:جديد المواضيع
النتائج 1 إلى 1 من 1

شيء شخصي .........

  1. #1
    عضو فعال

    User Info Menu

    شيء شخصي .........

    مقالة رائعة للدكتور
    هامّة جداً
    لاتفوت منها حرفاً


    شيء شخصي

    د. عبد الكريم بكار

    ليس هناك من شك في أننا نعيش في ظل حضارة تمارس أكبر عملية تنميط للأذواق والرغبات والأفكار والرؤى والمفاهيم على نحو مستبدٍ وطاغ، من أجل تعبيد الطريق أمام الإنتاج العظيم والتسويق الكبير، ومن أجل إزاحة كل الخصوصيات والتنوعات الدينية والعرقية التي تعوق حركة العولمة.
    في ظل الحضارة الحديثة يتم نشر الشروط الموضوعية المطلوبة للحياة الطيبة؛ ومعظم تلك الشروط – إن لم نقل جميعها- لا يتحقق من غير المال. وبما أن المعروض منه دائمًا دون ما هو مطلوب، فقد اشتعلت منافسة ضارية من أجل الحصول عليه. والمنافسة الحامية تتصل على نحوٍ ما بشكلٍ من أشكال انحطاط المدنية. وبما أن الحضارة المعاصرة رسّخت في وعي الناس أن المال هو كل شيء، فقد صارت كل طرق تحقيق الذات تمرّ عبر امتلاك أكبر قدر ممكن منه، ومن شدة تعمق هذا الفهم صار كثير من الناس مستعدين لعمل أي شيء من أجل المزيد من الاستحواز عليه، إلى درجة أن صار الهامش الفاصل بين النجاح على الصعيد المالي وبين اللصوصية ضيقًا لا يكاد يرى!
    الحضارة الحديثة تؤكد أيضًا على الحقائق بوصفها الأساسي الذي يقوم عليه كل تطوير وكل مراجعة، وتهمل مسألة (القيم) وما يمكن أن يكون لها من دور إرشادي في استخدام الحقائق وتوجيه السلوك.
    وهي مرة ثالثة تؤكد على العلم بوصفه حقائق تم اختبارها، وأثبتت صلاحيتها في بناء التقدم، في الوقت الذي أهملت فيه دور (الحكمة) بوصفها شيئًا خاصًا وخيارًا شخصيًا؛ ولهذا فقد صار لدينا اليوم عدد كبير من العلماء، وعدد قليل من الحكماء!
    وأخيرًا فإن الحضارة الحديثة تروّج لثقافة الصورة وثقافة الشكل، وأخذ يستقر في أذهان الناس شيئًا فشيئًا أن الرجل السعيد هو دائمًا شاب، والمرأة السعيدة هي دائمًا جميلة، ويتم غض الطرف عن كل موروث البشرية الذي يؤكد على دور الفضيلة والإيثار والتقوى والقناعة والثبات على المبدأ في الحياة الهانئة واللياقة الاجتماعية!
    من الواضح في ضوء كل هذا أن على الذين يرغبون في إعادة الأمور إلى نصابها أن يعيدوا اكتشاف هذا المهمل والمهمّش والسكوت عنه، أي القيم والحكمة والجوهر وتوجيه الإدراك نحو تلمس موارد غير مادية للأمن والسعادة والطمأنينة والنهوض.
    وأود هنا أن أركز على نقطة هي أن في إمكاننا من خلال رؤية مغايرة لبعض الأشياء وتفسير بعض الأحداث على نحو يستجيب للرؤية الإسلامية للحياة –أن نخفف من الطلب على المال والشهرة والنفوذ؛ بوصفها أدوات لتحقيق الوجود المعنوي، والمادي وأن نخفف من وطأة منغصات الحياة أيضًا.
    وليس في هذا أي قفز على الشروط الموضوعية للحياة السوّية ولا أي تجاوز للحقائق الثابتة، بل إنه على العكس من ذلك يشكل التصاقاً بالحقائق الأشد عمقًا والأقوى رسوخًا.
    إن العالم ليس إلا ما نراه، وإن جوهر الأحداث يكمن في تفسيرنا لها وفي تحديدنا لعلاقتها بنا، وإن للحقيقة الواحدة عشرين ظلاً، ورسم تلك الظلال من شأننا نحن بني آدم، وكما يتم تلوين السائل بلون الإناء الذي نضعه فيه كذلك يمكن أن تتفاعل مع الأشياء وفق الظلال التي نرسمها لها والأصداء التي نضعها.
    يساعد في هذا أن عالمنا الداخلي لا يتأثر بالشروط الموضوعية الخارجية، ولا بالحقائق الملموسة فحسب، فالأوهام والأحلام والذكريات والمخاوف والأمنيات والخيالات تؤثر في ذلك العالم على نحو قد يكون أشد وأعمق من تأثير الحقائق الصلبة. وحين يقول إنسان: إنه سعيد، فينبغي أن نصدقه، ويجب عليه هو ألا يتساءل عن أسباب سعادته، وليست الدعوة إلى توجيه الإدراك شيئًا جديدًا نبتدعه، فهناك نصوص وآثار وأقوال تؤكد على نجاعة هذا الأمر ومشروعيته، وهناك ممارسة يومية له من كثير من الناس لنتأمل في قوله –سبحانه-: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" [البقرة:216]. وقوله: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً" [النساء: من الآية19]. إنها دعوة إلى عدم الحكم على الأمور بناء على عواطفنا على ما يلوح لنا من ظواهرها أو بداياتها؛ لأن ذلك ينطوي على العجلة والسطحية، فمعرفة مآلات الأشياء تحتاج إلى علم مطلق، وهو غير متاح لنا، ولهذا فإن على المسلم ألا يغالي في حب الأشياء وكرهها؛ لأنه لا يعرف كيف ستكون عليه الحال في النهاية. وكان أبو بكر –رضي الله عنه- يقول: "لا تغبطوا الأحياء إلا على ما تغبطون عليه الأموات" فما دمنا نحن -وما نملك- شيئًا عابرًا في هذه الدنيا فإن ما يستحق الغبطة فعلاً هو ما يذهب معنا وليس ما يبقى هنا، وهو شيء وحيد لا أشياء، إنه باختصار العمل الصالح.
    إن المرء من خلال توجيه إدراكه يستطيع أن يستخرج من عمق الأزمة والمصيبة شيئًا يستدعي الحمد والشعور بالرضا، كما كان يفعل عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- حيث عبّر عن ذلك بقوله: "ما أصبت بمصيبة إلا تذكرت فيها ثلاثة أمور: أنها لم تكن في ديني، ولم تكن أكبر مما هي عليه، وذكرت مثوبة الله فيها".
    إن الموت الذي يشكل هاجسًا مقلقًا يمكن أن ينظر إليه نظرة، وينظر إلى العيش في هذه الحياة على أنه عائق يحول بيننا وبين الحياة الحقيقية المنتظرة، وقد قال أحد فقهاء النفس والشرع: "إن المسلم إذا أدى ما افترضه الله –تعالى- عليه، وانتهى عما نهاه عنه لم يكن بينه وبين أن يدخل الجنة إلا أن يموت" بهذه اللفتة والرؤية المختلفة تصبح الحياة شيئًا معوِّقًا، ويصبح الموت جسرًا إلى مأمول عظيم!
    وكتب رجل في الثمانين إلى رجل في الستين مهنئًا له ببلوغ تلك السن، كتب يقول: "قد بدأت تعيش بعد ستين سنة من التأهب، وأنت الآن من الحكمة بحيث يمكنك أن توجه نفسك، وتساعد الآخرين، ولهذا فأنت مقدّر لك أن تكتشف كما اكتشفت أنا من قبلك أن أفضل شطر في الحياة هو بين الستين والثمانين. لا تتصور أبدًا أنك تقترب من النهاية، بل من بداية جديدة، وإن مثل هذا الموقف سيغير كليًا استشرافك للمستقبل؛ وإن هذه الحياة وإن كانت تحتاج إلى أن نتحملها في بعض الأحيان إلا أنها تقدم أساسًا وإلى الأبد الوعد بحياة أسمى وأجمل".
    إنه لشيء مدهش أن نمتلك من نفاذ البصيرة ما يجعلنا نبصر خطّ النهاية ونحن عند خط البداية، فنوفر على أنفسنا الكثير من الجهد والعناء، والكثير من صدمات الوعي وظلمات الطرق المسدودة!
    المنغصات والمتاعب ومضيّ الأمور على غير ما نشتهي لها دائمًا وجه آخر يتجلى في كونها جزءًا من توازن الحياة، وبفضلها تتألّف المسرّات والملذات؛ إذ إن من الواضح أن لا سبيل إلى الشعور بكمال الهناء إن لم يسبقه شعور بشيء من العوز والشقاء؛ فألذ الطعام ما كان بعد جوع، وأهنأ الشراب ما كان بعد عطش...
    وحين يأتي ما يقطع بهجة من مباهج النفس، فإن تلك البهجة تتحول إلى ذكرى، وبذلك التحول تصبح مصدرًا لاستمتاع نقي نستدعيه متى ما شئنا!
    السأم الذي يشكل ألد أعداء الحياة الهانئة، لـه هو الآخر وجهه المشرق، حيث إنه يشكل أفضل عازل لنفوسنا عن التفاعل مع الأشياء السيئة التي تضر بصحتنا النفسية والعقلية. والكسل الذي لا يلقى أي مديح من أي أحد كثيرًا ما يمهد لانطلاقة روحية وحركية عظيمة، كما أنه يعيد للحياة توازنها من خلال صرفنا عن النشاط المسرف والجدية المبالغ فيها.
    المال الذي في أيدينا هو وسيلة تحرير لنا من ذل الحاجة، ووسيلة تحرير من عالم الضرورات، لكن مواصلة الرحلة لاكتساب المزيد منه دون أي حدود قد تحوله إلى شيء يستعبدنا وينهكنا.
    هكذا بالتفكير اللانمطي بالبراعة الشخصية في النظر إلى الأشياء من منطلق شخصي وخارج قواعد ما تشيعه العولمة للحياة المرفهة يمكن لنا أن نستلهم الحقائق الكبرى في الوجود؛ ليبدأ فصل جديد في الحياة هو أكثر غنى وإمتاعًا وأمنًا من كل ما عهدناه وخبرناه.


    0 Not allowed!
    التعديل الأخير تم بواسطة أبومنة ; 2014-12-10 الساعة 08:49 PM سبب آخر: يحوى روابط منتهية

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •