بيــان من دار الإفتاء المصريـــة حول سبّ الصحابة رضوان الله عليهم

تلقت دار الإفتاء المصرية كثيرًا من الاستفسارات في الآونة الأخيرة يسأل فيها الناس عن بعض الكاتبين الذين يحملون أسماءً توحي بأنهم من المسلمين، حيث إن تلك الأسماء شائعة في وسط المسلمين، يكتبون في الصحافة السيارة مرة سبًّا في الصحابة الكرام عليهم رضوان الله، ومرة ينتقدونهم وينكرون فضلهم، ومرة يقومون بتحليلِ يغلب عليه الإلحاد وإنكار الوحي، ومرة يَدَّعُون عدمَ عدالة أولئك الكرام، ويشجعون على عدم الأخذ بسيرهم الصالحة، إلى آخر ما هنالك من دعوات بأقلام مسمومة يظهر فيها الغيظ الشديد من دين الإسلام ومن مصادره قرآنًا وسنة ومن رجال التاريخ الإسلامي، خاصة الرعيل الأول والسلف الصالح، فما حكم هؤلاء في الشريعة الإسلامية؟ وهل نكفرهم فيخرجون بهذه الفِعلة من الملة؟ أو نفسقهم؟ وما حكم شراء هذه الصُّحُف السيارة؟ وما حكم موالاة أولئك المعتدين على مقام الصحابة الكرام؟ ولمّا تكاثرت الأسئلة وتبين منها اهتمام الناس البليغُ بما يذكرونه عن هذه الطغمة كان لزامًا علينا البيانُ عن شرع الله تعالى ودينه في هذه النازلة، فنقول:
1 – نسبة الخطأ إلى الصحابة الكرام في اجتهادهم أثناء استنباطهم للأحكام الشرعية المرعية جائزٌ بشرط أن يكون بكل الأدب، ويستعمل العلماء في ذلك عبارة: "وذلك مَبلَغُ عِلمِ فلانٍ رضي الله تعالى عنه".
2 – أما انتقاد الصحابة الكرام بما يستوجب انتقاصهم أو تفسيقهم فهو فسق بَيِّن يُسقِط عدالةَ صاحبه، ولا تُقبَل معه شهادته عند القضاء، وهو قادح في عقيدته، منتقص لثوابه، ويُدخله بذلك في أهل الأهواء والبدع، وحينئذ يجب على ولي الأمر عقابُه وتعزيره حتى يثوب إلى رشده ولا يكون سببًا لفتنة الناس وإسماعهم ما يؤذيهم فيما يُجِلُّونه ويحترمونه من نَقَلة الدِّينِ الأوائل.
3 – أما من زاد على ذلك فكَفَّر الصحابةَ الكرام، فذهب العلامة تقي الدين السبكي في فتاويه إلى أنه يكفر، واستنبط ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم : "من قال لأخيه: (يا كافر) فقد باء بها أحدهما"، وأننا قد تأكدنا مِن صِدقهم وعُلُوّ كَعبِهم بنصوص شرعية، فمن كفرهم فهو كافر قال تعالى : (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ) [التوبة :100].
وقال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيما رواه عنه أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ: "لا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ"، وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيما رواه عنه عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ". والحديثان في الصحيحين.
4 – ودار الإفتاء المصرية تدعو المسلمين في العالم كله إلى مقاطعة أصحاب هذه الأقلام المسمومة وكتاباتهم، والصحف التي تُرَوِّج لهم، مع توضيح فضائل الصحابة الكرام لأبنائنا بصورة لافتة للنظر، وتعليم الناس أن من احتقرهم فهو آثم عند الله تعالى، مُحتَقَر من عموم المسلمين.
والحمد لله رب العالمين .


أ . د / عــلــي جمعــــــــة
مفتي جمهورية مصــر العربــــــية