قبل أسابيع حينما كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق لعقد مؤتمر للمصالحة الوطنية في أربيل شمال العراق، وكانت الأوساط السياسية الإقليمية العربية والمحلية العراقية تعلق آمالاً كبيرة على ذلك المؤتمر الذي كان مقرراً له أن يلتئم في شهر آب (أغسطس) الماضي، إلا أن مسعود البرزاني رئيس إقليم كردستان العراق فاجأ العراقيين وقرر إنزال العلم العراقي الوطني والاقتصار على رفع العلم الكردستاني، وهو ما أغضب القوى الوطنية العراقية التي أعلنت أنها لن تذهب إلى أرض عراقية لا ترفع العلم الوطني. وهكذا ألغي مؤتمر المصالحة الوطنية بسبب توقيت إنزال العلم الوطني.
الآن تتكرر نفس الواقعة ولكن بصورة أقل حدة، فمع اكتمال الاستعدادات لعقد مؤتمر علماء المسلمين السنة والشيعة في مكة المكرمة لتحريم إراقة دماء المسلمين العراقيين بأيدي العراقيين، يأتي الموعد الخطأ لإقرار قانون تشكيل الأقاليم في العراق، الذي يهدد ليس فقط بتقسيم العراق الذي بدأت بوادره تتجسد على أرض الواقع، بل أيضاً بإشعال حرب طائفية مدمرة تشمل العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.
التخوف في قانون الأقاليم الذي أقره البرلمان العراقي للجنة حزب عبد العزيز الحكيم لم يكن مقصوراً على أهل السنة الذين قاطعوا جلسة التصويت، بل شاركهم في هذه المخاوف الحقيقية أحزاب شيعية لها ثقلها في مناطق الشيعة كالتيار الصدري وحزب الفضيلة الذي يسيطر على محافظة البصرة.
والعراقيون يتخوفون من أن يؤدي تنفيذ مشروع الأقاليم إلى تحويل الساحة العراقية إلى ميدان للتصفية العرقية، فالأقاليم الجنوبية التي يسعى فيها حزب عبد العزيز الحكيم إلى تكوين ما يهدف إليه من فدرالية للجنوب يديرها حزب الحكيم على غرار إدارة البرزاني والطالباني، وهو ما يستدعي إخراج كل أهل السنة خاصة في محافظات البصرة والناصرية والسماوة والديوانية والعمارة، وهم ليسوا بالقلة القليلة، بل هناك أقضية ومدن كبيرة يشكل فيها أهل السنة أغلبية كثيفة. فهل ستتكرر مأساة مسلمي البوسنة والهرسك في الزبير وأبو الخصيب والرفاعي والسماوة والديوانية، مما يدفع أهل السنة في مدن بغداد وبعض أجزاء الكوت والحلة وكركوك وديالى وصلاح الدين والموصل والرمادي والتي تفكر بتشكيل إقليم خاص بالسنة إلى القيام بنفس العمل ويقوموا بطرد الشيعة من هذه المحافظات مما يشعل حرب التطهير الطائفية في العراق والتي لابد وأن تطول شظاياها الدول المجاورة. ولهذا فليس من مصلحة الدول العربية المجاورة وجميعها سنية ولا من مصلحة إيران ذات الأغلبية الشيعية وقبل كل ذلك ليس من مصلحة العراق اندلاع هذه الحرب المدمرة التي يحاول مؤتمر مكة المكرمة الذي تحاول منظمة المؤتمر الإسلامي انجاحه، فتقوم بعض الأطراف العراقية بفرض إقرار قانون الأقاليم قبل عقد المؤتمر لإفشال محاولات وأد الفتنة مثلما
حصل لمؤتمر المصالحة الوطنية وكأنه تقاسم للأدوار بين الساعين لتقسيم العراق عبر مشاريع الفدرالية.
جاسر الجاسر