جهل الناس بدينهم من ابرز عوامل انحدار المجتمع
التاريخ ملئ بقصص فيها بيان مصير الأمم الهالكة
سرد القصص انما جاء للعظة والاعتبار
حتمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الكاتبة حاكمة بنت علي السعدية
الحمد لله القائل في كتابه (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) ، الحمد لله الذى انار للانسان طريقه وبين له مسلكه الذى يسلكه في هذه الدنيا ، فأنعم عليه بالعقل البشري دون غيره من المخلوقات ليستعين به على التفريق بين ما هو ضار وما هو نافع ، بين ما هو صالح وما هو طالح ، والحمد لله الذى اسبغ نعمه ظاهرة وباطنة وسخر له الكون ليعمره وجعله مستخلفا فيه ولم يقف عند هذا الحد ، بل ضاعف نعمه عليهم وارسل لهم في هذه الحياة من يرشدهم الى طريق الصواب الى طريق النوار والهداية ولم يتركهم في هذه الدنيا يتخبطون في ظلماتها وينزلقون في مزالقها ، ويتبعون شهواتها ، وما هذه النعم إلا دلالة واضحة على رحمة الله بعباده ، وهى في نفس الوقت حجة على البشرية في يوم القيامة ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من اتى الله بقلب سليم فالله جعل هذه الحياة الدنيا دار بلاء واختبار ، دار جد واجتهاد فالانسان يشغلها اما في عمل او كسل (قل كل يعمل على شاكلته فربكم اعلم بمن هو اهدى سبيلا) ، ثم في يوم القيامة يلقى جزاءه على حسب عمله فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) ، فلكل مجتهد منال والدنيا مزرعة الاخرة ، وكل سيحصد زرعه وحسب المؤمن في الاخرة ما اعده الله تعالى له من النعيم ، وكتاب الله ناطق وشاهد على هذا ، بشر المؤمن في الدنيا بما سيناله في دار الخلد كما بين حال الكافرين وما سيلقونه في ذلك اليوم ، (أن هذا القرآن يهدي للتي هى اقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات ان لهم اجرا كبيرا ، وان الذين لا يؤمنون بالاخرة اعتدنا لهم عذاب أليما).
فالبدار البدار اخى المسلم في اغتنام هذه الدنيا ، وترك اللهو والعبث جانبا ، واعلم ان كل نبضة من قلبك تمضي من عمرك ولا تعود ، وحسب الشاعر حين قال:
دقات قلب المرء قائلة له *** ان الحياة دقائق وثوان
واعمل في دنياك كأنك تعيش ابدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق ارض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
وليكن همك في هذه الدنيا هو رضا الله تعالى ، ويكون ذلك متمثلا في طاعته ، والامتثال لاوامره واجتناب نواهيه وتبليغ دعوته ونصرة دينه ويتمثل نصرة دينه في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد وصف الله المؤمنين في كتابه بصفات تميزهم عن غيرهم وتجعلهم شامة بين العالمين فقال تعالى يصف عباده : (يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات) ، كما بين الله ان خير الامم هى التي تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر فقال: (كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ، فيا ترى لم وجه هذا الاهتمام البالغ بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقرن بالايمان بالله ؟ الا يكفي ان يصلح الانسان نفسه ويكتفي بهذا ؟ فهل سيحاسب عن غيره والقرآن بين ان (وكل انسان الزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا ، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ، من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر اخرى).
ان الخير والشر يتصارعان في كل زمان ومكان ، وهما ضدان لا يجتمعان ، فان كانت الغلبة للخير كان المجتمع من خير المجتمعات ، وان كان العكس فقد كتب الله له الشقاء وكتب لهذا المجتمع بالتحلل والتدهور فمنذ متى يكون الشر أساسا لحضارة ؟ او شعارا لتقدم وازدهار؟ او فوز وفلاح؟
ومن هنا جاء الاسلام ليحث الداعية المؤمن ان لا يتوانى لحظة في دعوة اخوانه الى الصلاح لانه بدعوته يحافظ على سلامة مجتمعه من الخطر الذى يتهدده والشر الذي يلحق به ، ويحيط به احاطة السوار بالمعصم ، فهو مسؤول عن دعوتهم ومحاسب على تركه لجهلهم ، لان المجتمع يصلح بصلاح افراده ، ويفسد بفسادهم ، والله يريد النصرة لدينه ورفع رايته واعلاء كلمته ، فليت شعري كيف سينصر دينه في ارض فسد اهلها وكيف ستعلى رايته وتتردد كلمته في بلاد هم افرادها اشباع الشهوة وفقدان المروءة وذهاب النخوة ، ان هؤلاء لهم شرار خلقه ، وبهم تتدهور المجتمعات وتنحدر وبهم تخيم على المجتمعات ظلام ليل دامس ويرجف قلوب اصحابها وتكثر الهواجس من المصير المحتم عليهم بعد ان عاثوا في الارض فسادا وبعد ان كانوا معاول هدم لمجتمعاتهم فالله الله في انفسكم فان الله يمهل ولا يهمل .
عوامل انحدار المجتمع
من ابرز عوامل انحدار المجتمع وجرفه الى الهاوية:
1ـ جهل الناس بدينهم وعدم تمسكهم به والجهل داء عضال يفتك بالبشرية فالدين الاسلامي بين للانسان معالم الطريق ونهج له المنهج الذى لابد ان ينهجه ورسم له خطة حياته كلها وحدد له المصير الذى سيؤول اليه ويبين له سبل السعادة في الدنيا والاخرة , وكفل له بعد هذا الفوز والفلاح والنجاح ان سار على هديه والتزم بمنهجه ولكن الناس نظرا لجهلهم تركوا الدين جانبا واعتبره دخيلا عليهم وتصاموا عن سماع الحق واغمضوا اعينهم عن ابصاره وتمسكوا بما وجدوا آباءهم عليه وساروا في هذه الحياة الدينا يتخبطون فيها يمنة ويسرة ، ولسان حالهم (انا وجدنا آباءنا على امة وانا على اثارهم مهتدون). فسبحانك ربي وكأنهم لا يملكون عقولا يفكرون بها او قلوبا يبصرون بها (هم كالانعام بل هم اضل) ، مع ان هذا الكون كله ناطق بوحدانية المولى عزوجل ـ (وإن من شيء الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) ولقد وهبهم الله هذه العقول وامرهم بالنظر في المخلوقات والكون والتأمل فيه والعقل السليم يتوصل من اول الامر ويتبادر الى ذهنه من اول وهلة الى وجود الخالق ـ عزوجل .
وها هو الاعرابي الذى سئل كيف عرفت الله ؟ فقال : البعره تدل على البعير والاثر يدل على المسير فكيف بسماء ذات ابراج وارض ذات فجاج وبحار ذات امواج أفلا تدل على اللطيف الخبير ؟ فكيف بك ايها الانسان فأنت بنفسك دليل على وجود الخالق فكل ما فيك يتحرك وفق نظام دقيق محكم ، افلا تتفكر قليلا ! (وفي الارض آيات للموقنين ، وفي انفسكم افلا تبصرون) ، فعلى المسلم ان يتمسك بدينه ، ويحافظ على سلامة مجتمعه بحفاظه على اسلامه وتمسكه بمبادئه ودعوة اخوانه ولينج بنفسه من نار تلظي لا يصلاها إلا الاشقى.
2ـ حب الدنيا وظهرو الترف والمجون ، هو من عوامل انحدار المجتمعات وتفكك اوصالها وتمزق اشلائها ، فالترف يجعل الانسان يحيا حياة الرفاهية والنعم ، حياة البطر فينسى غيره من المحتاجين ، وينسى ربه الذى انعم عليه بهذه النعمة فيطغى في الارض ويتجبر ويتكبر ويظلم هذا ويحتقر ذاك ، وكأنه نسى انه انسان ضعيف لا حول له ولا قوة ، لا يملك دفع الضر عن نفسه ولكنه ببعده عن الله يخيل اليه ان هذه الدنيا خالدة وانه هو الحي الذى لا يموت وانه استطاع ان يسيطر على هذا الوجود بعد ان حيزت له الدنيا بحذافيرها فسبحان الله ، ما اجهل الانسان وما اظلمه ! وما اكرم الرب وما احلمه يحلم عن الجاهل ويعفو عن المسيء ويغفر للمذنب ولا يزال ينعم على عباده بالنعم ، ويرسل لهم الرسل لعلهم يرجعون الى رشدهم، لعلهم يهتدون مع انه عالم بحالهم ومالهم الا انه يفعل هذا حتى يكون حجة على العبد يوم القيامة ولكن الظالم يعميه ظلمه عن الابصار والجاهل يحجبه جهله فها هو يجاهر بمعصيته ويكابر ولم يعلم ان الله تعالى قال: (واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ) امرناهم بطاعة الله ولكن ظلمهم هو الذى منعهم من الاستجابة وبطرهم حجزهم عن الامتثال وصار سدا منيعا يصدهم عن طاعة الرحمن الفضل والاحسان ففسقوا في هذه الارض وظلموا وطغوا وتمردوا فيها ودمروا وافسدوا فيا ايها الانسان الجاهل ويحك انتظر الى اين المصير؟ الى اين المال ؟ او انت الخالد المخلد فيها انظر حولك اين اباؤك واجدادك ؟ اين هم سادة الامم ؟ اين الملوك والسلاطين ؟ الذين عاثوا في الارض فسادا تماما مثلك او اكثر منك هم خلدوا ؟ ام انهم ضمهم التراب الذى منه خلقنا واليه نعود هل نفعهم غناهم؟ ام هل وقف الجند حائلا بينهم وبين الموت ؟ بماذا رحلوا من هذه الدنيا هل حملوا معهم الخدم والحشم ؟ ام الاموال التي كنزوها ؟ كلا والف كلا حملوا معهم قطعة قماش ابيض تلفهم حالهم حال اي انسان عادي ولم يدفنوا الا في ذلك التراب ثم لا يختلف قبره عن قبر اي انسان عادي .
لقد صدق رسولنا الكريم عندما كان يبين لاصحابه حال الامة الاسلامية بعد موته ، فقال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم سبرا بشبر ، وذراعا بذراع حتى ولو سلكوا حجر ضب لسلكتموه قلنا: اليهود والنصارى يا رسول الله ، قال : فمن).
3ـ ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من اهم عوامل انحلال الامة وفسادها لاهمية ذلك كرر الله ذكره في القرآن وبين ان هذه الصفة لا يتميز بها الا المؤمنون حقا وفي الحقيقة ان المؤمن الحق لو قام بهذا العمل لكان له دور كبير في المجتمع فاين التناصح فيما بيننا واين الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لو علم الانسان اهميته لما تركه يرى الواحد منا اليوم المنكر امام عينيه ولا ينكره ويرى الحق يمتهن امامه ولا ينصره أفبعد هذا يرجى من الانسان خيرويؤمل فيه فليت شعري اين هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل اين هم من سلفنا الصالح كانو يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقولون قولة الحق ولا يخشون في الله لومة لائم.
ها هو عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يتجول في المدينة كعادته فبينما هو كذلك اذ سمع صوت امرأة تقول لا بنتها : امذقى اللبن بالماء فقالت : يا اماه ان عمر بن الخطاب قد انهانا عن ذلك فقالت : لكن عمر لا يرانا فقالت الابنة : (ان كان لا يرانا فان عمريرانا) فسبحان الله ، يالهذه المؤمنه التقية والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة الى الله ليست شرطا ان تكون باللسان ، وانما قد تكون بأساليب غير مباشرة يقول احدهم: كان لي بعض الاقارب وكانت فيتاتهم لايرتدين الحجاب وانا لا استطيع ان آمرهن بذلك او ادعوهن الى ارتدائه ، فما كان مني الا ان اخذت اخواتي الصغيرات وكن يرتدين الحجاب الى زيارة اقاربنا فما ان رأى فتياتهم الصغيرات ذلك الا وبدت الغيرة في نفوسهن فألزمن اهلن ان يشتروا لهن حجابا ثم سرى المفعول الى اخواتهن الكبيرات وهكذا دعاهن بأسلوب غير مباشر، وهناك الكثير من القصص الرائعة للامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكن المجال لا يتسع لذكرها .