منجز اوسكار نيماير التصميمي:
مفرد.. بصيغة الجمع
د. خالد السلطاني
"اسمي اوسكار ريـبيـرو الميدا دي نيماير سوارس؛ ربـيرو و سوارس – اسمان: ذوا جذر برتغالي، والميدا، عربي < المهدي ؟ خ. س >، ونيماير – الماني؛ هذا عدا عن الكلام؛ حول جريان الدم الزنجي المحلي في عروق كل عائلة برازيلية؛ في نسيج هذا التعدد الاثني لشعبي، اشعربراحة تامة وانا بينهم!.. "هكذا يتكلم" اوسكار نيماير O.Niemeyer" – المعمار البرازيلي الاشهر، عن نفسه؛ المعمار الذي تخطى عتبة التسعين منذ زمن، فهو قد ولد عام 1907؛ ولايزال يعمل ويصمم ويناقش ويتابع شوؤن بلده، وامور العالم!
قد يكون قليل من المعماريـين العاملين تجـاوز سنهم عمر "اوسكار نيماير". بيد ان الامر الاكيد بان قلة قليلة منهم، وصلت الى المستوى المهني الرفيع الذي بلغه هذا المعمار المدهش!
في العاصمة الدانمركية، كوبنهاغن، ينظم متحف " اركين " للفنون، الان، معرضاً استعادياً شاملاً له؛ وهذا المعرض هو المعرض الاكبر لمعمار اجنبي ينظم في اسكنديـنافيا قاطبة، اذ شملت المعروضات رسوم التصاميم الاصلية ومجسمات عديدة لمبان صممها اوسكار نيماير في دول مختلفة؛ بالاضافة الى خزين نادر وممتع من الصور الفوتغرافية التى جسدت وواكبت المراحل البـيوغرافية المهنية لهذا المعمار العالمي.
لا تترك محتويات المعرض ادنى شك، باننا امام عبقرية معمارية مميّزة وحقيقية، وهذه العبقرية تستقي ابداعها من نبع موروث بيئتها الخاص، تلك البيئة المتنوعة، المفتون بها المعمار، ذلك لان جميع تصاميمه المنفذة وغير المنفذة، مسكونة بهاجس تكويني مشترك، يـبتغي استدعاء المزاج البرازيلي المفعم بالحيوّ ية والدينامية والنشاط؛ كما ان المعمار يحرص حرصاً شديداً على حضورالخطوط المنحنية في تصاميمه؛ اذ يرى " نيماير" في "... الخط المنحني الحرّ اغواءا تصميميا، استعيد به استذكار مشاهد الجبال وتعرجات الانهر في بلدي، وارى به منظر البحر وامواجه، كما يوحي اليّ باشكال اجسام نسائي الاثيرات، وعالمي الغني بالمنحنيات.." لقد كانت تصاميمه على الدوام ممتعة في هيئاتها وجريئة ومفاجئة في فورماتها، فرؤية عمارته كانت دوماً تستحضر في الذاكرة حركات رقصة " السّـامبا " البرازيلية وايقاعها السريع، انها فوق ذلك تشع نوراً، او كأنها تغتسل في ضياء الشمس، وتبدو،ايضاً ، كما لو كانت فراغاتها مليئة بالاوكسجين الذي يمنح مشاهديها تنفسا مريحا وسهلا!
تخرج "اوسكار نيماير" عام 1934 من مدرسة الفنون الوطنية /فرع العمارة في "ريو دي جانيرو"؛ وعمل مباشرة في مكتب " لوسيا كوستا "- المعمار البرازيلي المعروف ذي التوجهات الوظيفية الطليعية وقتذاك، وسرعان ما امسى معمارا مميزا في مكتب "كوستا"؛ وعندما اوكل الى المكتب مهمة اعداد تصاميم مشروع مبنى "وزارة المعارف والصحة " عام 1936، اشترك "نيماير" بصفته احد المصممين الاساسيين في الفريق المعماري المكلف بتصميم المبنى، الذي سيضحى لاحقا، وبفضل مداخلات "لو كوربوزيه" الاستشارية فيه، احد اشهر المباني المعروفة عالمياً، جراء توظيف عناصر < كاسرات الشمس > في الحل التكويني بصورة لافته، والتى بسببها اكتسب المبنى قيمته الجمالية الاساسية؛ فمنه، من المبنى البرازيلي، اضحى لتلك المعالجة التكوينية حضوراً دائميـاً في اللغة المعمارية لجميع المباني التى نفذت على مدى عقود في بلدان الجنوب، والشمال ايضاً، لما لهذة المفردة التصميمية، المعبرة والطازجة، من قيمة معمارية لا يقتصر غايتها على بلوغ مرامٍ نفعية بحتة، وانما ادراك قيم استيتكية – جمالية.. ايضاً. وفي هذا المقام، يذكر طلابي في قسم العمارة بجامعة بغداد، تلك المقارنات التى كنا نسوقها بين عمارة مبنى "ريو" هذا، وبين المعالجات التصميمية لمبنى "مصرف الرافدين" ببغداد، والذي اعتبر في حينه من اجمل مباني عمارة الخمسينات في العراق، جراء توظيف كاسرات الشمس فيه تماما مثل تلك المفردة التصميمية النظرة والمميّزة، التى نشأت في "ريو" سابقاً!
يتجلى صنيع "اوسكار نيماير" المعماري الفريد، تجلياً واضحاً، في تصاميمه التى اعدها للعاصمة البرازيلية الجديدة:- برازيـليا، في وسط البلاد. اذ دعي عام 1956 من قبل صديقه القديم والشخصية الوطنية المعروفة، رئيس الجمهورية آنذاك " خوسيلينو كوبيتجيك J. Kubitschek ليكون مشرفا عاما على بناء العاصمة الجديدة التى خططها زميله "لوسيا كوستا"، وليكون ايضا مسوؤلا عن اعداد تصاميم اكثرية المباني العامة في المدينة الجديدة.
وبحماس ونـَفـَس برازيليين ادهشا الوسط المعماري العالمي باسره، خلق "اوسكار نيماير" في غضون فترة زمنية قصيرة مجموعة من التصاميم، اعتبرت ولا تزال تعتبر، من كنوز العمارة العالمية الحديثة، امثال قصر "الفارادو –قصر رئاسة الجمهورية، ومبنى الكونغرس الوطني ومبنى المحكمة العليا، ومبنى الكاثدرائية، وعشرات المشاريع التصميمة التى حظى بها موقع العاصمة السعيد!
في عمارة مبانيه المخصصة الى برازيليا، يعود "نيماير" الى تكرار الثيمة التصميمية ذاتها، التى سبق وان اشتغل عليها كثيراً وانضجها عبر مبانٍ عديدة نفذها في الاربعينات وبداية الخمسينات، مثل "جناح البرازيل" في معرض نيويورك الدولي (1939)، وبيته الخاص في كانوا، باقرب من "ريو" (1952)، وبالطبع كنيسة "سان فرانسيسكو دي آسيس" في "بامبولـها Pampulha" (1940)، وغير ذلك من المباني. وهذه الثيمة تعتمد اساسا على الحوار – الديالوغ بين الخطوط المائلة الرقيقة الانثوية والاشكال الهندسية المنتظمة الواضحة. ففي مبنى "الكونغرس الوطني" (1958 ) يضع "نيماير" الكتلة الافقية الممتدة الرئيسية للمبنى بجنب المبنيين العاليين موشوري الشكل الخاصين بالسكرتارية؛ على انه، ومن اجل حضور ثيمـة "الديالوغ" وتأكيدها في الحل التصميمي، يلجأ المعمار الى نوع من التسقيفات الفجائية، غير المتوقعة، فيعتمد شكل الاناء لتسقيف قاعة مجلس الشيوخ، في حين يعكس هيئة الاناء ذاتها رأسا على عقب لتسقيفات قاعة مجلس النواب!.
ويبدو ان الغاية المبتغاة التى وضعها المعمار لنفسه قد ادركها بوضوح، ففى تركيب فريد من نوعة بين كتلة الكونغرس المنتظمة، والمبنيين المتوازيين المجاورين الخاصين بالسكرتارية والعاليين (يصل عدد طوابق كل منهما الى 72 طابقا) مع وضعية الانائين الضخمين المتعاكسين الواحد للاخر، استطاع المعمار ان يخلق مشهدا بصرياً بتأتيرات محسوسة بمقدورها ان تدهش المتلقي وتنتزع اعجابه، وباسم هذا التأثيرات فان " نيماير " يجرأ على خرق قوانين المنطق التركيبي الانشائي.. والوظيفي ايضاً. وتبدو محاولة الخرق اياها، من وجهة نظر العمارة العقلانية، التى تربى عليها " اوسكار نيماير " سابقاً، ليس سوى هرطقة! لكن السعي وراء تعبيرية القرار التصميمي والحرص على اظهار لغة الحوار التشكيلي، تلوحان هنا، على درجة كبيرة من الوضوح والتأثير؛ الامر الذي منح عمارة المبنى تلك الصورة البلاغية التى لا تنسى.