الفطرة وتحقيق الحضارة*

إن أبرز عامل في تكوّن الحضارات تلبيتها لعناصر الفطرة الإنسانية، وإن أبرز عامل في تأزمها، وانهيارها هو تصادمها مع الفطرة، وهذا ما سنوضحه في عدد من الحضارات أبرزها الحضارة الإسلامية، والحضارة الغربية في طوريها القديم والحديث.
حققت الحضارة الإسلامية كل مطالب الفطرة الإنسانية لأن الإسلام لبَّى الفطرة، قال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (الروم: 30)، وإنَّ المتفحص في الآيات والأحاديث، يجد أنَّ أبرز مظاهر الفطرة التي أشار إليها الإسلام هي: التدين، والتعلم، والشهوات المتمثلة بالنساء والأموال والزر وع... إلخ، أما التدين، فقد عبَّر القرآن الكريم عن فطريته بأنَّ الإنسان عرف ربَّه وهو في عالم الذر في كيفية نجهلها، قال تعالى: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على" أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى" شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (الأعراف: 172).
وقد ذكرت الأحاديث الشريفة، بأن كل مولود يولد على الفطرة، أي على التوحيد، فقال الرسول ص: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه" (رواه البخاري ومسلم).
وقد أشار القرآن الكريم إلى فطرة التعلُّم عند الإنسان، بأن الله علَّم آدم الأسماء فتعلمها، في حين أن الملائكة عجزوا عن معرفة الأسماء، لذلك استحق آدم عليه السلام الخلافة نتيجة قابليته للتعلم، قال تعالى: وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين 31* قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم 32* قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون* (البقرة).
لعبت الكنيسة دوراً مميزاً في أوروبا في العصور الوسطى، وكانت مبادئها وتعليماتها ذات دور فاعل فيها، وأبرز مبادئها التي ناقضت الفطرة فيها: نظرتها إلى الشهوات والجسد والدنيا من جهة، وحكمها على بعض الآراء العلمية وأصحابها بالهرطقة والزندقة والكفر من جهة ثانية.
احتقرت الكنيسة الشهوات والجسد والدنيا، فاعتبرت الشهوات دنساً يجب الترفع عنه، واعتبرت الجسد سجناً للروح لذلك يجب تعذيب الجسد وقتله من أجل انطلاق الروح، كما اعتبرت الدنيا عقبة في طريق الآخرة، لذلك أهملت الدنيا، واهتمت بالآخرة وحدها، وهي قد ناقضت الفطرة في كل نظرياتها تلك، وكانت لنظرياتها تلك أسوأ النتائج على العلاقة بين جماهير الناس وبين الدين ورجاله.
كذلك أخطأت الكنيسة مع علماء أوروبا الذين توصلوا إلى حقائق ونظريات نتيجة جهود عقلية وعلمية قاموا بها واستفادوا بعضها من حضارتنا الإسلامية، لكن الكنيسة اعتبرت تلك الحقائق والنظريات هرطقة زندقة لأنها تخالف بعض مقولات توارثتها واعتمدتها المجامع الكنيسية، وحاكمت العلماء على أقوالهم، ونظرياتهم، وسجنت بعضهم، وأعدمت بعضهم الآخر، إنَّ الأزمة التي عاشتها أوروبا في العصور الوسطى، والتي أدت بها إلى الانفجار والثورات، وإلى إبعاد الدين المسيحي ورجالاته عن أي مجال من مجالات الحياة، كان أحد أسبابها مخالفة رجال الكنيسة للفطرة التي تجلَّت في احتقار الكنيسة للشهوات، والدنيا، والجسد من جهة، وإلى إنكارها بعض الحقائق العلمية من جهة ثانية.
النظرية الماركسية

أما الاتحاد السوفييتي الذي طبَّق النظرية الماركسية، فقد أقرَّ الإلحاد، وأنكر وجود إله، ونظر إلى الإنسان نظرة مادية بحتة، وهذا مخالف لفطرة الإنسان، التي تقوم على التدين والتوجه إلى عبادة إله، فقد عرفت كل المجتمعات البشرية التدين والعبادة وأماكن العبادة، والأرجح أنَّ الاتحاد السوفييتي، كان أول دولة رعت الإلحاد بشكل رسمي، وصادم الاتحاد السوفييتي أيضاً غريزة حب التملك عند الإنسان، واعتبرها مكتسبة وليست فطرية، لذلك انتزع ستالين من الفلاحين مواشيهم ومزارعهم وأراضيهم، وحوَّلها إلى ملكية جماعية، فثار الفلاحون عليه، ودافعوا عن ممتلكاتهم، وسقط 12 مليون في هذه المواجهة مع الحكومة الشيوعية.
لا شك أنَّ سقوط الاتحاد السوفييتي ساهمت فيه عوامل عدة داخلية وخارجية، ولم يكن نتيجة عامل واحد، لكن من المؤكد في الوقت نفسه، أنَّ تصادم الاتحاد السوفييتي مع بعض عوامل الفطرة، كان أحد أهم العوامل في سقوطه وعدم استمرارية وجوده.
والآن: ما الوضع في الحضارة الغربية؟ ألا توجد فيها توجهات وممارسات مناقضة للفطرة؟ عرفت الحضارة الغربية العلمانية التي جاءت بعد التصادم الذي وقع بين رجال الكنيسة ورجال العلم في العصور الوسطى، وأبرز حقيقة قامت عليها تلك العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، وقد سمَّى الدكتور عبدالوهاب المسيري تلك العلمانية بالعلمانية الجزئية، لأن تطورات تاريخية بعد ذلك حوَّلت تلك العلمانية الجزئية إلى علمانية شاملة، لا لتفصل الدين عن الدولة فقط، وإنما لتفصل القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية جميعها عن الدولة، وعن جوانب الحياة العامة والخاصة كافة، أي أنها تفصل سائر القيم عن الطبيعة والإنسان، وتنزع عنهما أي قداسة، بمعنى أنه يحكم على الاقتصاد بمقدار ما يحققه من أهداف اقتصادية ربحية بغض النظر عن أي قيمة دينية وأخلاقية وإنسانية، وقس على ذلك بقية المجالات الحياتية من سياسة وعلم وجسد... إلخ.
وقد تبلورت العلمانية الشاملة في الفلسفة الداروينية الاجتماعية التي تذهب إلى أنَّ العالم مادة واحدة، صدر عنها الإنسان والطبيعة والحيوان، وهذه المادة خالية من الغرض والهدف والغاية، وهذا يعني أن كل الأمور نسبية، فما هو حرام اليوم قد يصبح حلالاً غداً وبالعكس، وهذا يعني أنه لا حاجة إلى أي قيم دينية أو أخلاقية أو إنسانية... إلخ، وهذا يعني أنه ليس هناك عالم غيب، وليس هناك شيء مقدَّس، وليس هناك تديّن، لأن المادة لا تعرف كل ذلك.
وتقر الداروينية الاجتماعية بالتطور كقيمة وحيدة تحكم الحياة، وتقر بالصراع كوسيلة تحكم علاقات المخلوقات كلها، لذلك فالعالم ساحة قتال بين ذئاب، والقيمة الوحيدة التي تعترف بها الداروينية الاجتماعية هي القدرة على الصراع والبقاء، وهذا ما يلي الضوء على قيام حربين عالميتين في أقل من نصف قرن.
والآن على ضوء هذا التطور في الحضارة الغربية من العلمانية الجزئية التي كانت تفصل الدين عن الدولة إلى العلمانية الشاملة إلى الداروينية الاجتماعية التي أصبحت تنكر أي قيم دينية أو إنسانية في أي مجال من مجالات الحياة البشرية، وتعتبر أن المادة هي الأصل والحقيقة في كل شيء، وفي كل مجال، وعلى ضوء أنَّ تلبية عناصر الفطرة أصل في وجود الحضارات واستمرارها، وأنَّ غياب التلبية أصل في أزمتها وانفجارها، وكما لاحظنا، فإنَّ الحضارة الغربية تتجه إلى تغييب المقدس، وإلى إنكار فطرة التدين في حياة الإنسان، فهل نستطيع أن نقول إنها بداية أزمة وجود لا تقل عن أزمة الاتحاد السوفييتي؟ وهل ستؤدي إلى انفجار الحضارة الغربية؟ هذا ما نرجحه على ضوء مسيرة الحضارات من جهة، وعلى ضوء إقرارنا بحقيقة وجود الفطرة من جهة ثانية.
*( المصدر مجلة المجتمع )