في هذا الإطار تصبح الستائر قوة للمعرفة، ومرآة للمرأة ولكنها مرآة لا تفتح صفحتها إلا لها. فمن خلالها تتحسس المرأة ضوء روحها وشخصيتها وظلمتها. المطر والصواعق ،الرياح والعواصف ،الثلج وأعين الناس.، الغبار ورمال الصحراء.، الحرارة وهواء المكيفات، كلها تبني علاقتها بالستائر من خلال أنها مفردات تعويض عن هناءة الطبيعة الغائبة عن البيت. لذا تكون الستائر بوجهين: وجهها الخارجي مختلف النقشة والتصميم وهو معلن للأعين الخارجية وتحمل رفضا للدخول من النوافذ فالطل على عالم الشارع والناس والفضاء الخارجي من داخل البيت هو أشبة بالبحث عن الضياء الكوني ودعوة مبهمة بمنع الدخول المشاع إلى البيت، ولغته وجه الستائر الخارجي تدل على غموض بهوية السكان وبمكانتهم وطراز حياتهم وتمنح في الوقت نفسه رؤية تأويلية لتسلل لصوص الأعين إلى الداخل. أما وجهه الستائر الداخلي فهو جزء من عالم أنثى البيت ويكون بنقشة مختلفة وبطبيعة تطريز مختلفة أيضا، ولا يجوز أن تتشابه تصميمات الستائر من الداخل والخارج فهذا يعني أن لا فاصل بين داخل البيت وخارجه. لكل ظاهرة وجه وقفى. فالستائر أنثى بشخصيتها وجمالها الروحي وأنثى ممتنعة بوجهها للعالم الخارجي،وبأنوثتها وبوجودها المعشش في ثنايا البيت تمنح الستائر قيمة جمالية دالة على الرصانة والانفتاح معا.. فتشبهها بالمرأة وتشبه المرأة بها هو من قبيل أنها معا يكونان البيت.. تأخذ الستائر من ثياب الأنثى طياتها وشكلها وموقدها ونارها وحميايتها، ولغتها الأنثوية وحنانها على الموجود وسياقها الذي يتوالد بالممارسة اليومية للأيدي ، ومن طول قامتها واستقامتها حضورها في البيت وغض الأعين عما يحدث والحفاظ على المكنون، ومن ألوانها طبيعة روحها المتطلعة لأن تُعشق من الناظرين. ومن طبيعة خياطتها طرقات الدخول إلى قلوب الناس. فالستائر حكايات النساء المترقبات المديح، ولون العواطف المتطلعة للبوح من أستار مختفية وراء اللسان. ما أن ترى ستائر جميلة حتى تعرف أن ما وراءها امرأة تعشق دون بوح علني، بل أن ما تطرحه للعالم كي يراها وهي في أبهى حلة من ضياء المكان هو جزء من بينتها كأنثى بأسرار ورحم. تستعير الستائر كل لغات المكان. طبيعة المساحة ورحابتها، نظافة المكان وهواؤه، طراز الأرائك الجميلة، تناسق ألوانها مع البيت، بساطة وعمق المفروشات الصغيرة، ودقة زوايا ومسطحات ديكور المنزل. وعبثا لا نرى في الستائر كل ماضي الأسرة وحكاياتها الليلية ومناقع الهمس، وبساتين الألفة المزروعة. فالستائر من أكثر حراس الزمان سلطة في المكان. وخلفها لا يقع إلا الغرباء – حتى الأبناء يصبحون في عرف الستائر غرباء قبل أن تنفتح الأبواب لهم.. أما أمامها فلا يحدث إلا المعلن بين اثنين. لها من لغة الزمن حرزها للأحداث الجديدة هي أشبة بالمستودع الذي لا يشبع من طبيعة الخزن، ولها من لغة المكان إضفاء جمالا على جمال، حيث تجدد الحوار يسعدها بالممارسة الدائمة له. ولها من ثقافة الأشياء الصغيرة أنها تضفي على مألوفية الحياة تجديدا مستمرا لا تمل من حديث ولا ترفض النقائض، ولا تستمع لنداء آخر كل ما تستجيب له هو يد الأنثى وهي تقلب صفحاتها فتغسلها من المتراكم عليها لتعيد به تجديد بيتها – روحها- . فلها من طابع العلاقة المستديمة أنها لا تقطع وصلا، ولا تؤسس عداوة، ولا تبعث على السأم، ولا تفرخ الأحزان. إذا أردت لها الاستدامة طويتها بالبقاء، وإذا أردت لها النهاية طويتها بالإهمال. لا تنفع الستائر للناس إلا إذا كانت على علاقة بمشاعرهم ومواقفهم وهوية رؤيتهم للحياة. فهي أثواب لغة الأنثى المعلنة في البيت، التي ترتديها على جسد الأسرة كلها كي يقال عنها أنها وذات ذوق واختيار وعشق لا ينقطع للألوان.

4

للستائر مع الأشياء علاقات مختلفة فهي توضع في كل مكان لها معه علاقة المصاهرة. فالبيت بالنسبة لها ذكوري فهي أنثى لا تنسجم مع الآخر إلا متى ما أكملت بالآخر ما ينقصها.فالستائر الطويلة دالة على قدم البيت وعراقته التاريخية، فتكتسب منه هويتها الكنائسية والارستقراطية فتسبغ على نفسها هيئة الوقار والعراقة والأبهة ولها من الألوان الداكنة ما يستدل بها على قدم الزمان وقوة الحضور ومكانة الأسرة.فالدكنة ظلمة مضيئة في فضاء البيوت، لغتها بنية الأسرار وطبيعة خطوطها وتصميماتها لغة أخرى في المخزون غير المعلن من هويتها. اللون الداكن سري وخفي وغامض وثقيل يخشاه الرسامون كما تخشاه الأحياء الفرحة.- ليس في الأعياد أولانا داكنة، بل في التعازي والملمات والمصابات- وبالتالي يلجأ المصممون إلى اعتماد طبيعة الأقمشة المختلفة بين ستائر البيوت وأمكنة الوظائف. ولها تكوين العمارة البيتية طريقها في الجمع بين الوظيفتين: الجمالية والنفعية. ولم تقف حدود علاقتها بالحجم فتجدها تسبغ روحها على كل ممتلكات الشخصية مانحة لنفسها حرية أن تصبح جزء منها.. وعندما تتدلى من أمكنة مرتفعة توحي للمكان أنه كان مسرحا لأحداث مرت على زمن الأسرة وعلى مكانتها في التاريخ. كل قصور الخلفاء والوزراء القدامى المرتفعة السقوف دالة على ارتفاع المكانة، ونوافذها مغطاة بستائر مرتفعة عالية ومتدلية تحمل في طياتها أتربة الزمن القديم والماضي العراقة المؤثر في التاريخ. . والستائر القليلة الارتفاع تخضع للاقتصاد الحديث:اقتصاد المكانة واقتصاد السلعة، واقتصاد التغيير المستمر لتتجاوب مع إيقاع العصر السريع. وبذلك أسهمت الستائر المنخفضة بسقوفها المنخفضة في تقريب الفجوة بين الأغنياء والفقراء، بين علية القوم ووسطائهم. وهي كأي فاعلية حديثة حاولت أن تولد انطباعا بأن ما تستره في البيت الصغير مساويا لما تستره في البيوت الكبيرة والعريقة.