منذ أن سربت توصيات لجنة بيكر هاملتون الاميركية الخاصة بدراسة الوضع في العراق، ساد الاعتقاد بأن واشنطن ولندن باتتا على وشك الانسحاب من العراق وتسليمه الى سوريا وإيران او على الاقل تقاسمه معهما.. ورفعت أعلام النصر في طهران ودمشق، والضاحية الجنوبية لبيروت.
وعلى الرغم من أن التوصيات لم تصدر بعد في شكلها الرسمي النهائي، وهي تضمنت ما هو أهم وأخطر من الاستعانة بسوريا وإيران، فإن النقاش اللبناني ما يزال يدور حول ذلك الانقلاب المرتقب في الموقف الاميركي من البلدين اللذين تلقي واشنطن عليهما جميع اسباب فشلها في إعادة بناء العراق وضمان امنه واستقراره.
لم يتوقف احد في لبنان على الاقل عند ما ورد في هذه التوصيات غير الرسمية حتى الآن، من اقتراح يكاد يكون نهائيا ويجري العمل به حاليا، وهو يقضي بتقسيم العراق الى ثلاث مناطق للحكم الذاتي الموسع مع تحويل بغداد الى عاصمة رمزية ومدينة مفتوحة لا تمثل أي سلطة وطنية مركزية قوية، بل تتمتع بطابع خاص مثلها مثل أي عاصمة لاي بلد يعتمد النظام الفيدرالي.
ولعل هذا الاقتراح هو الذي دفع المذابح المذهبية في العراق هذه الايام الى حدود قصوى لا يتخيلها عقل، كما سرع في عمليات التطهير الطائفي والقومي في بغداد ومختلف المناطق العراقية الى مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ العراقي الحديث.. بحيث بات يتكون الآن في ما بين النهرين بلد مختلف تماما عن كل ما عهده العالم العربي والاسلامي.
كما أن هذا الاقتراح هو الشرارة التي يمكن، بل يرجح ان تشعل الحرب الباردة التي تدور بين السنة والشيعة في كل مكان يتواجد فيه أتباع المذهبين معا، وينذر بأن يصبح الاختبار العراقي نموذجا يحتذى، وتتحول الفيدرالية إلى خيار وحيد أمام جميع الدول العربية والإسلامية التي تشهد اختلاطا مضطربا وتعايشا لم يعد يطاق من قبل السنة والشيعة على حد سواء..
ما زال السؤال الرئيسي الذي يطرح هو ما إذا كانت واشنطن ولندن قررتا بالفعل الانفتاح مجددا على دمشق وطهران، مع ان المعلومات المؤكدة تفيد أن القيادتين السورية والإيرانية تلقتا في الآونة الاخيرة ما يشبه دفتر شروط أميركيا بريطانيا، او على ورقة امتحان لحسن نواياهما.. فإذا ما نجحتا فيه يمكن ان تفتح لهما قاعات التحاور والتفاوض، ويمكن ان يجري تكليفهما بمهمات امنية وعسكرية وسياسية طبعا، لم تحسن القوات الاميركية والبريطانية تنفيذها. اما اذا لم تنجحا في الامتحان، فإن العواقب ستكون اسوأ من الحصار والعزلة التي تفرضها اميركا على البلدين معا.
الخفة في قراءة توصيات لجنة بيكر هاملتون، وصلت الى حد التكهن بأن الامور عائدة الى مرحلة ما قبل غزو العراق.. في سوريا وإيران، ولبنان طبعا