روي مالك والشافعي واحمد والبخاري ومسلم وغيرهما ، عن ابي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :
" إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات "

دلالة الحديث :
------------
يدل الحديث بمفهومه علي نجاسة الكلب وسؤره
وقال الشوكاني : " واستدل بهذا الحديث علي نجاسة الكلب .، لانه إذا كان لعابه نجسا وهو عرق فمه ؟، ففمه نجس ، ويستلو\زم نجاسة سائر بدنه ، وذلك لأن لعابه جزء من من فمه ، وفمه أشرف ما فيه فبقية بدنه أولي ، وقد ذهب الي هذا الجمهور "
مذهب المالكية :
جاء في المدونه : قال مالك : " وإن ولغ الكلب في لبن أو طعام أكل ، ولا يغسل منه الاناء ، وان كان يغسل سبعا للحديث ففي الماء وحده ، وكان مالك يضعفه ويقول : قد جاء هذا الحديث وما أدري ما حقيقته ، وكان يري الكلب كأنه من أهل البيت ، ليس كغيره من السباع "


توجيه مذهب المالكية :
-------------------
ظاهر رأي مالك في سؤر الكلب مخالف للوارد في الحديث الذي رواه في موطئه. وأما قولهم :
(وكان يضعفه) فلا يراد به تضعيفه من الجهة الحديثية .
قال القاضي عياض في التنبيهات : " قيل يضعف العمل به تقديما للكتاب والقياس عليه ، لأن الله أباح أكل ما أمسك الكلاب عليه ولم يشترط غسلا ، والقياس علي سائر الحيوان ، وقيل يضعف العدد ، وقيل : ايجابه الغسل .
وهو معني قوله : "وما ادري ما حقيقته ، أي ما المراد به من الحكم "
وأما الدليل الذي من أجله لم يعمل مالك بالحديث فهو أمور :
-----------------------------------------------------
أولا : أن نجاسة الكلب المفهومه من هذا الخبر معارضة بقوله تعالي : "فكلوا مما أمسكن عليكم " المائد :4
إذ لو كان نجسا لنجس الصيد لمماسته وظاهر الاية بخلافه . ولذلك قال مالك : "يؤكل صيده فكيف يكره لعابه "
قلت : ومذهبه تقديم ظاهر القرآن علي خبر الأحاد .

ثانيا : أن هذا الأمر بغسل الاناء لا لنجاسة سؤر الكلب لكن لأمر تعبدي غير معقول المعني . قال أبو بكر العربي : " والحديث معضل ، وقد اختلف الناس فيه ، هل يغسل للعبادة أو للنجاسة ؟ والصحيح انه للعبادة ، لأنه عدده وأدخل فيه التراب ، ولا مدخل للتراب في ازالة النجاسة "

قلت : لأن ازالة النجاسة قد يكتفي فيها بالمرة الواحدة .
ثالثا : إذا كانت أسار السباع طاهرة بموجب الأخبار ، فيقاس عليها طهارة سؤر الكلب لعدم الفارق .
ومن أدلة طهارة أسار السباع والحيوان ما رواه ابن ماجه والبيهقي عن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة التي تردها السباع والكلاب والحمر ، وعن الطهارة منها ؟ فقال : "لها ما حملت في بطونها ، ولنا ما بقي شرابا طهورا (وهو حديث ضعيف ، وللحديث شواهد .

قال القرطبي : " وهذا نص في طهارة الكلاب وطهارة ما تلغ "فيه"
ومنها ما روي عن عمر بن الخطاب انه خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتي وردوا حوضا ، فقال عمرو بن العاص : يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟
فقال عمر بن الخطاب : يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد علي السباع وترد علينا


رابعا : قد يكون الامر بغسل الاناء من ولوغ الكلب فيه معقول المعني وهو دقع مفسدة الكَلَب عن الانسان ، ومفسدته متوقعه بما لو كان مصابا بداء الكلب .
قال ابن رشد في "بداية المجتهد ونهاية المقتصد " : " وقد ذهب جدي رحمة الله عليه في كتاب "المقدمات " : إن هذا الحديث معلل معقول المعني ليس من سبب النجاسه ، بل من سبب ما يتوقع ان يكون الكلب الذي ولغ في الاناء كَلِبا، فيخاف من ذلك السم .
قال : ولذلك جاء هذا العدد الذي هو السبع في غسله، فإن هذا العدد قد استعمل في الشرع في مواضع كثيرة في العلاج والمداواة من الامراض . وهذا الذي قاله رحمه الله خو وجه حسن علي طريقة المالكية "

خامسا: أن الاحاد\يث الصحيحة وردت بطهارة سؤر الهرة ، وعلل ذلك بكونها من الطوافين علي الناس ، والكلب كذلك حاله ، فأخذ حكم العرة لمشاركته في السبب والعلة .

خلاصة :
---------
لم يعمل المالكية بهذا الخبر لمعارضته في الوقت نفسه ظاهر القرآن وقياسا صحيحا ، في القول بنجاسة الكلب وسؤره ، ولكنهم قالوا به تعبدا في غسل الاناء سبعا ولذلك خرجه مالك في كتابه ، وهو دليل فقهه وفهمه ، وقال مع ذلك بعدم نجاسته عكرمه .
وممن قال من المالكية بخلاف المشهور في المذهب المغيرة بن عبدالرحمن المخزومي ، ويحيي بن يحيي الليثي وغيرهما .

(من كتاب احكام فقهية خالف فيه المالكية الاحاديث الصحيحة والاجابة عنها )