فإذا كان نظام صدام حسين الاستبدادي قد دفع جزءا من العراقيين المعارضين لسياساته للعيش في المنفى بعيدا عن العراق, فإن النظام الطائفي الجديد الذي أقامته أمريكا في العراق، مزق البلد بأكمله وأعاده إلى الوراء قرونا عديدة، حيث كان الانتصار للقبيلة والمذهب هو السائد بدلا عن الانتصار لوحدة الانتماء العام للدين والوطن.
مجلة العصر / شنت القوات الأمريكية هجوما ظالما على العراق بذريعة امتلاكه لأسلحة دمار شامل، وهي كذبة اتضح زيفها للقاصي والداني مع احتلالها الكامل لهذا البلد في أبريل نيسان 2003, ووعدت العراقيين بالديمقراطية وجنات النعيم, وتوعدت كل ديكتاتوري بالمصير نفسه الذي انتهى إليه نظام صدام حسين, حتى إن الرئيس اليمني قال كلمته الشهيرة للقادة العرب: "تعالوا لنحلق رؤوسنا قبل أن يحلقها لنا غيرنا".
والآن وبعد مرور ثلاث سنوات من الاحتلال، وجد العراقيون أنفسهم أمام نظام ديكتاتوري طائفي آخر أشد وطأة من ديكتاتورية البعث, وأمام واقع أمني مترد، ينامون فيه على وقع السيارات المفخخة والاختطافات العشوائية ويستيقظون على عشرات الجثث المقتولة والمشوهة بشتى أنواع التعذيب ملقاة على قارعة الطريق، يفحصونها بكل حسرة وألم علهم يجدون بينها أحد أحبتهم.
ويمكننا بسط معالم العراق الجديد الذي أرادته أمريكا منارة للديمقراطية ومثالا يحتذى به في الشرق الأوسط الجديد في النقاط التالية:
- وجود حالة كبيرة من الشحن الطائفي في العراق، بلغ ذروته مع التفجيرات المروعة التي استهدفت مدينة الصدر ذات الأغلبية الشيعية الخميس الماضي، وخلفت ما يقارب 400 شخصا بين قتيل وجريح، وهو أكبر هجوم طائفي منذ احتلال العراق في نيسان أبريل 2003 , وردود الأفعال الانتقامية التي تلتها كحرق ستة مصلين من السنة أحياء وقصف وحرق مساجد ومقرات سنية بالرغم من دعوات التهدئة التي أطلقها الطالباني والحكيم والهاشمي مباشرة بعد التفجيرات.
- أرقام مهولة كشفت عنها الأمم المتحدة بخصوص ضحايا الاحتلال, وتحدثت عن ما يفوق 665 ألف عراقي قتلوا إلى حد الآن, وعن أكثر من 200 ألف أسرة هجرت من مناطق سكناها بسبب حملات التطهير المذهبي, سوريا وحدها استقبلت منهم حوالي مليون عراقي, والأردن مرشحة لاحتضان مليون ونصف لاجئ.
- أعداد كبيرة من علماء العراق ومفكريه تتعرض للاغتيال يوميا على يد الموساد الإسرائيلي والاحتلال الأمريكي وجماعات فرق الموت العراقية ذات اللباس الأسود، والمعروفة لدى الشعب العراقي بتورطها في اختطافات واغتيالات سابقة، استهدفت علماء ومفكرين تحت يافطة اجتثاث البعث، وهو ما حدى بأغلبيتهم إلى الهجرة بعيدا، بعدما أصبحت حياتهم مهددة ليتركوا العراق بدون عقل يتخبط في أوحال الجهل والطائفية العمياء.
وتعتبر حادثة الاختطاف الجماعي الأخيرة لموظفي التعليم العالي في واضحة النهار وتحت سمع وبصر الدولة خير دليل على الاستهداف الواضح لهذه الفئة من الشعب العراقي, الأمر الذي أرادت حكومة المنطقة الخضراء التمويه عليه بإصدار مذكرة اعتقال سخيفة في حق رئيس هيئة علماء المسلمين المعروف بوطنيته ومناهضته للاحتلال الشيخ حارث الضاري.
ـ سيطرة فرق الموت على جميع مفاصل حكومة المالكي وانتشارها في جميع الوزارات, وقيامها بارتكاب مجازر بشعة وعمليات تعذيب واسعة وتهجير قسرية في حق العراقيين من أبناء الطائفة السنية لتغيير التركيبة المذهبية للعراق تمهيدا لتحقيق مشروع انفصال الأقاليم في إطار الفدرالية، التي كان أهم الداعين لها والمتحمسين عبد العزيز الحكيم زعيم المجلس الأعلى ورئيس فيلق بدر في المنفى الإيراني سابقا.
وتتشكل هذه الفرق أساسا من فصيلين شيعيين هما: "فيلق بدر"، التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية والذي تأسس في إيران في العام 1983 لمحاربة نظام صدام حسين, وتلقى التدريب العسكري على يد الحرس الثوري الإيراني, وبعد سقوط بغداد التحقت معظم عناصره بتشكيلات الجيش وقوات الشرطة ووزارة الداخلية وخاصة (المغاوير ولواء الذئب ولواء العقرب) وهذه الألوية جميعها متهمة بتعذيب العراقيين (فضيحة سجن قبو التابع لوزارة الداخلية في نوفمبر/ تشرين 2005) وقتلهم على الهوية ورميهم في القمامة أو وسط الشوارع كما جاء في التحقيق الصحفي الذي بثته مؤخرا القناة البريطانية الرابعة. و"جيش المهدي"، الذي يدين بالولاء المطلق للزعيم الشيعي مقتدى الصدر المتهم هو الآخر بتلقي الدعم المادي والعسكري من طرف المخابرات الإيرانية منذ تأسيسه في يوليوز/ تموز 2003.
وانتقل هذا الفصيل منذ الانتخابات العراقية الأخيرة التي أجريت في 15 ديسمبر 2005، وشارك فيها التيار الصدري وحصل على 30 مقعدا من مجموع مقاعد البرلمان الـ275، ما خوله الحصول على ست وزارات في حكومة المالكي, من موقع مقارعة المحتل عسكريا وسياسيا إلى خندق محاربة الطائفة السنية الرافضة للعملية السياسية في ظل الاحتلال, خصوصا بعد تفجير مرقد الإمامين علي الهادي والحسن العسكري في سامراء في 22 شباط 2006, إذ تزعم جيش المهدي وأنصاره ردود الأفعال التي طالت في حينها الاعتداء على حوالي 110 من مساجد أهل السنة, وسفك دماء العديد من علمائهم, واعتقال أعداد أخرى وتعذيبهم.
وأمام عجز حكومة المنطقة الخضراء المقصود أو غير المقصود عن حل فرق الموت هذه، ونزع سلاحها وتخليص مراكز الدولة منها والوقوف في وجه الدول الإقليمية التي تمدها بالمال والسلاح, ستبقى يوميات العراق مرشحة للمزيد من نوبات العنف الطائفي والتناحر المذهبي، بشكل لن تستطيع معه لا مبادرة المصالحة التي أطلقها المالكي ولا المؤتمرات العربية والإقليمية، إعادة العافية والسلامة إلى المجتمع العراقي الذي عرف عبر التاريخ بسلمه وتآزره.

لقد نجح الاحتلال في تمزيق هذا البلد والقضاء على قوته العلمية والعسكرية, فهاهي بوادر تقسيم العراق تلوح في الأفق, وهاهي الأصوات المنادية بالفدرالية تتعالى يوما بعد يوم.

فمن رفض مسعود البارزاني لرفع العلم العراقي على كافة المؤسسات الكردية في شمال العراق, إلى دعوة الحكيم الصريحة إلى انفصال مناطق الجنوب عن العراق إلى الإعلان عن إمارة إسلامية في الرمادي، أخذت ملامح العراق الجديد تنسج طبقا لما جاء في تقرير كتبه كولونيل سابق في الجيش الأمريكي وخدم في شعبة الاستخبارات العسكرية تحت عنوان (حدود الدم)، نشره موقع مجلة القوة العسكرية الأمريكي في حزيران 2006 حول خريطة جديدة للشرق الأوسط، تقسم الدول العربية الكبرى والإفريقية على أساس ديني وقومي ومذهبي, ونصيب العراق من هذا التقسيم دويلة كردية في الشمال، قد تضاف إليها مستقبلا تجمعات كردية من إيران وتركيا وسوريا، لتشكيل دولة "كردستان الكبرى"، ودويلة سنية في الوسط قد تضطر تفاديا لضغط الأكراد من الشمال والشيعة من الجنوب إلى الالتحاق بسوريا, ودويلة شيعية في الجنوب قد تتطور إلى دولة عربية شيعية كبرى بانضمام الجزء الشرقي من المملكة العربية السعودية (منطقة القطيف)، وكذا الجزء الجنوبي من إيران والمعروف بمنطقة الأهواز أو عربستان، وهي معقل العرب في إيران.
وهاهم علماء العراق ومفكروه يغادرونه وبكثافة بعدما أصبحت حياتهم مهددة, ليتركوا العراق بدون عقل يتخبط في أوحال الجهل والطائفية العمياء, فإذا كان نظام صدام حسين الاستبدادي قد دفع جزءا من العراقيين المعارضين لسياساته للعيش في المنفى بعيدا عن العراق, فإن النظام الطائفي الجديد الذي أقامته أمريكا في العراق، مزق البلد بأكمله وأعاده إلى الوراء قرونا عديدة، حيث كان الانتصار للقبيلة والمذهب هو السائد بدلا عن الانتصار لوحدة الانتماء العام للدين والوطن.