أنهزم الأمريكان في العراق ولا داعي للمكابرة، وحديث الفشل والهزيمة الأمريكية في العراق أصبح حديثاً متواترا، لا ينكره عدو أو صديق وهذا بالطبع يقتضي التفكير في مستقبل العراق بعد الانسحاب الأمريكي من هناك ،
علامات الهزيمة ومن ثم الانسحاب المتوقع أكثر من واضحة.
- فالرئيس جورج بوش بنفسه، قال إن كل الاحتمالات بالنسبة للعراق مفتوحة وذلك عقب هزيمة الجمهورية في انتخابات الكونجرس، وهو الذي كان يصر دائما على عدم الانسحاب من العراق، وأن وجود القوات الأمريكية هناك هي للدفاع عن الداخل الأمريكي ذاته ضد الإرهاب، أي محاربة الإرهاب في العراق بدلا من انتظاره في واشنطن ونيويورك، و كلام جورج بوش عن كل الاحتمالات المفتوحة، يعني ضمنا موافقته على الانسحاب من العراق، ومن ثم يصبح الأمر مرتبطا بكيفية هذا الانسحاب مع المحافظة على ماء وجه أمريكا في العالم وعدم تطور هذا الانسحاب إلى هزيمة أمريكية في الحرب على الإرهاب وكذا اختيار الزمان الملائم لهذا الانسحاب.

- الإطاحة بوزير الدفاع دونالد راسفيلد، وهو أمر لا يمكن حسبانه مجرد تغير وزير، فالرجل أحد أهم رموز المشروع الإمبراطوري الأمريكي وأحد أهم منظر ومهندسي المحافظين الجدد، والمسئول الأول عن الحرب في العراق، وهذا يعني اعتراف بالفشل الأمريكي في العراق وتمهيد للانسحاب منها.

- إصرار الديمقراطيين الذين فازوا في انتخابات الكونجرس بمجلسي النواب والشيوخ، على ضرورة الانسحاب من العراق، وبما أنهم أغلبية في مجلس النواب والشيوخ، فإن ميزانيات الحرب ستكون تحت سيطرتهم ومن ثم فإن الاستمرار في تلك الحرب سيكون شديد الصعوبة بالنسبة للرئيس بوش وإدارته، مع الأخذ في الاعتبار هنا أن الناخب الأمريكي قال بوضوح أنه لا يريد الاستمرار في تلك الحرب وأنه يرغب في انسحاب أبنائه من العراق.

- التقارير السابقة والحالية التي أصدرتها أجهزة استخبارات، ولجان برلمانية كلها تقر بالفشل هناك وعدم إمكانية النصر ومن ثم فإن الانسحاب هو النتيجة الحتمية لذلك.

وإذا كان الانسحاب الأمريكي من العراق بات شبه مؤكد، فإن من الضروري دراسة ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق ، يجب أن نرصد أن هناك رأيا أمريكيا وبريطانيا يدعوا إلى التفاهم مع سوريا وإيران بهذا الصدد وبديهي أن ذلك تكتنفه صعوبات شديدة، ولكنه احتمال موجود، وبديهي أنه لو تم ذلك سيكون لحساب شيعة العراق وعلى حساب السنة تحديدا قبل ذلك وبعده، فإن النفوذ والتواجد الإيراني في العراق واضح وملموس وهم يمدون العلاقات والدعم لكل أطياف الشيعة والأكراد، ليس فقط المرتبطين بالاحتلال الأمريكي مثل الحكيم والمالكي والطالباني بل وكذلك للواقفين على بعد خطوات من ذلك الاحتلال دون معاداته طبعا أو مقاومته مثل مقتضى الصدر وغيره، وهكذا فإن كل الأوراق من الممكن أن تسقط بفم الإيرانيين، ونحن هنا أمام مشروعين مختلفين ولكنهما متداخلان، المشروع الإيراني الذي يدعوا إلى دولة إيرانية فارسية قوية وقد تجلي ذلك في البحث عن المصلحة الإيرانية يصرف النظر عن كل شيء حتى المذهب الشيعي ذاته وقد تجلي ذلك في التعاون الإيراني الأمريكي في أفغانستان، والمشروع الشبعي الذي يدعو إليه شيعة العراق، ويحظي بدعم المرجعيات الدينية الإيرانية وكذا المرشد الأعلى للثورة الإيرانية والرئيس الإيراني أحمد نجاد أيضا، أي أن المشروع الشيعي يحظي حاليا بدعم المؤسسة الحاكمة في العراق، والمراجع الدينية أيضا،وكان الاصلاحيون في إيران هم الذين يدعمون المشروع الإيراني أساساًَ، وبخروجهم من السلطة، يكون الإيرانيون قد انحازوا تماما إلى المشروع الشيعي الذي يدعو إلى دولة شيعية عظمي، تضم كل شيعة المنطقة، وبديهي أن كلا من المشروعين الشيعي والإيراني متداخلان وبديهي أن أي منهما ليس له فرصة للنجاح بدون التفاهم مع الأمريكان وهذا أخطر ما في الموضوع، المشروع الشيعي يعمل بهمه ونشاط وهناك شخصيات وأحزاب شيعية عراقية تبيع البترول لحساب نفسها (الحكيم مثلا) عن طريق التلاعب في عدادات النفط أو إلغائها من الأساس، وتصدير هذا البترول إلى إيران ومن ثم إلى الخارج لحساب هؤلاء ، وهذه الأموال بالإضافة إلى غيرها تتفق لنشر المذهب الشيعي في كل مكان، وهناك نشاط ملحوظ في هذا الصدد في مصر مثلا، وخطورة هذا المشروع ليس في إمكانية نشر المذهب الشيعي، فهذا أمر صعب، لأنه مذهب يفتقر إلى العقلانية "دعوة المهدي الغائب في الجب مثلا" ويفتقر أيضا إلى البريق الثوري بعد افتضاح أمر الشيعية بتعاونهم مع الأمريكان وكذا تاريخهم السيئ في معاداة الدولة العثمانية وغيرها، وكذا فإن المذهب السني شديد التماسك وهو لا يرفض حب آل البيت، بل يرفض المغالاة في ذلك فقط، وبه من الاتساع والمرونة ما لا يسمح بالحديث عن إمكانية نشر المذهب الشيعي، بل تمزيق الأمة بالتعاون مع الغرب وهو سلوك شيعي تقليدي مارسته الدولة الصفوية، هذا المشروع بالطبع به تناقض شديد، حيث سيكون أيضا على حساب حزب الله في لبنان وحماس والجهاد في فلسطين، والمهم هنا هو أن هذا المشروع مثلا يدعو للتعاون مع أمريكا في العراق ومعاداتها في لبنان.
أيا كانت فرص هذا المشروع من النجاح فإنه فتنة كبري للأسف في غياب دعم سني للمقاومة العراقية والمقاومة الفلسطينية ، والسؤال الآن هل تترك الدول السنية الكبيرة، والقيادات والزعامات والأحزاب السنية الأمور تسير على عكس مصلحة الأمة أولاً، ومصلحة السنة ثانياً، ومصالح هؤلاء الشخصية ثالثاً، لأنه من البديهي أن لا مستقبل لهؤلاء في حالة نجاح المشروع الشيعي، هل تتحرك الدول السنية أم تقف متفرجة، هل يتحرك كل من يحس بالخطر والغيرة على الأمة الإسلامية عموما، وعلى السنة خصوصا وعلى أنفسهم بشكل أخص من ملوك ورؤساء وزعماء!!.