمد
    لا يستطيعان استخدام النقل عن بُعْد لزيادة مخزونهما من البتات-e المشتركة بينهما.

    تتصرف المنظومات الكمومية المتشابكة بطرائق
    يستحيل حدوثها في أي عالم تقليدي.
    وفي بداية تسعينات القرن العشرين، دفعت الفكرة القائلة بأن التشابك يقع كليا خارج منظور الفيزياء التقليدية الباحثين إلى التساؤل عن إمكانية استخدامه كمورد لحل مسائل معالجة المعلومات بطرائق جديدة. وكان الجواب إيجابيا. وبدأ طوفان الأمثلة عام 1991 عندما بيَّن< K.A .إكرت> [من جامعة كامبريدج] كيفية استخدام التشابك من أجل توزيع كتوم لمفاتيح التعمية يستحيل معه استراق السمع له. وفي عام 1992، بيَّن <H.C.بِنِتْ> و<S.ويزنر> أنه يمكن للتشابك أن يساعد على إرسال المعلومات التقليدية من مكان إلى آخر (في عملية تدعى التكويد الفائق الكثافة، وفيه تُنقل بتتان على جسيم لا يبدو فيه متسع إلا لبتة واحدة). وفي عام 1993، فسر فريق دولي مكون من ستة باحثين كيفية نقل حالة كمومية عن بعد من مكان إلى آخر باستخدام التشابك. وتبع ذلك فيض من التطبيقات الأخرى.


    وزن التشابك(***********)
    وكما هي الحال مع الكيوبتات الفُرادى التي يمكن أن تمثَّل بكثير من الأشياء الفيزيائية المختلفة، كذلك يمتلك التشابك خصائص مستقلة عن تمثيله الفيزيائي. ومن الناحية العملية، قد يكون من الأيسر استخدام منظومة معينة أو أخرى، أما من حيث المبدأ، فذلك غير مهم. فعلى سبيل المثال، يمكن للمرء تحقيق التعمية الكمومية باستخدام فوتونين متشابكين أو نواتين ذريتين متشابكتين أو حتى فوتون ونواة متشابكين معا.

    ويوحي الاستقلال عن طريقة التمثيل بتشابه بين التشابك والطاقة يحث على التأمل. فالطاقة تخضع لقوانين الثرموديناميك سواء أكانت طاقة كيميائية أم نووية أم أي شكل آخر. فهل يمكن تطوير نظرية عامة للتشابك بنهج مشابه لقوانين الثرموديناميك؟

    لقد قَوِيَ هذا الأمل كثيرا في النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين عندما بيَّن باحثون أن أشكال التشابك المختلفة متكافئة نوعيا، إذ يمكن نقل تشابك حالة ما إلى حالة أخرى، على نحو مشابه للطاقة المتدفقة مثلا من شاحن بطارية إلى بطارية. وانطلاقا من هذه العلاقات النوعية، بدأ الباحثون بإعطاء مقاييس كَميةٍ للتشابك. ومازالت هذه التطورات مستمرة، لكن الباحثين لم يتفقوا بعد على أفضل طريقة لقياس التشابك كميا. غير أن الطريقة الأكثر نجاحا حتى الآن تستند إلى فكرة وحدة قياسية للتشابك، على غرار الوحدة القياسية للكتلة أو الطاقة (انظر الإطار في الصفحة المقابلة).

    لا تختلف هذه الطريقة عن مبدأ قياس الكتلة باستخدام الميزان. فكتلة شيء ما تُعرَّف بعدد الكتل المعيارية اللازمة لمعادلتها في الميزان. لقد طور علماء المعلومات الكمومية «ميزان تشابك» نظريا من أجل مقارنة التشابك في حالتين مختلفتين. ويعرَّف مقدار التشابك في حالة ما بتحديد العدد اللازم من نسخ وحدة تشابك معيارية معينة لمعادلته. لاحظ أن طريقة القياس الكمي الكمومي للتشابك هذه هي مثال آخر للسؤال الجوهري في علم المعلومات. فقد قمنا بتعيين مورد فيزيائي (نسخ من حالة التشابك) ثم مهمة ومعيار نجاح. ونعرِّف مقياسنا للتشابك بالسؤال عن مقدار موردنا الفيزيائي اللازم لتحقيق مهمتنا بنجاح.

    أثبتت مقاييس التشابك الكمية التي جرى تطويرها باتباع هذا البرنامج نجاعتها من حيث توحيدها للمفاهيم في وصف طيف واسع من الظواهر. وتحسِّن مقاييس التشابك كيفية تحليل الباحثين لبعض المهمات من قبيل النقل الكمومي عن بعد، والخوارزميات على حواسيب الميكانيك الكمومي. وهنا يساعدنا التشابه مع الطاقة مرة أخرى. فلكي نفهم سيرورات من قبيل التفاعلات الكيميائية أو عمل محرك، فإننا ندرس تدفق الطاقة بين الأجزاء المختلفة للمنظومة، ونحدد الكيفية التي يجب أن تقسر بها الطاقة في مختلف المواضع والأزمنة. وعلى نفس النحو يمكننا تحليل تدفق التشابك (من منظومة جزئية إلى أخرى) الذي يقتضيه أداء مهمة معالجة معلومات كمومية، وبالتالي الحصول على القيود اللازمة على الموارد لتنفيذ المهمة.

    إن تطوير نظرية التشابك مثال للمنهجية الصعودية: نبدأ بأسئلة بسيطة حول موازنة التشابك، لتتضح لنا تدريجيا رؤية ظواهر أشد تعقيدا. وعلى النقيض من ذلك، ففي حالات قليلة، كشف البعض ـ حدسا وتخمينا ـ من خلال قفزات فكرية ثاقبة، عن ظواهر بالغة التعقيد، مما سمح للباحثين في علم المعلومات الكمومية بالتقدم وفق المنهجية النزولية. والمثال الأكثر شهرة على ذلك هو خوارزمية سريعة لإيجاد العوامل الأولية لعدد صحيح غير أولي بوساطة حاسوب كمومي، صاغها عام 1994 <W.P.شور> [من المختبرات AT&T Bell]. فعلى حاسوب تقليدي تحتاج أفضل الخوارزميات المعروفة ـ من أجل إيجاد العوامل ـ إلى مقدار من الموارد يزداد أسيا exponentially بارتفاع الأعداد. وهكذا يحتاج عدد مكون من 500 رقم إلى عدد من الخطوات الحسابية يساوي مئة مليون ضعف عدد الخطوات اللازمة لتحليل عدد مكون من 250 رقما. أما كلفة خوارزمية <شور>، فتزداد مثل كثيرات الحدود polynomially فقط، ولا يحتاج الرقم المكون من 500 رقم إلا إلى ثمانية أضعاف عدد الخطوات اللازمة للعدد المكون من 250 رقما.

    تعد خوارزمية <شور> مثالا آخر للنموذج الأساسي (ما مقدار زمن الحساب اللازم لإيجاد عوامل عدد صحيح مكون من n بتة؟) لكن الخوارزمية تبدو معزولة عن معظم النتائج الأخرى لعلم المعلومات الكمومية (انظر الإطار في الصفحة 75). وتبدو للوهلة الأولى مجرد حيلة برمجية ذكية غير ذات مغزى عميق. لكن هذه الرؤية مضللة، فقد بيَّن الباحثون أنه يمكن تفسير خوارزمية <شور> كمثال لإجراءٍ تحدد بموجبه مستويات الطاقة لمنظومة كمومية، وهي سيرورة أساسية دون ريب. وسيصبح من الأسهل علينا، مع مرور الوقت ومع سد فجوات أخرى في المخطط، استيعاب المبادئ التي تقوم عليها خوارزمية <شور> والخوارزميات الكمومية الأخرى، ونأمل أن يغدو من الأسهل أيضا تطوير خوارزميات جديدة.

    التعامل مع الأخطاء(************)
    تصحيح خطأ الكيوبتات
    إن استراتيجية التكرار مستحيلة بالنسبة إلى الكيوبتات لسببين؛ أولهما هو أنه لا يمكن استنساخ الكيوبتات الموجودة في حالات مجهولة (a). حتى ولو أمكن إنتاج صور عن الأصل (بتشغيل نسخ حسابية متعددة على سبيل المثال)، فإن القياس البسيط لا يكشف الأخطاء (b).
    يعمل أحد كودات تصحيح الخطأ الكمومي من خلال جعل كل كيوبتة بيانات تتشابك مع كيوبتتين موضوعتين في حالة 0. وتتشابك هذه الكيوبتات الثلاث بدورها مع ست كيوبتات أخرى. عندئذ، سوف يكشف تطبيق القياس المشترك على أزواج الكيوبتات ما إذا كانت واحدة من الكيوبتات التسع تعاني خطأ ما، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يدل على كيفية تصحيحه دون إحداث اضطراب في حالات الكيوبتات الإفرادية.
    كود التكرار التقليدي
    تكوِّد طريقة تقليل الأخطاء البسيطة التقليدية هذه لكل بتة على شكل ثلاث بتات متماثلة. فإذا قلب الضجيج بتة واحدة من الثلاثية، يمكن تصحيح الخطأ بضبط البتة التي تمثل الأقلية في الثلاثية.

    ويقدم لنا تطبيق أخير، هو تصحيح الخطأ الكمومي، أفضل برهان إلى يومنا هذا على أن علم المعلومات الكمومية هو إطار عمل مفيد لدراسة العالم. لكن الحالات الكمومية رهيفة سهلة التدمير بالتآثرات الضالة (الشاردة) أو بالضجيج، لذلك فإن إجراءات إبطال مفعول هذه الاضطرابات ضرورية.

    في الحوسبة والاتصالات التقليدية هناك مجموعة متطورة من كودات تصحيح الأخطاء لحماية المعلومات من أذى الضجيج. ومثال بسيط على ذلك هو كود التكرار (انظر الإطار في هذه الصفحة). في هذه الطريقة، تُمثَّل البتة 0 بسلسلة من ثلاث بتات، 000، والبتة 1 بسلسلة من ثلاث بتات، 111. فإذا كان الضجيج ضعيفا نسبيا، يمكنه أحيانا قلب إحدى بتات الثلاثية، مغيرا على سبيل المثال السلسلة 000 إلى 010، لكنه يندر أن يقلب بتتين معا. لذلك، وحينما نصادف الثلاثية 010 (أو 100 أو 001) يمكننا أن نكون متيقنين إلى حد بعيد من أن القيمة الصحيحة هي 000، أي 0. وثمة تعميمات generalizations لهذه الفكرة أشد تعقيدا، توفر كودات جيدة جدا لتصحيح الأخطاء، لكي تحمي المعلومات التقليدية.

    تصحيح الخطأ الكمومي(*************)
    في البداية، بدا تطوير كودات لتصحيح الخطأ الكمومي أمرا مستحيلا، لأن الميكانيك الكمومي يمنعنا من المعرفة الأكيدة لحالة الشيء الكمومية. فالعقبة، مرة أخرى، هي محاولة استخراج أكثر من بتة واحدة من كيوبتة. ولذا يخفق كود المضاعفة الثلاثية التقليدي البسيط لأن المرء لا يستطيع فحص كل نسخة للكيوبتة ليقرر إهمال هذه النسخة أو تلك، دون أن يخرب جميع نسخ السيرورة. والأسوأ من ذلك هو أن صنع النسخ أصلا أمر غير بسيط؛ فالميكانيك الكمومي يمنع أخذ كيوبتة غير معروفة ونسخها على نحو موثوق، وهذه نتيجة تُعرف بنظرية عدم الاستنساخ.

    وفي أواسط تسعينات القرن العشرين بدا الوضع قاتما عندما كتب فيزيائيون بارزون من أمثال <R.لانداور> [من الشركة IBM] مقالات متشككة تشير إلى أن تصحيح الخطأ الكمومي سيكون ضروريا للحسابات الكمومية، وإلى استحالة استخدام التقنيات التقليدية المعروفة، في العالم الكمومي. ويدين هذا الحقل كثيرا لشكوك <لانداور> التي أثارت هذا النوع من المسائل التي يجب حلها(7).

    إن تصحيح الخطأ الكمومي قد يحسِّن دقة أفضل ميقاتيات العالم.

    ومن حسن الطالع أن <شور> و<M.N.ستين> [من جامعة أكسفورد] عام 1955 فطنا بشكل مستقل أحدهما عن الآخر إلى أفكار تبين ما يجب فعله لتصحيح الخطأ الكمومي دون معرفة حالات الكيوبتات بتاتا، ودون حاجة إلى نسخها. فكما هي الحالة في الكود الثلاثي، تُمثل كل قيمة بمجموعة كيوبتات. وتُمرَّر هذه الكيوبتات عبر دارة (النظير الكمومي للبوابات المنطقية) يمكنها بنجاح تصحيح الخطأ في أي من الكيوبتات دون «قراءة» ماهية جميع حالاتها الإفرادية فعلا. إن الأمر كما لو أن المرء يمرر الثلاثية 010 عبر دارة تستطيع تحديد اختلاف البتة الوسطى عن الأخريين وقلبها، وكل ذلك دون تحديد هوية أي من البتات الثلاث.

    تُعدُّ كودات تصحيح الخطأ الكمومي نصرا للعلم. فقد تحققت حماية الحالات الكمومية من الضجيج، وهو أمر كان أشخاص لامعون يظنون أنه غير ممكن، وذلك بالتوفيق بين بعض مفاهيم علم المعلومات والميكانيك الكمومي الأساسي. وقد تلقت هذه التقنيات الآن تأكيدات أولية جاءت من تجارب أجريت في مختبر لوس ألاموس الوطني وIBM ومعهد ماساتشوستس للتقانة؛ كما يجري التخطيط لتجارب أخرى أكثر اتساعا.

    لقد فتح تصحيح الخطأ الكمومي المجال أيضا لعدة أفكار مثيرة وجديدة. فعلى سبيل المثال، إن أفضل ميقاتيات العالم محدودة حاليا بضجيج الميكانيك الكمومي. ويتساءل الباحثون عما إذا كان من الممكن تحسين دقة تلك الساعات باستخدام تصحيح الخطأ الكمومي. وثمة فكرة أخرى اقترحها <A.كيتاييڤ> [من معهد كاليفورنيا للتقانة] مفادها أن بعض المنظومات الفيزيائية قد تمتلك نوعا من التسامح tolerance الطبيعي للضجيج. وفي الواقع قد تستخدم هذه المنظومات تصحيح الخطأ الكمومي دون تدخل الإنسان، وقد تبدي مقاومة متأصلة فيها لفك الترابط.

    لقد تحرينا كيف ينطلق علم المعلومات الكمومية من الأسئلة الأساسية ليبني عليها فهم منظومات أشد تعقيدا. والآن ماذا يحمل المستقبل؟ لا شك أننا سنتوغل في إمكانات الكون في معالجة المعلومات باتباع برنامج شوماخر، وربما تقود طرائق علم المعلومات الكمومية إلى كشف النقاب عن منظومات لا يُنظر إليها تقليديا على أنها منظومات معالجة معلومات. فعلى سبيل المثال، تخضع المادة الكثيفة لظواهر معقدة كالموصلية الفائقة عند درجات الحرارة العالية وكمفعول <هول> الكمومي الفركتلي (الكسراني) تتدخل فيها خصائص كمومية كالتشابك، وإن لم يتضح دورها بعد. إلا أنه يمكننا، بتطبيق ما تعلمناه من علم المعلومات الكمومية، رفع درجة كفاءتنا في لعبة الشطرنج القائمة في العالم الكمومي المعقد.

    0 Not allowed!



  9. [399]
    عضو متميز


    تاريخ التسجيل: Aug 2010
    المشاركات: 597
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0
    المؤلف
    Michael A. Nielsen
    أستاذ مشارك في قسم الفيزياء بجامعة كوينزلاند في بريزبان بأستراليا. ولد في بريزبان وحصل على الدكتوراه في الفيزياء متمتعا بمنحة فولبرايت من جامعة نيومكسيكو عام 1998. اشترك مع <L.I.شوانگ> [من معهد ماساتشوستس للتقانة] في تأليف أول كتاب جامعي شامل عن علم المعلومات الكمومية: الحساب الكمومي والمعلومات الكمومية.

    مراجع للاستزادة
    Quantum Theory and Measurement. Edited by John A. Wheeler and Wojciech H. Zurek. Contains reprints of landmark papers, including a translation of Erwin Schrodinger's 1935 "cat paradox" paper. Princeton University Press, 1983.
    The Fabric of Reality. David Deutsch. Penguin Books, 1998.
    The Bit and the Pendulum. Tom Siegfried. John Wiley 8c Sons, 2000.
    Quantum Computation and Quantum Information. Michael A. Nielsen and Isaac L. Chuang. Cambridge University Press, 2000.
    The Center for Quantum Computation's Web site: www.qubit.org
    John Preskill's lecture notes are available at www.theory.caltech.edu/people/preskill/ph229/
    See www.sciam.com for Scientific American articles related to quantum information science.

    (*) RULES FOR A COMPLEX QUANTUM WORLD
    (**) Complexity and Quanta
    (***) Resources and Tasks
    (****) Overview/ Quantum Information
    (*****) The Fundamental Question
    (******) Qubits Explained
    (*******) Qubits
    (********) Entangled States
    (*********) Here There be Quantum Tygers
    (**********) Disentangling Entanglement
    (***********) Weighing Entanglement
    (************) Dealing with Errors
    (*************) Quantum Error Correction

    (1) teleportation: أي النقل الآني من مكان إلى آخر بوساطة وسائل سحرية أو غير عادية.
    (2) للاطلاع على المقالات التي نشرت في مجلة ساينتفيك أمريكان حول تلك التطورات انظر: www.sciam.com. (التحرير)
    (3) macroscopic: أي كبيرة بحيث ترى بالعين المجردة. (التحرير)
    (4) superposition
    continuum(5)
    (6) Holevo chi، حيث يستخدم فيه حرف اللغة اليونانية «كاي». (التحرير)
    (7) [انظر: by Gary Stix;"Riding the Back of Electrons, " Profile, Scientific American, September 1998].






    0 Not allowed!



  10. [400]
    عضو متميز


    تاريخ التسجيل: Aug 2010
    المشاركات: 597
    Thumbs Up
    Received: 2
    Given: 0
    عالمنا اللامتناظر
    إن الطبيعة تؤلف عالما لامتناظرا بالنسبة إلى اليمين واليسار، من ذراته إلى
    كائناته البشرية. وسنشرح في هذه المقالة كيف يؤدي اللاتناظر الكامن
    في الجسيمات الأولية إلى اللاتناظر الظاهر في الأشياء المحسوسة.
    <A.R.هيگستروم>ـ<K.D.كُنديپودي>

    في عام 1848، وبينما كان <لويس باستور> يفحص أحد أملاح حمض الطرطير تحت المجهر، لاحظ أن هذا الملح يؤلف شكلين من البلورات أحدهما صورة للآخر في مرآة مستوية، فما كان منه إلا أن فصل بالملقط بين النوعين، وأذاب كل نوع ـ على حدة ـ في الماء، ثم سلط خلال كل محلول حزمة ضوء مستقطب. وباستغراب كبير لاحظ أن أحد المحلولين يدوِّر مستوي استقطاب الضوء باتجاه حركة عقارب الساعة وأن المحلول الآخر يدوِّر هذا المستوي في الاتجاه المعاكس.

    إن هذا الاكتشاف المثير، الذي تم على يدي باستور وهو ابن 25 عاما، أدى به لأن يبتكر نظرية في البنية الجزيئية للمادة. وفي ذلك العصر، كانت المعلومات عن بنية المادة في السلم المجهري بسيطة للغاية. لكن باستور افترض أن الشكلين المميزين لبلورات ملح الطرطير، وقدرتهما على تدوير الاهتزازة الضوئية باتجاهين متعاكسين، ناتجان كلاهما من أن جزيئات الملح نفسها تتخذ شكلين فراغيين متناظرين يمينا ـ يسارا، فقال: إن بعض الجزيئات ذو شكل «يميني» وبعضها الآخر ذو شكل «يساري».

    ولدى دراسة اللاتناظر القائم في تلك البلورات توصل باستور إلى اكتشاف عظيم آخر عام 1857: إذ لاحظ أن نوعا من الفطريات قد نما في محلول غير فعّال ضوئيا، أي إنه كان في الأصل لا يؤثر في مستوي استقطاب الضوء. وبدلا من أن يسكب هذا المحلول «الملوًّث» في البالوعة ـ كما كان يمكن أن يفعل سواه ـ فحصه بحزمة ضوء مستقطب، فتبين له أن هذا المحلول قد صار ذا مفعول ضوئي، أي إنه دوًّر مستوي استقطاب هذه الحزمة الضوئية. لقد حوّلت عضويات (متعضيات) مجهرية ـ الفطريات ـ محلولا غير فعال ضوئيا إلى محلول فعال ضوئيا.

    علّل باستور هذه الظاهرة الجديدة ـ بناء على نظريته في البنية الجزيئية ـ بأن المحلول كان غير فعال ضوئيا لأنه كان يحوي مقدارين متساويين من نوعي الجزيئات: اليميني واليساري، ثم كان أن تفاعلت الفطريات مع أحد النوعين فقط، فصار المحلول غنيا بالنوع الآخر، وكان من شأن هذا الاختلال أن جعل المحلول فعالا ضوئيا.

    وهكذا اكتشف باستور أن كيمياء الحياة تتحسس باللاتناظر بين الجزيئات، على صعيد اليمين واليسار، مما جعله يعتقد ـ في البدء ـ أن هذه الخاصية هي التي تميز المادة الحية عن المادة العاطلة (الميتة). ثم صرح فيما بعد: إن هذا اللاتناظر في الطبيعة لا يقتصر على كيمياء الحياة، بل إن «الحياة، كما تتجلى لنا، ناجمة عن اللاتناظر الكامن في عالمنا هذا.» بعدها، وأمام الأكاديمية الفرنسية للعلوم، قدم افتراضه العظيم «إن العالم غير متناظر» L'univers est dissymétrique.

    لم يكن أحد يتصور، في ذلك الوقت، مبلغ صحة هذا الافتراض. لكننا نعلم اليوم أن في الطبيعة أشياء كثيرة غير متناظرة «بالانعكاس عن المرآة»(1)، وأن العالم غير متناظر في كل المستويات، من الجسيمات دون الذرية إلى الأجسام المحسوسة (العيانية). ولئن كنا لانزال نجهل أصل هذا اللاتناظر ونشوءه؛ فإن العقود القليلة الماضية بينت لنا ـ بالبحث العلمي ـ كيف تنشأ «اليدوية» في مستوى ما عن اليدوية الموجودة في مستوى آخر. وللتدقيق في هذا الموضوع نبدأ أولا بالأشياء المألوفة في حياتنا اليومية.

    اللولبية
    إن معظم الأشياء الموجودة في الطبيعة لا تنطبق على خيالاتها (صورها) المرآتية فنقول: إنها «ملولبة» chiral وموجودة بشكل «يساري» أو «يميني». ولئن كنا نفهم ما معنى يميني ويساري في الأشياء المألوفة ـ كجسم الإنسان والبراغي مثلا ـ فإن هاتين الصفتين اعتباطيتان في مجال الأشياء الأعقد، كالأشجار وأغصانها ذات الأشكال غير المنتظمة. فخيال بعض الأجسام البسيطة في المرآة ـ كالكرة والمثلث ـ يطابق الأصل، ونقول عن هذه الأجسام: إنها لاملولبة.

    وليست اللولبية صفة مقصورة على الأجسام وحدها، بل يوجد أيضا ظواهر، كالتفاعلات الكيميائية مثلا، يمكن أن تكون ملولبة. وتبدي بعض التفاعلات النووية والذرية تفضيلا لليمين أو اليسار، وذلك بتوليد جسيمات من أحد النوعين ـ اليساري أو اليميني ـ أكثر مما تولِّده من النوع الآخر. ولو كانت الظواهر كلها لاملولبة، لرأينا مقادير متساوية من المنظومات اليمينية والمنظومات اليسارية. وبما أن الأمر ليس كذلك، فإن بعض الظواهر الطبيعية لامتناظرة.

    وعلى الرغم من أن الجسم الملولب ونظيره المرآتي متباينان بالتعريف، فإننا لا نرى ـ للوهلة الأولى ـ سببا لأن يكون أحدهما أميز من الآخر. ومع ذلك يظهر أن الطبيعة تفضِّل عموما أحد النوعين على الآخر، وهذا ما يظهر بوضوح في الكائنات الحية. فالإنسان مثلا غير متناظر تشريحيا: إن قلبه في اليسار وكبده في اليمين على سبيل المثال. وهو أيضا غير متناظر (ملولب) وظيفيا: فعلى الرغم من أن استخدام اليد اليسرى أو اليمنى لا يبدو ذا ميزة لصاحبها نجد أن عدد الناس الضُبُط(2) ambidextrous قليل. ولكن لماذا كانت إحدى اليدين تخدم أحسن من الأخرى؟ إن الأجوبة المقترحة عن هذا السؤال عديدة، ولكننا مازلنا نجهل السبب الحقيقي.

    ومادام البشر غير ضُبُط كلهم، فلماذا معظم الناس «يمينيون»؟ إن كون اليمينيين أكثر عددا من اليساريين هي ظاهرة لدى كل الشعوب وفي كل العصور، لا ترتبط بعرق أو ثقافة. ولكننا لا نرى محذورا لو كان معظم الناس يساريين، إلا أن المصادفة على ما يبدو قد قضت بتفوق عدد اليمينيين. ثم لماذا لم تكن مقادير النوعين متساوية عند الولادة؟ إننا نجهل أيضا سبب ذلك، لكننا نفترض أن تفضيل استخدام إحدى اليدين على الأخرى شيء وراثي: أي إن أفضلية استخدام اليد اليمنى صارت بالوراثة طاغية ـ لأي سبب كان، ثم ظلت هكذا.

    وفي العضويات صفات ملولبة أخرى. فقوقعة الحلزون يمكن أن «تتحلزن» يمينيا أو يساريا؛ لكن الواقع أن التحلزن اليميني أكثر هيمنة في جانبي خط الاستواء. ومن بين الأنواع ذات القواقع اليمينية تظهر ـ نتيجة الطفرات ـ أفراد يسارية بنسبة ضعيفة تتراوح ـ بحسب الأنواع ـ بين واحد في المئة وواحد في عدة ملايين. وليس التحلزن اليميني قاعدة مطلقة، بل إن بعض الأنواع، مثل الوِلْك المتألق lightning whelk في ساحل الأطلسي، تهيمن عليها القواقع اليسارية، وأخيرا توجد أنواع نادرة يتساوى عندها تقريبا عددا القواقع اليمينية واليسارية، منها مثلا حلزون كوبا الشجري (Liguus poeyanus) cuban tree snail.

    إن للكائنات الحية ـ بصفة عامة ـ جهة التفاف مفضلة: فنبات صريمة الجدي يلتف نحو اليسار، في حين يلتف اللبلاب ـ مثل معظم النباتات الملولبة ـ يمينيا. والقوقعيات ـ مثل النوع ليكوس فيرجينوس ـ عموما ملولبة يمينيا، وقد تظهر في النوع نفسه نماذج يسارية ناجمة عن الطفرات. وتشكل البكتيريا باسيلوس سبتيلس مستعمرات ملولبة يمينيا عادة، وبالتسخين تتحول إلى يسارية. ونذكر أخيرا أن الذرات والجزيئات هي الأخرى تنطوي على خصائص لولبية، لكننا لانزال نجهل الصلة بين هذه اللولبية ولولبية الكائنات الحية.

    والنباتات، كالحيوانات، معظمها ملولب: ففي حين يلتف اللبلاب (convolvulus arvensis) bindweed (أحد النباتات المعترشة) يمينيا في تسلقه، تلتف صريمة الجدي (lonicera sempervirens) honeysuckle يساريا. وبعض العضويات المكروية كالبكتيريا ملولبة أيضا. فمنذ السبعينات، درس<H.N.منديلسون>وزملاؤه في جامعة أريزونا سلوك البكتيريا باسيلوس سبتيليس Bacillus subtilis التي تشكل مستعمراتُها لوالب يمينية عموما، ولكن الذي يلفت النظر أن ارتفاع درجة الحرارة يعكس اتجاه التفافها.

    لولبية الجزيئات الكيميائية
    ذكرنا أن باستور قال بأن الجزيئات ملولبة هي الأخرى، ويسمي الكيميائيون الجزيء وخياله المرآتي بالنظيرين المرآتيين. وقد احتفظوا ـ من دراسات باستور على الدوران الضوئي ـ بالرمز L (الحرف الأول من levo = يسار) للنظير الذي يدير مستوي استقطاب الضوء نحو اليسار، وبالرمز dextro) D =يمين) للنظير الذي يدير المستوي نحو اليمين. وكثيرا ما نصادف أشكالا نظيرية مرآتيا في مواد عضوية أو غير عضوية (معدنية)، وبصورة أساسية في كل الجزيئات اللازمة لتطور الحياة تقريبا، وخصوصا في البروتينات المسؤولة عن بنية الخلايا الحية وعن نظامها الكيميائي، وكذلك في الدنا DNA، ذلك الجزيء الذي يختزن المعلومات الوراثية.

    إن جزيء البروتين هو بوليمر عضوي، أي سلسلة طويلة حلقاتها جزيئات أصغر، هي حموض أمينية. وعلى الرغم من أننا نعرف عدة مئات من الحموض الأمينية، فإن عدد ما يدخل منها في بروتينات المادة الحية هو 20 حمضا فقط، وجميعها ملولب، باستثناء الگليسين glycine، ويمكن أن توجد بالشكلين L و D. لكن الغريب أن البروتينات الطبيعية لا تحوي سوى حموض أمينية من النوع L. (توجد حالات نادرة ذات سلاسل قصيرة من حموض أمينية من النوع D، ولها عندئذ دور بيولوجي خاص).

    إن بعض البروتينات، وهي الإنزيمات (الإنظيمات)، تقوم بوظيفة مُحفِّزة للتفاعلات البيوجزيئية، وخصوصا تصنيع بروتينات أخرى، وتتعلق المقدرة التحفيزية للإنزيمات ـ بشكل خاص ـ ببنيتها الفضائية (ثلاثية الأبعاد)، وهي بنية يتحكم فيها تعاقب (تسلسل) الحموض الأمينية L. إن بعض الپپتيدات المصنًّعة من النظيرين المرآتيين D و L، ذات نشاط تحفيزي شبه معدوم، لأنها ـ بخلاف معظم الإنزيمات ـ غير مطوية على نفسها بشكل مجدولات التفافية منتظمة، أي ما يسمى الالتفاف ألفا alpha helix.

    ولما كانت معظم جزيئاتها الحيوية (الأساسية) ملولبة؛ فإن كيمياء البشر حساسة جدا إزاء فروقات اللولبية. والمثال الأكثر مأساوية حدث في عام 1963 عندما استُعمل الدواء المعروف باسم تاليدوميد thalidomide: ففي حين عالج أحد نظيري هذا الجزيء الملولب الغثيان الصباحي عند النساء الحوامل، سبّب النظير الآخر تشويهات ولادية مخيفة. واليوم تحرص الصناعة الصيدلانية بعناية فائقة، على فصل النظيرين، أحدهما عن الآخر. وفي إحدى الحالات الأقل خطرًا حالة الليمونين limonene، وهو مركب موجود في الليمون والبرتقال والعطور. هنا يستطيع الإنسان تمييز النظيرين بالشم، لأن رائحة أحدهما تشبه رائحة البرتقال، ورائحة الآخر تشبه رائحة الليمون.

    وعلى شاكلة البروتينات، فإن الدنا والرنا RNA بوليمران لا يوجدان في الطبيعة إلا على شكل أحد النظيرين الملولبين. وهما مركبان من أربعة أنواع من الوُحَيْدات (الوحدات الفرعية)، ينطوي كل منها على سكر لامتناظر من نوع النظير المرآتي D حصرا. ولهذا السبب يشكل الدنا والرنا لولبين يمينيين. ولما كان تناسخ الحموض النووية منوطا بنشاط بروتينات مؤلفة من سلاسل حموض أمينية يسارية، فإن لولبية الحموض النووية ولولبية البروتينات غير منفصلتين.

    إن الدور البيوكيميائي المميز الذي تؤديه الحموض الأمينية L والسكاكر D دور مضاعف الخصوصية، فإذا استثنينا الشذوذات القليلة ـ التي سنعرض لها فيما بعد ـ نجد، من جهة أولى، أن الخصائص الكيميائية للنظيرين L و D، بصورة أساسية، متناظرة مرآتيا. ثانيا: إذا صنّعنا في المختبر جزيئات ملولبة باستخدام مواد تفاعل غير ملولبة نحصل على مقدارين متساويين من النظيرين L و D، إلا إذا وجهنا التفاعل (عملية التصنيع) باستخدام وسيط لاتناظري أثناء التفاعل.

    إن اللولبية خاصية تمتلكها الأجسام التي لا يمكن أن تنطبق على خيالاتها (صورها) المرآتية (في مرآة مستوية). فالكرة الساكنة مطابقة لخيالها المرآتي، فيقال: إنها لاملولبة، وهي تظل كذلك ولو كانت دوّامة على نفسها (a)، لأننا نستطيع أن نطابق الكرة (الجسم الأصلي) على خيالها، وما علينا في سبيل ذلك سوى أن نقلبها رأسا على عقب فتنطبق على خيالها الأولي. أما إذا كانت تتحرك على طول محور سبينها (تدويمها) (b) فلا يعود خيالها عندئذ قابلا للانطباق عليها فتصبح ملولبة. ويقال، اصطلاحا، عن الجسم المتحرك الدوّام على نفسه: إنه يميني إذا كان يتصرف كبرغي يميني (أثناء توغله في الخشب)، وفي عكس ذلك يقال: إنه يساري (c). أما جهة السبين (التدويم) فتعرف «بقاعدة اليد اليمنى»: إذا طوينا أصابع اليد اليمنى باتجاه الدوران مع إبقاء الإبهام مفتوحا، فإن اتجاه الإبهام يحدد اتجاه محور السبين (d): (إن الأيدي والبراغي أجسام ملولبة لأنها لا يمكن أن تكون مطابقة لخيالاتها المرآتية.)

    هناك سبب أساسي وراء هذا التناظر: فالتفاعلات الكيميائية ناجمة في جوهرها عن تفاعلات كهرطيسية بين الذرات، ومن شأن القوى الكهرطيسية، إذا حصل تفاعل ما، أن تحرِّض التفاعل النظير بالسرعة نفسها. ونقول عن القوة التي تحرِّض ـ باحتمال واحد ـ التفاعل ونظيره معا، إنها تحفظ المماثلة (الزوجية) parity في المنظومة. ولما كانت القوى الكهرطيسية تحفظ المماثلة، فإن من المتوقع أن يحوي عالمنا هذا مقادير متساوية من كلا النظيرين المرآتيين L و D. ولكن لماذا ليست الحال كذلك؟ إن الجواب كامن في فحص اللولبية على الصعيد دون النووي.

    أربع قوى
    إن كل الجسيمات الأولية المعروفة تتفاعل فيما بينها بوساطة قوى تُصنف في أربعة أنواع: قوى التثاقل (الثقالة)، والقوى الكهرطيسية (المسؤولة عن التفاعلات الكيميائية العادية)، والقوى النووية الشديدة (المسؤولة عن تماسك النوى الذرية)، والقوى النووية الضعيفة الأقل شيوعا من القوى الأخرى. كان يظن حتى عام 1957، أن الطبيعة متناظرة في دنيا الجسيمات الأولية، أي إن هذه القوى الأربع تحفظ المماثلة. لكن تبين في العام 1957 أن القوة النووية الضعيفة لا تحفظ المماثلة.

    إن عالمنا لامتناظر في مستويات عديدة. وتحوي المستطيلات الملونة الملولبات التي تحبذها الطبيعة. إن معظم الحلزونيات البحرية ذات قواقع ملولبة يمينيا، ومع ذلك يوجد بعض أنواع طافرة ذات لولبية يسارية. كما أن معظم النباتات المتسلقة تلتف يمينيا. هذا في حين تأتي البكتيريا الملولبة على شكلين: يميني ويساري. أما البروتينات والدنا DNA فهي عموما ملولبة يمينيا، واليسارية منها نادرة، ولا نصادف (في الطبيعة) تناظرًا مرآتيا فعليًا. والحموض الأمينية يمكن أن توجد بالشكلين: اليميني واليساري، إلا أن طاقتيهما مختلفتان بسبب تأثير القوة النووية الضعيفة ، وهي قوة ملولبة. أما في الكائنات الحية فكل الحموض الأمينية تقريبا يسارية. وتؤثر القوة النووية الضعيفة أيضا في الإلكترونات الدائرة حول نواة الذرة فتجعل النوى يمينية عموما. إن النيوترينوهات جسيمات أولية لا توجد إلا بالشكل اليساري: أي إن اتجاه سبينها يعاكس اتجاه حركتها.

    إن القوة النووية الضعيفة ـ كما يوحي اسمها ـ أضعف نسبيا زهاء 1000 مرة من القوة الكهرطيسية و000 100 مرة من القوة النووية الشديدة. وتتجلى القوة الضعيفة أوضح ما يكون في النشاط الإشعاعي بيتا الناجم عن التفكك الفعال لبعض النوى الذرية. والحقيقة أن أشعة بيتا تتألف من إلكترونات عالية الطاقة ومن بوزيترونات؛ وهذه الأخيرة هي الجسيمات المضادة للإلكترونات (توائمها). وللإلكترونات، كما للبوزيترونات، سبين spin جوهري (أصيل) وهو الاندفاع الزاوي لدوران الجسيم على نفسه كالدوامة، لذلك فإنها تشكل نوعين من الجسيمات: الجسيمات D وهي التي تتحرك باتجاه سبينها، والجسيمات L التي تتحرك في عكس ذلك الاتجاه. ولقد اكتُشِف انتهاك (عدم انحفاظ) المماثلة لدى القوة الضعيفة عام 1957: فقد لاحظت <Sh.Ch.وو>، وزملاؤها في جامعة كولومبيا، أن الجسيمات بيتا الصادرة عن الذرات المشعة لامتناظرة على صعيد اللولبية: أي إن الإلكترونات L الصادرة تفوق في عددها الإلكترونات D.

    ولقد أفضت الدراسات اللاحقة للإشعاعات بيتا إلى اكتشاف النيوترينو والنيوترينو المضاد، وهما جسيمان حياديان كهربائيا (أي لا يحملان شحنة كهربائية)، يصدران لدى التفكك بيتا ويسيران دائما بسرعة الضوء. وعلى شاكلة الإلكترونات تمتلك النيوترينوهات المضادة الصادرة عن الذرات المشعة سبينا، لكن هذا السبين يميني دوما، بخلاف سبين الإلكترونات المصاحبة، ونحن لانزال نجهل سبب تفضيل هذه اللولبية في هذا المستوى الأساسي. من جهة أخرى، تصدر المادة المضادة في نشاطها الإشعاعي فائضا من البوزيترونات D، والنيوترينوهات L حصرا. فهل يجب أن نفهم أن النيوترينوهات D والنيوترينوهات المضادة L غي في الكون أصلا؟

    في الستينات، كان يُعتقد أن انتهاك المماثلة مقصور على التفاعلات النووية، وأن التفاعلات الكيميائية والتفاعلات بين الذرات والضوء (أي التي تهيمن فيها القوى الكهرطيسية) تحفظ المماثلة. لكن<S.واينبرگ>(من جامعة تكساس في أوستن) ومحمد عبد السلام (مدير المركز الدولي للفيزياء النظرية بتريستا (ICTP)) و<L.Sh.گلاشو>(من جامعة هارڤارد) اقترحوا في أواخر الستينات نظرية لتوحيد القوة الكهرطيسية مع القوة الضعيفة [انظر: "Unified Theories of Elementary-Particle Interaction" by S. Wienberg;
    Scientific American, July 1974].

    وتتنبأ هذه النظرية بوجود قوة جديدة «كهرضعيفة» تربط إلكترونات الذرة ببروتونات النواة ونيوتروناتها. وفي السبعينات، أكدت تجارب أجريت في المركز CERN وجود هذه القوة التي تنتهك المماثلة.

    وبما أن القوة الكهرضعيفة ملولبة تميز بين اليمين واليسار، فإن الذرات والجزيئات ـ التي كنا نظنها لاملولبة ـ هي ملولبة بأسلوب ما. إضافة إلى ذلك، فإن النظائر المرآتية ـ مثل الحموض الأمينية L و D ـ يجب أن تمتلك خصائص فيزيائية متباينة، كالطاقة مثلا، لأن هذه الخصائص منوطة باللولبية.

    إننا نعلم اليوم أن عالمنا هذا لامتناظر يمينا ـ يسارا، وذلك صعودا من سلم الجسيمات الأولية إلى سلم البنى المحسوسة. فكيف تنشأ هذه اللاتناظرات؟ وهل تولِّد اللولبيةُ في مستوى ما لولبيةً في مستوى أعلى أم أن كلا منهما مستقل عن الآخر؟ سنحاول الإجابة عن هذين السؤالين ـ بقدر الإمكان ـ بدءا من أصغر سلم نعرفه: دنيا الجسيمات الأولية.

    لولبية الجسيمات الأولية
    في حال السكون، تكون الجسيمات الأولية ـ كالإلكترون أو البوزيترون ـ ذات تناظر كروي، وبالتالي لاملولبة. لكن إذا كان الجسيم ذو الدوران السبيني متحركا، سواء باتجاه محور السبين أو عكسه، فإنه يصبح ملولبا. وإذا كان الجسيم يرسم خلال حركته لولبا مثل برغي يميني يقال: إنه يميني، أما إذا كان تصرفه مثل برغي يساري فيقال: إنه يساري.

    إن اللولبية في مستوى الجسيمات الأولية (دون الذرية) منوطة بانتهاك المماثلة. والقوة الكهرضعيفة في نظرية واينبرگ ـ عبدالسلام ـ گلاشو تميز اليسار عن اليمين من خلال «تيارات الشحنة الضعيفة» و«التيارات الحيادية الضعيفة». وشدة هذين التيارين ـ اللذين يُرمز لهما بالقوة W والقوة Z ـ بين أي جسيمين أوليين تتعلق بالمسافة بينهما و«بشحنتيهما».

    إننا نستخدم هنا كلمة «شحنة» بالتشابه مع الكهرباء، حيث يحمل الإلكترون شحنة كهربائية سالبة، وحيث تكون القوة بين أي إلكترونين قوة تنافر. لكن الشحنة الضعيفة W معدومة لدى الإلكترون D وغير معدومة لدى الإلكترون L. أي إن الإلكترون D لا «يتحسس» إطلاقا بالقوة W. ولئن كنا لانزال نجهل سبب تصرف القوة الضعيفة بهذا الشكل الذي يعتبر خاصة أساسية لها، فإننا نعلم أن إحدى نتائج هذه اللولبية هي أن التفكك بيتا النووي المحكوم بالقوة W، يصدر إلكترونات معظمها يسارية.

    تصبح الذرات ملولبة بتأثير القوة النووية الضعيفة Z. وفي القسم العلوي الأيمن من الشكل إلكترون يدور حول النواة وذو سبين صاعد (متجه نحو الأعلى)، خياله المرآتي يقابله في الأيسر. ولو كانت القوة Z غير موجودة لكانت مدارات الإلكترونات حول النواة تشبه المدارين المرسومين في القسم الأوسط من الشكل. إن النواة موجودة في مركز كل ذرة. فإذا قلبنا الخيال المرآتي رأسا على عقب أمكن انطباق المسارين الإلكترونيين (الجديد والأصلي) أحدهما على الآخر بالشكل والاتجاه: أي إن المسار وخياله لاملولبان. أما في حالة وجود القوة Z فإن اتجاه حركة الإلكترون حول النواة ينزع إلى اتخاذ جهة سبين الإلكترون، فنرى في القسم السفلي من الشكل أن المدارين ملولبان: أي إن الإلكترون (في عالم الواقع) يصعد اللولب بالقرب من النواة دائرا بشكل يميني وينزل بعيدا عن النواة دائرا بشكل يساري. أما في الخيال المرآتي (الشكل الأيسر السفلي) فيحدث العكس، لكن مثل هذا الخيال المرآتي غير موجود في عالم الواقع. إن هذه المخططات مكبرة 1010 مرة لإيضاح مفعول القوة Z.

    إن الإلكترونات D و L تحمل شحنات من النوع Z بإشارات متعاكسة وبمقادير شبه متساوية، فالإلكترونات D تنجذب نحو النواة بالقوة Z، أما الإلكترونات L فتنفر من النواة. (إن تأثير الشحنتين الضعيفتين W و Z في الإلكترونات الملولبة لا يتم بهذا الشكل بالضبط إلا إذا كان الإلكترون ذا طاقة عالية، ومتحركا بسرعة تقارب سرعة الضوء. ومع ذلك، فإن هذه المفاهيم مفيدة لفهم اللاتناظرات الملولبة لدى الإلكترونات ذات الطاقة المنخفضة).

    إن جزيء الإيثيلين المفتول جزيء ملولب بسيط مؤلف من ذرتي كربون وأربع ذرات هيدروجين (C2H4). إن هذا الجزيء مستو في حاله الأساسية، لكن الهياج الحراري يشوهه فيفتله بزاوية من رتبة بضع درجات. يمثل الرسمان العلويان النظيرين المرآتيين L (في الأيسر) و D (في الأيمن). وفي هذا الجزيء ظاهرة تعرف باسم الاقتران السبيني ـ المداري spin-orbit coupling، الذي ينزع إلى توجيه سبين الإلكترونات في عكس اتجاه اندفاعها الزاوي المداري، بما يتيح ظهور منطقتين مختلفتين من حيث لولبية الإلكترونات. أما الرسمان السفليان الناجمان عن حسابات أحدنا (هيگستروم) وتلميذه<S.M.منتگمري>في جامعة ويك فورست، فيبينان هاتين المنطقتين منظورا إليهما من «أعلى» الخط الواصل بين ذرتي الكربون. المناطق الحمراء تحوي الإلكترونات اليمينية، والمناطق الزرقاء تحوي الإلكترونات اليسارية. أما في الخيال المرآتي لهذا الجزيء فالأمور معكوسة. وللقوة الضعيفة Z مفعولان متعاكسان على الإلكترونات اليمينية واليسارية، مما يجعل طاقة الإيثيلين L أقل من طاقة نظيره المرآتي D.

    لو فحصنا خيال عالمنا هذا في مرآة لرأينا أن التفكك بيتا يحرر إلكترونات D وأن القوة Z تجذب الإلكترونات L نحو النواة. ولما كانت هاتان الظاهرتان غير ملحوظتين في عالم الواقع، نستنتج ـ من طريق أخرى ـ أن قوة التفاعل الضعيفة ملولبة وتنتهك انحفاظ المماثلة.

    الذرات والجزيئات
    بما أن القوة الضعيفة Z تفعل فعلها بين الإلكترونات والنوى نستنتج أن جميع الذرات، كالإلكترونات، ملولبة: عندما يكون الإلكترون قريبا من النواة، وبسبب قوة Z، تكون جهة حركته باتجاه محور سبينه، أي إنه يرسم لولبا يمينيا [انظر الشكل في الصفحة السابقة]. فمدار الإلكترون ـ الذي كنا في غياب القوة Z نحسبه دائريا ـ يأخذ بالقرب من النواة شكل لولب يميني. ولما كانت القوة المسؤولة عن هذه الحركة الملولبة تنتهك المماثلة، فإن خيال الذرة في المرآة ـ أي الذي يُظهر إلكترونا ذا مسار ملولب يساري ـ غير موجود كذرة واقعية في الطبيعة.

    وبما أن القوة Z واهية جدا فقد يُظن أنه من المتعذر قياس هذه الحركة الملولبة: إذ إن نظرية الكهرضعيفة (واينبرگ ـ عبدالسلام ـ كلاشو) المعتمدة تبين بالحساب أن دوران مستوي استقطاب الضوء الذي يخترق غازا من الذرات لن يتجاوز5-10درجة، أي بمقدار الزاوية التي تُرى ضمنها راحة الكف من مسافة 1000 كيلومتر تقريبا، وعلى الرغم من صغر هذه الزاوية تمكّن التجريبيون من كشفها، وبالمقدار المتوقَّع، مبرهنين بذلك على لولبية الذرات [انظر: "An Atomic Preference between Left and Right,"
    by M-A. Bouchiat and L. Pottier;
    Scientific American, June 1984].

    وهذا برهان واضح على أن اللاتناظر اللولبي في دنيا الجسيمات الأولية يسبب لاتناظرا لولبيا في مستوي الذرات.
    وفي سلم الجزيئات التي تلي الذرات مباشرة، تمنح القوة Z طاقتين مختلفتين للنظيرين المرآتيين. والفرق الطاقي بينهما ناجم عن ظاهرة رهيفة دقيقة. في البدء، لنتصور جزيئا ملولبا حول محور شاقولي، وأن القوة Z «غائبة»، فالإلكترون الذي يتجه سبينه «نحو الأعلى» والذي يصعد اللولب، يكون إلكترونا يمينيا. ولو كان هذا الإلكترون يهبط اللولب لكان يساريا. ولما كان عدد الإلكترونات، التي تتحرك على مداراتها نحو الأعلى، يساوي ـ احتماليا ـ عدد الإلكترونات التي تتحرك نحو الأسفل، نستنتج أن اللولبية الوسطية يجب أن تكون معدومة.

    لكن القوة الكهرطيسية بين الإلكترونات والنوى في الجزيئات (وهي قوة تحترم المماثلة) تسعى إلى توجيه سرعة كل إلكترون في عكس اتجاه محور سبينه. وتسمى هذه الظاهرة بالاقتران السبيني ـ المداري spin-orbit coupling، الذي يعمل لصالح نزول الإلكترونات ذات السبين المتجه نحو الأعلى، ولصالح صعود الإلكترونات ذات السبين المتجه نحو الأسفل. وحصيلة ذلك، في كلتا الحالين، أن ينطبق سبين الإلكترون على منحى حركته ولكن في الاتجاه المعاكس. أي إن الاقتران السبيني ـ المداري يمنح معظم الإلكترونات في الجزيء الملولب يمينيا حركة لولبية يسارية، والعكس بالعكس. والجزيء الذي تتعايش فيه منطقتان بلولبيَّتين مختلفتين ينطوي إذًا على منطقتين تتلولب إلكتروناتهما باتجاهين مختلفين [انظر الشكل في الصفحة أعلاه].

    لقد افترضنا في المحاكمة السابقة أن القوة Z غير موجودة. الآن ماذا يحدث بوجودها؟ بما أن تأثير هذه القوة في الإلكترونات اليسارية يختلف عن تأثيرها في الإلكترونات اليمينية، ينتج أن طاقة أحد الجزيئين النظيرين ستختلف عن طاقة النظير الآخر: تزداد إحداهما وتنقص الأخرى.

    إن القوة Z واهية لدرجة أنه استعصى حتى الآن كشف تأثيرها تجريبيا في الخصائص الكيميائية للجزيئات. لكن<F.S.ميزون> و<E.G.ترانتير> من الكلية الملكية بلندن، توصلا إلى نتيجة نظرية مهمة. فقد قاما، بين عامي 1983 و 1986، بحساب طاقة عدد من الحموض الأمينية L و D آخذين القوة Z في الحسبان، فتبين لهما أن للنظيرين المرآتيين طاقتين مختلفتين. وأن النظير L، وهو الشكل البيولوجي المهيمن، له الطاقة الأخفض.

    تنبئ القوانين الأساسية للميكانيك الإحصائي بأن الشكل ذا الطاقة الأخفض يكون، في حال التوازن، أكثر وفرة من الشكل ذي الطاقة الأعلى. وعلى هذا يكون ميزون وترانتير قد برهنا على أن الحموض الأمينية L أكثر وفرة في الطبيعة من الحموض D، بمعدل ذرة واحدة إلى1017 ذرة. وذلك الفرق الضئيل جدا هو السبب، على ما يبدو، في تشكيل كميات متساوية من النظيرين L و D للحموض الأمينية في المختبر. وعلى الرغم من ذلك، هل لهذا الفرق الضئيل، الناتج من القوة النووية الضعيفة، أثر في هيمنة عدد الحموض الأمينية L وعدد السكاكر D؟
    لولبية الكائنات الحية
    إن معلوماتنا عن أصل الحياة رديئة لدرجة أن التكهنات بأسباب ظهورها سابقة لأوانها. لكن البيوكيميائيين بدؤوا، منذ تجارب<L.S.ميلر>عام 1953 في جامعة شيكاغو، يدرسون نشوء عدة جزيئات بيولوجية، فتبين لهم تفوق بعض النظائر المرآتية في أثناء التطور الكيميائي الذي يتجه من الذرات إلى الحياة.

    إن هذا الواقع يطرح ثلاثة أسئلة مهمة: كيف نشأت إذًا النظائر المرآتية النموذجية من خلال تفاعلات كيميائية غير ملولبة؟ هل تفوقت الحموض الأمينية L والسكاكر D على نظائرها الملولبة بفعل القوة النووية الضعيفة؟ هل كان تفوق بعض النظائر سببا أم نتيجة لظهور الحياة؟ سنعالج هذه الأسئلة تباعا.

    إن التفاعلات الكيميائية قادرة، على الرغم من تناظرها المرآتي ومهما بدا هذا الأمر غريبا، على صنع مقادير غير متساوية من الحموض D و L، وذلك بسبب ظاهرة اسمها الانكسار التلقائي للتناظر spontaneous symmetry breaking. فالحال المتناظرة تتميز بتساوي مقداري الشكلين L و D؛ أما في الحال اللامتناظرة فيكون أحد المقدارين أكبر من الآخر. والانكسار التلقائي للتناظر آلية تنتقل بوساطتها منظومة ما «تلقائيا» من حال متناظرة إلى حال لامتناظرة.


    التحفيز الذاتي وانكسار التناظر يُوضَّح عملهما في هذا النموذج الكيميائي البسيط جزيئان لاملولبان، S و T يُصُبّان في بركة ماء (إلى اليسار) ويتفاعلان ليشكلا جزيئا ملولبا X بنوعيه النظيرين XL و XD. يمكن بعدئذ للجزيء X أن يتفاعل مرة أخرى ليشكل جزيئا آخر XL أو XD. ويسمى هذا التناسخ تحفيزا ذاتيا. ويمكن أيضا للجزيئين XL و XD أن يتفانيا كي يعطيا جزيئا آخر P. ولما كان أي من هذه التفاعلات لا يشجع أيا من النظيرين L و D على حساب الآخر، فإن تركيزي XL و XD يظلان متساويين. لكن معادلات سرعة التفاعل تبين أن التوازن بين التحفيز الذاتي والتفاني المتبادل غير مستقر. إن الوسيط الحرج critical parameter هو لامبدا (l)، وهو حاصل جداء تركيزي S و T. وعندما تكون l أكبر من قيمة معينة حرجة lc، تتجه المنظومة نحو حال يتفوق فيها أحد النظيرين XL أو XD على الآخر، ويحدث هذا التفوق بعشوائية تامة. وبذلك يتعرض التناظر، الذي كان موجودا بين L و D، إلى «انكسار تلقائي». إن ألفا (a)، وهي الفرق بين تركيزي XL و XD تشكل قياسا لهذا اللاتناظر. وقد أجرى <E.F.موس>من جامعة ميسوري، و<E.V.P.ماك كلينتوك>من جامعة لانكستر، محاكاة حاسوبية لهذا النموذج فتبين لهما (في الوسط) أن ازدياد l يؤدي إلى انكسار التناظر، أي إن أحد النظيرين أصبح أغزر بكثير من الآخر، وهو هنا النظير XD، على الرغم من أن شيوع XL ممكن بالاحتمال نفسه. ثم عدّلا مرة أخرى عوامل المحاكاة لإعطاء النظير XL مزيّة ضعيفة إضافية تشبه ما يمكن أن تفعله القوة الضعيفة Z (في اليمين). فبازدياد l تتبع المنظومة بشكل شبه منهجي الفرع السفلي حيث يهيمن XL، ويصبح سلوك الفرع العلوي، حيث يهيمن XD، ضعيف الاحتمال. يمكن إذًا لنموذج من هذا القبيل أن يفسر لماذا تهيمن الحموض الأمينية L في الطبيعة على نظائرها D.

    إن فعل الانكسار التلقائي للتناظر لا يحدث إلا في ظروف فيزيائية معينة. فلا يمكن أن يحدث في منظومة معزولة لا تتبادل طاقة ولا مادة مع الوسط المحيط بها. بل إن مثل هذه المنظومة «المغلقة» ستسير نحو توازن ترمودينامي، وهو حال يتعلق فيها تركيز النوع الجزيئي بطاقة الجزيء وإنتروپيته (اعتلاجيته) entropy. ولما كانت طاقتا النظيرين L و D متساويتين (بإهمال فرق الطاقة الضئيل الناجم عن القوة Z) فإن تركيزيهما يصبحان متساويين وإن الحال النهائية تصبح تناظرية.

    أما المنظومة المفتوحة، التي تتبادل طاقة أو مادة مع بيئتها، فتصبح غير متوازنة ترموديناميا، أي يمكن أن تنتقل ـ بفعل الانكسار التلقائي للتناظر ـ إلى حال لامتناظرة، فتحتوي على تركيزين مختلفين من النظيرين L و D.

    في عام 1953، ابتكر<CH.F.فرانك>(من جامعة بريستول) نموذجا بسيطا يوضح كيف يمكن أن يفعل الانكسار التلقائي للتناظر فعله في منظومة كيميائية مؤلفة من نوعَيْن جزيئيين. يَفترض نموذج فرانك أن كل نوع منهما يمكن أن يتكاثر، وأن وجود أحدهما يمكن أن يبطئ تكاثر الآخر. إن سرعتي تكاثرهما مبدئيا متساوية، وكذلك تأثيراتهما المتبادلة بينهما، ولكن ما إن يصبح أحد النوعين أكثر وفرة من الآخر بقليل (عن طريق التفاوتات الإحصائية العشوائية مثلا) حتى تتفاقم هيمنته عدديا على النوع الآخر بسرعة ويسود تماما، وبذلك يختل التوازن التناظري بين النوعين وتتطور المنظومة تلقائيا نحو حال لاتناظرية يهيمن فيها عدد جزيئات أحد النوعين على النوع الآخر.

    إن لولبية الجزيئات البيوكيميائية الشائعة في الطبيعة قد تكون أثرا من آثار الظروف التي كانت سائدة قبل ظهور الحياة أو نتيجة لعمليات الحياة. هناك نظرية تقول بأن الخلية الحية الأولى، التي نشأت إبان انبثاق الحياة عن «الحساء البدئي» كانت لا تحوي سوى حموض يسارية (a). لكن هذه الفرضية تبدو قليلة الاحتمال إذا كان الحساء يحوي مقادير متساوية من النظيرين المرآتيين L و D. وهناك احتمال آخر هو أن الخلية الأولى التي تكونت بصورة عشوائية كانت تحوي فائضا ضئيلا من الحموض الأمينيةb)L )، وأن آلية الانتخاب التطورية، بالتالي، قد عززت نمو أشكال الحياة التي لا تحوي سوى أحد النظيرين المرآتيين. كما افترض البعض أن الحياة قد ظهرت في أمكنة عديدة في وقت واحد، بكلا الشكلين اللذين يحويان حموضا أمينية من النوعين L و(c)D)، ثم بدأ التنافس بين هذين النظيرين بحيث أسفر عن انقراض الحياة المؤسسة على النظائر D. وهناك أخيرا نظرية كاتبي هذه المقالة، وتنص على أن الانكسار التلقائي للتناظر أدى إلى تجانس تقريبي في اللولبية في كل أمكنة ظهور الحياة (d)، لكن القوة النووية الضعيفة، التي تنتهك انحفاظ المماثلة، قد فعلت فعلها في آلية الانكسار التلقائي للتناظر، وذلك لصالح الحموض الأمينية اليسارية.

    ومن السهل أن تتخيل كيف يمكن أن يحدث ذلك على الصعيد البيولوجي، إذ نستطيع أن نفترض ما يلي: لو وُجدت في الماضي السحيق وعلى سطح هذه الأرض حياة كحياتنا اليوم ولكن متناظرة، فإن النوع الذي نحياه اليوم قد هيمن على النوع الآخر أثناء تنافسهما وأدى إلى انقراضه مع مرور الزمن. ويبين نموذج فرانك أن هذا ممكن في عالَم الجزيئات أيضا: أي إنه يفسر كيف أمكن لفائض من الحموض الأمينية L، أو لفائض من السكاكر D، أن يبرز من الحساء البدئي (الخليط الأول) primordial soup الذي كان يحوي تركيزين متساويين من النظيرين المرآتيين.

    القوة الضعيفة مرة أخرى
    ننتقل الآن إلى السؤال الثاني: هل القوة النووية الضعيفة هي المسؤولة عن هيمنة الحموض الأمينية L والسكاكر D؟ لقد سعى الباحثون، منذ اكتشاف انتهاك المماثلة، إلى معرفة كيف أتيح للتفكك بيتا ولسواه من الظواهر المشابهة أن تفضل بعض النظائر المرآتية فتؤدي إلى فائض فيها. وفي عام 1957، لاحظ<F.ڤستر> و<V.L.T.ألبرخت> في جامعة ييل، أن الإلكترونات بيتا، لكون معظمها ملولب يساريا، تصدر إشعاعا كهرطيسيا معظمه ملولب يساريا (أي إشعاعا استقطابه متحلزن نحو اليسار)، فافترضا أن هذا الإشعاع اليساري يفكك أحد النظيرين المرآتيين بنسبة كبيرة ويترك بالتالي فائضا من خياله المرآتي (النظير الآخر). لكن هذا الاختلال ضعيف جدا ولم يُلحظ حتى الآن تجريبيا.

    إن الجسيمات بيتا قادرة بحد ذاتها على تفكيك الجزيئات الملولبة: فقد أوضحت حسابات أحدنا (هيگستروم) أن الفرق النسبي في سرعة تفكك النظيرين L و D يساوي زهاء جزء واحد من 1110. وقد بينت تجارب<A.ريتش> و<C.J.ڤان هاوس> وزملائهما في جامعة ميتشغان أن هذا الفرق النسبي أقل من جزء واحد من910.

    إن القوة الضعيفة Z قادرة أيضا على تغيير سرعتي تشكل الحمضين الأمينيين L و D. ومع ذلك، إن مفعول هذه القوة ـ كما رأينا آنفا ـ ضئيل جدا، حيث إنها لا تسبب إلا فرقا نسبيا من رتبة 10-17، وبسبب ضآلة هذا الفرق لا بد من القبول بأن آلية تضخيم أخرى قد فعلت فعلها فأدت إلى هيمنة الحموض الأمينية L والسكاكر D.

    وقد برهن أحدنا (كنديپودي) مع <W.G.نلسون> (من مختبر لوس آلاموس القومي) على أن مثل آلية التضخيم هذه موجودة، نظريا على الأقل، في منظومات كيميائية غير متوازنة. ويستغل مهندسو الاتصالات هذه الآلية (التي يسمونها تسوية الضجيج noise averaging) لاستخراج إشارة كهربائية مقصودة من خلفية مشوشة. لنتصور بركة ماء يتنافس فيها على النشوء نظيران مرآتيان، كما في نموذج فرانك، إن هذا الماء يتعرض لتأثيرات عديدة تنزع إلى «تفضيل»أحد النظيرين أولا، ثم إلى تفضيل النظير الآخر. إن التفاوتات الناجمة عن هذه التأثيرات ذات مفعول يفوق بكثير مفعول القوة الضعيفة. ولئن كانت هذه التفاوتات، بسبب عشوائيتها، يبطل بعضها مفعول بعض، فإنه يتاح للقوة الضعيفة ـ مع مرور الزمن ـ أن تفعل فعلها اللاتناظري المستمر فتؤدي إلى انكسار التناظر ومن ثم إلى هيمنة أحد النظيرين.

    إذًا، ما الظروف التي تتيح لتسوية الضجيج أن تفعل فعلها، وما السلم الزمني المطلوب؟ أولا، إن هناك بركة ماء يجب أن تُرفد على الدوام بسيل متفاوت الغزارة من المواد المؤثرة اللاملولبة الضرورية لتشكيل النظائر المرآتية. عندئذ تكون المنظومة مفتوحة وبعيدة عن التوازن، فيمكن للتناظر أن ينكسر تلقائيا. ثانيا، إن تلك المواد المؤثرة يجب أن تشكل نظائر مرآتية قادرة فيما بينها على التكاثر بالتَنسُّخ وعلى التنافس. وأخيرًا، إن البركة يجب أن تكون كبيرة (تقريبا مساحة سطحها 10 كيلومترات مربعة وعمقها بضعة أمتار) ومتخالطة بما يكفي لكي تتفانى ـ إلى حد كبير ـ التفاوتات الإحصائية وسطيا. فعند تحقيق هذه الظروف يتاح للقوة النووية الضعيفة أن تولد انكسار التناظر في غضون فترة تتراوح ما بين000 50 و000 100عام، فتصبح ـ بعد هذا الزمن ـ نسبة النظير L ـ من الحموض الأمينية مثلا ـ مساوية 98% على الأقل (بافتراض أن القوة النووية الضعيفة تفضل النظائر المرآتية L). وفي مثل هذه البيئة سيتاح نشوء وتطور حياة مستمدة من الحموض الأمينية L.

    إن هذه الظاهرة الكيميائية البطيئة تستلزم زمنا أكبر من أن يتاح كشفها في المختبر. لكن <E.F.موس> (من جامعة ميسوري بسان لويس) و<E.V.P. ماك كلينتوك> (من جامعة لانكستر)عَمَدا إلى محاكاتها حاسوبيا مؤكدين وجود الآلية المتوقعة، إلا أن أحدا لم يلحظها بعد في منظومة كيميائية واقعية.

    قبل الحياة أم بعدها؟
    لقد عرضنا نماذج كثيرة يمكن أن تفسر «عدم تناظر الحياة». ويبقى السؤال الأخير المهم: هل نشأ هذا اللاتناظر قبل ظهور الحياة البدئية («الخلية الحية الأولى») أم بعده؟ من الصعب أن نفهم ـ بالاعتماد على ما نعرفه اليوم عن بنية البوليمرات البيولوجية ووظيفتها ـ كيف يمكن أن يعمل بروتين أو حمض نووي يحوي نظائر من النوعين L و D معا. لقد تبين من عدة تجارب أن سلاسل الحموض الأمينية، التي تحوي النوعين L و D معا، لا تشكل بصورة صحيحة اللوالب ألفا الضرورية للبروتينات كي تؤدي وظيفتها التحفيزية.. ومن الصعب علينا أن نفهم كيف أتيح للبنى الحية المعقدة أن تتطور إذا لم تكن كل الحموض الأمينية في البروتينات ـ وكذلك كل الوُحَيْدات من الحموض النووية ـ ذات لولبية متجانسة homochirality (أي جميعها ملولب باتجاه واحد). وعلى هذا يبدو أن انتخاب وحيدات من لولبية متجانسة قد حدث حتما قبل ظهور الحياة.

    ولئن وجدت عدة نماذج تحفيزها ذاتي، وتكسر التناظر ـ كنموذج كنديپودي ـ نلسون المذكور سابقا ـ وتستجيب لهذه الفرضية، فإننا لا نعرف ـ حتى الآن ـ أحدا استطاع أن يعطي مواصفات مركبات بيولوجية ـ قبل نشوء الحياة ـ تتجاوب مع الخصائص كلها التي تستلزمها هذه النماذج. وهنا يرى بعض الباحثين أن هذا الأمر عقبة كبيرة. ومن ثم يستنتجون أن اللولبية قد ظهرت بعد الخلية الأولى لا قبلها.

    إذًا، يرى هؤلاء الباحثون أن الخلية الأولى قد نشأت بحدث شاذ لم يكن ينطوي على اللاتناظر المهم الذي تمتاز به أشكال الحياة الحديثة، وأن «السلف المشترك» لكل العضويات الحية كان يحوي، مصادفة، فائضا ضئيلا من الحموض الأمينية L والسكاكر D. كان هذا السلف إذًا ينطوي على لاتناظر ضئيل. ومع ذلك فإن البروتينات المصنوعة من نوع نظيري مرآتي واحد تشكل مُحفِّزات أفضل من البروتينات المصنوعة من خليط من النوعين، كما أن الحموض النووية التي تحوي نوعا نظيريا مرآتيا واحدا تكون أحسن استقرارا، وتتفاعل البروتينات L مع الحموض النووية D بكفاءة أكبر. وعلى هذا، فإن ضغط الانتقاء في بيئة تنافسية، أثناء تعاقب الأجيال، دعم تَشَكُّل حياة ذات بروتينات يسارية (أي لا تحوي سوى حموض أمينية يسارية)، وذات حموض نووية يمينية (أي لا تحوي سوى سكاكر يمينية). لكن مازال أمام هذه الفرضية مشكلة تنبؤ شكل أحيائي قابل للنمو ـ لسلف مشترك ـ يتألف من بوليمرات بيولوجية تحوي مقادير شبه متساوية من النظيرين المرآتيين L و D. ومن أجل تجنب هذه المشكلة افترض بعض البيوكيميائيين أن الخلية الأولى كانت تحوي ـ مصادفة ـ مركبات مؤلفة كلها، أو تقريبا كلها، من حموض أمينية يسارية، لكن احتمال ذلك ضئيل جدا.

    وقد اقترح آخرون تفسيرا ثالثا يقول بأن ظهور الحياة لم يكن حدثا شاذا. بل إن هناك انكسارات للتناظر حدثت مصادفة في أمكنة عديدة، ودون أن يكون للقوة النووية الضعيفة شأن فيها. فهيمنت «حياة يمينية D» في أمكنة تشكل الحموض الأمينية D، وهيمنت «حياة يسارية L» في أمكنة تشكل الحموض الأمينية L. ثم كان من شأن التنافس بينهما أن انقرضت الحياة D دون أن تترك أثرا.

    واضح مما تقدم أن الأسئلة المهمة حول أصل ومنشأ اللاتناظر المرآتي في الحياة تبقى دون إجابات، إننا لانزال نجهل أصل اللاتناظر المرآتي في بذور الحياة، وبالتالي في عالم المحسوسات. وعلى الرغم من قدرة القوة النووية الضعيفة ـ التي تفعل فعلها على مستوى الجسيمات الأولية ـ أن تحدد جهة اللاتناظر (اليمين واليسار) في الذرات والجزيئات، فإننا نجهل إذا ما كانت هذه الخصائص تتجلى في دنيا النبات والحيوان. إذ لا يبدو أن اللاتناظر اللولبي في قواقع الحلزونيات، على سبيل المثال، ناجم عن اللاتناظر الأصيل في بروتيناتها أو الدنا فيها: إذ إن بعض الحلزونيات L تلد أحيانا ذُرية ذات قواقع يمينية، فاللاتناظر في الحلزونيات أو لدى الكائنات البشرية أو الملفوف أو السراطين، لايزال إذًا سرا من الأسرار، لكن مما لا شك فيه أن بيولوجيا النمو والتطور ستلقي الضوء يوما ما على هذه المسائل.

    0 Not allowed!



  
الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

عرض سحابة الكلمة الدلالية

RSS RSS 2.0 XML MAP HTML

Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.