وماذا عن أيتام رامسفيلد ؟

هزيمة الجمهوريين في الانتخابات النصفية، وطرد دونالد رامسفيلد وزير الدفاع المتغطرس، وعدم التجديد المتوقع لجون بولتون مندوب امريكا في الامم المتحدة، يعود الفضل فيها جميعا الي المقاومة العراقية التي أذلت الادارة الحالية، والمحافظين الجدد الذين هيمنوا علي دائرة صنع القرار فيها، ووظفوها لمصلحة الدولة العبرية وطموحاتها التوسعية في المنطقة العربية.

فرق كبير بين منظر الرئيس الامريكي جورج بوش وهو يعلن انجاز الانتصار في العراق بعد ثلاثة اسابيع من الغزو ووقف العمليات العسكرية، وينظر بفخر واعتزاز الي مهندس هذا النصر دونالد رامسفيلد، ومنظره وهو يعلن عزل الاخير من منصبه معترفا بالهزيمة في العراق، ومعربا عن استعداده للقبول بأي افكار جديدة لإخراج بلاده من ورطتها الحالية.

علامات الهزيمة كانت مرتسمة علي وجه الرئيس بوش ووزير دفاعه، وكنا نتمني رؤية وجوه ايتام رامسفيلد في العراق من امثال الدكتور احمد الجلبي، وكل الذين انخرطوا في مشروع الاحتلال الامريكي لبلادهم.

التعجيل بالنطق بالحكم باعدام الرئيس العراقي صدام حسين قبل يومين من الانتخابات النصفية الامريكية لم يمنع خسارة الجمهوريين لمجلسي النواب والشيوخ، وانهاء هيمنتهم علي القرار في القوة الاعظم في التاريخ، فأساليب الكذب والتضليل التي مارسها المحافظون الجدد علي مدي اثني عشر عاما لم تعد تعطي مفعولها، لان المقاومة العراقية قلبت السحر علي الساحر، وجعلت الوقائع علي الارض هي التي تتحدث وبصوت عال ومؤثر.

رامسفيلد كان مجرد كبش فداء لإدارة مهزومة، وتحميله وحده مسؤولية هذه الهزيمة ينطوي علي سذاجة غير معهودة، بل وظلم كبير، وتهرب من المساءلة، فقد كان عضوا في فريق متكامل، يتبعه جيش من المستشارين، وينفذ سياسة وضعها رئيس يجمع الكثيرون علي غبائه وقصر نظره.

رامسفيلد ارتكب اخطاء جسيمة، وكان مغرورا متعجرفا، ولكن رئيسه وديك تشيني نائب الرئيس كانا كذلك، ومعهما كل انصار اسرائيل في الادارة، ابتداء من ريتشارد بيرل وانتهاء بدوغلاس فيث وبول وولفوفيتز، وهؤلاء كانوا جميعا يمثلون مدرسة يمينية فاشية تتحكم بأكبر ترسانة سلاح في العالم بأسره.

الادارة كلها بحاجة الي تغيير، او بالأحري الي اسقاط، بعد ان قال الشعب الامريكي كلمته فيها عبر صناديق الاقتراع، وأي محاولة لادخال بعض التغيير علي سياستها في العراق ستكون بمثابة ترقيع لثوب بال متهالك، اتسعت رقعته علي الراقع. فليس امام هذه الادارة، والايديولوجية العنصرية التي تقف خلفها غير الاعتراف بالهزيمة وترك المسرح لإدارة جديدة تضع سياسة خارجية جديدة تتعامل مع قضايا العالم بنظرة عادلة، ومن منظور مصالح الولايات المتحدة، واستقرار كوكبنا، وليس من منظور اسرائيل والجماعات اليهودية المؤيدة لها في الولايات المتحدة.

الشعب الامريكي كان شجاعا عندما تصرف بشكل مسؤول في اللحظة الحاسمة، واسقط المحافظين الجدد بطريقة مهينة، واثبت انه اكثر التزاماً بالديمقراطية وقيمها من شعوب كثيرة، وخاصة الشعب البريطاني ومشرعيه، فتوني بلير فاز في الانتخابات وباغلبية معقولة، رغم معارضة غالبية البريطانيين لحربه غير القانونية وغير الاخلاقية في العراق، وعلاقات التبعية التي اقامها مع المحافظين الجدد وهو اليساري الاشتراكي. والاخطر من ذلك ان مجلس النواب البريطاني الذي يعتبر الأعرق في ديمقراطيته صوّت ضد مشروع قرار بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في حرب العراق والتورط البريطاني فيها تحت ذريعة وجود قوات بريطانية وعدم الرغبة في التأثير بشكل سلبي علي معنوياتها.

اسقاط المحافظين الجدد انجاز كبير، ولكنه سيظل ناقصا طالما بقي هؤلاء، والرئيس بوش الذي استغلوا سذاجته، احرارا طلقاء، لا يعاقبون علي جرائم الحرب التي ارتكبوها في العراق. والشيء نفسه يقال ايضا عن توني بلير وكل اعضاء حكومته، وعشرات الشخصيات العراقية، داخل العراق وخارجه، التي انخرطت في مشروع الاحتلال ووفرت له الشرعية والغطاء لكل جرائمه بما فيها استشهاد 665 الف عراقي.

ان اهم ما تمخضت عنه هذه الانتخابات النصفية الامريكية هو ان تفويض الشعب الامريكي للآراء المعارضة للمحافظين الجدد وحروبهم في العراق والشرق الاوسط، ازال الارهاب الفكري الذي ظلت الادارتان الامريكية والبريطانية، ونسبة كبيرة من المسؤولين العراقيين، يمارسونه ضد كل من عارض هذه الحروب، وشكك في جدواها، وطالب بسحب القوات الامريكية فورا ودفع تعويضات للشعب العراقي علي ما لحق به من قتل ودمار وتفتيت لوحدته الوطنية والترابية، فقبل هذه الضربة المزلزلة للمحافظين الجدد، كان اي معارض للحرب يواجه باتهامات تأييد الارهاب والوقوف في خندق الديكتاتورية وانتهاك حقوق الانسان.

الشعب الامريكي نجح فيما عجزت عنه ادارته، اي كسب عقول وقلوب الكثير من العرب وابناء العالم الثالث، لانه اعاد الاعتبار الي الديمقراطية الحقيقية وارادة التغيير السلمي التي تكمن فيها، وهي المهمة التي انفقت الادارة الحالية عشرات المليارات لتحقيقها دون جدوي، بل جاءت النتائج عكسية تماما.

المحافظون الجدد بنوا سياستهم في الشرق الاوسط علي نشر الديمقراطية، وازالة محور الشر السوري ـ الايراني، وها هم، وفي ظل تخبطهم، او بالاحري ترنحهم تحت وقع الهزيمة، يعودون الي مقولة الاستقرار حتي لو دفع بهم ذلك الي التعاون مع حكومات هذا المحور للخروج من المستنقع العراقي الدموي.
مثل طفل صغير ضال، يعود بوش الابن الي بوش الاب طالبا الاستعانة بحكمته وخبرته، ومجموعة من رجاله من امثال جيمس بيكر وزير الخارجية الاسبق، وروبرت غيتس الذي عينه وزيرا للدفاع مكان رامسفيلد، ولكنه نسي قاعدة عسكرية ترسخت علي مر العصور، مفادها ان القائد الناجح لا يغير جياده اثناء المعركة لانه سيهزم لا محالة.

هزيمة بوش وادارته باتت امراً واقعا، والكتابة واضحة علي الحائط، وما تبقي له في العامين المتبقيين من إدارته، ومن علي كرسيه المتحرك كبطة عرجاء، او كسيحة بالأحري، غير تقليص الخسائر.

مخرج بوش الحقيقي من العراق مثلما بات يعتقد الكثير من العراقيين، ربما يكون في يد شخص واحد اسمه صدام حسين، فهو الوحيد الذي يستطيع ان يلقي اليه بعجلة الإنقاذ، نعلم جيدا انه خيار جنوني، ومن سابع المستحيلات، ولكن لا مستحيل في السياسة، ألم تلغ الادارة الامريكية هيئة اجتثاث البعث؟ الم تعد آلاف البعثيين الي وظائفهم؟ الم تفتح قنوات مفاوضات معهم، ومع من تسميهم بـ الارهابيين في العراق؟

فطالما ان الادارة الحالية تقدم الاستقرار علي الديمقراطية الأمر الذي يعني العودة الي الديكتاتوريات، فإن الديكتاتورية العراقية لم تكن طائفية، وحافظت علي وحدة البلاد ومنعت الحرب الاهلية، ووفرت الامن للشعب، بينما فعلت الديمقراطية الرامسفيلدية وحلفاؤها عكس ذلك تماما، علاوة علي قتل مئات الالاف من العراقيين وتشريد الملايين منهم في الداخل والخارج بسبب حملات التطهير العرقي، واصبح العراق في عهدها اكثر بلدان العالم فسادا .






أ