كان في استقبال الملك عبدالله العاهل السعودي وولي عهده لوفد هيئة علماء المسلمين في العراق برئاسة الشيخ حارث الضاري، وتنويه الملك بالشيخ حارث وتميزه في قيادة الشعب العراقي نحو الوحدة والتحرير رسالة مهمة جداً لا يمكن إغفالها وتطور كبير في سياق تعامل النظام الرسمي في الخليج مع القضية عبر القيادات الشرعية للشعب العراقي المتمثلة بالمقاومة السياسية الصلبة والحقيقية القريبة جداً بل والمشاركة في صناعة المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية التي تستهدف الاحتلال وعملائه وتحفظ دماء أبناء الشعب العراقي ووحدته.
هذه القيادة الشرعية لطالما حاربها الاحتلال الأميركي الإيراني المزدوج ولطالما اغتالوا شخصيات عديدة من رجالاتها وحاربوها إعلامياً وسياسياً لأنها كانت تشكل لهم أزمة كبرى في واجهتها الحرة العربية الإسلامية الوحدوية والعراقية الأصيلة والتي كانت قمة في تعاطيها مع الشأن الطائفي الذي سعرته إيران والقوى التابعة لها بتنسيق مع الاحتلال فوجد العراقيون في هيئة علماء المسلمين بقائدها وعلمائها ومناضليها صدراً حانياً وذراعاً موحداً راشداً أدرك خطورة مشروع الفتنة الطائفية، واستباحة الدماء التي تبادلت بها القوى الصفوية، وفصيل التوحيد والجهاد بقيادة الراحل الزرقاوي، وكانت الأرض العراقية مشهداً لمذبح لا نظير له في التاريخ العربي المعاصر.
أمام كل هذه الضغوط والمسئوليات الهائلة التي تتزلزل لها الجبال الراسيات ثبتت القيادة الشرعية للشعب العراقي وفي طليعتها هيئة علماء المسلمين جنباً إلى جنب مع قوى المقاومة القومية العربية والإسلامية سياسياً وعسكرياً ثبتت في كلا الاتجاهين.
الأول: الإصرار على رفض إعطاء أي مساحة أو مسوغ للمشروع الأمريكي الإيراني في العراق، والناتج عن العملية السياسية التي ولدها الاحتلال مع تدشين عملية سياسية مستقلة كانت في تشكيل المؤتمر التأسيسي للعراق والذي يرأسه الشيخ جواد الخالصي بالتعاون مع الحركة القومية العربية، وبدعم ومباركة من المقاومة الوطنية العراقية. والاتجاه الآخر الذي ثبتت فيه هيئة علماء المسلمين بتضحية تاريخية عظيمة، كان عدم الانجرار وراء إشعال الحرب الطائفية بعد أن وظف الإيرانيون شخصيات عراقية كبيرة لتنفيذ ورعاية مشروع الحرب الإستئصالية للعرب السنة في العراق وهذه من أهم الأسباب في نظري التي دعت السيد السيستاني ومقتدى الصدر لمقاطعة وثيقة مكة حيث أن فرق الموت والمليشيات التابعة للداخلية إنما تستسقي مشروعية أعمالها عبر غطائها وغطاء المجلس الأعلى الذي يرأسه الحكيم وغطائه الأكبر السيد علي السيستاني وكذلك مقتدى الصدر فلم يُذبح عشرات الآلاف من أبناء العراق قصداً بالسكين والسيف والساطور والحرق لبيوت ولأحياء السنة وأحياء أشقائهم الفلسطينيين الذين استضافتهم بغداد قبل الاحتلال إلا من خلال تلك الرعاية المعنوية لتلك المرجعيات الصفوية .
هذه الحرب الجنونية قابلتها هيئة علماء المسلمين بمشهد تاريخي عظيم تمثل في رفضها القاطع والمثالي ومتابعاتها الميدانية لكل ما يمس بأبناء الطائفة الشيعية في العراق من مدنيين أبرياء بل وببرامج وتنسيق فاعل وحيوي بقدر استطاعتها حيث سقط عدد كبير من الشهداء وهم يؤدون هذه المهمة الإسلامية الوطنية الكبيرة بسلاح الاحتلال وأعوانه من القوى الإيرانية وأحياناً عبر مجموعات مخترقة تأكدت مصادر المقاومة العراقية أنها تتبع تنظيم القاعدة.
هذه الصور البطولية الصامدة الرائعة أثبتت الأيام بأنها هي اليد الكبيرة الحانية على العراق ووحدته وبالتالي حماية المجتمع العربي الإسلامي والخليج من تداعيات المشروع الأمريكي أو الإيراني للعراق وقد أدرك الملك عبدالله بالبصيرة اليقينية التي كشفتها الأحداث كيف تنظر وتترجم القيادات الإيرانية في العراق موقفها عبر مجازر عبد العزيز الحكيم أو عبر تصريحاته وتصريحات عمار الحكيم الذي دعا الأمريكيين في تصريحه المشهور إلى استكمال التنسيق نحو باقي الخليج لإكمال مشروعهم التدميري للأمة ونسيجها قبل أن يدرك الحكيم بأن المقاومة قد أحبطت مشروعهم في العراق .
ولذا فإن الإعلان العملي الذي تمثل باستقبال أقرب شخصية للمقاومة العراقية من قبل الملك عبد الله، أي القيادة العليا للدولة مع نشر إشادته بالزعيم حارث الضاري هو إدراك للحقيقة التي أبصرها الجميع بأن المقاومة العراقية الوطنية بشقيها الإسلامي والقومي هي الحل لا للعراق وحسب بل للخليج إن نشد السلامة من مجازر الصفويين والأمريكيين والجحيم الذي يسعون لرمي الخليج فيه.
إن الإدراك بأن الولايات المتحدة تخسر الحرب وتنهار كلياً في العراق يجعل النظام الرسمي في الخليج أمام مسئولية تاريخية كبرى تتجاوز تقاطع المهام لتهدئة الأمور لمصلحة واشنطن إلى العمل على حماية مصالحها الذاتية الوطنية التي لن يلتفت الأمريكيون لها ولمصالحها يوم الفزع الأكبر في بغداد والذي نبصره عن قرب .
وهذا يعني ضرورة تتابع الخطوات وفسح المجال الشعبي والإعلامي والسياسي لدعم المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية في مواجهة مشروع طهران وحالات التسرب التي تعبر للعراق وتضرب بكل عنف دون تقدير لمصلحة المعركة أو شرعية الوسيلة من خلال جماعات العنف العشوائي الساذجة التي تصنع للإيرانيين والأمريكيين ما فشلوا في تنفيذه عبر أدواتهم الذاتية فمن يبصر الحقيقة عليه أن يواصل الطريق لو أراد النجاة .

منقول عن الكاتب مهنا الجبيل