لا نعتقد ان السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري يزور بغداد هذه الايام انطلاقا من حرص بلاده علي تطوير العلاقات بين البلدين، ورغبة صادقة دافعها الحقيقي انقاذ العراق من حال الانهيار التي يعيشها حاليا. فلا بد ان هناك تطوراً جديداً دفع الحكومة السورية الي ايفاد رئيس دبلوماسيتها الي العاصمة العراقية بعد غياب استمر لعدة عقود.
اللافت ان زيارة السيد المعلم التاريخية، والترحيب الرسمي العراقي المبالغ فيه، والتفاؤل الشعبي الذي رافقها وبني عليها آمالاً عريضة، جاءت بعد تطورين اساسيين:
الأول: تقرير لجنة جيمس بيكر وزير الخارجية الامريكي الاسبق التي ضمت مجموعة من الخبراء من بينهم وزير الدفاع الحالي روبرت غيتس خلص الي مجموعة من التوصيات للخروج من المأزق العراقي الحالي، من بينها اشراك ضلعي محور الشر اي سورية وايران في اي مفاوضات او خطط بشأن مستقبل العراق.
الثاني: زيارة مبعوث من قبل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الي دمشق ولقاؤه مع الرئيس بشار الاسد، وما تلي هذه الزيارة من تسخين مفاجئ لقنوات الاتصال السورية ـ البريطانية وتبادل زيارات سرية وعلنية لمسؤولين في البلدين. فمن المعروف ان هناك بوابتين مقربتين الي قلب البيت الابيض وساكنه اولاهما البوابة الاسرائيلية ، وثانيتهما النافذة البريطانية.
النظام السوري يتمتع بقدرة كبيرة في كيفية ادارة الأزمات، واقتناص الفرص، واستغلال كل فرصة متاحة لتعزيز استقراره ودوره العربي والاقليمي، ومن غير المستبعد ان يكون السيد المعلم توجه الي بغداد في هذه العجالة، وفي مثل هذا التوقيت بالذات فـــي اطار صفقة ما امريكية ـ بريطانية.
ويظل السؤال هو عن الثمن الذي ستتقاضاه سورية مقابل هذا الانفتاح المفاجئ علي العراق وحكومته، والاسباب التي دفعت واشنطن للتخلي عن عدائها السافر لها، والـــتودد اليـــها بهذه الطريقة من خلال حلفائها البريطانيين.
هناك ثلاث نقاط رئيسية لا بد من التوقف عندها لتفسير هذا التحول في الموقف الامريكي المفـــاجئ تجاه سورية، والتجاوب السوري السريع والإيجابي معه:
الاولي: التحول البريطاني ـ الامريكي تجاه اشراك سورية وربما ايران في وقت لاحق في الاطار الداخلي العراقي، يعني ان البلدين فقدا الأمل كليا في اي دور فاعل ومجد للمثلث السعودي ـ المصري ـ الاردني، ويمكن القول ان الادارة الامريكية بدأت تدرك ان هذا الملف لا يمكن التعويل عليه في هذا الإطار علي وجه التحديد، وان كان هذا لا يعني انه غير مفيد اذا تطورت الامور نحو المواجهة الامريكية ـ الاسرائيلية مع ايران في حال تعثر الحلول السلمية التفاوضية لبرنامجها النووي.
الثانية: فشل جميع مشاريع وخطط الحكومة الحالية التي يتزعمها السيد نوري المالكي في توفير الأمن والاستقرار وتحقيق المصالحة الوطنية، رغم وعودها العديدة في هذا الاطار، وتوصل الادارتين الامريكية والبريطانية الي قناعة مفادها انه من غير المجدي الاستمرار في دعم هذه الحكومة بعد ان ثبت عجزها علاوة علي طائفيتها الدموية الواضحة.
الثالثة: وربما تكون النقطة الأهم، وهي تصاعد وتيرة المقاومة العراقية وتوسيع نطاق عملياتها، وسيطرتها علي معظم انحاء العراق، وإلحاقها خسائر كبيرة في صفوف القوات المحتلة، وافشالها العملية السياسية من خلال نجاحها في زعزعة الاستقرار وتعطيل عملية اعادة الاعمار، وحصر نشاط الحكومة في جزء من المنطقة الخضراء فقط.
نعود الي السؤال الاول وهو عن الثمن الذي ستحصل عليه الحكومة السورية من خطوتها الحالية التي قدمت شرعية لحكومة عراقية، او بالأحري لعملية سياسية تتخبط وتترنح، بعد تردد استمر اكثر من ثلاثة اعوام!
النظام السوري بارع في اخفاء اوراقه، او جعلها قريبة جدا الي صدره حتي لا يراها الخصوم او حتي الفضوليون. ولكن من الجائز التكهن بأن اول ملامح الثمن الذي يتوقع ان يقبضه مقابل هذا الدور هو تخفيف الضغوط الامريكية ضد سورية وحلفائها في لبنان، والتراجع عن الخطوات الاندفاعية لدعم المعارضة السورية، وخاصة التحالف الجديد بين السيد عبد الحليم خدام نائب الرئيس الاسبق وجماعة الاخوان المسلمين، وهو التحالف الذي حمل اسم جبهة الانقاذ ، وتبطيء عملية التحقيقات في اغتيال المرحوم رفيق الحريري، واخيرا عدم اظهار الكثير من الحماس للحكومة اللبنانية وقرارها بشأن المحكمة الدولية.
اما الثمن الأبعد الذي تتمني سورية تحقيقه فهو استئناف المفاوضات بشأن استعادة هضبة الجولان كاملة من خلال مفاوضات يتم الاتفاق علي نتائجها مسبقا.
الأمر المرجح ان الدور السوري في العراق ليس بالضخامة والفاعلية اللتين تعتقدهما واشنطن. فهو يمكن ان يكون فاعلا ومؤثرا من حيث تفجير المشروع الامريكي، من خلال فتح الحدود العراقية ـ السورية امام المتطوعين والاسلحة، ولكنه ربما لا يكون كذلك من حيث القدرة علي السيطرة علي المقاومة، وتهدئة الاوضاع وانجاح حكومة المنطقة الخضراء.
فالتدهور في العراق اصبح بلا قاع في الوقت الراهن، ولا توجد قوة في المنطقة تستطيع ضبط الامن من الخارج. وأي محاولة سورية للتدخل لمصلحة انقاذ المشروع الامريكي في العراق، ربما تؤدي الي انعكاسات سلبية علي سورية نفسها، وهذا ما يدركه حتما صاحب القرار في دمشق.
ولا نعتقد ان ايران نفسها، ورغم نفوذها المتعاظم في العراق، قادرة علي ضبط الاوضاع فيه ايضاً فالقوي السياسية التي تحكم حاليا خرجت كلها من تحت عباءتها، وتحظي بدعمها، ومع ذلك فشلت في اثبات نفسها كقوة مركزية قادرة علي السيطرة وفرض هيمنتها علي جميع انحاء البلاد.
الادارة الامريكية تعيش حالة من الارتباك والتخبط، بعد ان ادركت انها مهزومة لا محالة في العراق، وأبرز علامات هذا التخبط انها تذهب الي العناوين الخطأ، او بالأحري الثانوية منها طلبا للإنقاذ من ورطتها في العراق، مثل ايران وسورية، ومن قبلها السعودية ومصر والأردن. فهي لم تجرب العنوان الابرز حتي الآن، وهو المقاومة العراقية، فربما لو فعلت، وتجاوبت مع شروطها جميعا، او معظمها، لأنقذت نفسها، او قلصت خسائرها علي الاقل. فقد جربت هذا الحل مع الفيتناميين ونجت بجلدها، وجربت حليفتها بريطانيا كأس السم نفسه مع الجيش الجمهوري الايرلندي ونعمت بالكثير من الامن والاستقرار.
امريكا تقامر بمحاولاتها فصل سورية عن ايران، لتحيد الاولي تمهيداً للتفرد بالثانية، فهذا الفصل ربما يكون شبه متعذر الآن، وما الغزل السوري تجاه واشنطن الا محاولة لكسب الوقت، لان القيادة السورية تعلم جيداً ان العد التنازلي لانهيار الامبراطورية الامريكية ونفوذها في المنطقة قد بدأ وبسرعة غير متوقعة.