بسم الله الرحمان الرحيم و الصلاة و السلام على إمام المرسلين و على آله و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذه المقالة (الطويلة, أعلم ذلك) تتناول رؤية جبرية جديدة تتعامل مع مفهوم الزمان في الفيزياء. هذا المفهوم الذي لم تستطع لا الفيزياء و لا الرياضيات, على مدى التاريخ من تحديده.

و أبدأ, إن شاء الله بنشر مقّدمة المقالة و البعض من فصولها و سأنشر البقيّة, إن شاء الله, على دفعات.
ستجدون فيها ما يصدمكم من الأطروحات الرياضية و الفيزيائية وذلك لعدم إتفاقها مع ما هوّ سائد. أرجو منكم أولا النقد الكثير. و ثانيا محاولة نقد ما أكتب على قاعدة ما أطرح و ليس على قاعدة ما علمنا في الرياضيات و الفيزياء.

أبدأ بالمقدّمة و على الله أتوكل

بسم الله الرحمان الرحيم و الصلاة و السلام على إمام المتقين و على آله و صحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

إن الحمد لله تعالى نحمده , و نستعينه و نستغفره , و نعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له .
و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شيء عليم , و أشهد أن محمداً عبد الله و رسوله بلغ الرسالة و أدى الأمانة و نصح الأمة و كشف الله به الغمه و جاهد في الله بالسيف حق جهاده حتى أتاه اليقين , صلى الله عليه و آله و صحبه و زوجاته أمهات المؤمنين و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين و سلم تسليما كثيرا .
أما بعد فإن أصدق الحديث كلام الله و خير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه و سلم - و كل محدثةٍ بدعة, و كل بدعة ضلاله, و كل ضلالة في النار - أعاذنا الله منها و إياكم -
سبحان الله الذي هدانا و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

أما بعد
فصل البيان في ماهية الزمان

تحذير

إعلم أن التفكير في الزمن و ماهيته شاق, مشوّك المسلك, محفوف بالمهالك. فآحذر, و يكفيك منه إفتراض وجوده (أي الزمن) فلا تحاولن ولوج باب البحث في ماهيته المطلقة, على فرض وجودها. و لكن خذ بفعله و تأثيره في الأشياء, وآكتفي بدرس أثره, و سر على جوانبه. فهو نهر متوحش هائج, أخاف عليك من غرق إن واجهته وجها, بل تحيل و تحرى اللطف في مسارك مقرا بوجوده, مبتعدا عن ماهيته, متعاملا مع تأثيراته و علاقاته, ناجحا في إبراز نتائجه. وآربطه ببقية العلوم فبربط الزمن ببقية المسائل تخف حدة مسّه و يبطل فعل الضرّ منه, كالسمّ, عافاك الله, إن أخذ وحده أَهْلَكَ وقد يكون نفعه عظيما إن مزجته مع غيره.
و لك أن تنظر فيما قاله علماء من المسلمين في هذا الباب. فهذا فخر الدين الرازي في "المباحث المشرقية" يقرّ:
"إعلم أني إلى الآن ما وصلت إلى حقيقة الحق في الزمان. فاليكن طمعك من هذا الكتاب إستقصاء القول فيما يمكن أن يقال من كل جانب و أما تكلف الأجوبة الضعيفة تعصبا لقوم دون قوم, و لمذهب دون مذهب فذلك مما لا أفعله في كثير من المواضيع و خصوصا في هذه المسألة"

و هذا أبو الحيان التوحيدي في "الهوامل و الشوامل" يحذر:
"هذا – أيدك الله – فن ينشف الريق و يضرع الخد و يجيش النفس, و يقيء المبطان, و يفضح المدعي, و يبعث على الإعتراف بالتقصير و العجز, و يدل على توحيد من هو محيط بهذه الغوامض و الحقائق و يبعث على عبادة من هو عالم بالسرائر و الدقائق و ينهي عن التحكم و التهانف, و يأمر بالتناصف و التواصف, و يبين أن العلم بحر, و فائت الناس منه أكثر من مدركه, و مجهوله أضعاف معلومه, و ضنه أكثر من يقينه, و الخافي منه أكثر من البادي و ما يتوهمه فوق ما يتحققه".
فسبحان الله كم شقت على الرجل هذه المسألة و أنهكت عقله و كأني أقول, لولا نور الإيمان بالله و توحيد الباري لأوردته هذه المسألة ضلالا لا سعادة فيه فالحمد لله على نعمة الإسلام, وآجعل الإيمان بالله و تدبرك للقرآن و لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم, ترياقا لشطحات العقل و مرض القلب و هوى النفس و وسوسة الشيطان.
فإن لم يقنعك هذا القول مني, و أبيت إلا خوذ البحث في معترك ماهية الزمان, فتمسك بهذه النصائح وآقبض عليها قبض المفجوعة من النار على وليدها.
إحفظ الله يحفظك, و تمسك بالقرآن حكما و فيصلا و منهجا, فإن بان لك رأي إختلف معه, أترك رأيك و خذ بالقرآن و لا تغتر بالعقل معه, وآعلم أن هذا العلم لا يرى إلا بالتجريد, و أن للعقل حدودا و من حدوده الحواس , فإن الكفيف بالمولد مهما كان لبيبا بليغا فصيحا غارفا من كل لغات البشر, غير قادر أن يصف لك اللون الأزرق, وهو شيء موجود. و ذلك لغياب معلومة اللون التي من المفترض أن تمدها الحاسة (النظر) للعقل. فلا يستطيع عقل أعمى البصر, عافاكم الله, تحديد ماهية اللون الأزرق لغة و تخيله عقلا أو وهما رغم وجود هذا اللون. أما المبصر فيقر بوجود اللون الأزرق نقلا لا عقلا. و هذا دور من أدوار القرآن فهو بصرنا فيما فاتنا و فيما أحاط بنا ممّا غاب عن إدراكنا. فلولاه ما علمنا عن دنيا الجن و عن دور الرواسي و لما أقررنا أنّ الماء جعل منه كل شيء حي.
و القرآن كلام الله, خالق كل شيء و المحيط بكل شيء و العارف بكل شيء و العالم بالروابط بين الأشياء دون حد أو قيد وهو الذي يمدنا بالرؤى الصحيحة الواضحة التي تطمئن لها و بها القلوب كما قال سيدنا إبراهيم عليه و على نبينا السلام يوم طلب من الله, أن يريه كيف يحي الموتى فسأله ربنا وهو أدرى بالجواب "أولم تؤمن" فأجاب سيدنا إبراهيم عليه و على نبينا السلام "بلى و لكن ليطمإن قلبي".

رؤى القرآن نبني بها و منها و عليها مناهجنا و بحوثنا, أعجب ذلك من أعجب و أغاظ من أغاظ.
وآعلم أن العلم الغيبي ليس من شأنك و لا أنت قادر عليه و أن بحثك في الزمن يكون من وجهه الدنيوي كمخلوق خلقه الخالق بقدرته و علمه فلا تبحث عن الزمن و علاقته بالذات الإلاهية, جل ربنا وعلى, وآبحث و عرّف الزمن عبر وجوده كمخلوق دنيوي خلقه الخالق و قيد به ما أراد أن يقيد من مخلوقاته الأخرى. فآبحث عن ماهية الزمن دنيويا من هذا الجانب وآتقي الله في نفسك و عقلك و كن عالما فطنا كيسا وآترك الغيب لصاحب الغيب و توجه إلى علوم الطبيعة و الهندسة مقرا بالخلق و الخالق كبديهيات لعملك.

المنهج و البديهيات و المنطلقات

"فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين" آل عمران 159

أما المنهج و المرجع و الرؤية فهو القرآن و سنة محمد صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا. فما أقّره القرآن و السنة أقررناه يقينا وآعتمدناه صراطا مستقيما و ما جاء من غير ذلك بحثنا فيه و أخذنا ماإستقام منه و ما رأيناه صوابا و تركنا ما رأيناه مخالفا لما أخبرنا به الله عز و جل في قرآنه المجيد و عبر رسوله الهادي الحبيب صلى الله عليه و سلم و لا نخاف في الله لومة لائم. و البديهيات تستمد من هذين المصدرين و أين لي من مرجع أوثق و أصدق و أضمن من كتاب الله و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم.
و خطبة الوداع من مراجعي لهذه البديهيات حيث قال رسول الله صلى الله عليه و سلم مما قال: «ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض, وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم» فرسول الله صلى الله عليه و سلم, جزاه الله عنا كل خير, أراحنا من البحث الهباء في وجود الزمن من عدمه. فالزمن موجود مخلوق بما أن له هيأة, و زيادة على ذلك هو يتحرك إذ إستدار. ومجرد ذكر الزمان و الإشارة إليه من رسول الله صلى الله عليه و سلم إثبات لوجوده.

و أما المنطلقات فسأعتمد على قولين أحدهما أسنده أبو العلاء المعري في كتابه رسالة الغفران لأعرابي حيث قال " المكان هو شيء أقل جزء فيه لا يحتوي على شيء و الزمان هو شيء أقل جزء فيه يحتوي على كل المدركات و الكون هو ما قل و ما كثر" و قد كان من حسن تعريف هذا الأعرابي أن تعجب أبو العلاء و قال "ما أجدرها أن تكون لغيره". و الآخر نظر لأبي البركات البغدادي في الزمان رأيناه يصلح مبدأ مكملا لقول الأعرابي من الناحية الرياضية حيث يرى في كتابه "المعتبر في الحكمة" أن وجود الأشياء مقيد بمقدار وجودها بحيث لا يمكن تصور موجود ما من غير تصور مقدار مدته. و يعرف الزمن من هنا بأنه "مقدار الوجود".

و كلا التعريفين على حدى فيهما بعض إبهام و نقص رياضي لذا سأستند على فكرتيهما معا لإنتاج تعريف صاف كاف للزمن يرتكز عليه بحثي العلمي و ترميزي الرياضي لاحقا.
كل نظريّة تعتمد على منطلقات Axiomes فنظرية الهندسة الأقليدية تعتمد على النقطة و المستقيم و المسطّح كبديهيّة تنطلق منها النظرية و نضرية المجموعات Théorie des ensembles تعتمد على العنصر و الإنتماء كبديهية تنطلق منها النظرية. أي نتقبل بديهة وجود شيء إسمه العنصر Élément و شيء إسمه الإنتماء Appartenance.
للتعامل مع مفهومي الزمان و المكان توّجب عليّ إنشاء نظرية رياضية جديدة بمنطلقات Axiomes و مفاهيم Notions مختلفة عن منطلقات ومفاهيم نظرية المجموعات Théorie des ensembles. فتمّ و لله الحمد, إعتماد منطلقي الوجود و عدم الوجود عوضا عن منطلقي العنصر و الإنتماء élément et appartenance في نظرية المجموعات, و المنطلقين الجديدين (أي الوجود و عدم الوجود), كما نلاحظ, أكثر بداهة من سابقتيهما. سنعرّف بمنطلقي الوجود و عدم الوجود المفاهيم التالية: المدرك و الحاوي و المفهوم, و بهم قدّمت تعريفا للزمان يمكنّنا من إستغلال عنصريه, العنصر المعروف وهو قياس الزمن. و العنصر الغائب عن الأذهان إلى حدّ الآن و الأخطر رياضيا, وهو عدد مدركات الزمن.
تعريف المدرك

هوّ كل ما يمّر بالمراحل الثلاث الآتية عدم الجود – الوجود – عدم الوجود (إذا: المدرك, بلغتنا الرياضية السابقة هوّ كلّ كائن موجود مستشعر حسيا أو عقليا, مقاس أو غير مقاس لم يكن موجودا و مآله عدم الوجود)
تعريف الحاوي

هوّ كل ما لا يستقيم وجود المدرك إلاّ به. و الحاوي مدرك (إذا: حاوي المدرك هوّ كائن موجود محدد لوجود المدرك حيث لا يمكن تصور وجود المدرك عقلا أو حسا دونه (كالزمان و المكان و الكتلة لبعض المدركات, سنأتي لاحقا على هذه الأمثلة)
الحاوي الكوني

هوّ كل حاوي لا يرتبط وجوده بوجود المدرك (كالزمان و المكان)
الحاوي الضرفي

هوّ كل حاوي يرتبط وجوده بوجود المدرك (كالكتلة)
مقدار الوجود نظرا لحاوي معين

هوّ القياس الفاصل بين عدم الوجود و عدم الوجود
هذا القياس ينطلق من ذات المدرك أو الحاوي
عدد المدركات في الحاوي
هوّ كل مدرك ملأ وجود الحاوي بوجوده. مثال للزمن: لنتصور جهازا يرسل شعاعا ضوئيا على الكون يدوم ثانيتين ثم ينطفأ و النحسب عدد المدركات التي وجدت طول مدة هاتين الثانيتين. هذا هو عدد مدركات الزمن المقاس بتلك الثانيتين. لو كانت مدة الشعاع ثانية واحدة لكان عدد المدركات أكثر لوجود مدركات مدة وجودها أكبر من ثانية و أصغر من ثانيتين. المثال الثاني من المكان: لنأخذ عدد المدركات الموجودة بين حائطين فرضيين متوازيين متحركين في إتجاه بعضيهما. كلما قلت المسافة بينهما كلما قلّ عدد المدركات المحتوى بينهما. عل عكس الزمن كما رأينا كلما قلّ الفاصل الزمني كلما كثر عدد المدركات فيه.

ملاحظة
يحدد الحاوي بمقدار وجوده و عدد مدركاته . و مقدار الوجود هيّ القياسات المتعارف عليها في ما سبق في الرياضيات أو الفيزياء ومقدار الوجود هوّ فضاء تحتي sous espace من الفظاءات الخاضعة لتلك القياسات.

التشّابه

إذا كان بإمكان مدرك ما أن يكون محتوا في حاويان لهما نفس وحدة قياس مقدار الوجود نقول أنّ الحاويان متشابهان (كإحتواء المدرك في ظرفين زمانين أو في مكانان)
المفهوم

هوّ إتحاد الحاويات المتشابهة لمجموع المدركات
ملاحظة: المفهوم مدرك
فعلا فإن المفهوم أكبر حاوي للمدركات فإن كان مجموع المدركات يمرّ بالمراحل الثلاث عدم الوجود - الوجود - عدم الوجود فكذلك المفهوم لا بدّ أن يمر بها حين تكون كل المدركات غير موجودة و حين يوجد على الأقل مدرك واحد و حين تصبح كل المدركات غير موجودة
جزء المفهوم

هوّ حاوي من المفهوم يكون مقدار وجوده كمدرك محتوى (أصغر) في مقدار وجود حاوي آخر من نفس المفهوم
حجم الحاوي

هوّ عدد مدركات الحاوي
الأقلّ و الأكثر يكون بعدد المدركات
الزمان

هوّ مفهوم أقلّ جزء فيه يحتوي على كل المدركات
المكان

هوّ مفهوم أقل جزء فيه لا يحتوي على شيء
الكون

هوّ إتّحاد كلّ المفاهيم
سأتناول إن شاء الله في الموضوع التالي براهين جديدة في سياق التعريفات السابقة. قبل ذلك ذلك أوّد المرور على موضوع مهمّ وهو تعريف الحركة. و لي بعض خواطر في الموضوع أرجو مشاركتكم إياها.
على بركة الله.
عرف بعض من تناول المفاهيم الفيزيائية في التاريخ الإسلامي الحركة كالآتي (و أتفق معهم في التقسيم لا في التفصيل). حيث قسموا الحركة إلى ستة أوجه:
الكون : هو خروج الشيء من العدم إلى الوجود، أو من القوة إلى الفعل.
الفساد : عكس ذلك.
الزيادة : هي تباعد نهايات الجسم عن مركزه.
النقصان : عكس ذلك.
التغير : هو تبدل الصفات على الموصوف من الألوان والطعوم والروائح وغيرها من الصفات.
النقلة : أما الحركة التي تسمى النقلة فهي عند جمهور الناس الخروج من مكان إلى مكان آخر، وقد يقال إن النقلة هي الكون في محاذاة ناحية أخرى من زمان ثان. نرى هنا تردد في التعريف (عند جمهور) لإبهام في المفهوم عكس التعريفات السابقة في الكون و الفساد و غيرها حيث نحسّ بوثوق في النفس و وضوح المفهوم.
سنتناول في بحثنا وجه النقلة من الحركة وإبن سيناء "لا يتصور الزمان إلا مع الحركة. ومتى لم يحسّ بحركة، لم يحس بزمان" وهنا قلب القطيعة. فقد أعيته المسألة و حق لها أن تعييه. إن الربط الوجودي لدى كل البشر, إلا قليلا منهم, للحركة بالزمان و لا أقول للزمان بالحركة, أكبر ما يعيق الإنسان على إستشراف ممرات الفلك فمعلوم إستحالة الوصول إلى أبعاد الفلك بما نملك من علم و تقانة لكبره العظيم فالبعد بين النجوم مثلا قد يمر من بضع سنوات ضوئية إلى ملايين السنوات الضوئية والتعامل مع هذا البعد أمر أكبر من مقدور الإنسان بإمكاناته العلمية و التقنية الحالية بل و أقول بإستحالة هذا الأمر مستقبلا من الناحية العملية, إذا إعتمدنا على العلوم و التقانة و المناهج التي نستعمل الآن بالنظر إلى العائق الزمني. فالأساس إذا, في النظرية الجديدة هوّ فتح الباب أمام علم هندسي جديد تعرّف فيه المفاهيم و المدركات لبناء النظرية الملائمة حقا لما هي الطبيعة عليه, كي نتمكن من الوصول إلى ما سخرّه الله لنا فيها ممّا خلق.
علينا تعريف الحركة بمعزل عن الزمن لكي نتمكن من تجاوز عوائق البعد في المكان (صبركم عليّ أعرف أنّ ما أقوله الآن مرعب لأهل الفيزياء و الرياضيات). كما قال الذي أوتي علم من الكتاب في القرآن الكريم في سورة النمل " قَالَ يَأَيّهَا الْمَلاُ أَيّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الْجِنّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مّقَامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أَمِينٌ * قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـَذَا مِن فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِيَ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ " (سورة النمل)
و الذي زاد على عفريت الجن و غلبه و الموصوف في القرآن ب"الذي عنده علم من الكتاب" لم يكن جنيّا بل, و حسب تفسير إبن كثير, رحمه الله, إنسانا.
ما حصل من إتيان هذا الإنسان بالعرش ليس معجزة, نؤمن بها منشرحين يقينا و نقلا, بل عن علم آتاه الله إياه من الكتاب أي أمر في سياق معرفة معينة. و هذا العلم ليس سحرا ما عاذ الله, إذ حاش عباد الرحمان المؤمنين و في حضرة نبي من أنبياء الله الصالحين, سليمان عليه و على نبينا السلام, أن يتعاطوا بهذا الإفك و الفسوق. و السحر أصلا لا يفعل هذا الفعل, ففعله في التأثير على تخيلات الناس.
إذا, قد إنتقل العرش فعلا و مادة من مكان إلى مكان أي أنّه تحرك قبل أن يرتدّ طرف سيدّنا سليمان عليه و على نبينا السلام, من اليمن إلى فلسطين, وهو ما هوّ عليه (أي العرش) من كبر وثقل و عظم. لاحظ أيظا خطاب الجنيّ " وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أَمِينٌ" أيّ تعامل الجنيّ سيكون بعمل مباشر فيزيائي فيه شكل من لمس أو إمساك (أمين) و فيه جهد (قويّ) بينما بعلم الإنسيّ لم يتمّ الإيحاء بذلك ممّا يوحي أن العرش سيأتي دون إحتكاك مباشر بين الإنسيّ و العرش و إلاّ لكان الإنسيّ زاد على الجنّي في موضوع الأمانة على الأقل. أقول هذا و ما هوّ إلا خاطر و لا أدعي صحتّه و لا أدعي علما فيه و الله أعلم
فهل هذا بيان على إمكانية عدم ربط النقلة خصوصا و الحركة عموما بالزمن؟ و أنّ تعربف الحركة دون إعتبار الزمن ممكن؟ و أّنّ بهذا التعريف نتجاوز عائق المكان عند النقلة ؟ و لكن سنبين إستحالة تجاوز عائق الماضي و المستقبل في الزمان. و هذا من إختلافات الزمان و المكان التي تحتم من ضمن غيرها من الإختلافات مراجعة الجبر المتعامل به معهما و التثبت من ملائمة جبر المكان على الزمان. فمكانا, بمقدورنا التوجه إلى الأمام كما الخلف. أمّا مع الزمان فليس لنا إلأّ أن نتوجّه نحو المستقبل ذون إمكانية العود إلى الخلف.

و قد نتمكن عبر جبرنا الجديد الذي بدأنا بناءه في هاته الورقات من قطع ما يربط المكان بالزمان في ما يخص النقلة و تعريف الحركة و التعامل معها و بها دون ربط بالزمن. و هذا الامر من أخطر ما يمكن أن يحققه الإنسان في ميدان علوم الهندسة و الطبيعة و كي ترى فعله تدبر في قصّة نقل العرش.
شكرا لكم و إلى لقاء قريب إن شاء الله


مواضيع ذات صلة